Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
7 juin 2020 7 07 /06 /juin /2020 18:34
الشعر الصوفي في العصر المرابطي إشكالاته وقضاياه

الشعر الصوفي في العصر المرابطي إشكالاته وقضاياه

د.عبد اللطيف حسو

للعشاق والمجانين عقولا متهيجة ومخيلات غريبة تمكنهم من رؤية ما لا يراه العقل الهادئ، فالمجنون والعاشق والشاعر لهم نفس الصنف من المخيلة. أحدهم يرى من الشياطين ما ليس في وسع الجحيم أن تحتويه ، وهذا هو الجنون .أما العاشق – وهو في مثل تهيجه –فقد يرى جمالا كجمال هيلين في وجه غجرية من مصر . وأما الشاعر فهو في نوبات جنونه ينقل بصره  من السماء إلى الأرض ، ومن الأرض إلى السماء ، فتصور له مخيلته أشكال أشياء غير معروفة أو مألوفة، ويستطيع بقلمه أن يجسدها وأن يخلق من لاشيء شيئا يسميه .. وللمخيلة القوية حيلها ،فهي إن توقعت سعادة خالت هذا الشخص  أو ذاك قد جاء إليها بالخبر السعيد. وان توقعت شرا كان من السهل عليها أن ترى في الليل في كل شجرة مفترسا.

 لقد اعتبر الشعربحق أقرب الفنون الأدبية وأشدها التصاقا بالوجدان الإنساني ، وأكثرها تأثيرا في النفس نظرا لما يحمله في ثناياه من صور شعرية رائعة وأخيلة وبؤر دلالية تشع من جسد القصيدة الشعرية  ، ومن جمالية لغوية تحلق بنا في رحب رحابة الطيبين وسامية سمو أخلاق الأخيار من البشر والأخضر من الشجر.

وليس كل من قال الشعر بشاعر وليس كل من قرأ الشعر بمتلق جيد وقارئ ممتاز ومتذوق له ( الشعر ) من الدرجة الرفيعة .ولكن للشاعر الحقيقي مواصفات ، ولذواقة الشعر نمذجات ، وبين هذا وذاك درجات ومسافات ...ونجد أنفسنا اليوم أمام موضوع من العيار الثقيل لارتباطه بتراثنا وتاريخنا الأدبي والشعري وشتان بين أن نقرأ تراتنا بأنفسنا وبين أن يقرأه الآخر نيابة عنا .وأنا احيي اللجنة المنظمة وكذا الرابطة على عزمها الغوص في أعماق تاريخنا وتراثنا لسبر أغواره والكشف عن ذرره وجواهره وهي لعمري مبادرة حميدة ومسؤولية جسيمة... والموضوع المزمع مناقشته ثقيل من ناحية أهدافه الإنسانية ودلالاته الرمزية ، وجماليته اللغوية والإبداعية وخفيف من ناحية وقعه على النفس ومداعباته للعواطف كطيف جميل يمر بنا فجأة أو كغفوة بعد تعب كبير...

الدولة المرابطية النشأة والتأسيس

لما حج يحيى بن ابراهيم الكدالي  وهو أحد زعماء صنهاجة ، مر في طريق بالقيروان ، فانه اجتمع بأبي عمران وتحدث إليه عن سوء الحالة الاجتماعية بالمغرب وما عليه القبائل من الجهل بأصول الدين وفروع الشريعة ، فبعث معه بكتاب إلى تلميذه واجاج بن زلو اللمطي وكان فقيها صالحا للدعوة والإرشاد ، .. ولحسن الحظ فقد وقع اختياره على تلميذ من الحذاق والأذكياء الفقهاء النبلاء أهل الدين والفضل والتقى والورع والأدب والسياسة والمشاركة في العلوم ، كما وصفه ابن أبي زرع ، هو عبد الله بن ياسين الجزولي ، فخرج مع يحيى بن ابراهيم حتى وصل إلى بلاد كدالة من قبائل صنهاجة، وهم ولمثونة إخوة يجتمعون في أب واحد. وكانوا يسكنون آخر بلاد الإسلام ، ويحاربون السودان ، ويليهم من جهة المغرب البحر المحيط. دخل عبد الله بن ياسين بلاد صنهاجة يقصد تعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين فوجد القوم على جهل مطبق لايفرقون بين حلال وحرام، ليس معهم من الإسلام إلا الشهادتان ويتزوجون أكثر من أربع نسوة، فجعل يقرئهم القرآن ويبين لهم شرائع الإسلام ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فثقلت وطأته عليهم ونفرت منه قلوبهم ، وحدث أن مات حاميه والاب عنه الزعيم يحيى بن ابراهيم فتوفرت الأسباب على منابذته والإعراض عنه ، فخرج مع من ثبت منهم على دعوته إلى رباط ناء في أقاصي الصحراء حيث أقاموا يعبدون الله ويطبقون تعاليم دينه ..وقيل أن يحيى بن ابراهيم كان ممن خرج معه إلى هذا الرباط بعد أن تنكر له قومه ونبذوا طاعته ولم يمت  إلا بعد ذلك .وأيا كان فإنهم ما لبثوا هنالك إلا قليلا حتى تسامع بهم الناس فكثر عليهم الوارد ونزع إليه التوابون ممن جفوه قبل . وبلغ عدد من اجتمع عليه من أشراف صنهاجة  نحو ألف رجل ، فسماهم هو أو سماهم الناس "المرابطين "

من أجل ملازمتهم لذلك الرباط.ولم يزل عبد الله بن ياسين مقيما برباطه على الحالة التي وصفناها حتى قويت جموعه وكثرت وفوده، فندبهم الى جهاد من خالفهم من قومهم وقال لهم : "يا معشر المرابطين إنكم جمع كثير ، وأنتم وجوه قبائلكم ، ورؤساء عشائركم ، وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم . وتأمروا بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده . فقالوا  له : أيها الشيخ المبارك ، مر بما  شئت تجدنا سامعين ، ولو أمرتنا بقتل آبائنا لفعلنا . فقال لهم: " اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم وجوفكم عقاب الله وأبلغوهم حجته، فان تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه فخلوا سبيلهم، وان أبوا من ذلك وتمادوا في غيهم وطغيانهم استعنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين."( 1 )

وقد كان هذا دستور الدولة المرابطية الذي سارت عليه منذ قيامها ، وقانونها الأساسي الذي لم تحد عنه قط.إنها قامت لإصلاح الفساد وتطوير المجتمع من عوامل الشر ونشر الفضائل الدينية وتطبيق الشريعة الإسلامية ، كما جاء بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم .وهي كما عملت وفق هذه المسطرة في قبائل المغرب التي  أفسدها الدعاةو الخوارج من أصحاب البدع والنزعات الضالة ، حتى أنقذ الله هذا القطر من الهاوية التي كان قد تردى فيها ، فإنها قد سارت على نفس المسطرة لما أصبحت مدعوة إلى القطر الأندلسي الذي أفسده تحلل ملوك الطوائف من كل الالتزامات الدينية والسياسية وانغماس أهله في الملاهي والملذات .

ولقد عمل المرابطون مع عبد الله بن ياسين على تثبيت دعائم الإسلام في بلاد صنهاجة أولا ثم في بقية البلاد كسجلماسة ودرعة وسوس، إذ كانت على ما كان عليه أهل صنهاجة من الجهل والزيغ والفساد.( 2)

(1)- عبد الله كنون ، النبوغ المغربي في الادب العربي، الطبعة الثانية ، الجزء الاول ص  58

 

(2)- عبد الله كنون ، النبوغ المغربي في الادب العربي، الطبعة الثانية ، الجزء الاول ص  59

"وكان الفقهاء المرابطون في نفس الوقت رجال الدولة ، يخططون سياستها ويتحملون مسؤولية حماية كيانها والإشراف على تنفيذ التعاليم وتوجيه الحكام . ولعله خير لأمة مهما كانت  - ولا سيما إذا كانت ناشئة في العلم والسياسة كما كان حال المغرب يومئذ – أن تتولى شؤونها طبقة من العلماء، ولتكن طبقة فقهاء المالكية.

والمرابطون ، باعتمادهم على الفقه ، كانوا يرفضون العفوية واللاعقلانية، وينظرون للحكم والدولة من خلال تصور علمي وتمثل واع تجليا عندهم في التعاليم الدينية .وابن تاشفين ، وهو رجل عمل وممارسة أكثر مما هو رجل معرفة وتأمل ، كان حكيما حين لم يعتبر نفسه حكيما قويا تغنيه حكمته وقوته عن أي قانون ، وحين أراد أن يعطي لحكمه الشرعية الشكلية الموضوعية، وحين احتكم في هذه الشرعية إلى الدين والفقه المالكي خاصة".

وعلى عكس ما زعم البعض من تضييق المرابطين على الفكر في الأندلس فقد بزغ نجم العديد من أعلام الفكر بتلك الأصقاع .

ففي العلوم الدينية  سطع نجم  أسماء بنت  أبي علي الصدفي وابن أيوب الفهري  وابن أبي الخصال، وفي علوم الكلام  ظهر اسم أبي بكر المرادي والذي استقدمه أبو بكر ابن عمر ، زعيم المرابطين قبل  ابن تاشفين وابن عمه ، ويمكن اعتبار المرادي أول من أدخل علوم الاعتقاد إلى المغرب ،كما ظهر أبو بكر ابن باجة ومالك بن وهيب وفي الطب اشتهر أبو العلاء بن زهرالذي تحدث عنه ابن أبي أصيبعة في طبقات الاطباء: " كان في دولة الملثمين ..وحظي في أيامهم ونال المنزلة الرفيعة والذكر الجميل ، وكان قد اشتغل بصناعة الطب .. وفي زمانه وصل كتاب القانون لابن سينا إلى المغرب . وكان من الطبيعي أن ينعكس  بشكل ايجابي هذا الإشعاع العلمي بالأندلس على المغاربة والذين كانوا أحوج ما يكون إلى مثل هذه النسائم العلمية ، كما لوحظ اهتمامهم اللافت بالحفظ والإسناد والرواية كما عرف التصوف التعبدي حركة ونشاطا لافتين .

" واشتهرت أسماء كثير من الفقهاء نذكر منهم عبد الملك المصمودي قاضي الجماعة بمراكش ، وعبد الله ابن سعيد الوجدي وكان قاضيا ببلنسية ، وعبد الله اللخمي قاضي الجماعة بمراكش وكان بارعا في الحديث والأصول ، وعبد المنعم بن علوش الطنجي الذي تولى القضاء في عدة مدن بالأندلس ، وإبراهيم البصري قاضي سبتة ، والعالم المناظر عبد الرحمن الكتامي  الاصيلي المعروف بابن العجوز ، وعبد الله الازدي القاضي المفتي الذي كان مشهورا بصلابته وعدم مصانعته ، وكان ابن يوسف يقدر فيه ذلك.

واشتهر من رجال التفسير والقراءات أبو بكر محمد بن المعافري السبتي المعروف بابن الجوزي وقد ألف تفسيرا لم يتمه ، وأبوعبد الله القيسي المكناسي ، وأحمد بن عبد الله بن الحطيئة اللخمي الفاسي  الذي كانت له رحلة إلى المشرق عرض عليه فيها قضاء  مصر فرفض.وبرز في الحديث بكار بن الغرديس الذي روى عن الهروي حافظ مكة ، وإبراهيم بن أحمد بن خلف السلمي المعروف بابن فرتون ، ومحمد بن عيسى التميمي الفاسي ،وإبراهيم اللواتي أحد شيوخ عياض في الحديث . ولمع  في التصوف اسم ابن حرزهم. "

ولقائل أن يقول إذا كان هذا شأن الفكر والعلم والفقه من الازدهار والرقي والإشعاع والحرية واليسر فلماذا تم حرق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ؟ ألا يمكن اعتبار ذلك قمة الاستبداد والقمع للفكر والعلماء ؟

الحقيقة  أن العمل مشين وسيظل وصمة عار على  جبين الدولة المرابطية ، لان الحدث جلل والطامة كبرى ، ومهما حاول البعض التهوين من فداحتها وتقديم مسوغات لها فلن يكون بمقدوره ذلك تحت أي ظرف أو مسوغ  .

وقد ارجع عباس الجراري خلفيات هذه الحادثة الأليمة المسيئة إلى حرية الفكر إلى أربعة نقط :

  1. قضية الإحراق في حد ذاتها دليل على أن الأمير  - والمقصود هنا علي بن يوسف -  كان يصغي للفقهاء ، ويخضع لما يفتونه به .
  2. الذين ثاروا على كتاب الإحياء أو " نبحوا ضده " على حد قول المستشرق جولد تسيهر هم بعض فقهاء الأندلس ، وعلى رأسهم أبو عبد الله ابن حمدين قاضي قرطبة ، ثم تبعهم بعض فقهاء المغاربة .

ونسبة القضية للأندلس لا تبرئ ساحة المرابطين من التهمة الملصقة بهم ما دامت العدوتان تكونان دولة واحدة . حقا إن الوحدة كانت تجمع الأندلس والمغرب ، ولكن لا ينبغي أن ننسى شيئا ، لعله أن يؤكد ما نقصد إليه حين ننسب القضية للأندلس ، وهو أن الوحدة بين البلدين كانت قائمة على الأخذ والعطاء ، وعلى التبادل المثمر لكل من الطرفين .فالمغرب لقوته يحمي الأندلس ويسير شؤون الحكم ، والأندلس لمكانتها العلمية تثقف المغرب وتؤدبه. وكلا الطرفين أفاد مما عند الاخرالشيء الكثير ، واذن فلعلماء الأندلس وفقهائها أن يحكموا على الإحياء ويفتوا بعدم صلاحيته وبضرورة إحراقه، وعلى أمراء الدولة وولاتها  - وقد اعترفوا للأندلس بهذا الحق – أن يطبقوا  الفتيا ، ويعملوا على تنفيذها بكل شدة وحزم .

3 – بعض الفقهاء المغاربة عارضوا في الإحراق وانتصروا للغزالي . وموقف أبي الفضل بن النحوي وفتياه المضادة أكبر شاهد على ذلك .وكان قد تبعه فيها علي بن حرزهم، ففي ( التشوف )أن هذا الأخير قال : " لما وصل إلى فاس كتاب علي بن يوسف بالتحريج على كتاب الإحياء وأن يحلف الناس بالإيمان المغلظة أن الإحياء ليس عندهم ، ذهبت إلى أبي الفضل أستفتيه في تلك الإيمان ، فأفتى بأنها لا تلزم "

4 – ورأيي أن إحراق  الإحياء  - وكان في أواخر عهد المرابطين  - يعتبر مظهرا من مظاهر عجز فقهاء الدولة المسؤولين ،أو بداية العجز عن توجيه الرأي العام . وهو عجز قد يكون ناتجا عن عدم قدرة هؤلاء الفقهاء على تطوير المذهب باعتباره إيديولوجية حتى تنسجم مع ظروف الدولة الكبيرة التي أصبحت تحت نفوذ المرابطين . ويبدو أنهم في هذه المرحلة كونوا بيروقراطية كهنوتية خصت

نفسها وبعض الولاة الموالين لها بجميع امتيازات الاستثمار والسيطرة ، وكان ذلك سببا من أسباب انهيار هذه الدولة.( 1 )

هذا عن الجانب الفكري ، أما الجانب الأدبي فقد عرف نقدا لاذعا للمرابطين من قبل المستشرق دوزي إذ اتهم السلاطين المرابطين  بأنهم لم يولوا اهتماما لائقا للفنون والفنون والشعر، بل على العكس من ذلك كانوا يعملون على تدمير الروح الشعرية الأندلسية.

لكن الواقع غير هذا اجتمع في هذا العهد لابن تاشفين رهط كثير من الفرسان والكتاب مالم يجتمع في عهد قبله نذكر من بين هؤلاء : عبد المجيد ابن عبدون ومحمد بن عبد الغفور وعبد الرحمان بن اسباط. وقد سار علي بن يوسف في نفس الاتجاه ونحا نفس المنحى ومن كتابه نذكر محمد المعروف بابن القبطرنة ومحمد بن أبي الخصال وأبو القاسم ابن الجد المشهور بابن الاحدب.

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه ، حيث لم يقتصر الاهتمام بالأدب والشعر على الرجال في هذا العصر بل تعداه إلى النساء حيث كانت عنايتهن بالشعر بصفة خاصة لافتة إذ كن يحفظنه وينشدنه ويعشقنه بدرجة كبيرة ، ويروى أنهن كن يقمن مجالس للأدب ، ومن اللواتي برزن وباقتدار في هذا الإطار زينب بنت إبراهيم بن تافلويت وأختها حواء بالإضافة إلى تميمة بنت يوسف بن تاشفين. هذه العناية بالعر تبرز أيضا من خلال شعراء لمع نجمهم آنذاك ك ابن غازي وابن زنباع وابن حبوس وابن القابلة من أقطاب التصوف في تلك الفترة تبرز أسماء ابن برجان وابن العريف وابن قسي وابن حرزهم وكان الامير علي بن يوسف متسامحا وكريما مع المتصوفة ، خصوصا مع من انقطع للعبادة والزهد ، لكنه كان متعقبا لمن يمارسون وابن الزيتوني والقاضي عياض. دون أن نغفل ظهور فن التوشيح على يد شعراء مرموقين كابن بقي والتطيلي . ( 2)

أما قضية يوسف مع المعتمد فهي كما ذهب إلى ذلك الجراري سياسية  أكثر من أي شيء آخر :"ومع ذلك فقد كانت معاملة ابن تاشفين – الصحراوي الخشن  - أرحم من معاملة المعتمد الشاعر الرقيق

(1)- عباس الجراري، الادب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، الجزء الاول، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع،الرباط، ص95- 96

(2) المرجع نفسه ص 98

 لوزيره ابن عمار الشاعر الرقيق حيث قتله بيده وهو مكبل بالقيود يجرها ، ويبكي ويستعطفه شعرا .(1)

 سينصب تدخلي عبر هذه الورقة البسيطة حول الشعر الصوفي في العصر المرابطي ، نظرا للنقاش المحتدم الذي دار حول هذا الموضوع والذي ذهب إلى القول إن الشعر المرابطي شعر ديني بامتياز. فإلى أي حد يصدق هذا الرأي ؟ وما درجة حضور التصوف في الشعر المرابطي ؟

أمام الاهتمام المتزايد من لدن الباحثين والمهتمين على التصوف، وأمام التساؤلات الكثيرة والمتعددة التي تسائل هذا الخطاب، وأمام انفتاح مجموعة من الأجناس الأدبية على التصوف، وجدنا أنفسنا مدفوعين إلى المساهمة ولو بالنزر القليل في إغناء البحث والنقاش في هذا المجال الذي لازال في حاجة ماسة وملحة

إلى المزيد من الدراسة والبحث والتنقيب، قصد محاولة إضاءة  الجوانب الغامضة منه. ولعل الرواية

العربية والمغربية منها على وجه الخصوص والتي نوليها أهمية خاصة، انفتحت هي الأخرى على التصوف واستلهمت منه مجموعة من الأعلام والصور. هذا التصوف الذي هو ارتباط صادق بالخالق، واتصال روحاني من العبد الناسك برب الأرباب وفالق الحب والنوى المطلع على الأفئدة، مصداقا لقوله تعالى في سورة الذاريات:" وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون" الآية.

إن التصوف تأمل دائم من الناسك في ذاته:" وفي أنفسكم أفلا تبصرون" الآية. وتأمل في الكون :" الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب " الآية.

تلكم كانت نظرة جد مقتضبة عن التصوف،  الذي ينظر إليه إلى حدود الساعة بنوع من اللبس والشك والريبة في كثير من الأحيان،  و بتحفظ كبير في مناسبات عدة، ونتغيا من وراء هذه إلقاء مزيد من النور على هذا الجانب المعرفي المرتبط بالتصوف كنمط فكري ومعرفي وكمذهب ديني ينماز عن غيره من ضروب الفكر والمعرفة بمجموعة من الخصوصيات، والتي تجعل منه نمطا فكريا وثقافيا جديرا بالاهتمام والدراسة، ولعمري ذاك ما ألهب حماسنا وشحذ همتنا كي نخوض في هذا الموضوع الشائك، المسجور

(1)- عباس الجراري، الادب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، الجزء الاول، مكتبة المعارفللنشر والتوزيع،الرباط، ص10

بالمغامرة والمناورة، راغبين تلمسه والكشف عنه والإعلان عن تواجده في الإبداع السردي المغربي الذي استلهمه بسبل شتى عبر نماذج أبهى.

لقد استمتعنا كثيرا أثناء خوضنا لهذه التجربة بالشطحات الصوفية، وغصنا في أعماق السالكين وتعرفنا على دلالات اصطلاحاتهم التي تتطلب من الدارس مجهودا جبارا وصبرا كبيرا كي يستطيع ويتمكن من النفاذ والوصول إلى مقاصدها والتأمل العميق في مكنوناتها ومكامنها، كما أتيحت لنا الفرصة لمقاسمة الشعراء الذين وقع عليهم اختيارنا، كبواتهم وانتصاراتهم وقد افدنا من ذلك الشيء الكثير. آملين أن يعيش القارئ نفس التجربة ويفيد ويستمتع كما استمتعنا.

 

< إن الصوفي من صفا من الكدر

وامتلأ من التفكير، وانقطع إلى الله عن

 البشر، واستوى عنده الذهب والمدر>!!

                   سهيل بن عبد الله

1- ما الصوفية ؟

يظهر السلوك الصوفي لدى المتأخرين أكثر تنظيما ونضجا من الأوائل، حيث اغتنت التجربة سلوكيا، ونظريا، ووجدانيا. وأصبحنا أمام تراث ضخم في المشرق والمغرب الإسلاميين، استوعب التجارب السابقة، وأطرها ضمن منظور أكثر شمولية، وأغناها بقراءات عديدة للتراث المسيحي واليوناني والفارسي والهندي. فأصبحنا أمام صورة أكثر توسعا وشمولية من الصورة الأخلاقية الضيقة التي ترسمها لنا الكتابات المؤيدة أو المعارضة.

يقول الغزالي : " إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وراء نور النبوة على وجه الأرض يستضاء به. وماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها وأول شروطها تطهير القلب عما سوى الله تعالى، ومفتاحها استغراق القلب بالكلية في ذكر الله وآخر الفناء بالكلية في كله.

وأول هذه الطريقة المكاشفات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد يضيق عنها نطاق النطق " [1].

ويعطي الجنيد – وهو أحد أقطاب الصوفية - عدة تعريفات للتصوف، فعندما سأله أحدهم عن ماهية التصوف قال له : " التصوف أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة (...) وعن المتصوفة يقول : إنهم أهل بيت واحد لا يدخل فيه غيرهم ويعتبر الصوفي " كالأرض يطرح كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح " وعن التصوف أيضا يقول : "التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد استماع، وعمل مع أتباع ".

أما أبوبكر الشبلي فيرى في التصوف " أنه الجلوس مع الله بلا هم... وأن الصوفي هو الذي ينقطع عن الخلق فيتصل بالحق... وأن الصوفية هم أطفال في حجر الحق".

ويفرق الحسين بن منصور الحلاج بين الصوفي والمتصوف عندما يرى أن : " من أشار إليه فهو متصوف، ومن أشار عنه فهو صوفي، فالأول يفرق بين الرب والعبد، والثاني قد اتحد بالذات الإلهية حتى صار يتكلم عنها وباسمها " [2].

ويحدد سهل التستري أصول الصوفية قائلا : " أصول طريقتها سبعة : التمسك بالكتاب، والإقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وتجنب المعاصي، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق " [3].

وبذلك تركز الصوفية في مجملها على حب الآخرة والعمل من أجلها، والإعراض عن الترف والرفاهية والجري وراء متع الدنيا وشهواتها، والتخلق بالأخلاق الفاضلة التي يدعو إليها الإسلام من تواضع، وتمسك بالكتاب والسنة، والتمسك بالحلال، والابتعاد عن الحرام، ومجاهدة النفس.

وقد رد مصطلح تصوف أو الصوفية إلى أنها : " تعود إلى أصل إسلامي، أي إلى » الصفة« وهي زاوية أقامها رسول الله (ص) خارج مسجد الصفاء بالمدينة، ذات حيطان ثلاثة، فكان بعض الفقراء المسلمين – وخاصة من أولئك المهاجرين الذين لم تؤمن لهم بيوت في المدينة – يأوون إليها اتقاء للحر والبرد، وهؤلاء هم الذين نزلت فيهم الآية الكريمة : " للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا، وما تنفقون من خير فإن الله به عليم " الآية. [4]

ومن أهل الصفة المستضعفين الذين عذبتهم قريش وآذتهم يذكر بلال، وعمار بن ياسر، وصهيب، وعبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وعكاشة بن محسن الاسدي، والعرباض بن سارية... ومنهم أيضا سلمان الفارسي، وجندب بن جنادة (أبو ذر الغفاري)، وخباب بن الإرث، وأبو لبابة الأنصاري (بشر بن عبد المقدر) وغيرهم... " [5].

وقيل : " سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله، لإقبالهم وارتفاع همهم وتعلق قلوبهم بحب الله. وقيل كان هذا الاسم »صفوي« فاستثـقل وجعل »صوفيا« وقيل سموا صوفية نسبة إلى »الصفة« ولو أن هذا الاسم لا يقبل الاشتقاق اللغوي فهو صحيح من حيث المعنى، والصفة، كانوا نحو أربعمائة عابد لم تكن لهم مساكن ولا زرع ولا ضرع،هم عشائر جمعوا أنفسهم في المسجد، يحتطبون ويرضخون النوى بالنهار، ويشتغلون ليلا بعبادة الله وتلاوة القرآن، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم  يواسيهم ويوصي بمواساتهم ويجلس إليهم ويأكل معهم، وفيهم نزل قوله عز وجل " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه  " [6].

وقال الحسن البصري : " لقد أدركت سبعين بدريا لباسهم الصوف " وصفهم أبو هريرة قائلا: "كانوا يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين " وكان اختيارهم للبس الصوف وقناعتهم بسد الجوعة وستر العورة واستغراقهم في أمر الآخرة، وهذا الاختيار يناسب من حيث الاشتقاق كلمة تصوف، لأن لبس الصوف كان الغالب على المتقدمين من سلفهم، وهي عنوان زهدهم فيما تدعو إليه النفس من الهوى الملبوس الناعم، وما لبس الصوف إلا حكم من أمرهم، أما نسبتهم إلى أمر آخر من حال أو مقام فأمر باطن، والحكم بالظاهر أولى. " [7]

ولما كان التصوف قد مر بمراحل كثيرة، في اللحظة التي كان سلوك بعض المسلمين هو الانقطاع للعبادة والزهد بدون أية تأثيرات مجوسية، أو يهودية، أو مسيحية كان ممكنا اعتبار التصوف وقف العمل لوجه الله لا غير، أما بعد التحول الذي طرأ على هذا السلوك فقد اختلف تماما إذ أصبح عبارة عن طقوس وحركات لا علاقة لها بحب الله، وهذا ما دفع بالواسطي إلى القول بأنه كان لهؤلاء القوم إشارات ثم تطورت إلى حركات لكي تنتهي بحسرات.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومعه جماعة كبيرة من العلماء، أن الصوفية منسوبون إلى الصوف "، روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيا حجاجا عليهم ثياب الصوف ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون  نبيا  " [8].

وعند السيوطي أن أول من سمي بالصوفي وتكلم في علم القلوب " أبو الهاشم الصوفي". ونسب بعض المؤرخين ذلك إلى أهل الصفة، وقالوا بأن التصوف اشتق من تلك الكنية أما الثقاة من المؤرخين الصوفيين، فلم يعللوا تلك التسمية ولم يتكلفوا لها بقدر ما تكلف غيرهم، بل ردوها إلى الحقيقة الواضحة في بساطة " [9] .

وهناك من التعاريف ما يقول أن أصل الاشتقاق  مأخوذ من (صوفة القفا) وهي الشعيرات النابتة في مؤخرة الرأس، فأخذوا منها " تصوف" ونسبوا إليها صوفي كأن الصوفي انصرف عن الخلق إلى الحق [10].

ويعتبر العلامة ابن خلدون رائد علم الاجتماع أن التصوف الإسلامي علم من العلوم الشرعية الحادثة في الإسلام.

فالتصوف في رأيه أصله العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه العامة من الناس من اللذات وطلب المال والجاه.

ولقد كان الصحابة كما أورد بن خلدون ينفردون عن الخلق في الخلوة للعبادة، ويقول أن ذلك كان عاما في الصحابة والسلف الصالح.

ويبين لنا بن خلدون في مقدمته أن السبب في شيوع اسم الصوفية راجع إلى أنه قد فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني، وبعد كثير من الناس عن العبادة، وجنحوا إلى مخالطة أهل الدنيا.

لذلك اختص المقبلون على الله العكوف على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة، وكأن ابن خلدون يرد على مزاعم المستشرقين والمستغربين عندما يتقولون على الصوفية، ويدعون أن هذا التصوف لا أصل له من الشريعة، فيقول في ذلك: " وسار علم الشريعة على صنفين:

صنف اختص به الفقهاء وأهل الفتيا وهو الأحكام العامة في العبادات والمعاملات.

صنف اختص به الصوفية، وهو في القيام بالمجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام وفي الأذواق والمواجد وكيفية الترقي في ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك " [11].

أما القشيري مؤرخ الصوفية الكبير، فيقول  في رسالته " إن المسلمين في حياة الرسول وبعده كانوا يتشرفون باسم صحابي، ثم سمي من بعدهم بالتابعين، ثم قيل أتباع التابعين، ثم ظهرت البدع وتعددت النحل، فانفرد خواص أهل السنة والمراعون أنفاسهم مع الله الحافظون قلوبهم باسم المتصوف في عصر الإمام أحمد بن حنبل قبل المائتين من الهجرة.

هذا وقد لاحظ المستشرق (نيكلسوف) في كتابه (في التصوف الإسلامي) أن هناك تعريفات كثيرة للتصوف، وخاصة في مرحلة القرنين الثالث والرابع الهجريين، أي بعد أن بدأت ظاهرة التصوف في الانتشار، وأن كل انتساب فيما لاحظ (نيكلسوف) إلى (الصوف) يقابله اثناعشر تعريفا تعتمد على الصفاء الذي حاول الصوفية أن ينتسبوا إليه.

وصاحب (اللمع) يريد هو الآخر أن يسير على نفس الخط فيقول: " إن العبد إذا صفا من كدر البشرية يقال له: صوفي فهو صوفي ".

ويرى الدكتور الشيبي الذي يرد أصل التصوف إلى الشيعة وإلى علي بن أبي طالب عليه السلام بالذات. فيقول : " إن ابن خلدون قال إن الصوفية قد تأثروا بالشيعة، وتوغلوا في الديانة بمذهبهم حتى جعلوا مستند طريقتهم في لبس الخرقة: أن عليا ألبسها الحسن البصري وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة". ولكن إذا توقفنا عند هذا الرأي قليلا، نجده يحمل مغالطات كثيرة أهمها:

أولا: أن الحسن البصري عاش حوالي ثمانين سنة وتوفي سنة 110 هجرية، بينما كانت وفاة علي (ع) سنة 40 هجرية، بمعنى أنه كان للحسن البصري من العمر حين وفاة علي (ع) عشر سنوات، وهي سن مبكرة لا تسمح للبصري بتلقي الطريقة وفهمها، سيما وأن طريقة التصوف لم تكن معروفة أبدا في ذلك الزمن.

ثانيا: لماذا يختار علي (ع) ولدا من بين سائر الناس حتى يلبسه الخرقة، ويلقنه الطريقة، أفما كان أبناؤه وشيعته أولى بذلك لو كان صحيحا ؟ والحسن البصري ليس من شيعته كما هو الواقع.

ثالثا: إن عليا (ع) انتقل من المدينة إلى الكوفة في السنة التي بويع فيها بالخلافة، وبعد معركة البصري، ولم يكن البصري يسكن البصرة حتى نقول – جزافا- بأن عليا (ع) التقاه.

- إن عليا (ع) كان من أشد الناس تعلقا بالنبي (ص) وأقربهم إليه، وأحفظهم لسيرته وهداه، فإن نسبنا إليه أصل التصوف فكأنما ننسبه إلى رسول الله (ص)، وهذا منتهى الشطط في التفكير، والتجني  في الافتراء.

فالنسبة إذن بدعة ليس إلا، وقد دحضها كثيرون من أهل العلم والإنصاف، ومن هؤلاء محمد بن السيد درويش البيروني الذي نقل دحضه عن كل من دحية وبن الصلاح، اللذين اعتبرا مثل تلك الرواية حديثا باطلا، وأضاف ابن حجر " إن ذلك الحديث غير ثابت، ولم يرد عن علي (ع) أنه ألبس البصري الخرقة على الطريقة الصوفية لا في خبر صحيح ولا في ضعيف " [12].

ويعقد جورجي زيدان صلة بين الكلمة العربية (تصوف) والكلمة اليونانية (سوفيا)، فيرى بأن " التصوف " مشتقة من لفظة يونانية الأصل هي (سوفيا)، ومعناها الحكمة، فيكون الصوفية عند جرجي زيدان قد لقبوا بذلك الإسم الذي عرفوا به نسبة إلى (الحكمة)، لكن المستشرق (نولدكه) استبعد هذه الصلة لأسباب لغوية يونانية وهي : " أن (سيجما) اليوناني حرف يمثل في العصور المتأخرة، بحرف السين العربي في جميع ما عرب من كلمات يونانية لا بحرف الصاد " [13].

ويبدو أن الرهبنة المسيحية التي كان فيها الرهبان يلبسون الصوف في أديرتهم منقطعين لهذه الممارسة على امتداد الأرض التي حررها الإسلام بالتوحيد قد أثر هو الآخر على سلوك الأوائل من رواد حركة الزهد والانقطاع له كما أثر في سلوك العناصر التي رغبت في التقشف والانكماش في هذا النهج المتخفف من جهاد الحياة والكد فيها.

ويقول  أنس بن مالك : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد، ويركب الحمار، ويلبس الصوف، فمن هذا الوجه ذهب قوم إلى أنهم سموا صوفية نسبة إلى ظاهر اللبسة، لأنهم اختاروا لبس الصوف لكونه كان لباسا للأنبياء عليهم السلام " [14].

وقد أسس الحسن البصري مدرسته الكبرى بالبصرة " لنشر هذا النور، ومحاربة أصحاب الألسن المندسين بين صفوف المسلمين، وبفضله استقرت زعامة التصوف بالبصرة إلى أن قامت مدرسة ثانية بالعراق بزعامة الصوفي العابد سعيد بن المسيب، وثالثة بزعامة الصوفي العابد إبراهيم بن أدهم، وهكذا أصبحت فكرة التصوف واضحة.

والواقع أن التصوف لم يبدأ في الظهور إلا عندما أخذ الانقسام طريقه إلى المجتمع الإسلامي، سواء عن طريق اختلاف الفرق السياسية – الدينية وتناحرها، أو عن طريق احتلال السياسي – العرقي – القبلي مكانة الصدارة، وعودة منطق الغلبة منذ بني أمية ومرورا ببني عباس إلى الحسم في شؤون الدنيوي على حساب الديني. قد أشار مؤرخو التصوف إلى طغيان الجانب المادي على المجتمع الإسلامي، مما أدى إلى رد فعل من طرف هذه الفئة التي ستسمى بالمتصوفة، نزع بهم إلى العودة إلى الزهد المفرط والتخلي عن متاع الدنيا.

إلا أن الحديث عن العودة إلى الزهد والتصوف يتطلب وجود نموذج سابق تتم محاكاته من طرف الصوفية، وهذا النموذج لا يمكن بحال من الأحوال - وهو الرأي المتداول، كما هو معروف عند مؤرخي التصوف - أن يوجد في سلوك الرسول (ص)، أي في النموذج المؤسس للمجتمع الإسلامي، بدليل أن كل ما يمكن أن يوجد لديه، ولدى صحابته، هو نوع من الزهد الذي يحافظ على العلاقة بين الدين والدنيا في ممارسة وسط ليست تخليا عن الدنيا كما أنها ليست تكالبا عليها. بعبارة أخرى إن ما وقع في التصوف هو ما وقع في علوم وممارسات أخرى داخل المجتمع الإسلامي، فالسياسة مثلا، برغم تكفير الفرق لبعضها البعض في أغلب الأحيان، لم تنفصل عن الدين ولم تعلن عن تخليها عنه أو استمداد شرعيتها خارجه. وكذلك بالنسبة إلى الفلسفة، فالفلاسفة لم يكفوا عن محاولة التوفيق بين بنيتين هما : بنية يونانية  وأخرى إسلامية.

إ
 

 

Partager cet article

Repost0

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : دفاتر الاختلاف الإلكترونية مجلة مغربية ثقافية محكمة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث