Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
1 janvier 2012 7 01 /01 /janvier /2012 13:05

Photo1278

                           مقام الفلسفة و مقام الشعر

 

 

 

                   بقلم: ذ.صالح لعوان

 

                                                                       (هذا المقال نسخة معدلة عن العرض الذي شاركت به 

 

                                                    يوم 17  دجنبر 2011 بخنيفرة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة)

 

      

 

تقديم:

 

هذا العرض الذي منحتموني شرف تقديمه أمامكم ينقسم فيه القول على وجه الإجمال، إلى قسمين، الأول سأتحدث فيه عن سؤال عام هو الفلسفة و الأدب و منه إلى سؤال خاص إلى حد يتعلق الأمر بالجهة التي تكون الفلسفة فيها تسكن حالة أو مقام الشعر، و الثاني سأخصصه لتقديم أولي لديوان "مقامات الوله" للشاعر عبد الله الطني، لكن قبل ذلك لا بد أن أقول كلمة قصيرة حول الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة لهذه السنة.

 

في الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة:            

 

 نحتفل اليوم بالفلسفة. نحتفل بالفلسفة تحت شعار: الفلسفة و الأدب، و العالم الليبرالي يعيش أزمة أصلية، بينما العالم العربي الإسلامي يعيش حالة من التغيير و إعادة بناء الذات و المعنى في جو أشبه ما يكون فيه أنه بعيد عن الفلسفة و عن الأدب بالمعنى الخالص، أو ربما، حسب قول البعض، أنه على العكس من ذلك يعيش لحظة تاريخية بامتياز و تتجلى في تحقق روح الفكر الفلسفي في الحياة بالفعل. لماذا نحتفل باليوم العالمي للفلسفة و نحتفل بالفلسفة و الأدب و نحتفل بآثار أدبية بعينها و هي رواية لعبد الإله حبيبي و الأعمال الشعرية لعبد الله الطني؟

 

إن هذا السؤال هو سؤال موضوعي و ذاتي في نفس الوقت. و هو كذلك لأنه ممكن و معقول في نفس الوقت أيضا. ممكن و معقول من جهة الذات و التاريخ. فلا وجود لشعب يقيم احتفالات و مراسيم تخليد لذكريات لا تعنيه. إن الشعوب و الأمم و الأغلبيات و الأقليات تحتفل بذكريات و آثار تدخل في صميم هويتها و وجودها. و بناء على هذا فحينما نحتفل سالكين هذا الطريق فإننا بذلك نحتفل بالممـــــــــــكن و بالمعقول و نحتفل كذلك بالذات و بالهوية. إننا نحتفل بالفلسفة و نحن نراها تتحقق في حياتنا.

 

القسم الأول: لماذا يطرح الآن سؤال الفلسفة و الأدب؟

 

أعتقد أن الفلسفة و الأدب لا يلتقيان ضمن علاقة يصنعها التفكير فقط و إنما يتمازجان في الذات و في الحياة بشكل لا ينفصم و غير قابل للفكاك.

 

و أنه كذلك لتفادي الشكل الظاهري لطرح علاقة الفلسفة بالأدب أمامكم اليوم، أرى أنه لا بد من كسر حاجز الصمت و إعطاء الكلام الوضوح الكافي، و لأجل ذلك أقول:

 

أولا: و أنا أتصفح جريدة يومية مغربية أثارت انتباهي خاتمة مقال قصير تقول: "الإذاعة و التلفزيـــون و الصحف و السينما و الموسيقى هي بمثابة بنزين ضروري لاشتغال محرك الديموقراطية... بدون هذا البنزين سنظل نلتمس الدفع من الخلف لتحريك العربة".  و رغم أنني لا أميل إلى مشاركته في تحويل المبدعين و الأدباء إلى بائعي الوقود سواء كان بالحقيقة أو المجاز. و بغض النظر عن هذه الملاحظة الهامشية فإن صاحب المقال يطرح مشكلا في غاية الأهمية. هذا المشكل أخذ صيغا كثيرة و مختلفة في الدين و الفلسفة و الأدب و الفن و في مختلف عصور و أزمنة الفكر، إنه مشكل الالتزام.

 

و مشكل الالتزام مطروح في الخطاب الديني "الشعراء يتبعهم الغاوون..." الآية.  كما أنه مطروح في الخطاب الفلسفي و الأدبي و الفني و السياسي أيضا.

 

و في نفس السياق نرى أن الكتب المقدسة نفسها تبدو في شكلها المكتوب عبارة عن نصوص أدبيـــــة و فنية رائعة تجمع بين النثر المسترسل أو المقفى و القصة و الأناشيد في تبليغ مضمونها المقدس.

 

و من زاوية نظر تاريخية نجد أن الفلاسفة كتبوا سواء كليا أم جزئيا نصوصا ليس فقط أدبية و إنما علمية أو فقهية و مع ذلك ظلوا فلاسفة و العكس أيضا حاصل، أن كثيرا من الأدباء و الشعــــــــــــــراء و الفنانين أبدعوا آثارا كانت لها أبعادا فلسفية متميزة امتدت خارج شكل التعبير الأدبي أو الفني و مع ذلك فقد ظلوا أدباء و فنانين. ناهيك عن الفلاسفة الذين اهتموا بقراءة الأعمال الفنية و الأدبية لما تضمنته من عمق تأملي وجودي و إنساني تخطى حدود الحميمية و عانق تخوم الكونية و المثال. و من زاوية أخرى كتب الفقهاء نصوصا أدبية رائعة، كتب ابن حزم الأندلسي الفقيه المالكي الظاهري "طوق الحمامة" حول "الحب و الألفة" و قد كتب أفلاطون محاورة "المأدبة" أيضا حول الحب. و كتب العلماء أيضا نصوصا أدبية و فلسفية...

 

 أفلاطون أخرج كل فلسفته في شكل نص مسرحي. نص نثري مبني على الحوار بين شخصيات مختلفة فيما بينها في وجهات النظر، و هو بدوره أخرج الشعراء من المدينة حسب ما ذكر في "الكتاب العاشر من محاورة الجمهورية" بنفس الدرجة التي أخرجهم بها سارتر من دائرة الالتزام في كتابه "ما الأدب؟" (ترجمة محمد غنيمي هلال ص 9 ). و أرسطو لم تأت كل كتاباته بشكل برهاني صلب كما كان يتمنى أن يكون عليه الحكم الحقيقي المبني على البرهان. و رغم أنه وضع الشعر أسفل و أضعف شكل من أشكال القول و الأبعد عن الحقيقة فإن كتاباته لم تكن خالية من استعارات و تمثيل رائعين. و ديكارت نفسه و غيرهم كثير.

 

أما ابن سينا، و على غرار الكثيرين، كتب فلسفته في موضوع النفس في قصيدة كما كتب القصة و هي الصيغة الأولى لحي بن يقظان. كما أنه كتب نصوصا في الفيزياء و الطب و ربما حتى حول الجن.

 

أما ابن رشد فقد جمع بين قدرته على شرح فلسفة أرسطو و تمثلها بشكل جيد و آمن و دافع عن العقل و اعتبره الطريق الوحيد المؤدي للحقيقة و لذلك رفض طريق التصوف، و خلافه مع ابن عربي معروف، نجده حينما أراد أن يضع مرافعته للدفاع عن الفلسفة وضع فتوى في شرعية الاشتغال بالفلسفة و علوم المنطق، و أعني كتابه: "فصل المقال". شكلا فإن ابن رشد وضع كتابا في الفقه، اتخذ شكل فتوى، لكن نرى أنه كان ملتزما مضمونا، أي أنه لم يبق لا صامتا و لا محايدا تجاه الحراك الفكري في عصره حول العلاقة بين العقل و الدين، حراك كان في العمق جدلا سياسيا، وثيق الصلة  بطبيعة السلطة السياسية. ابن رشد صرح بانتمائه و دافع عن معرفة الحق بالعقل لكن من داخل صياغة أدبيــة و مذهبية رائجة في زمانه و عند خصومه، لا لشيء سوى أنها ممكنة. و عليه تصبح مسألة التمييز بين الصواب و الخطأ و التمييز بين الخير و الشر و بين الجمال و القبح شأنا جماعيا يشغل الناس في البوادي و الحواضر.

 

و نفس الأمر بالنسبة للأدب فهناك أسماء معروفة، في الشرق و الغرب، جاءت من حضن الأدب لكنها أبدعت آثارا كان لها صدى في الفلسفة و في السينما و غيرها. و لا داعي لزيادة القول.

 

و على هذا الأساس نرى أنه أن يكتب الفيلسوف قصة أو قصيدة فهذا ممكن و معقول. كما أنه حينما نحتفل بالفلسفة و الأدب فهذا أيضا ممكن و معقول، و وجه الإمكان و المعقولية فيه أننا نطرح مسألة الالتزام و نحاول قياسها عند الفيلسوف-الأديب أو الأديب الفيلسوف.

 

و ثانيا: يتعلق الأمر بهوية الفلسفة نفسها منذ ميلادها. فالفلسفة "فيلوسوفيا" في معناها اليوناني هي محبة الحكمة أو إيثار الحكمة كما ترجمها ابن أبي أصيبعة و هو يكتب سيرة الفارابي في مصنفه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء". و الفرق بين المحبة و الإيثار ليس بعيدا جدا إلا من حيث الدرجة في تسخير الذات لما هو خير و جميل إزاء الغير و الكون و الحقيقة. و هذا الإيثار أو المحبة هو نوع من الالتزام لأنه يعبر عن انتماء و عن كسر لحاجز الصمت و الحياد.

 

و قد يمتد هذا التعاطي مع الغير و الكون و مع الحقيقة إلى أن يتخذ شكل العشق و الهوى و الجنون، لتصير الفلسفة في معناها انفعال الحكمة أو هوى الحكمة أو جنون الحكمة. تتحول الذات في هذا السياق إلى ما يشبه الهبة، و تحويل الذات إلى هبة هو أقصى حالة وجودية يتخذها السعي نحو الحب الحقيقي. و أعتقد أن هذه الحالة هي التي تجسدها الذوات في تعاطيها مع الآخرين و مع الحقيقة، و لذلك فنحن مع السير في هذه التحولات نعيش لحظة حقيقة من هوى الحكمة، كما أننا نستطيع الحكم أيضا أننا نعيش زمنا خاصا أصبح وجودنا فيه يجسد الفلسفة و قيمها و عليه فنحن نعيش لحظة تأملية و وجودية و جمالية تكتبها الفلسفة و يغنيها الشعر و تحكيها القصة و الرواية و في مشهد يراقص الكل ذاتــــــــه و يراقص ذات الكل في نفس الوقت. نحتفل بالفلسفة و نحتفل بالأدب يعني أننا نحتفل بالحياة كما نراها في الحلم و في الواقع معا.

 

و أخيرا: و من زاوية تاريخ الأفكار نلاحظ كما يمكن أن يلاحظ الجميع تحول الفلاسفة من التأليف في العلوم إلى التأليف في الأدب و الفن و بهذا نشهد تحول الفلسفة من كونها أما العلوم إلى كونها أما للآداب و الفنون. و على وجه الإجمال فالفلسفة كلها ليست إلا أدبا دقيقا و من ثم فالتأليف في الأدب هو امتداد للتأليف في الفلسفة و قد يكون العكس صحيحا أحيانا.

 

القسم الثاني: مشاهدة أولية في ديوان     "مقامات الوله" لعبد الله الطني.

 

يمكنني تقديم هذه المشاهدة الأولية في هذا الديوان في خطوتين:

 

1-     تمهيد

 

ديوان "مقامات الوله" هو أول ديوان للشاعر، ديوان يمتد من أول قصيدة في شتاء 1985 إلى ربيع 2008 أي على مدار 23 سنة. مرحلة لست أدري ما إذا كانت طويلة أم قصيرة، المهم هو أنها مرحلة تجسد كثيرا من النضج و كثيرا من الرغبة في البوح. و لأجل أن تبدأ الذات في البوح و المساءلـــــــــة و الوعي بذاتها و بحقيقتها لا بد أن تختار الطريق أولا: بالعقل أم بالقلب؟ بالبصر أم بالبصيرة؟ هنا تتجلى صعوبة اللحظة ليس فقط في اختيار الطريق من أجل التعرف على الحقيقة و إنما أيضا في اختيار شكل تقييد القول ثانيا: شعرا أم نثرا مرسلا أم أناشيد أم حكم و ألغاز دراويش و مجانين؟

 

لقد اختار الفيلسوف في الشاعر أن يكون شاعرا. و اختار الشاعر في الفيلسوف أن يكون درويشا سالكا طريق الصوفية. و اختار السالك أن يقيد كلامه شعرا و حكمة و ألغاز مجانين. ما عليه الآن إلا أن يتدرج في الصعود من ذاته إلى ذاته حتى يراها في أحلى حالات صفائها تجليا و انكشافا،  في مرآة أم على صفحة ماء أم في طينة أم في قصيدة. فكان عليه أن يقيم مقام التحير و الشوق و الوله.  و من هنا جاء، فيما بدا لي، عنوان الديوان: "مقامات الوله".

 

و السؤال هنا هو أنه حينما نرتقي المنازل و المقامات نريد الوصول إلى أية مرتبة؟ و حينما نتحـــــــير و نتعبد ممن نود التقرب حينها؟

 

2-     المقامات و التولهات و مسالك الغربة و التجلي:

 

يمكننا تقفي آثار الجواب على السؤال حول مسالك تجلي الذات لذاتها و بذاتها على طول قصائد هذا الديوان و بالوقوف أمام أبوابه و عتباته و مقاماته و تولهاته، فالقصيدة فيه إما توله و تحير و عشق أم باب يطل على متاهاتها و أسرارها أم عتبات للسعي و الطلب، أم منازل و مراقب لحركة النــــــــــــفس و أفلاكها. أم مراكب للإبحار في أنهار و بحار لا تنتهي، أم في كؤوس نرشف فيها هيولى ماء يــــــروي و لا يروي. و في أعلى المقامات نقف مع الشاعر، على لحظة البدء و الخلق و التكوين حيث كل شيء لا يزال في مرحلته الهلامية، دخانا، كل شيء لم يتحقق بعد و لم يحدد إلى ما سيؤول إليه في الوجــــود و في نفسه، لحظة الوحدة التي صدرت عنها الكثرة، العقل و الجسد، الذكر و الأنثى، المعرفة و الجهل، إنها لحظة المرور من العدم إلى الوجود. و بعدها من الوجود إلى الفناء، و من الفناء إلى البعث. إنه هوس الأبد و الأزل، الأول و الآخر، هوس يصيبنا جميعا بطريقة غريزية. و المفارقة أنه لا سبيل إلى معرفته و لا سبيل إلى الشفاء منه. هوس مزمن. هوس يشكل في الحقيقة أصل الأسطورة و الديــــــــن و الشعر و الفلسفة و العلم. و التعبير عنه لا يستقيم إلا على شكل نوبات جنون أو حكم و ألغاز دراويش. لكن الطريق لم يكن دائما سهلا، لا علينا و لا على المتقدمين و لا المتأخرين و على الشاعر نفسه. كما أنه ليس سهلا على السالك كما يقول السهروردي في عوارف المعارف (ص من 83 إلى 90 بيروت لبنان، طبعة1، 1966) "و السالك الذي تدورك بالجذبة و هو الذي كانت بدايته بالمجاهدة و المكابــــدة و المعاملة بالإخلاص و الوفاء للشروط ، ثم أخرج من المكابدة إلى روح الحال، فوجد العسل بعد العلقم، و تروح بنسمات الفضل، و برز من مضيق المكابدة إلى متسع المساهلة، و أونس بنفحات القرب و فتح له باب المشاهدة فوجد وراءه و فاض وعاؤه، و صدرت منه كلمات الحكمة و مالت إليه القلوب و توالى عليه فتوح الغيب و صار ظاهره مسددا و باطنه مشاهدا..."  يتابع السهروردي كلامه "و من صح في المقام الذي وصفنا هو الشيخ المطلق و العارف المحقق و المحبوب المعتق، نظره دواء و كلامه شفاء، بالله ينطق و بالله يسكت."

 

و هذا الذي أسميته، عند الشاعر عبد الله الطني، هوس الأول أو غريزة الهوس بالبداية موضوع يخترق قصائد الديوان كاملة. لكنني لن أستغرق في التفاصيل التي تصلح لقراءة مستقلة للديوان لا في مقام يأتي فيه الكلام على وجه الإجمال فحسب. يتعلق الأمر ليس فقط بورود كلمة الأول بشكل يملأ مساحة العين في القصيدة: ( قراءة قصيدة نشيد الكهف و الأنثى ص 4). أو في ترتيب أنواع الوله و مقامــاته، و لكن يتجلى إجمالا في استعارتين أساسيتين هما: استعارة آدم و استعارة حي بن يقظان.

 

لقد قدم الشاعر صورة جديدة لآدم في هذا الديوان، ليس آدم  فقط  الأب الأول لسلالة البشر و لا أول الأنبياء، و لا أول الخطائين. و لكن هو أيضا أول الشعراء، أب الشعراء و أب القصيدة، فالبشر و الشعر خرجوا دفعة واحدة من أم أولى و من أب واحد كما نظم الشاعر (ص 5). فجأة ضاعت القصيدة كما ضاعت حواء و لم يتبق أمام البشر سوى الدخول في مغامرة للبحث. كما بحث أدم عن حواء في قصة الخلق، أصبح كل واحد منا مجبرا على الرحيل في كل الأصقاع و الخلوات و الفيافي و في الكـــــــواكب و الأنواء للبحث عن ذاته و عن أنثاه و عن قصيدته. غير أنه في خضم هذا التيه و المتاهة و التحـــــير و الحزن و الفقدان تكتشف الذات أن البحث عن لحظة التجلي و الحقيقة و القصيدة و الصفاء الأولي لا يمكن أن يتم خارج الذات بل بالعودة إليها و الغوص في سراديبها و خزائنها التي لا تعرف النضوب، دائمة الفيض و التدفق. لدى الشاعر هنا يعانق الشعر الفلسفة في تقدير مكانة الذات البشرية باعتبارها مصدر المعرفة و مصدر الحقيقة و مصدر الإيمان و القيم الجميلة. إنه الالتزام بالتنوير الذي لا يمكن أن يحمل أي معنى آخر سوى حق الذات و حق العقل و حق الجسد في الحرية و التصرف و الفعل و خلق العالم الذي يراه حقا و ممتعا و نافعا و حسنا و جميلا. 

 

فكما كتب الشاعر قصة أخرى لآدم آخر كما يراها هو، كتب قصة أخرى لحي بن يقظان مرة أخرى شعرا. إن الأمر يتعلق بمحاولة لتفجير الذاكرة كما بنيت. محاولة لإعادة كتابة تاريخ البشر، محاولة استبدال تاريخ منقول بتاريخ آخر جديد و مارد، أقل ما يقال عنه أنه إبداع ذاتي. و في محاولة الذات أن تبدع ذاتها فهي تبدع تاريخها و تعمل على تكثيف وجودها في الوحدة و التعدد. في التراث تعد قصة حي بن يقظان رحلة ماردة للعقل كي يكتشف الحقيقة و يكتشف ذاته بدون شوائب و وسائط،. رحلة تبدأ بالغربة و تنتهي بالاغتراب. و عند الشاعر تعد قصيدة حي بن يقظان رحلة ماردة أيضا و لكن لاكتشاف الذات و اكتشاف القصيدة باعتبارها البيت أو المقام الذي يسكنه أو يقيم فيه الشعر و الوجود معا. رحلة ماردة لاكتشاف الحقيقة و الجسد و الآخر و  مذاق الحياة كما يراها. و حينما ترى الذات حياتها لا يمكن أن ترسمها إلا بألوان القيم الجميلة: الحق و الخير و الجمال. و هذا المثلث هو منبع الوجود و الشعر و الخلود، و لديه أيضا تبدأ الرحلة بالغربة و تنتهي بالتوله و الحزن و الشوق.                    

 

و خلاصة القول هي أن الكتابة في هذا الديوان ليست تلطيخا للبياض و إنما هي زيادة في تلميع البياض ببياض حقيقي و بهذا يصير الشعر ليس ملاذا للهاربين من الفلسفة، و ليس ملاذا آمنا للمطرودين من  العقل و من عذاباته و إنما هو  رحلة العقل  في اتجاه القلب و رحلة القلب في اتجاه السؤال الباحث عن الأصل، و في الوقوف على عتبة الأصل اكتمال للدائرة. إنها رحلة للوقوف مباشرة على عتبات البدايــة و هي مشاهدة ينتج عنها كثير من التحير و الفزع و الحنين للبقاء فيها، إن هذه الرحلة هي اكتشاف أخر لطريق نحو طلب الحكمة و رقصة من رقصات الوله و التوله بهواها. فإذا كانت الفلسفة هي الوله بالحكمة يصبح الشعر ولها بالتأله. و بهذا تصير "مقامات الوله" طريقا ممكنا نحو ربيع الذات البشرية و حقها في الحرية و السعادة. و هنا نرقى مع الشاعر نحو عفوية الالتزام بقضايا الذات. فأن يكون الفيلسوف شاعرا معناه أنه واحد في الحالتين لأن "الكثرة و التعدد أصل من أصول الأشياء كلــــــها". و بعد هذه المشاهدة القصيرة في رحاب هذا الديوان سأختار الخروج منه من "باب الغرباء" و هي قصيدة تقول:

 

لما شتتني ولهي

 

التفت القلب إليك

 

يا سلطان الغرباء

 

و كانت

 

خيمتك المضروبة في أعلى الغاب

 

تستقبلني بالنور و بالعطر هناك

 

تدل عليك الهالة

 

يفضحك الضوء

 

يدل عليك النهر الآتي

 

من قدميك

 

قلت لي أهلا و فتحت ذراعيك

 

فإذا بي أصبح روضا بين يديك

 

يقصده الهجار من الطير

 

و أفتح بابا

 

يطلبه الغرباء

 

              يدل عليك

 

                                        

 

                                               مكناس 31 مارس 2012

 

 

 

  

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية