Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
1 janvier 2012 7 01 /01 /janvier /2012 19:56

 

Photo1278.jpgالمسالك الممكنة لاكتشاف الذات

في ديوان "مقامات الوله" للشاعر عبد الله الطني

ذ.صالح لعوان

 

 

 

 

 

 

تقديم:

أنا سعيد جدا لإتاحتكم هذه الفرصة لي لأقدم أمامكم هذه "المشاهدة" في ديوان "مقامات الوله" للشاعر و الفيلسوف عبد الله الطني. و اسمحوا لي أن أقول إن القراءة، فيما يبدو لي، ليست حرفـــــة، و إنما هي فن اقتناص المصادفات السعيدة مع أثر ما كان شعرا أم نثرا أم لونا أم نغما. و في حالة الشعر عزمت أن أستضيف القصيدة و أن أجلس أمامها وجها لوجه، أرنو لعينيها و ملامحها و ألوانهـــــــــــــا و إيماءاتها. لقد حاولت أن أنفذ من كل هذه الإشارات إلى دواخلها و الظفر بها، و بما تصرح به و ما تخفيه. إن القراءة مشاهدة للمعنى في أحلى حالات صفائه. و من ثمة فهي سعي نحو امتلاك الحقيقة من خلال الدخول مع القصيدة في رحلة محبة و تعارف و اكتشاف. هي رحلة لاكتشاف اللحظة التي يتجلى فيها الشعر بين أيدينا و نحن نقبض على القصيدة و ننعم بغواية أنوار الشعر. و يمكنني أن أقترح عليكم ثلاث محطات لتقديم هذا الديوان هي كالآتي:

1-     في مرتبة الديوان:

يتضمن الديوان ست مجموعات شعرية هي:1 - من أناشيد آدم أو تاسوعة الوله. 2 - فصوص عذرية من ديوان حي بن يقظان. 3 - مدارات بلورية. 4 - أبواب الروح. 5 - هلاميات مسافر. 6 - مقامات الوله. و هذا العنوان الأخير يشكل عنوانا للديوان و للبعض منه. عنوان للجزء و للكل.  و كل مجموعة تضم قصائد قصيرة في المجمل. و يمتد على طول 122 صفحة، و هو مهدى لمعلمي الوله الخمسة: جمال الدين العلوي، طه عبد الرحمان، محمد بنعمارة، فريد الأنصاري، مصطفى الرقا. و هو أول ديوان يصدره الشاعر عبد الله الطني. ديوان يمتد على زمن طويل من أول قصيدة في شتاء 1985 إلى ربيع 2008 أي على مدار 23 سنة. و المفارقة هي أنه رغم كونه الإصدار الأول للشاعر لكن طبيعة الكتابة  فيه تشبه كتابات أواخر العمر كما هو معروف. و هي كتابات تجمع بين الحكمة و الجنون، و بين الخفــــاء و التجلي، فيها نذير بنهاية الكتابة و أن كل شيء قد قيل و أن الكلام قد ختم. و في هذه المرحلة أيضا تتحقق صورة الذات و تبلغ النفس كمالاتها بالفعل. و من بوادر الشيخوخة أن الذات تود أن تقول كل أو بعض أسرارها، في حال من البوح و المساءلة و إعادة بناء الوعي بالذات و العالم. كما أنه كلما تقدم بنا العمر ازداد لدينا الإحساس بمعنى البداية، و عليه يبدأ الاقتيات من الذاكرة و يزداد الإحساس بالزمن ما تقدم منه و ما تأخر. لحظة شبيهة بالوقوف أمام المرآة، نكون فيها أما أنفسنا وجها لوجه بحيث يفتح باب المناجاة و المساءلة يتجاذبهما سؤال الرضا من عدمه. لحظة هي نوع من معاينة الذات و حالها. و هي لحظة وجودية و إنسانية يعيشها الناس بثقلها و متاهاتها بأفراحها و آلامها. فما على الشاعر حينئذ إلا أن يتدرج في الصعود عبر مقامات الذات و حالاتها حتى يرى ذاته في أحلى حالات صفائها تجليا و انكشافا،  في مرآة أم على صفحة ماء أم في طينة أم في قصيدة. و بسبب هذه الرحلة الشاقة نحو اكتشاف و استعادة البدايات الأولى للذات و الأشياء لم يقبض الشاعر إلا على الحيرة  و القلق و الشوق و الحزن.  و من هنا جاء، في بدا لي، عنوان الديوان: "مقامات الوله". و سيتضح هذا المقصد أكثر حينما نباشر للتو تحديد دلالاته.

2-     في معنى "مقامات الوله":

المقامات من قام و أقام. مفرد، مقام و مقام، أو مقامة و مقامة. و المقام يعني موقع القدمين، و المنزلة و الإقامة و موضعها و زمانها. و المقامة تعني السيادة و المجلس و الجماعة من الناس و الخطبــــــة أو العظة أو الرواية التي تلقى في مجتمع الناس و منها "مقامات الحريري". و المقام هو مخرج الكسر و هو عدد يدل على عدد الأجزاء المتساوية التي قسمت بها الوحدة. و من فعل قام تشتق أيضا القيــامة و هي الانبعاث من الموت. و أقام الشيء أدامه و بالمكان دام فيه و اتخذه وطنا. و أقام الحق أظهــــره. و أقام للصلاة نادى لها و في معنى آخر أتمها.

و الوله: من وله يله ولها: و يعني حزن حزنا شديدا حتى كاد يذهب عقله. و تحير من شدة الوجـــــــد. و يعني أيضا الفزع و الحنين و الخوف. و ليس غريبا أن يتجاور معنى الوله مع معنى التأله. فأله ( بفتح اللام) و تأله: صار إلها، و تكلف الألوهية و تعبد و تنسك، و أله: (بكسر اللام) ألها: تحير، و يقال "ألهت عليه" أي اشتد جزعي عليه.

فإذن، مقامات الوله، أو مقامات التأله شيء واحد، و تدل على دعوة للإقامة في موطن الحيرة و الحزن و الشوق و الوجد و الفزع و الخوف و الرغبة في الانبعاث من جديد و قول الحق، أو هي الرواية التي تحكي كل هذه الحالات و الوضعيات الوجودية. و قد تدل المقامات في عرف أهل الصفاء على التردد على أبواب الروح و التدرج في منازل و مراقي الإيقاع و التحير و الجذبة و المجاهدة بغية نيل المرام الصعب و المتمثل في العودة إلى الفطرة الأولى و العيش ملء حالة من النقاء مثل نقاء الخلاء و العراء. و هي حالة الإفلات من الحدود و القيود. (فص الدخول، ص 26، باب الاخضرار، ص 66 و 77)

و بناء على ما سبق أتساءل: ماذا يعني أن يعلن الشاعر عن وعي أنه يسكن مقامات الحيرة و الحــزن و الشوق؟ فإلى جانب الطابع المجرد و الصوفي الذي يميز الجملة الشعرية القصيرة في هذا الديوان، يمكنني أن أختبر الفرضية التي تدعي أن الشاعر يود أن يخلي مسؤوليته عن كل ما سيصدر عنه من شطحات (ها كم شذرات من سحري،ص 10، ها كم شطحات من سكري، ص 11). و أنه قرر الدخول، عن وعي، في باب من رفع عنهم القلم من الأطفال و الدراويش و المجانين. يهيم حاملا مشكاة الوحــــــــــدة و الشعر (ص 7). و حينها سيكون من الجائز له أن يقول ما لا يقال عادة. و هنا تصبح الخطيئة مشروعة، و كل شيء مباح. لكن كان عليه أن يتذكر أنه سيكون مدانا مرتين و بخطيئة مضاعفة: اقتراف الممنوع و التصريح جهرا باقترافه. فمن يا ترى يغفر للشعراء زلاتهم إن هم زلوا ذات مرة؟

3-     المقامات و التولهات و مسالك اكتشاف الذات:

يمكننا تقفي آثار الجواب على السؤال حول مسالك تجلي الذات لذاتها و بذاتها على طول قصائد هذا الديوان و بالوقوف أمام أبوابه و عتباته و مقاماته و تولهاته. فالقصيدة فيه إما توله و تحير و عشــق أو باب يطل على باب من أبواب الروح و على متاهاتها و أسرارها أو عتبات للسعي و الطلب، أو منازل و مراقب لرصد حركة النفس و أفلاكها، أو مراكب للإبحار في أنهار و بحار لا تنتهي، أو في كؤوس نرشف فيها هيولى ماء يروي و لا يروي. و في كل هذا يتصرف الشاعر و كأني به يقف في حيرة من أمره لا يسعه إلا الوقوف على عتبات يصعب عليه الإفصاح عنها، و كأنه يلمح، فقط و يترك للقارئ فرصة كي يطل ليرى ما يريد. و في أعلى المقامات نقف مع الشاعر، على لحظة البدء و الخلـــــــــــــق و التكوين حيث كل شيء لا يزال في مرحلته الهلامية، دخانا، كل شيء لم يتحقق بعد، و لم يحدد إلى ما سيؤول إليه في الوجود مادة و شكلا. لحظة الوحدة التي صدرت عنها الكثرة، العقل و الجسد، الذكــــــر و الأنثى، المعرفة و الجهل، إنها لحظة المرور من العدم إلى الوجود. و بعدها من الوجود إلى الفنــــاء، و من الفناء إلى البعث. إنه هوس الأبد و الأزل، الأول و الآخر، هوس يصيبنا جميعا بطريقة غريزيـــة. و المفارقة أنه لا سبيل إلى معرفته و لا سبيل إلى الشفاء منه. هوس مزمن. هوس يشكل في الحقيقة أصل كثير من عذابات النفس. فمن منا لا يحلم لو كان حاضرا في بداية التكوين ليختار ذاته و صفاتـــه و أخطاءه كما يشاء هو. فمن منا لا يحلم أن يكون الأول في كل شيء. و من منا لا يتذكر كيف كان قلبه يرف و قدماه ترتعدان حتى يكاد يفقد توازنه حينما يهمس له: أنت الأول، أو أنت الحبيب الأول. إن التعبير هنا لا يأتي إلا على شكل نوبات جنون أو بهجة حارقة تسري حرارتها عبر مسالك الجسد كله. لكن التعبير هنا لم يكن دائما يسيرا و متاحا سواء على الشاعر نفسه أو على محاوريه داخل القصيدة.

و هذا الذي أسميته، عند الشاعر عبد الله الطني، هوس الأول أو غريزة الهوس بالبداية موضوع يخترق قصائد الديوان كاملة:  بداية الكون، بداية الزمن، بداية اكتشاف الرغبة و الجسد و الأنثى، اكتشاف الوعي بالذات، و اكتشاف القصيدة.  يتعلق الأمر ليس فقط بورود كلمة الأول بشكل يملأ مساحة العين في القصيدة. أو في ترتيب أنواع الوله و مقاماته،( قراءة قصيدة نشيد الكهف و الأنثى ص 4).  و لكنه يتجلى بصورة أساسية في استعارتين هما: استعارة آدم و استعارة حي بن يقظان. و يمكن إلقاء الضوء على هاتين الاستعارتين كالآتي:

أ‌-        معنى آدم:

يمكننا القول إن استعارة آدم تدل على الشوق الذي يراودنا في النزول أو الصعود إلى عالم البـــــــــداية و اكتشاف الرغبة. و في هذا السياق قدم الشاعر صورة جديدة لآدم. فآدم لم يعد كما نعرفه الأب الأول لسلالة البشر و لا أول الأنبياء، و لا أول الخطائين. و لكنه كان أيضا أول الشعراء، أب الشعراء. فالبشر و الشعر خرجوا دفعة واحدة و من أب واحد و ربما أن الشعر مثل الأنثى خرجا من ضلع واحدة. (ديباجة الوله ص 5).

و حينما نحدق في أعين القصيدة نجد أنها تقول كلاما طويلا و تطرح أسئلة صعبة. فلماذا كان الشاعر مضطرا لنسج هذه الحيلة، أو الاستعارة؟ أي لماذا أرجع أصل الشعر إلى آدم؟ هل هو سؤال البحث عن مشروعية لقول الشعر؟ إن كان هذا هو القصد، حينئذ يتحول السؤال إلى حيلة للتشويش على القارئ لأن قول الشعر مشروع في الأصل. فماذا تبقى لنا أن نفهم إذن؟ لقد بقي أن نفهم أن الأمر لا يتعلق بمشروعية قول الشعر و إنما يتعلق الأمر بمشروعية ما نود قوله في الشعر و في القصيدة. إنه الممنوع، رغبة أم عشق، أم لحظة ما ضاعت و لا سبيل لاستردادها. (هلامية البعث ص 85). فمن منا لم يأخذه الحزن عن طرق كثيرة أضاعها أم أضاعته. أو أحس أنه أتى في زمن غير زمانه، و أخطأ وجوده مع مواعيد فرح محققة. من منا لم يقترف ذنبا أو راود ممنوعا، أو ارتكب أخطاء. من منا لم تتعبه حقيبة أحلامه الممنوعة و هو يرحل في متاهات هذه الحياة؟ و من منا لم يتعبه القن السري لصندوق أخطائه، ليتحول انشغاله في كثير من الأحيان إلى البحث عن مكان آمن كي يخبئه فيه، يتفقده في كل مرة كي لا يعثر عليه أحد. من منا لا يحمل كل هذا الثقل و يبحث عمن يبوح له و يخفف عنه مشقة هذا السفر العسير. ( قصيدة باب الخلود ص 72- 75)

و هنا نكون قد وقفنا على حافة الذات لنشاهد عالم الأسرار، و عالم الأخطاء، و عالم اكتشاف الجســـــد و الرغبة. عالم يحلم، كل واحد منا، دائما بالعيش فيه و التعبير عنه لكن بلا عقاب أو مطاردة أو ملاحقة من أحد. (نشيد المرآة و الوجود، ص 6).  

إنه عالم لا يتحقق إلا حينما يكتمل الليل و يلف الظلام كل أطرافنا، أو في ظلال الكهوف البعيدة أو في القصيدة. و في القصيدة نبحث عمن يتورط معنا في الخطأ، و يقبله، و لا يفضحه. من يقبل أن يحيا معنا في عالم لا يكون كهذا العالم الذي يراه الكل و يصنعه الكل، و يكون فيه الكل ضد الكل. عالم يكون فيه الكل مع الكل في الصواب و الخطأ، في الخير و الشر. و في القصيدة نعيش أخطاءنا الخاصة و نفعل ما نريــــد. و في القصيدة نكون مقيدين بحدود الكلمات، أيضا لكن قيد الكلمات أهون على الروح. و بهذا يغدو التيه أمرا محتـوما. و الوله أمرا أبديا. و إن كنا لا نستطيع العيش دون أخطاء، علينا إذن أن نبحث عمن يشاركنا. إن الشاعر هنا لم يبحث عن أصل الشعر بل كان يقصد البحث عما يمنحه القدرة و الحق في أن يبدع ذاته كما يريد و أن يفعل ما يريد و أن يقول ما يريد، و عمن يصدقه أو يتورط معه.  

ب‌-    معنى حي بن يقظان:

يمكننا القول أن دلالة حي بن يقظان تتمثل في الرغبة في العودة إلى حياة الغابة و الخلاء و الإفلات من الأسر و من قفص الأسماء (ص 32) و من ضيق الحدود و فقر الوجود، (ص 67) و الخوض في رحلة اكتشاف الوعي بالذات. و في سبيل فحص هذه الفرضية، اسمحوا لي، قبل ذلك، أن أقول كلمتين: الأولى أن استعارة "حي بن يقظان" تمتد على أكثر من مجموعة، بحيث نجد مجموعة القصائد تحمل صراحة عنوان "فصوص عذرية من ديوان حي بن يقظان" و في الباقي ترد فقط إشارات تدل عليه، مثل، الغابة، الظبية، العراء و غيرها. و الثانية أن الديوان كتب بين مكانين هما: الكعدة الحمراء ( مسقط رأس الشاعر) و مكناس (مسقط قلبه وقدميه).

و يعرف الجميع، كما نعرف نحن أيضا أن قصة "حي بن يقظان" تنتمي للتراث الفلسفي الإسلامي و قد كتبت بأربع روايات: كتبها ابن سينا و ابن طفيل بنفس العنوان، و السهروردي بعنوان "الغربة الغربية" و ابن النفيس بعنوان "فاضل بن ناطق". فكما كتب الشاعر قصة أخرى لآدم آخر كما يراها هو، كتب قصة أخرى لحي بن يقظان مرة أخرى شعرا. إن الأمر يتعلق بمحاولة لتفجير الذاكرة كما بنيت. محاولة لإعادة كتابة تاريخ الذات. فمن خلال معاينة القصائد يتبين أن الشاعر قد حاول كتابة رحلة ذاتية من خلالها تحاول الذات أن تبدع ذاتها و تاريخها و تعمل على تكثيف وجودها في الوحــــدة و التعدد. في التراث الإسلامي تعد قصة حي بن يقظان رحلة ماردة للعقل كي يكتشف الحقيقة و يكتشف ذاته بدون شوائب و وسائط. و عند الشاعر تعد قصيدة حي بن يقظان رحلة ماردة أيضا و لكن لاكتشاف الوعي بالذات و اكتشاف القراءة و الكتابة و اكتشاف القصيدة باعتبارها البيت أو المقام الذي يسكنـــه أو يقيم فيه الشعر و الوجود معا. رحلة ماردة لاكتشاف الحقيقة و الجسد و الآخر و  مذاق الحياة كما يراها من منظور الفطرة الأولى و من دون قيد و لا شرط. (ص 26 – 29 ص 66 – 67، ص102).

 و خلاصة القول هي فأن نقول الشعر بلسان آدم يعني أننا نرغب في التجلي في حالة وجودية أولى. لنحيا لأول مرة، و نكتشف الرغبة و الجسد و الخطيئة لأول مرة، نحب و نشقى لأول مرة. و أن نقول الشعر بلسان حي بن يقظان، يعني أننا نرغب أن نكون نحن البداية. بداية بدون سوابق. بدون أم و لا أب، نهيم و أحرارا بإطلاق الاسم و المعنى نتوه بلا مأوى كي نكتشف القراءة و الكتابة، الصــــــــــواب و الخطأ، و نقيم في مدينة، نقية الألوان، وفق قواعد تضعها الذات من ذاتها بناء على الفطرة و الذوق السليم. لكن السؤال الصعب الذي لا ينفك يطرح هو: لو أتيحت لكل واحد منا الفرصة أن يكون كآدم أو كحي بن يقظان، و أن يمسح الزمن و يعيد بدايته من نقطة كلها نقاء و صفاء فهل سيخطئ بعدها أم لا؟ هل سيختار من دون أخطاء؟ و هل سيحيا دون أن يخطئ و هل سيحب و يعشق من دون أخطاء؟ هل سيفكر من دون أخطاء؟ و هل يمكننا أن نلتقي مع آخرين في حالة من هذا النقاء التام؟ كل ما أستطيع قوله هو أن هذه العودة، في الواقع، مستحيلة. لكن الرغبة الجارفة في تحقيقها تبقى حلمــــا لا يفارقنا أبدا، حيث يتحول الحلم إلى رغبة مستحيلة، و هي بدورها تجعلنا في حيرة و شوق و حزن يكاد يذهب عقلنا و يخرب كياننا. و هذه هي التجربة الإنسانية التي يحاول ديوان "مقامات الوله" لعبد الله الطني أن يقربنا منها عبر كل مسالكه.

و من بين كل المقامات الأخرى من "مقامات الوله" يمكنني أن أهم بالخروج من هذه "المشاهدة" بمقام عنوانه "فص الدخول" ص 26:

حرف،

     على،

            حرف

تكوثر ديوانك يا ولدي

استفقت وحيدا

كما تستفيق الأرض من وهدتها

واصلت وحدك

عندما انتنى

من قدميك الطريق

عانقت وحشة الأيام

و الأشياء

و كتبت ما كتبت

في لوح الغاب و ماء الغدير

اسمك مفصولا

عن تاريخ الأسماء

قرأت سرك سافرا

و موصولا بالطين

                و بالأشجار

بدأت أعزلا كالحقيقة

بلا لغة و لا كتاب

سوى لغة الغابة

و تلاخيص السماء

أرقتك السكينة يا ابن يقظان

ألهبك الخلاء تلو الخلاء

فأقسمت بالنجمة

و حليب الظبية

أن تدخل عجب المدائن عاريا

إلا من وله الحقيقة

فأي الحقائق تحمل حلمك الآن

و تلف أذرعها

مثل هذا التجلي

و هذا العراء؟   !

قال حي مبتسما:

العراء حقيقتي

و العراء طريقتي

و العراء بدايتي

و العراء نهايتي

و ليس بين العراء و العراء

و بين الصفات و الأسماء

إلا سلاسل حولنا من كل الجهات

و هذا الوله الذي أركبه

ذاك الحالم دوما بالانفلات و الخلاء.

                           مكناس 29 دجنبر 2011

 

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية