Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
3 juillet 2009 5 03 /07 /juillet /2009 22:28

Wa%2520fa%2520El%2520Omrani.jpgمن ملف العدد الثاني:

 

اللغة الشعرية من الإبداع إلى التلقي 

    قراءة في إبداع الشاعرة وفاء العمراني

 

دة.سميرة مسعودي

 

         إن قدر الشاعر أو الشاعرة هو الانصهار باللغة و الذوبان فيها، إذ لا إبداع شعريا بدون لغة  تسجل تمايزها و فرادتها. و الشاعرة وفاء العمراني تنتمي إلى جيل شعري راهن في تأسيس حداثته على تجديد اللغة و تفجيرها، لاسيما و أن اللغة أصبحت العنصر الأساسي المطالب بتأمين شعرية الجنس الشعري في تجربة هذا الجيل الذي سعى إلى محو الحدود بين الشعر  و النثر في إطار إقراره لقصيدة النثر كتابة شعرية جديدة.

         و من ثم فالشاعرة وفاء العمراني كانت و لاتزال معنية بهذا الرهان اللغوي، بل هي شاعرة مسكونة بهاجس الإبداع و التجديد، الذي مداره تفجير لغة شعرية تخييلية  لها بصمتها الخاصة.

       و قراءتي لإبداعها تتوخى-في مرحلة أولى- استجلاء فرادة و خصوصية هذه اللغة التي تخلق كونا شعريا متميزا. و في مرحلة ثانية، تنظر إلى كيفية تلقي هذه الخصوصية عند القراءة .

          و لهذا سأنطلق من سؤال محوري هو :كيف تؤسس الشاعرة حداثتها اللغوية؟

لقد تناول النقاد بالدراسة لغة الشاعرة فأشار معظمهم إلى تميزها بحضور نفس صوفي يجليه تردد واضح لمعجم الصوفية تمتاحه الشاعرة من شعر التصوف الإسلامي. وهذا صحيح إلى حد بعيد، و لن أتوقف عنده هنا. لأن الحضور الصوفي في تجربة الشاعرة لا يتوقف عند الاستفادة من معجم التصوف و التناص معه فحسب، بل علاقة الشاعرة بالتصوف أعمق من ذلك ، فهي تعتبر التجربة الشعرية تجربة صوفية بامتياز ، فإذا كان الصوفي يسلك طريق التصوف الوجداني من أجل الوصول إلى المعرفة الصوفية، فإن الشاعرة تسلك ذلك الطريق أيضا من أجل تحقيق المعرفة الشعرية التي هي قطعا معرفة لغوية. و بتعبير آخر، فكما ينشد الصوفي التوحد بالذات الإلهية و الفناء فيها مستمتعا بلحظة الإشراق القصوى، كذلك تطمح الشاعرة إلى التوحد باللغة و الفناء فيها من أجل تحقيق الخلق الشعري البكر.و بهذا تؤسس الشاعرة تصورا خاصا للتجربة الشعرية والخلق الشعري، عماده عنصران أساسيان هما الذات و اللغة بحيث تسافر الذات الشاعرة إلى دواخلها سفرا صوفيا من أجل التوحد باللغة في خلق شعري لا مثيل له. فتصير التجربة الشعرية كشفية رؤياوية تنغلق فيها الذات على نفسها لتكشف ما هو مخبوء مختف وراء مظاهر و سطح الأشياء،فتتأسس علاقة جديدة بين الشاعرة و الأشياء من حولها. تقول الشاعرة:

                بيني و بين الأشياء

               تقيم الصداقة عرسها:

               شطح، مكاشفات

              شناشيل تزهو

               و خواصر من نار.(1)

       لكي تتجدد اللغة لابد من أن تتجدد العلاقة التي يقيمها الشاعر بالعالم من حوله،  و الشاعرة هنا تفصح عن هذه العلاقة الخاصة التي أساسها النفاذ إلى عمق الأشياء من أجل كشفها كشفا صوفيا ملؤه الشطح الصوفي القادر على  تخييلها و توليد نسغها فتصبح متوهجة جديدة. فالشاعرة لا تريد أن ترى العالم كما رآه غيرها، بل تطمح إلى تغييره بواسطة منحه ولادة جديدة. و في القصيدة نفسها تقول الشاعرة:

 

              لكل الصباحات المقبلة غيرنا وجهينا-الأشياء و أنا-

               محونا تجاعيدنا

            و دعونا عشقنا ليفقس بيضه

             "سبحاني، إذ يضيق عني زمني"

             قالها الشعر و انفلت يجتث أعشاب الظن

             من غابة الموت.....(2)

       إن الشاعرة تريد أن تؤسس شعرا يقاوم الموت و الفناء، و كي لا يموت الشعر لابد من منحه سمة الإبداع، و من ثم كان عليها أن تتغير هي و الأشياء معا، و التغيير كما تقدمه الصورة الشعرية يقوم على دعامتين: أولاهما محو التجاعيد التي تحيل إلى شيخوخة اللغة القديمة التي قالت أشياء العالم بطريقة معينة إلى أن أصابها التعب و الغَضَن، و ثانيهما دعوة إلى الفناء عشقا في أشياء هذا العالم إلى درجة تمكن الذات من رؤية ما لم ير سابقا حتى تستطيع تسميتها بلغة جديدة . و هذا ما يتيحه السفر الصوفي للشاعرة. ففي إبداعها افتتان لا حد له بالرحيل إلى الأقاصي و الأعماق و المجاهل، باعتبارها مكانا تفجر فيه الذات لغتها الفريدة.تقول الشاعرة:

            منحلة في هذا الغمر البدائي المخضر

            تخاصرني البرية الليلية

             وبعذوبة مجنحة

             فجأة

             تضيئني قدماي

            تتخمر البذرة عند مياه أحاسيس نادرة

                انبجاس، وروف،خصوبة

            هي ذي وردة الأقاصي

            تستنفر اتقادي

            توشوش خلوتي

            فيما تضرمها جماري الغافية المتبقية

            لي الشفوف، النسغ،الوهج

            الأكوان كلها....لي

            بنفسج هاجع ماء، خفق

           وصباحات تنهمر على العمر

                                     بلا استئذان.(3)

 

      إن الأعماق تمثل لحظة الصفر التي تلوذ بها الذات من أجل الخلق، لحظة غمر بدائي واعد بالحياة و الاخضرار، لحظة استثنائية خاصة، حيث تتخمر بذرة الخلق الشعري بواسطة أحاسيس نادرة يفجرها الحدس و الخيال، فتتكاثر و تتكاثر حتى تتوحد في كائن لغوي.إن الأقاصي وردة تغري الذات بالسفر إليها،و تؤجج فيها نار المعرفة، و تستدرجها إلى الدخول في خلوتها الصوفية لتتحرر من خصائصها البشرية و تكتسب خصائص جديدة لا حدود لتحولاتها، فهي تشف و تشتعل و تتحول إلى نسغ للأشياء،و ترحب حتى تسع الأكوان كلها، وهي ماء و خفق وصباحات منهمرة على العمر، إنها  تشهد تحولات متسارعة تمنحها هوية جديدة بواسطة خيال جامح يصهر كل المتناقضات في وحدة لا مثيل لها . إنها تحولات تملأ فضاء الدواخل بصور خيالية لا نهاية لتناسلها تجسد منعرجات الذات و هي تصعد نحو التوحد باللغة، تتلقاها في حيرة و دهشة:

 

                     أتشرنق

           كثيرا شهوتي المحال

          عالم مدهش ينمو في حياضي

          للآتي أن يرسم مغامرته القدسية

                        أصغي

         أرقب البعيد المتجول في دمائي

                        أصغي

        طواحين الروح تنشد سرها الأبدي

        دافقة شجرة الأعماق

                     لا أوصد

       غابة من فجر تقذفني بنظرتها الغورية الشفيفة

       إزهار مفاجئ

      خيول الماء تتراكض في اللحظة البعيدة

      و الجسد يكتمل بحواراته

       أمنحك صداقتي أيها الحبر.(4)

 

       ما أن ترتد الذات إلى أعماقها حتى تتدفق بخيالات و حدوس مدهشة غريبة،تحياها الذات الشاعرة إزهارا مفاجئا، فتكاثر الصور التخييلية في الدواخل و حضورها في لحظة واحدة تشبه حقلا فارغا يزهر في طرفة عين. فتنغمر هذه الذات في رؤى متداخلة، أنوار شفافة، مياه متراكضة، أصوات منشدة... و الذات  تصغي و ترخي سمعها  منفتحة على هذا الغمر الذي سيتجسد في كتابة شعرية . و إذا كانت الشاعرة تتحدث عن اكتمال للجسد بالحوار، فإن هذا الاكتمال لن يتحقق إلا ببلوغ درجة التوحد القصوى باللغة، ففي هذا التوحد فقط يحدث الميلاد الحقيقي، الميلاد الذي يمنح الذات هوية جديدة. فلنصغ إلى الشاعرة و هي تنتشي بهذه اللحظة الفريدة:

                تقولني الرؤيا

                  تسامق

                  إشارة

     عجبا لهذي الروح إذ تلاقي فتنتها

     عجبا لهذا الميلاد

    حضورات كريستالية أتنورها

    وجهه عذوبة مشتعلة ...(5)

           إن الميلاد يُحدَس حضورا نورانيا يخترق الذات، و لنلاحظ الدلالة التي يوقعها فعل"أتنورها" بحيث تتلقى الذات نور الميلاد فتمتصه لتشع به، و لا عجب في ذلك، فكما يكون العارف الصوفي محوا في معروفه ،فإن الذات الشاعرة فانية في معروفها اللغةِ متوحدة به، لقد أصبحت هي إياه، و من ثم يتضح قول الشاعرة "تقولني الرؤيا"  إذ لم يعد هناك حجاب بين الذات و اللغة لقد أصبحا شيئا واحدا، فالشاعرة تقول الرؤيا و الرؤيا تقول الشاعرة. إن الخلق الشعري إذن، يولد من هذا الفناء الصوفي للذات في اللغة ، حيث تتلون اللغة بالرؤى التخييلية للذات،وتلبس الذات فيض اللغة. فتغدوان معا علوا و إشارة ورموزا بفعل الوحدة التي خلقت كيانا جديدا: تقول الشاعرة:

 

         اليومَ أولُ بعثي

         مطر الصبيحة نشوة لا تقاوم

             لون دمي أخضر

         السماء من تحتي لا شكل لها

                       أبدأ

            أقول لكوكب أسمائي:

           لا صيغ لكَ عدا السطوع.(6)

 

         إن ما ينشأ عن هذا التوحد ذات جديدة لا مثيل لها دمها أخضر على غير العادة، و مكانها الفضاء حيث تعلو و تتسامى حتى تتجاوز السماء التي تصبح  تحتها لا فوقها. و بالتالي فإن الأسماء التي تقولها هذه الذات لن تكون حتما عادية، إنها ستكون إشارات ساطعة ترمز إلى هذه الجدة التي اكتسبتها، فهي لن تقول مظاهر الأشياء بل تقول كنهها  و أعماقها كما حَدَستها أثناء رحلتها إلى الأعماق.

      إن الكون الشعري في إبداع الشاعرة وفاء العمراني يسوده انسجام و وئام لا متناهيين،  فالذات أثناء رحلتها إلى الأعماق  تتحرر من كل ما يقيدها إلى الواقع فتنطلق متخففة من ثقله مستسلمة إلى الحدس و الخيال اللذين يفجران آلاف الصور في زمن قياسي، فتتسارع في تحولاتها لتمتص هذه الصور فتحتفظ بها إشارات، و حينما تصل إلى لحظة الإشراق و التوحد باللغة فإن هذه الأخيرة تمتص منها طبيعتها الإشارية ، فلا تقول الأشياء إلا رمزا.

و هنا أتوقف قليلا لأشير إلى ما يميز تجربة الشاعرة عن التجربة الصوفية في علاقتها باللغة:

       تلخص مقولة النفري "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" علاقة الصوفي بلغته،فهو يراها عاجزة عن الإحاطة برحابة الرؤى التي تنتجها الذات الصوفية و هي مسافرة نحو الفناء في الذات الإلهية، و نجد معظم الشعراء الحداثيين الذين ارتبطوا بالنص الصوفي، بطريقة أو بأخرى، يكررون هذه المقولة بتعابير مختلفة لكنها تلتقي عند الإقرار بعجز اللغة عن التعبير عن كثافة ما يحدث في الدواخل و الأعماق.غير أننا لا نجد لدى الشاعرة وفاء العمراني أية شكوى من عجز اللغة عن نقل رؤاها (أتحدث هنا عن دواوينها التالية: الأنخاب، فتنة الأقاصي، هيأت لك) بل على العكس من ذلك تماما، نجدها تمجد اللغة و طاقتها على الخلق حين تتوحد بها الذات، و منشأ هذا التميز في علاقة الشاعرة باللغة يكمن في أن الشاعرة لا ترى في اللغة وسيلة للتعبير عن الرؤى، كما يراها المتصوفة، و كما رأتها كذلك كثير من النظريات الشعرية، إن اللغة تخلق الرؤيا في لحظة مشاهدة  الذات لها (من الشهود الصوفي)

و إن صح التعبير تخلق الرؤيا و تنخلق بها، فالرؤى نفسها تنفجر لغة . فاللغة عند الشاعرة هي الرؤيا ذاتها. أما ما نراه في شعرها من تمنع اللغة عليها أحيانا فإنه يفسر بلحظات القبض و البسط التي تشهدها الذات وهي تعرج نحو اللقاء باللغة، فأحيانا تتعصى اللغة و تنأى و تضن بالوصل، فتقول الشاعرة

 

              ما لهذي الأبجدية أصونها

               و أبقاها

              فتنقلب علي(7)

أو تقول:

         جذوري ضوء يفترش السحاب

         لكن، ها هو الليل يلج عظم السريرة

        و يفيء لمراثي الزبد...

         أيتها الشمس الواهبة

         عديني بغمرك

        كلما قضمني فحيح المرارة الأولى(8)

حين تتمنع اللغة إذن تتلون السريرة بالحلكة التي تعوق انسياب الضوء القادم من الأعماق    و الجذور و تحس الذات المرارة و اليأس، فتبتهل إلى الشمس كي تغمرها بنور اللقاء.أو تلجأ إلى مناجاة اللغة كما يناجي الصوفي ربه راجية لحظات الفيض:

 أوِّلني ضمِّخني  حُفَّني

 يا الحرف الذي عز كما مطر العام

يا السمي الصفي

الطراوة الجذوة

الفرح المُرجأ

يا الذهول.   (9)

 

أما حين تستشرف الذات قرب الوصل، و تأتيها بروقه و إشاراته، فإن الذات تنبسط و تزدهي:

الأمواج الاحتفالية تعلن عودتها

يا لغبطتي الأكثر روعة،

يا لهذا الصوت، بداخلي، المجدول

                                      بجذل الفراشات

يالفجر الحرف في دمائي.(10)

إن اللغة لدى الشاعرة رديف للخلق والإبداع، لذلك تشرق الذات و تنتشي باللغة و لا ترى فيها عجزا بل تفجر الجديد غير المألوف،إنها تستكشف أعماق الأشياء ، و لا تعبر عنها كما هي في العالم الواقعي، و لهذا  فإن الذات تظفر في كل رحلة بخلق شعري بكر:

 

        بحرٌ من الصفاء هو ندائي       

       ولغتي برق الأمداء

       سلاما لصحراء الأبجدية روضتها

       بنعل من جمر (11)

 

إن لغة الشاعرة ليست سوى بروق و إشارات لما زخمت به الذات أثناء رحلتها، و هي إشارات  فقط، ليست لأنها عاجزة عن نقل كثافة الحالة الشعرية ، بل لأن الخلق الجديد لا يمكنه أن يكون إلا متلونا بما حدسته الذات نفسها إشارة و رمزا. و هنا تتحول صحراء الأبجدية إلى نار مشتعلة ما دامت قد روضت بواسطة نعل من جمر. و لارتباط اللغة بالنار عند الشاعرة دلالة خاصة، تقول الشاعرة:

تفيض شرايين الحرف

نطفح بالحضور

   صدى

أنا ناي الأبجديات

و سنبلة شراري……(12)

إن قول الشاعرة" نطفح بالحضور صدى" يشير إلى اتحاد الشاعرة باللغة بحيث تفيضان بالحضور الصوفي في شكل صدى، فتصير الذات صدى للغة و تصبح اللغة صدى للذات. 

و تأكيدا لهذه العلاقة الخاصة تفصح الذات عن تحولها إلى ناي "للأبجديات" متعددة متكثرة.

واللغة هنا ترتبط بالنار من جهتين، من جهة ورود كلمة الشرار  التي تحيل على الاشتعال،  و من جهة تناص الصورة مع ناي جلال الدين الرومي الذي كان  ينفث نارا بدل الهواء.  غير أن اشتعال لغة الشاعرة لا يحيل على الرماد و الفناء و لا حتى على المعاناة اللغوية التي ترتبط بالاحتراق، بل ترتبط بالحياة و الولادة الجديدة بدليل أن الشرار تنازل في التعبير عن طبيعة الاشتعال ليتحول إلى سنبلة. إن للنار هنا قوة التحويل و التغيير، و الشاعرة هي من تقول (النار تقعر كل تسطيح)(13). و ذلك هو أمر اللغة الشعرية عند وفاء العمراني، إنها تقعر كل تسطيح لأنها تنفذ إلى كنه الأشياء باختراق سطحها و الدفع به نحو الأعماق.

 و لغة كهذه تنشد الخلق الذي لم يسبق ،لا بد من أن تكون غامضة و غريبة. و هنا أصل إلى الشق الثاني من هذه المداخلة:

 فإذا كانت الشاعرة تحيا تجربة الخلق الشعري- بالرغم من غرابتها- في انسجام و صفاء روحيين، و ترى أن لغتها قد حققت حداثتها، و من ثم تميزها و فرادتها و إبداعها ،فإن متلقي هذه اللغة لا يستطيع التفاعل معها إلا إذا استطاع أن يحيا التجربة كما عاشتها الشاعرة،و إلا فإنه لا يرى إلا لغة تنغمر في الفوضى و التشتت، و هذا التعارض بين المتلقي و المبدعة يجد تفسيره في اختلاف المواقع التي ينظر منها كل منهما إلى اللغة، فالشاعرة تعيش حالة انسجام قصوى أثناء الحالة الشعرية،تتماهى الذات باللغة فتصبحان شيئا واحدا منسجما، و في هذه اللحظة، تذهل الشاعرة عما حولها و تستسلم لنشوة اللحظة و سحرها، فلا تملك الذات أن تبحث عن المنطق و المعقول، لأن للعالم الداخلي قواعده الخاصة التي لا تراها الشاعرة خارجة عن حدود العقل و المنطق كما سيراها القارئ لحظة القراءة، فالشاعرة ككل مبدع لا ترى الأشياء إلا بإحساسها و وجدانها، و حدسها، و خيالها .في حين أن القارئ العادي لن يرى في هذه اللغة إلا تشتتا و غموضا لأنه يقرأ بعين المنطق و العقل اللذين ينتفيان من لغة شعر الشاعرة ، فيلاحظ خروجها عن كل الأنساق اللغوية التي يعرفها، سواء تعلق الأمر باللغة العادية أو باللغة الشعرية، فتتعطل لديه عملية الفهم التي هي غاية كل قراءة. و بدل البحث عن مدخل جديد للقراءة ينزل بلعنته على هذه اللغة التي لم تعد تقول شيئا فيسمها أحيانا بالغموض و أحيانا بالهذيان و اللامعقول. و للقارئ في هذا الموقف عذره فاللغة كما تنتهي إلى التلقي تبدو في أول أمرها مفتقدة إلى كل الروابط العقلية التي تجعل اللغة مفهومة.

    والأمور التي تربك عملية التلقي و تنتصب حجابا يحول دون وصول القارئ إلى الانسجام الذي يختفي وراء ما يبدو من فوضى اللغة كثيرة أتوقف عند اثنين منها.

فأما الأول فيتجلى في التلاعب بنظام التركيب تقديما و تأخيرا في غياب عنصري الفصل    و الوصل كما هو الحال في قول الشاعرة:

 

بعيدا،

في منتزهات الروح

شبت خبايا جسدي/

تسارعت باتجاه هيآت جديدة

                 وردة

صخرة الماء يانعة وباردة

العين فتنة

حين الروح حديقة (14)

 اهتمت الشاعرة بإثبات فاصلة بعد كلمة" بعيدا" لتنظيم تركيبها النحوي، ولكنها لن تعيد الكرة مرة أخرى بالنسبة الباقي التراكيب، مما يربك سياق القراءة. و إذا كنا نستطيع قراءة الأسطر الشعرية الأولى دون صعوبة، فإننا سنتوقف عند السطر الخامس الذي انفرد بكلمة واحدة هي "وردة" جاءت بعد فراغ واضح بين السطرين الرابع والخامس، ووجودها معزولة في بداية السطر، يدفعنا إلى قراءتها باعتبارها مبتدأ، لكننا لن نعثر لهذا المبتدإ عن خبر. فمباشرة في السطر الموالي نفاجأ بمبتدإ آخر هو "صخرة" المضاف إلى الماء،يمكن  اعتبار (يانعة) خبرا له، "وباردة" معطوف عليه. ونكتشف إمكانية أخرى للقراءة حين تنبهنا لفظ "يانعة" إلى ارتباطها  بالوردة بعلاقة ما، بما أن اليناعة صفة من صفاتها. مما يدفعنا إلى اعتبار "وردة" في هذه القراءة الثانية، خبرا مقدما للمبتدإ المؤخر (صخرة الماء). وبذلك تصبح "يانعة" و"باردة" صفتين للوردة، فاليناعة خاصية من خاصياتها، والبرودة صفة تكتسبها بفعل ارتباطها بصخرة الماء التي أصبحت هي إياها. إذ البرودة إحدى خاصيات الماء، فنظفر حينذاك بالتعبير المنطقي التالي:"صخرة الماء وردة يانعة و باردة"، تعبير منطقي صحيح، لكنه خال من الشعرية التي يفيض بها قول الشاعرة .  

وقد كان بالإمكان أن يُتجاوز هذا الإرباك الذي يحدثه هذا التقديم والتأخير لو أن الشاعرة تدخلت بوضع الفواصل والنقط لتعيين حدود الجمل والتراكيب، لكن اللغة هنا تتحرر من رقابة العقل المنظِّم، فتنقل صور اللحظة الشعرية خامة بكل تناقضاتها وفوضاها وتشابكها، وهذا ما يجعل بعض العناصر اللغوية تبرز في التركيب شاذة ومعزولة يسبق بعضها بعضا دون روابط منطقية أو دون أدنى إشارة إلى وجود هذا التقديم والتأخير، الأمر

الذي يعمق غموض هذه اللغة ويشوش عملية القراءة حين تنعزل بعض الكلمات عن التراكيب التي أدرجت فيها، إلى درجة يصعب فيها على القارئ التأكد من موقعها الصحيح في الجملة كما هو الحال في هذا النموذج :

                   لطفا أيتها الشمس

                   جسدي منشغل بالتوهج

                                      جديدةً

                   كل ضياء أنبجس

                   إليه أرفو أبعادي

                   أهجر الذاكرة / أولد في الإشارة

                   ثوبي جلد هواء

                   الجسد قبلة الرياح

                   يخلط بالنجم الوقت الذي نسجناه

                            أينا المدى ؟

                            أينا السنى ؟ (15)

  فكلمة "جديدةً" في هذا المقطع وضعت منعزلة في سطر شعري، وعبثا نحاول ربطها بما قبلها وبما بعدها من جمل، ولكننا لا نظفر بما يلائم وضع هذه الكلمة المنصوبة، فنضطر إلى افتراض فعل محذوف يلائم السياق والكلمة معا، كأن نقول مثلا (أصبحت جديدة)، ليلائم دلالة الجمل المحيطة بالكلمة. ولكن هذه القراءة التي تتوخى السهولة والوضوح، تحرم هذه اللغة جماليتها وتوهجها وتعيدها إلى منطق الأشياء وألفتها. ومن ثم نبحث عن تخريج آخر لهذه الكلمة، وهو ما يجد إمكانية له في اعتبار "جديدة" حالا مقدما لفعل يوجد في مسافة بعيدة نوعا ما من التركيب. وهو فعل "أولد" من قول الشاعرة (أولد في الإشارة)، فيكون المعنى أن الشاعرة تولد في الإشارة ولادة جديدة، أما جمل (كل ضياء انبجس إليه، أرفو أبعادي، أهجر الذاكرة) فتصبح جملا اعتراضية في هذه القراءة، تفصل بين الحال (جديدة) وبين الفعل (أولد). و انتفاء أدوات الربط والفصل هنا أسلم التركيب إلى الفوضى والاضطراب، الذي يضاعفه استعمال الشاعرة للقاطعة بين قولها أهجر الذاكرة/ أولد في الإشارة، فهي وإن كانت تشير إلى القطيعة بين حالين، فإننا لن ندرك ما إذا كانت القطيعة تتم فقط بين جملتي السطر أم أن القاطعة تشير إلى أبعد من ذلك، إلى القطيعة بين الولادة القديمة والأخرى الجديدة.

 و هذا الاضطراب في هذه التراكيب اللغوية راجع إلى حال الذات الشاعرة التي تخضع لتحولات مستمرة لا تتوقف، وبالتالي فإن التعبير بمنطق عن هذه الحالة مستحيل، لأن اللغة المنطقية بطيئة في نقل كل ما تحس به الذات، فسرعة التحولات التي لا تستغرق سوى ثوان معدودة بفعل الخيال الخلاق الذي يستطيع أن يكثف الزمن كما يشاء يوجد في وضعية متقدمة عن التعبير اللغوي الذي يستغرق مدة زمنية أطول، فكأن اللغة في هذا المقطع تحاول أن تجسد لنا سرعة التحولات في للحظة نفسها التي تحدث فيها. فتبدو الأشياء متناقضة متداخلة.

فبالنظر إلى الجمل التي افترضناها اعتراضية في قراءتنا سنجد أنها تنشئ دلالة تتعلق بماهية الولادة الجديدة، وإن شئنا الدقة، تصور مخاض هذه الولادة. فالشاعرة في هذه التراكيب التي تبدو مضطربة تحاول أن تنقل إلينا الحالة كما حدستها بخيالها في لحظتها. فقد أدركت في لحظة انشغال جسدها بالتوهج أنها بصدد ولادة جديدة، ولكنها لم تستطع أن تعبر سوى عن جدة الحدث فأرجأت نقل  الحدث الذي هو فعل الولادة إلى ما بعد، واكتفت بكلمة "جديدة" لأنها في اللحظة نفسها ستنشغل بمعاينة مخاض هذه الولادة وهو ما عبرت عنه في التراكيب اللغوية – كل ضياء انبجس إليه – أرفو أبعادي- أهجر الذاكرة. وحين تكتمل الولادة الجديدة، تعبر عنها بقولها (أولد في الإشارة)، فتصبح الجمل بعد هذا مصورة لمظاهر هذه الولادة الجديدة. إن اللغة هنا تحاول ملاحقة سرعة الانفعالات وتحولات الذات لتنقلها في لحظتها الآنية، ولهذا تتسم بالاضطراب والغرابة والشذوذ عن المنطق، فيتقدم ما حقه التأخير، ويتأخر ما حقه التقديم.  فتغيب العناصر المنظمة لهذه التراكيب و تنبهم العلاقات النحوية وتضطرب.

 وإذا كانت اللغة- من زاوية الإبداع- في هذه النماذج تعلن بواسطة هذين العنصرين انتفاء الحدود والمقاييس المنطقية المبنية على العقل داخل تجربة شعرية مرتبطة بحالة إبداعية خاصة ومتميزة، فإن ذلك لا يشكل بالنسبة للقارئ سوى عنصر إرباك وقلق يقحم اللغة في الغموض واللامعنى، ويمنعه من التواصل مع هذه التجربة الإبداعية،  حين يجد نفسه عاجزا عن استيعاب الصور المخيلة بواسطة هذه اللغة التي تنزع إلى محو العلاقات المنطقية بين عناصرها، مجسدة نصا شعريا موسوما بالتشتت و الفوضى فيبدو و كأنه ركام من الصور المتناثرة التي لا رابط بينها.

 و هذا ما يضاعف الغموض عند القارئ و يجلي الأمر الثاني الذي أراه يحجب انسجام اللغة الشعرية في إبداع الشاعرة، إذ يبدو النص للقارئ المتسرع الذي يتوخى الفهم   و اقتناص المعنى و كأنه تجميع لصور متنافرة في فضاء واحد، و في إبداع الشاعرة نماذج كثيرة أكتفي بالتمثيل لها بقولها:

 

                  للغريب الضارب في أغوار نذري

                   لمزاميره الطالعة من ضراوة الخفق

                   لأرضه المجلوة بفتنة القتل

                   لجرحه          لأعراسه

                   للغة أشيائه

                   لياسمينة أودعتها عزلة غاباته

                                               ذات قصيدة

                   لملح شهواته في دمي

                   لحلمي النبيذيِّ القديم

                   لليلتنا التي لم تكن،

 

                                      حفي نبضي           (16)

                                             

       تنفرط العلاقات المنطقية بين مجموع الصور التي سعت إلى تحديد الغريب الذي يهدى له حفي النبض. فالمزامير والأرض والجرح والأعراس واللغة والياسمينة، وملح الشهوات، والحلم النبيذي، كلها عناصر متضاربة متنافرة لا تجانس بينها. زادتها الصورة التي أدرجت فيها غموضا، إذ إن الجمع بينها يبدو وكأنه تم بطريقة اعتباطية آلية، هذا ما يجعل الصور تبدو مشتتة ومتشظية، تفتقد اللاحم الذي يوحدها في دلالة معينة، وإن كانت جميعها تشترك في الانتساب إلى الغريب الذي ذكر في بداية الصورة الذي يعلن بنفسه مسبقا على غرابة الأشياء التي يمكن أن يحتضنها باعتباره شيئا غريبا موغلا في الأغوار.

      إن الشعر بفعل التجربة الخاصة التي يتولد بها مرغم على تأسيس لغة جديدة و بالتالي جمالية شعرية جديدة فإذا كانت اللغة في السابق قد أسست جماليتها على الاستعارة الجامعة بين عناصر الصورة بواسطة علاقة المشابهة، فإن الصورة الشعرية هنا تجمع بين ما لا يجتمع لصدورها عن ذات غريبة لم تعد العلاقات المنطقية شغلها و لا في إطار اهتمامها.

 فكما انفرطت العلاقات المنطقية في التركيب اللغوي كذلك تشتتت الصور في النص الشعري في فوضى عارمة مفتقدة المنطق و العقل، معانقة الهذيان و الهلوسة . هكذا ينظر القارئ إلى هذا الخلق الشعري الجديد، و هذه نظرة تسير في الاتجاه المعاكس لنظرة المبدعة إلى شعرها. فما تحياه الشاعرة نشوة و ظفرا بالوصل و إشراقا بكيان جديد نسغه ولادة لغة بكر، يحياه القارئ معاناة مضنية و لهاثا وراء القبض على المعنى المتواري في تضاعيف الكلام. والحال، أن المعنى في هذه التجربة الإبداعية لا وجود له، لأن الشاعرة لا تعبر عن شيء له وجود واقعي، فهي تخلق اللغة من جديد سلاحها الحدس و الخيال. و هذا يعني أنه لم تعد هناك مرجعية مشتركة بين الشاعرة و القارئ، لأن كل ما تخلقه نابع من الدواخل،  من تحرر الأنا الشعرية من قيود الواقع، و بالتالي فمن البديهي أن تصطدم القراءة العادية بكثافة اللغة الشعرية التي أصبحت رموزا و إشارات إلى أحوال الذات في رحيلها نحو الأعماق كما تؤكد الشاعرة حين تقول:

              عميقا

              ينزف عقيق أبجديتي (17)       

  نزيف الأبجدية في الأعماق انهمار لصور لا حد لها تتناسل دون توقف، و أظن أن هذا القول يرمز إلى هذا الانفراط الذي يحدث للغة  فتتشتت في كل اتجاه غير أن الشاعرة لا ترى هذا الانفراط مخلا بالخلق الشعري بل هو نتيجة طبيعية لفرادة هذا الخلق.

          لا أفهم /لا أفهم

          ماسية متشظية

            مثل قصيدتي العصية

                             الآتية(18)

        إن المبدعة  لن تحس إلا بالانسجام التام بين ذاتها و لغتها،انسجام يبلغها درجة النشوة الكاملة، وبطبيعة الحال فإن هذا لن يتم إلا إذا توحدت الذات مع الحالة الشعرية الخاصة. وإذن، من أين يأتي التشتت الذي نلمسه بوضوح في  النص الشعري ؟  

       إن التشتت لن يبرز إلا حين تنفتح الذات لتنقل الحالة الشعرية الوجدانية إلى عالم اللغة،ذلك بأن اللغة التي  توجد داخل الحالة، لابد من أن تخرج إلى الوجود كتابة ، و هذا الخروج يشكل تهديدا وخطرا على الحالة لأنه ينهي الاستمتاع واللذة  التي كان تحدسها الذات، ولذلك فإنها مرغمة على سرعة تسجيل هذه الحالة قبل أن تتلاشى وتضمحل قوتها، وهذا ما تفعله الشاعرة حين تنقل الحالة إلى اللغة المكتوبة، وحينذاك يحدث الخلل، فأثناء معاناة الحالة تتفجر طاقة التخييل بسيل من الصور التي تنبثق دفعة واحدة، في تشابك مذهل ومثير، وفي انسجام لا نظير له، وهذا ما تعجز اللغة عن تحقيقه، فهي بمنطقيتها لا تقول الأشياء إلا في مراحل وعلى دفعات. وانفجار الصور التي حققت انسجاما وتكاملا داخل الحالة كما أحستها الشاعرة في لحظة مكثفة لا تتحقق لغويا إلا إذا فككت، فتسجل عبر دفعات متتالية في جمل لغوية تشكل صورا متقطعة.

        وكان بالإمكان أن يكون لهذه الصور المتقطعة انسجام لغوي لولا أن الشاعرة وهي تنقل الحالة إلى اللغة تكون متلهفة على ألا تضيع منها فرادة الحالة وحرارتها، فتسارع إلى تسجيل الصور كما ترد عليها دون توخي الربط، ففي مرحلة النقل هذه تكون ما تزال تحت تأثير الحالة، ومن ثم لا تعي بأن ما تنقله لا منطقي ولا مترابط . فالتشتت إذا لا يظهر في اللغة من وجهة النظر الإبداعية لأن اللغة تلاحق غرابة الحالة الشعرية التي تتنامى في الدواخل  منتشرة في كل الاتجاهات. إن التشتت يظهر في اللغة من وجهة نظر القارئ الذي لم يعاين حال الذات و لم يضع تميزها في اعتباره فهو يقرأ خلقا جديدا لا سابق له بقياسه إلى مخلوقات سابقة. و هذا لا يستقيم ،لأن الذات كفت عن إعادة خلق العالم كما هو الحال في تجربة الشعر المعاصر و أصبحت تخلقه.

فلنفترض أن الذات الشاعرة عبارة عن صندوق مغلق له فتحة صغيرة. وبداخله حالة شعرية متميزة، ولتكن عقدا فريدا مثلا، حباته من مختلف الأحجار الكريمة، لؤلؤ، زمرد، ياقوت، مرجان، فيروز... الخ، وتميز هذا العقد يكمن في نظام خاص لم الحبات بعضها إلى بعض، ولنفترض أن الشاعرة عز عليها الاحتفاظ بهذا العقد مهملا في الصندوق وأرادت أن تخرجه ليرى الناس فرادته وجماله، لكنها تجد أن الفتحة لا تسع إخراج العقد بكامله في النظام الذي صيغ به داخل الصندوق، بل تسع حبة وراء حبة، فماذا تفعل ؟ إما أن تتركه هناك قابعا في الذات، وإما أن تسحب الخيط الذي يلم حبات العقد، وإذ تختار الخيار الثاني، فإن الحبات تنفرط، فتخرج حبة وراء أخرى، وبهذه الطريقة لن نرى أبدا العقد كاملا في نظامه الأصلي، بل كل ما نحصل عليه هو حبات منفرطة جمعت في شكل فوضاوي، و كما أن الجمال هنا ينشأ عن الحبات الثمينة في حد ذاتها باعتبارها تحمل جمالا فنيا في ذاتها، فإن ذلك لن يغنيها عن جمال مفترض في عقد منظم بطريقة فريدة. ونحن في هذه الحالة لا نملك أي تصور حقيقي عن جمال العقد كما كان في صندوق الشاعرة، لكننا نملك في المقابل الحبات – التي لم تمتلكها الشاعر في بداية صنعها للعقد- بل شكلتها ونحتتها عن طريق الحدس و الخيال ، مما ييسر علينا عملية إعادة تجميعها بطريقة ما ، وهنا ما يهم القراءة هو محاولة إعادة  صياغة عقد شبيه بذلك الذي كان في الصندوق. و- أقول شبيها به -لأنها لن تستطيع أبدا إعادة صياغة العقد الأصلي كما كان في الداخل، بل كل ما تفعله هو أن تتصور وتفترض شكله، ومن ثم تتعدد إمكانيات تجميع الحبات في شكل جمالي جديد.

وقريب من هذا ما يحدث في نقل تجربة الذات إلى اللغة، فقصور هذه الأخيرة عن احتواء الحالة الشعرية بتعددها المنسجم في الأصل هو ما يدفع الشاعرة إلى نقلها في أجزاء وصور متقطعة، ولأنها مصرة على الحفاظ على خصوصية التجربة باعتبارها حالة تتجاوز كل وصف، فإنها لن تحفل بأدائية اللغة ولا بمنطقها، بل تحرص بدل ذلك أن تقترب اللغة من العوالم التي أسستها الحالة الشعرية في لحظة لا تتكرر.  فاللغة رموز لحالات فريدة ، و من طبيعة الرمز الإيحاء و الومض ، و لهذا مهما ادعت القراءة أنها قد توصلت إلى ما يريد الشاعرة البوح به فإن  ادعاءها لا يعدو أن يكون رجما بالغيب ، لأن هذه اللغة حصنت نفسها  من واحدية المعنى التي تقتل الشعر بانغلاقها في محارة الذات التي تجاوزت كل ما هو مشترك بينها و المتلقي  لتنتج معرفتها الخاصة،و بالتالي لغتها الفريدة  التي  تنفلت من أي امتلاء . و يمنحها سمة التعدد الدلالي الذي لا نهاية لمداه.

و أختم كلامي بمحاولة ربط تجربة الشاعرة وفاء العمراني بموضوع هذا اليوم الدراسي  الذي هو " الأدب النسائي بين البعد المرجعي و البعد الأدبي"، فأقول إن الشاعرة وفاء العمراني تخلق اللغة، و من الأجدر من أنثى خبرت مخاض الولادة  لتجسد مخاض الخلق الإبداعي،إنها تحمل اللغة في أحشائها كما تحمل أي أنثى جنينها:

على باب شهوة السؤال

أشرعتني غابات السفر عليك

و أدناني، طوعا، فجر الحرف

         إليك

أنا حاملةَ ثمارك

و الريحَ فاتحةً ذراعيها

لخصوبات مدارك.(19)

و ككل خلق فإن خلقها فريد لا شبيه له، كما تقول الشاعرة

كلماتي غير الكلمات,(20)

و تقول أيضا،

تشرد عن اللغات لغتي,(21)

إن هاجس الشاعرة من وراء هذا الخلق اللغوي هوتحديد هويتها الأنثوية،برسمها لمعالم أنوثة تخلق إبداعها متحررة من قهر تاريخ لغوي جائر موسوم بالفحولة اللغوية التي طبعت إنتاج الشعر العربي ، لذلك تسافر إلى أعماق ذاتها لا يرافقها سوى خيالها و حدسها، لتفجر لغتها الخاصة التي تخلق كونا شعريا  يسوده صفاء وانسجام ، ففي أدب الشاعرة إذن يتراجع البعد المرجعي لصالح البعد الأدبي التخييلي حيث ينبثق عالم لغوي لا يحيل إلا على  نفسه ،عالم تتصالح فيه كل الثنائيات المتضادة،  ، فلا صراع و لا ضغينة ، لا ذكورة و لا أنوثة، و حتى على مستوى تجسيد الكتابة يذوب الشعر في النثر. لا حضور إلا لذات تبدع  لغة خاصة      و بهذه  اللغة تتحدد هوية الشاعرة . إنها مبدعة و كفى.

 

       

الهوامش

 

1-   وفاء العمراني، ديوان "الأنخاب" ق:"المكاشفات"ص58

2-   وفاء العمراني، ديوان"فتنة الأقاصي" قصيدة فتنة الأقاصي ص44

3-   م.ن ،ق.ن،ص 37-38

4-   وفاء العمراني،د:"هيأت لك"ق:"أريج باذخ"ص 45-46

5-   وفاء العمراني، د:فتنة الأقاصي،ق: عدم صديق و آخر لا.ص 115-116

6-   وفاء العمراني،د:فتنة الأقاصي.ق:رذاذ السريرة.ص:97-98

7-   م.ن ،ق:صلاة الغائم ص83

8-   د. هيأت لك،ق:أشبهك أيتها الريح،ص:57-58      

9-   د: فتنة الأقاصي ق: للآتي أنا منذورة، 72-73

10- د:هيأت لك،ق: أشبهك أيتها الريح،ص 55-56

11- م.ن، ق: نعل من جمر،ص:96

12-م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص36

13-د:فتنة الأقاصي، ق: فتنة الأقاصي،ص48

14-د: هيأت لك،ق:أريج باذخ،ص 39-40

15- م.ن،ق:ذكراي منه الغياب،ص23-24

16- م.ن،ق: أريج  باذخ،ص9-10

17-  د:فتنة الأقاصي،ق: فتنة الأقاصي:ص 40

18- م.ن، ق:ضاج بي أيها الحب ضاجة بك أيتها المسافة،ص60

19-د:هيأت لك،ق: نشيد الوفاء،ص:83-84

20 د: فتنة الأقاصي، ق: عدم صديق و آخر لا،ص 106

21-م.ن،ق.ن ص111

 

 

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية