Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
3 juillet 2009 5 03 /07 /juillet /2009 22:18

من ملف العدد الثاني:

 

 

دلالات الجسد الصوفي في شعر وفاء العمراني

 

فاطمة الزهراء بشيري

 

من هامش التمزق الوجودي والتاريخي، تعلن القصيدة النسائية المغربية دخولها في محاورة مع "الجسد"، واستنطاق مختلف خواصه الدلالية، بغية إقحام هذه الكتابة في علاقات تشاكلية قائمة على نبذ وتغيير بنى غير مرغب فيها، ولهذا يلاحظ أن تيمة "الجسد" في المتن الشعري النسائي بالمغرب، تشير إلى جسد ثائر يضيق بحدوده البشرية والمكانية، ليلتحم مع واقع متخيل ينشد فيه الخلاص، وطوق النجاة.

ــــ لقد تعامل هذا النص الشعري مع موضوعة "الجسد" بحذق وتعقيد كبيرين من خلال المراوغة التصويرية، وتسخير ثيمات أخرى تنهل –بالأخص- من عناصر الطبيعة في غرابتها، وحسها الميتافيزيقي الغامض، لخدمة الجسد المتحرك بين ثنايا النص الشعري، مع وعي ذاتي بحرقة الأنا، واغتراب الذات، هكذا يجعل الشعر النسائي بالمغرب من كتابة الجسد "بحثا عن معنى ما، أو عن قيمة ما، يوجدان دوما موضع اشتهاء وتوق"(1) إلا أن الحساسية الشعرية المغايرة التي هجست بها الممارسة النصية، لبعض الشاعرات المغربيات أمثال "مليكة العاصمي، ووفاء العمراني"، والتي يمكن اعتبارها أفقا تجريبيا جديدا، حاولت من خلاله المبدعة، إخراج جسدها من نطاق العتمة الضيق إلى رحابة النور الشاسع، تتجلى في تقديم تجربتها الصوفية على طبق باذخ من ذهب، لا يكترث بمجاهدات الصوفيين، والترويض الشاق لأجسادهم، مع تسجيل ملحوظة هامة، أن هناك شاعرات مبتدئات، يستعملن العبارات الصوفية كحلية نصية أو موضة تعبيرية، في حين تخلو قصائدهن من أي نزعة صوفية تذكر.

لقد حرصت الشاعرة "مليكة العاصمي" على سبيل المثال، على خاصية شعرية جمالية في الكتابة الشعرية الصوفية، وهي اختراق الميثولوجي للصوفي، في حين سعت الشاعرة "وفاء العمراني" –موضوع مداخلتي هاته- إلى تقديم تجربة روحية مغايرة، يحتل فيها الجسد موقع الصدارة في قلب المغامرة الصوفية، وفي الآن ذاته يمارس إغراء إستطيقيا من نوع جديد، لقد ارتقت بجماليات الكتابة الشعرية الصوفية، وطورت من تقنياتها الترميزية، حيث تحفل نصوصها، برؤية إبستمولوجية للفعل الإنساني في علاقة بالجسد، تكاد تصل في بعض الأحيان إلى مقارنة الروح بالحكمة:

                            كلما شطح صوت الجسد

                            أينعت أنوثة الحكمة   (2)

ــــ  إن المتن الشعري لـ "وفاء العمراني"، بمنجزه الجمالي والتخييلي، يراهن على الانفلات من المرجعية الإيديولوجية للمتصوفة، والمفرطة في ولائها الديني، ومن ثم يقدم صوفية معاصرة تنصت لنبض الجسد القوي، والمتسارع في حنينه الخافت إلى الروح، والشاعرة تعرف هذا "الجسد الصوفي" المقترن بالكمال والحضور المطلق، بقولها:

هو الجسد الواجد المنوجد الوجد

اللاقي الملقي اللقيا

الرائي المرئي الرؤيا

استوى الغجري على الملكوت

انبسط الوعاء

انكشف الستر

انقبض الرهان

لا الأين حد

لا الكيف تعرف

لا المتى مسلك

لا الخلل سراج...(3)

ها هنا إذن يقترن التوهج الدلالي ذو الطبيعة المادية للجسد، بهيمنة دلالية ذات صيغة عرفانية تكاد تصل به إلى مقام الألوهية المطلقة، حيث يختزل كل تقلبات المعاني الممكنة، ويذكر بقول النفري في كتاب [المواقف]: "وقال لي أنت معنى الكون كله"(4)، حيث تستطيع الذات الفردية، بلوغ مقام الكلية/المطلقة، أو على حد تعبير غاستون باشلار "يتوحد كون الخارج مع كون الداخل"(5)، بذلك تندرج هذه الكتابة الشعرية الصوفية في أفق دلالي، يخلق نوعا من التواشج بين صوفية معاصرة باذخة، وأخرى تحلق بجناحي الثنائيات الضدية للمتصوفة من قبض وبسط، وانكشاف وستر في "محاولة لتحقيق الكونية ضمن أفق جديد هو الحب الإلهي الممزوج بنظرة استيطيقية للعالم والألوهية"(6)، فالعمراني تتجاوز أعراف الصوفيين في تمجيد الروح واحتقار الجسد، ولا تكترث لهذا الجدل الدلالي الغامض، بل وتقلب موازينه، خاصة حين تعلن في قصيدتها: "مجد العري" إقالة الجسد العارف للروح من منصبها السامي:

مغزو هو الجسد بشكه

مقيل للروح /دليل للنبض

نور هي الرؤية اللاثمة الملثومة

مخرج إلى السر/ مدخل للفيض

والانجراح شفاء...(7)

فالروح لا تملك طاقة دلالية مهيمنة في هذه التجربة الشعرية الصوفية لـ "وفاء العمراني" بل تبدو –هشة- على حد تعبير الشاعرة:

في هشاشة الروح

شيدت صروح حكمتي ونجاتي

عرس الأعالي دمي

شيق هذا التألق بداخلي(8)

ــــ  إن هذا الاغتراب الصوفي، الذي يلازم نصوص "وفاء العمراني"، والذي يدين بالولاء للجسد أكثر من الروح، توجد له أبعاد مرجعية قوية في الكتابة الشعرية الصوفية لأدونيس الذي "حرص منذ وقت مبكر على تحرير التصوف من الكبت الذي سيجه قديما وحديثا، وتعيينه له بوصفه تجربة وجودية وكتابية في آن"(9) فكلا الشاعران [أدونيس ووفاء] يتميزان بالحضور المكثف للجسد في خطابهما الشعري الصوفي، ويسعيان إلى خلق صيغ جديدة للتوحد الشامخ بين الذات والعالم، يقول أدونيس:

وحد بي الكون فأجفانه

تلبس أجفاني،

                   وحد بي الكون،

فأينا يبتكر الثاني (10)

وفي نفس السياق تقول وفاء:

كثيرا ما يخيل لي أني الشمس /

لي كل الجهات

ولا أفق يحدني (11)

ــــ  بهذا المعنى الشعري إذن، يتم الحديث عن سفر دائم، يقوم به الجسد الصوفي، بحثا عن المطلق واللانهائي، وهو ينبثق من وعي ذاتي لدى الشاعرة بأن المعرفة الصوفية الإشراقية، هي تلك اللحظة التي تتلاشى فيها الذات الفردية، لتأذن بانبثاق ذات أخرى أكبر تسع الكون وتتجاوزه، بل وتسعى إلى إعادة اكتشافه عبر هذا السفر الصوفي المغاير:

الملآن لا يظمأ

الشبعان لا يجوع

العارف لا يتوه...

أقول جسدي منبع كل شيء:

سفر الألوان / الأمداء

الجهات / المسافات

الشوق / المابين (12)

إن السفر في الشعر الصوفي العربي يقترن بمعراج روحي، فيه الكثير من العناء والمكابدة والاحتراق، لكنه في شعر "وفاء العمراني" يكتسي دلالات جديدة تخلص للرؤية الصوفية لدى الشاعرة، إنه رحلة استكشافية، طيعة -العارف لا يتوه، يكتسي فيها الجسد بهاءه، والسؤال جوابه:                                       -وأدناني طوعا

1- وبعيدا أخذني بهاء الطين

منذورة أقاصي لحكمة السفر (13)

2- على غابات شهوة السؤال

     أشرعتني غابات السفر عليك

وأدناني، طوعا فجر الحرف

   إليك (14)

إن غابات السفر المشرعة، تحيل على سفر لا تنقضي مدته، وهذا هو المطلوب من الصوفي على حد تعبير "النفري": [يا عبد إبناء معرفتي في غيبتي، إقضاء سفر لا يستريح](15)

ــــ  هذا الجسد الصوفي لا يقر له قرار بين توهجه الخاص، وإمساكه بـ"نار النفري" و "فراشات فريد الدين العطار"، حيث عمدت الشاعرة "وفاء العمراني" إلى خلق مصطلحات صوفية تؤثث تجربتها بطابع انفرادي خاص، فمصطلح "التوهج" بكل إشعاعاته الدلالية، التي تحيل على الانبعاث القوي والمفاجئ للحقيقة، تستعمله الشاعرة للحديث عن جسد يأبى الصمت، في اضطرام أنواره، جمال ودعة وسكينة:

             1- لطفا أيتها الشمس

جسدي منشغل بالتوهج (16)

    2- أضج بالتوهج

يساررني الله

كأن لم ينبضني في هذا الغمر

سواه (17)

            3- لي الشفوف، النسخ، الوهج

والأكوان كلها .. لي (18)

إن التوهج في هذه النصوص المختارة، هو طقس خاص للاحتراق الصوفي الجميل، تتآلف فيه المتنافرات والأضداد، إلى حين الطفرة الإشعاعية الكبرى التي يتوحد فيها اللاهوت بالناسوت، ويختفي الزمان والمكان الفيزيقيان.

ــــ وإذا كان التوهج يرتبط بالإشراق القوي للنور، فإن "النار" في النص الشعري الصوفي لوفاء، تكتسي دلالات وظيفية مغايرة، إنها تشبه نار [النبي ابراهيم عليه السلام]، ليست لها خصيصة الاحتراق بل لها وظائف مضادة:

هوى بي وهدي

لوعد لا قرار

أسلمتني للرياح

أطفأتني بالنار (19)

وفي هذا النص النموذج –مع كثرة النصوص الشعرية التي تعمل على قلب مدلولات النار- اتكاء مرجعي على قولة النفري [وقال لي إذا رأيت النار فقع فيها ولا تهرب فإنك إن وقعت فيها انطفت وإن هربت منها طلبتك] (20)، وغير بعيد عن [النار] تلتفت "وفاء العمراني" التفاتا موجزا إلى "فراشات فريد الدين العطار، ولا تعيد تصوير احتراقها إلى درجة الانصهار من أجل الوصول إلى الحقيقة، بل ترفرف الفراشات الصوفية على القصيدة العمرانية، جذلى سعيدة:

                    1- يا لغبطتي الأكثر روعة

يا لهذا الصوت، بداخلي، المجدول

بجذل الفراشات

يا لفجر الحرف في دمائي ! (21)

             2- يحملني جهلي على جناح فراشة جذلى 

أغادر

لا أستقر لا أتدلى

النسيان زاد الذاكرة (22)

ــــ هكذا إذن يتشكل مشروع الكتابة الشعرية الصوفية لدى "وفاء العمراني" من استبدالات تنويعية، تعيد بناء التصوف وفق منظور إستطيقي ممزوج بالحكمة والمعرفة، ينزع إلى التأكيد بأن الشعر الصوفي ليس دائما [شعرا متألما]* ، فهي التي تحتفي بأعراس الروح وأعيادها، وتصر على ملاحقة جسدها: 

أعلن اللغة عيدا بنفسجيا لروحي وأصر على ملاحقة

 جسدي. انتشاء لهذا القهر المرتمي قرونا على أسيجتي. (23)

إنها كتابة صوفية متورطة في الجسد، ولهذا لم يأت التفاتها القوي للإرث الصوفي للنفري اعتباطيا، فهو يمثل المرجعية الأكثر ملاءمة للرؤية الصوفية المتميزة لدى الشاعرة، والتي تبحث عن الحقيقة والجمال والدهشة في الكون والطبيعة، والنفري في مواقفه ومخاطباته، يحاور الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، ويفنى في الذات الإلهية فناء جميلا لا ألم فيه، بل يمكن القول بأن هذا البعد المرجعي في شعر "وفاء" يخلخل أفق انتظار المتلقي، الذي تستهويه العبارات الدينية في نصوصها الشعرية**، فيخال أنها متناصة مع الآيات القرآنية، لكن قوة هذا التناص تتجلى في كتاب [المواقف والمخاطبات] وليس في الكتاب المقدس [القرآن الكريم].

إن التجربة الشعرية الصوفية لـ "وفاء العمراني" تمثل نموذجا فريدا لشعر نسائي، يسعى إلى تأسيس هويته المتعالية من خلال التصوف الذي يعيد الاعتبار للجسد الأنثوي الذي طالما سيج في مفاهيم دونية أساءت إليه.

 

الهوامـــش :

 

1- عبد الحميد عقار: صوت الفردانية، الكتابة النسائية: محكي الأنا، محكي الحياة، تأليف: مجموعة من الكاتبات والكتاب، منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط1: 2007، ص 4.

2- وفاء العمراني: قصيدة: اليوم الثامن، ديوان: أنين الأعالي، دار الآداب بيروت، ط 1، 1992، ص 91.

3- ن م س: قصيدة: مجد العري، ص 26.

4- محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري: كتاب المواقف والمخاطبات "المواقف"  منشورات محمد علي  بيضون، دار الكتب العلمية-بيروت،  ص 5.

5- غاستون باشلار: شاعرية أحلام اليقظة (علم شاعرية التأمل) ترجمة جورج سعد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط 1-1996، ص: 164.

6- عبد الحق منصف: الكتابة والتجربة الصوفية، نموذج محيي الدين بن عربي، دار عكاظ للنشر، ط 1، 1988، ص: 340.

7- وفاء العمراني: قصيدة: مجد العري، ديوان: أنين الأعالي، ص 30.

8- وفاء العمراني: قصيدة: أريج باذخ، ديوان: هيأت لك- أفريقيا .الشرق 2002، ص43.

9- خالد بلقاسم: أدونيس والخطاب الصوفي، دار توبقال للنشر، ط 1، 2000م، ص 6.

10- أدونيس: قصيدة وحدة، الأعمال الشعرية الكاملة، دار المدى للثقافة والنشر 1996، ص 74.

11- وفاء العمراني، قصيدة أحوال التيه، ديوان أنين الأعالي، ص 41.

12- المرجع نفسه، قصيدة مجد العري، ص 24.

13- وفاء العمراني، قصيدة أريج باذخ، ديوان هيأت لك، ص 42.

14- المرجع نفسه، قصيدة نشيد الوفاء، ص 83-84.

15- محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، كتاب المواقف والمخاطبات –المخاطبات- م س، ص 182.

16- وفاء العمراني، قصيدة "ذكراي منه الغياب"، ديوان أنين الأعالي، ص 23.

17- وفاء العمراني، قصيدة "للآتي أنا منذورة"، ديوان فتنة الأقاصي سلسلة صدى ، ط 1، 1997، ص 69.

18- المرجع نفسه، قصيدة "فتنة الأقاصي"، ص 38.

19- وفاء العمراني، قصيدة "باب المجاهدة"، ديوان أنين الأعالي، ص 65.

20- محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، م س، -كتاب المواقف- ص 81.

21- وفاء العمراني، قصيدة أشبهك أيتها الريح، ديوان هيأت لك، ص 56.

22- وفاء العمراني، قصيدة "أوراق الشمس"، ديوان أنين الأعالي، ص 9-10.

* تحدث د. محمد بنعمارة رحمه الله في كتابه "الصوفية في الشعر المغربي المعاصر" عن -الكتابة المتألمة- في التجربة الصوفية، والجدير بالذكر أن المؤلف لم يتناول في هذا الكتاب أية شاعرة مغربية.

23- وفاء العمراني، قصيدة نخب الجسد، ديوان الأنخاب، منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط1، 1991، ص 65.

** انظر قصيدة "حكاية نورس يغادر" ديوان الأنخاب، ص 36، حيث تضع الشاعرة جملة للصفح الجميل بين مزدوجتين، وكأنها تحيل المتلقي على الآية القرآنية الكريمة "فاصفح الصفح الجميل"، لكن ظهور كلمة (الشاهد) في آخر هذا النص الشعري، تجل التناص من كتاب "المواقف" للنفري أقوى، حيث يقول في موقف الصفح الجميل ص 58: "وقال لي انظر إلى الشاهد الذي أنت به في الغيبة هو الشاهد الذي أنت به في الذمة".

ملاحظة: نص المحاضرة التي ألقيتها في ندوة:

الأدب النسائي بين البعد المرجعي والبعد الأدبي

10 ماي 2008 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس

والتي نظمت بشراكة مع "بيت الأدب المغربي"

 

 

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف - dans فضاء النقد
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية