Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
15 juin 2012 5 15 /06 /juin /2012 03:17

الاغتراب والازدواجية في شعر عبد الله الطني  "مقامات الوله "نموذجا

بقلم الشاعرة مالكة عسال

  1ــ مقدمة :

المبدع بطبعه خلاق ،ينتج أشياء غير مألوفة تدهش المتلقي وتصيبه بصدمة كهربائية ،والإبداع بجميع أشكاله فنا تشكيليا أو موسيقى أو رقصا أو غناء  أو سردا أو شعرا ،وغيرها من فنون الأدب   ..هي إفرازات أتى بها مخاض عسير من دواعيه  مواجهة المبدع  واقعا هشا  يزخر  بأشياء غير مرغوب فيها ،حيث أن الذات الحالمة  ساعية وراء أمل مشتعل  من أجل التغيير بالبحث عما هو أرقى وأمثل ،ومن أجل ولادة جديدة تركض خلف هلاوس وهواجس  وأحلام، تتوحد معها لتخلق الكمال المأمول والصورة الصافية اللألاءة  لها  وللنفس والكون معا ...

وقد كان للشاعر عبد الله الطني نفس الرؤية  في مجموعة من دواوينه  والتي وقفت على أحدها المعنون ب "مقامات الوله "

2ــ اللوحة

أول مااسترعى انتباهي  اللوحة بخصائصها الفريدة ،صورة الشاعر على إحدى دفتيه ،يحيط بها لون أسود يخترقه شعاع ضوئي  ،يحاديه اللون الأحمر ،وفي الناحية الأخرى بقعة ضوء محاطة بنفس الألوان، والشاعر يوجه  نظرة مستقيمة في شرود ..فالنظرة الشاردة لها  بعد  دلالي رمزي /التأمل والتفكير  بعمق في الكون والوجود والذات  متجاوزا النظرة الحدودية إلى ما هو أقرب وأدنى  ،بنظرة شاسعة عميقة لها أبعاد ..وهذه الرؤية لم يعبر عنها في اللوحة فقط بل وحتى في الشعر  حين يقول :

قلت لذاك الطين

أنا أرفض ضيق الحدود

وفقر الوجود

ص: 67

واللون الأسود الذي يكتنف دفة الغلاف  بكامله تقريبا ،تعكس سراديب النفس وما تتبطن به من    غمّة وضيق  ،والفجوة الضوئية  البيضاء المحاطة بالأحمر  هو ذاك الحلم أو الأمل  /الحبل السري  الذي يعتصم به الشاعر كي يحيا ويستمر ...

3ــ التيمات

المتصفح للديوان يجد أن جذبة الشاعر غير المستقرة ،واضطرابه النفسي إزاء ما يجبل به من هموم ،وما يحس به ويعتريه  من محنة وعيه  بالأشياء ، قد حرك  فطرة الشاعر وحسّه وفكره ليخلق له عوالم يسكن إليها  ، فجاب سراديبها عالما عالما.. سأتطرق إلى  بعضها ولكن أركز بالخصوص على تيمة كانت صاحية ومهيمنة بشكل ملفت ألا وهي تيمة  الغربة والازدواجية والتي تهيمن جليا كما سأوضح  في فصل خاص بشكل مختزل طبعا . 

 **ـــ العالم وصراع الذات

فالعالم بأسراره وأشيائه المتنافرة بسراديبه المعتمة  يقف منتصبا في وجه الذات الشاعرة ، يحاصرها  بالمنبوذ والمكروه والممنوع  وغير المقبول  ،فتسمو بأحلامها  إلى ماوراء الواقع  بخيال مجنح لتحقق ذاك الحلم ،والمأمول به من جمال وكمال في صورة مطلقة ،والنتيجة أن الذات  تصبح عاجزة  لاهي راضية بواقع مغبون مشقوق الصدر ،تنتابه العلل والأسقام ،ولاهي باستطاعتها التغيير ،يزلزلها الأمر، فتتمزق وتنشطر ويختل توازنها ،ولاتجد من ملاذ غير الإبداع كمرآة حقيقية تعكس عليها حلمها الظامئ  ...يقول:

 

ومرآة لاتعرف إلا وجهي

ذاك الخارج من طينته الأولى

تعكس تيه الأبعاد البدئية

أحمل مشكاة الوحدة والشعر

ص:6 وص:7

فالشاعر يفحص الكون بعين التأمل وقراءة معاني الوجود ،فيرى أن كل ماتقع عليه عيناه مجرد سراب وتيه  ،وأنه بين هذين العنصرين غريب ...وهي خبرة تقوم على أساس القلق والخوف من جهة ،والشك وانعدام اليقين من جهة أخرى ،فالشاعر لايثق في نفسه  التي عاسرها  فهْمُ الواقع ومجرياته ،ولايثق في الكون   وتغييراته وتحولاته ،حيث أن عناصرَه لم تعد في أمكنتها العادية ،تتناسل بالمُتعب ،والجارح والمؤلم ،فيغزوه الانفعال ويشتد حين تقف الذات الشاعرة على حافة السؤال ولن تجد له جوابا ،أو يكون جوابُه في  غمرة المستحيل ..

يقول :

ولَهٌ يختفي

ثم يظهر

كأنه قدري

من أول السديم

إلى آخر الدخان

ص:97

فالكاتب يتملاه الوله  حين يرغب في تحقيق ماتصبو إليه النفس ويسعدها ، ولما يرتطم بالموانع   تصطدم الذات بموضوع قوي مهيمن ،تعيش على إثرها لحظة ضبابية  من الغموض، يختلط عليها الأمر  فتبتكر شيئا  لمواجهته  والخروج من ورطتها   إلى فج فسيح ..

**ــ الشعر فردوس أخير

لقد وجد شاعرنا نفسه أخيرا ،ولكن لم يقتنع بصورتها الحالية ،فسعى إلى اكتمالها  بصورة متوهجة أبهى وأشد إشراقا عبر متنفس حميمي ،كفردوس أخضر يسكن إليه ألا وهو الشعر،  ذاك الحرف الذهبي الذي سيفتح به كل المغالق  ،ويخترق به كل الصدود الصخرية  المنتصبة ..فالشعر بالنسبة إليه جنان الله في أرضه ،الهودج الساحر الذي سيمتطي صهوته إلى المعارج الشاهقة  ،الشلال الزلالي المتدفق الذي سيرتوي منه حتى الثمالة فينتشي من متعته ولذته الجمالية لإعادة الولادة  بروح طاهرة من خبث العالم ،وندوبه المتكررة ،لينبعث في كل قصيدة بوجه جديد بزمن جديد يصدح في آفاقه كما يصدح الطائر ...

يقول :

فأنا أريد ماأريد

أريد حرفا ذهبيا

لأفتح بابا

في مدينة السماء

ص:92

بالشعر  يتوغل في الصمت ،يخترق بقناديله وأنواره الأغوار والكهوف  المظلمة  ليضيئها ، فالشعر برموزه بعلاماته مرآة تتجسد عليها الذات  هروبا من المظاهر الكاذبة ،والنفاق  ،والمكر وكل الرذائل التي أصبح يكتنز  بها الواقع ،فهو الصنو الحميم الذي يبوح في خلده الشاعر  ،معبرا عما يحسه ويراه  ،متوحدا معه في نفحة صوفية عميقة ليفُضّا حجاب الليل معا ويسافرا سويا إلى الصبح على كفّ البياض ..

 

سنفض حجاب الليل

ومعا

سنسافر للصبح سويا

لابأس إن كنا سنمشي

على كف البياض

ص:93

الموت والخلود

كل مبدع إلا ويمتلك رؤية للحياة والعالم   بكافة عناصرهما ووجودهما.. شكلتها الذات المبدعة بكل ماتملك من أفكار وجمال  من خلال التأمل والتمثل ،وبصفة خاصة عنصرَيْ الخلق والعدم  ..إن هاتيْن القرينتيْن معا أربكتا ذات شاعرنا المبدعة ، فزرعت فيها نوعا من الرهبة ،فأطلقت  هذه عنانها لمقاومة كل مايتهددها بالموت والفناء ،فكانت الوسيلة المثلى لذلك هو الإبداع/ الخلق /الشعر الذي حين تفنى الكرة الأرضية ومن عليها سيبقى خالدا ..يقول :

لاتيأس ياضيف الفلوات

إن خانت عهدك أزمنة تعرفها

فغدا

سيكون  نهارا أزليا

ص:74

ويقول :

سيخلد هذا الضوء الأبدي

ونحن عشقنا الضوء سويا

ومن عشق الضوء سيحيا

ص:75

فالذات الشاعرة فريسة  للتأمل في منابع الأشياء الأولى ،وكيفية الخلق ،وفي نفس الوقت مفزوعة من النهاية الحتمية المروعة ،فأصبحت تعيش لحظة من الحيرة والاغتراب في النفس  في الذات ،بل وفي المحيط الذي تتواجد فيه ولكي تجتث هذا القلق ،عانقت الإبداع / الشعر في تجليه ،ورأت فيه الضوء الأبدي الأزلي ،والخلود المطلق ..

**ــ الازدواجية والقرين

لقد اضطربت الذات الشاعرة  ..فأصبحت تارة تنشطر إلى نصفين ،وأخرى مزدوجة  تركبها عدة شخصيات ،وفي كلتي الحالتين  هي شخصيات متخيلة تؤدي أنشطتها بصريا ولغويا ،تراها  الذات الشاعرة ،تحاورها تبوح لها تنيبها عنها ، لتُبعِد عن نفسها  ذاك الجانب السلبي الغامض المخيف المرفوض ..

يقول :

أفاق بداخلي

قال أناي

ألا دلني

أيها السائل دلني

ص: 112

فالذات تبدو مخلخلة ،مشتتة  منفصمة ،تبحث عن سكينتها عن استقرارها ،عن كينونتها ،فتتشكل من خلال قرينَها "الأنا " لتُرَسّخ هويتها .. فترى فيه نوعا من التحقق ،ومن تَمّ الاستمرارية ..

يقول :

وبعدما نزلنا الغاب

وعن بعضينا انفصلنا

منذ قرون وقرون

أصبحت أنا ذاك الهارب  من تعبي

ص:78

الذات هنا مفككة منشطرة  تلخص حالة الفقدان / التيه ، تفككَ الهوية  ،فتخلق لها  أخرى خيالية في دهشة ملغَّزة  ،لتتوحد معها  وتخلق ذاك الكمال المنشود  ،الذي تركض خلفه ،فتنفلت منَ الأسرار المبهمة   لتحقيق إمكاناتها  على نحو أفضل  ،والعملية في حد ذاتها ، نتاج  وعي الكاتب  مما يعيشه من صراع ، وما يبذله من محاولات  لفك  الطلاسم المهيمنة  ،وفشله   في عدم امتلاك الآليات والطرق الممكنة..  فاختلق" أناه " كذات ثانية ليَجد سلواه  معها في الخيال  في الحلم في المأمول..  وإن كانت ذاتا زائفة  لاتنازع الأصلية  في عدة أشياء  ،فهي تجسد طبيعتها الداخلية  الحقيقية  في نفس الزمان  ...

يقول :

أيها الواحد المتعدد

كيف تمشي

كما يمشي الزمان ولاتنثني

تهيم بك الخطى

يتهجاك الظل شظايا

تتناسخ أسماؤك سهوا

ص:107

الذات الشاعرة  انشطرت شظايا وتختفي كأصل حقيقية وراء صورة محاكية  فتتناسل ذوات أخرى وهمية خيالية ،وتعمل على الإخفاء والكشف لجانبها العاجز وهي وسيلة اعتمدها الشاعر للنجوى والبوح والتأمل والتعبير من خلالها  عن الأحلام والمخاوف ،أو الهروب من القيود والضوابط والموانع ،والسعي إلى تحقيق الرغبات وإشباع المكبوت منها ...وطبعا هذا السيل من فيض نتاج حالة اغتراب امتلأت بها الروح الشاعرة من خلال نظرة تأملية للوجود في منابعه الأولى     للخلق.. والحتمية النهائية للفناء ،حيث الكون بعوالمه بأشيائه بكائناته آيل نحو العدم..

يقول :

هل حقا

ياأناي الغريب

 نسيت أصل الأصل

وشقشقت البداية 

وحنين المكان إليك

ص:109

يحاور أناه ويأخذه قرينا له ، ويسائله عن أصله وفصله ،عن نبعه ومعدنه ،محذرا إياه من التيه ،والغرق في دوامة ليس لها قرار ،مؤكدا له أن كل الكائنات تحِن إلى أصلها ،وحين يشتد بها الحنين تعود إليه ...

وهنا يتضح لنا كيف طمس الشاعر هويتَه ودمر شخصيتَه  بأخرى مركبة  من القرين أو الشبيه "الأنا "باعتبار أناه هنا عاجزة وغير قادرة عن فعل شيء ،ويرغب في بقائها خوفا عليها من التلف ...فالشاعر يمور بين الشخصيات تارة يرى فيها الأقوى والأمثل  فينحني لها ببوحه وبث شكواه ،وتارة يرى فيها الغي والضعف فيغدو المرشد  و الهادي لها  ،خوفا عليها من التيه ...وما الخوف إلا نتاج غربة واغتراب في النفس  من فظاظة الحياة الفوضوية  ،وقسوتها  ..العلاقة  إذاً التي تربطه بقرينه ، هي علاقة حميمية  باعتباره  الرفيق/ الصنو الذي يسكن الشاعر إليه ..القادر على فك الحيرة ،والقيام مقامه  وتحقيق طموحه،أو الأذن المصغية لآلامه ..  والبلسم الشافي لجراحه ..وهي خبرةٌ من الكاتب طفحت بها رؤية متقدة   للعالم ، تاه  الشاعر بين مداراته المتشعبة الدامسة ، أو نوعٌ من الإسقاط الخارجي  للصراعات المحتدمة داخل النفس للتخفيف عنها ،والتحرر مما ينتابها ويعتريها من أعباء مضنية مخيفة ،لتبديد أسباب القلق ودوافع الانفعال  ،وإعادة بناء الواقع بتمثيله وتصوره للأشياء بطريقة مغايرة ...

3ـــ اللغة

فكما بنى الشاعر الواقع من خلال تمثله  وهدمه وإعادته من جديد في الخيال ،نجده  يركب جدار اللغة  بمتنها   فيزرع فيها الروح  لتحيا وتنمو  من جهة .. ومن جهة  أخرى ليخرج من حلبة التمزق ،تمزق الوعي بالأشياء في حضورها وغيابها ،واللاوعي بماهومكلكل  تحت الجوانح  وفي قرارات النفس ، ليسعف   الذات المحاصرة بهذين العنصرين ...،فتحضر اللغة المسعفة وتتألق  وتتنمط وتتشكل ، لإعادة بناء الذات في صورة أخرى ، وبناء الكون بعوالم أخرى  وفق مايحلم به الشاعر  ،وفي نفس الوقت بناء نفسها  بتصورها للواقع  مقتحمة اللاتحديد ،مجبولة بانعدام الثبات والتغيير المستمر ،والخيال المجنح  ،والإيحاء الشاسع والترميز العميق ،والتلغيز بكل أشكاله والمجازات المتعددة والمختلفة ،فيتعدد لبوسها جامعة بين المألوف  وغير المألوف والغياب والحضور ، رابطة علاقة صمامية بين المتنافرات والمتناقضات لتتألق بعمران جديد  غير معتاد،  فتقودنا إلى موقع مفعم بالدلالات  ،  قد يستوعبها القارئ  ويرتاح ،أو قد لاتُحقق توقعه المنتظر فيسقطَ فريسة الحيرة ويخامرَه الشك وينتابه  الاضطراب مما يدفعه إلى التساؤل ..

الخاتمة

الديوان كتلة شعرية متميزة  صنفها الشاعر بطريقة عمرانية فريدة  وزعها على 5 جزيرات  بعد أن قدمها بديباجة أسطورية ساخرة..

كل جزيرة تنفرد بعنوان كالتالي :

1ـــ من أناشيد آدم أو تاسوعة الوله وتضم 9 قصائد

2ــ فصوص عذرية  من ديوان حي وتضم 5 قصائد

3ــ مدارات بلورية وتضم 3 قصائد

4ــ أبواب الروح وتضم  6 قصائد

5ــ هلاميات مسافر وتضم 6 قصائد

6ــ مقامات الوله وتضم 12 قصيدة

وتتوزع النصوص على 120 صفحة ،كل واحدة مستقلة بعنوانها ..

باختزال شديد فشعر عبد الله الطني،  أشبه بتضاريس تتنوع كهوفه وأغواره  يسمو مع جباله الشاهقة ،وينحدر مع شلالاته الدافقة ، وعلى القارئ السائح  أن يتسلح بالمغامرة لاختراق فجاجه  ومخاتلة فجواته ،والتوغل في شعابه ،وكما رأيته  تضاريسَ فقد رأيته أيضا بحرا تتلاطم أمواجه على سطحه ،وفي أعماقه  يكن دررا  ،وعلى القارئ أن يجيد فن السباحة لتصيد نفائسه ،بخدعة ماهرة  وحدلقة ثاقبة  ،ورصيد وافر من المعرفة  لملامسة رؤية الكاتب ، وبالتالي البلوغ   إلى تلك الصورة  الصادقة، التي انبثقت من ثنايا قلبه ووجدانه وذهنه  ،باستعارات ومجازات تطمس الحدود والأبعاد في تنوعها وتعددها، فتلتقطَ جدليةَ اللحظات والصراعات وهي قيد التكون برؤيات تأملية ، لخلق المتعة والجمال لذا قصائده تحفر عميقا في مسالك النفس والوعي والروح ...

مالكة عسال

بتاريخ 26/03/2012

 

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية