Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
27 septembre 2009 7 27 /09 /septembre /2009 11:54

1413.jpg 

النقد الثقافي عند عبد الله الغذامي

رشيد العلوي

مدخل:

يشكل مجال النقد في الدراسات الأدبية، مجالا واسعا إلى أن أصبح الضرورة التي لا غنى عنها لتنمية وتغذية “النص الأدبي” بمختلف تلاوينه. واعتبر النقد الأدبي إلى عهد قريب أداة منهجية لقراءة وإعادة قراءة النصوص الأدبية. إلا أنه ونظرا لتنامي نظريات نقدية جديدة، كان لزاما على الدراسات الأدبية بين الحين والآخر مراجعة الطرق والمناهج المتبعة لفتح المجال لمناهج جديدة ولاعادة بناء النص وتأطيره بمنظورات أخرى مغايرة.

سنقف في هذا العرض على مفهوم “النقد الثقافي” في حقل الدراسات الثقافية العربية، كأداة جديدة ساهمت في إغناء الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، مع الاطلالة على أصول هذا “النمط الجديد”، وعلى ينبوعه الأول. ذلك أنه في عقد التسعينيات من القرن الماضي عرفت الدرسات الثقافية ازدهارا ملحوظا. وتركيزنا على الدراسات الثقافية العربية، أملته الحاجة إلى النظر في هذا المنهج الجديد الذي حضي باهتمام متزايد، من أجل الكشف عن الجدة فيه، وعن مكامن الخلل التي يمكن أن يصيبه. كما أملته الحاجة إلى الاطلاع على ما استجد في حقل الدراسات الثقافية، ذلك أن الاهتمام بالتراث الثقافي كيفما كان نوعه لا يمكن أن يتم إلا بالإلمام بنظريات ومناهج قراءة النص التراثي عموما (وليس الأدبي تحديدا)، على الرغم من أن هذا العرض لا يعالج إلا النوع الأدبي، لأن ازدهاره وظهوره الأول ارتبط بمجال الدراسات الأدبية.

تعتبر محاولة عبد الله الغذامي لإرساء أسس منهج جديد، ومشروع نقدي جديد، من أهم المحاولات التي حضيت باهتمام النقاد العرب اليوم، إلا أنها محاولة لا تنفك هي بدورها من التأثير “الغربي”، ذلك أن النقد الثقافي ظهر وأرسى أسسه الأولى في أوربا إبان القرن الثامن عشر، ولقي في العقد التاسع من القرن الماضي إقبالا في أمريكا نتيجة دعوة الباحث الأمريكي “فنسنت ليتش V.leitch إلى ضرورة نقد ثقافي ما بعد بنيوي، يسعى إلى الخروج عن القواعد المؤسساتية التي تقيد النقد عادة والاهتمام بالانتاج الأدبي غير الرسمي أو غير المعترف به رسميا، أي أدب المهمشين. ويعتبر ليتش أهم مصادر الغذامي، كما سنرى.

وعلى هذا الأساس نتساءل: ما النقد الثقافي؟ كيف تشكل؟ ما هي مبررات ضرورة نقد جديد للدراسات الثقافية؟ كيف يتم النقد الثقافي؟ ما هي مجالات ومستويات النقد الثقافي؟ ما الجديد في النقد الثقافي؟

I - في النقد الثقافي: تحديد المفهوم

يسعى الغذامي في الفصل الأول من كتابه: “النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية”1، إلى تحديد مسيرة ظهور هذا المصطلح في الثقافة الغربية، والأمريكية على الخصوص، هكذا أراد أن يعين للمصطلح ذاكرة، معتبرا أن الدراسات الثقافية ازدهرت بالاساس في عقد التسعينيات من القرن العشرين، مع أنها بدأت منذ 1964 كبداية رسمية منذ أن تأسست مجموعة بيرمنجهام: Birmingham center for contemporary cultural studies .

وتهتم الدراسات الثقافية بالنصوص الأدبية لاستكشاف أنماط معينة من الأنظمة السردية والاشكالات الإيديولوجية وأنساق التمثيل. فالنص لا يشكل أساس الدراسات الثقافية بل هو مجرد أداة ووسيلة لأن أهمية الثقافية “تأتي من حقيقة أن الثقافة تعين على تشكيل وتنميط التاريخ”. وتوسعت هذه الدراسات لتشمل أنواع أدبية أخرى جديدة: العرق والجنس والجنوسة gender والدلالة والامتاع.

وقد تأثرت الدراسات الثقافية بنظرية غرامشي بتوظيفها لمفهوم الهيمنة، فالثقافة تعبير عن العلاقات الاجتماعية وفي نفس الوقت أداة للهيمنة. وتعتبر أغلب الدراسات أن مصادرها النظرية تتمثل في:

  • التاريخ والفلسفة
  • السوسيولوجية
  • الأدب والنقد

إلا أن الدرسات الثقافية تعرضت للنقد نتيجة ضعفها النظري وفقرها المنهجي مما ساهم في ظهور النقد الثقافي. بعد أن تعرض مفهوم الثقافة للنقد من طرف كلنر da’ kellner الذي أسس رؤيته النقدية المسماة: “نقد ثقافة الوسائل” media culture والذي زاوج بين:

  • مدرسة بيرمنجهام
  • مدرسة فرانكفورت

تنبني نظريته حول ما طرحه مؤسسو فرانكفورت حيث أن الوسائل تتحكم في المتلقي وتصنعه وفق أهداف وقوالب جاهزة، حيث تجري عمليات تسليع الثقافة مع دمج الناس في مستوى واحد. وتعميم هذا النموذج مما يحقق تبريرا ايديولوجيا لمصلحة الهيمنة الرأسمالية، واقحام الجماهير في شبكة المجتمع والثقافة العمومية. لقد اتخذ كلنر الثقافة كمجال للدراسة.

إن النقد الموجه للثقافة وللدراسات الثقافية، ساهم بشكل أو بآخر في بلورة مفهوم النقد الثقافي على يد ليتش فنسنت V.leitch الذي يرى أن النقد الثقافي يقوم على ثلاث خصائص:

  • لا يتعلق بالتصنيف المؤسساتي للنص الجمالي بل يذهب إلى ما هو غير جمالي في عرف المؤسسة (خطاب أو ظاهرة).
  • يستفيد من مناهج التحليل العرفية: تأويل النصوص، دراسة الخلفية التاريخية، التحليل المؤسساتي.
  • يركز على أنظمة الخطاب والافصاح النصوصي كما هو عند بارث، دريدا، فوكو، خاصة مقولة دريدا: “لا شيء خارج النص”.

ولم يكتفي ليتش بالمستويات الثلاث وفقط بل عمل على الانتقال من نقد النصوص إلى نقد المؤسسة نظرا لاعتباره أن القراءة مقيدة ومسيجة بقيود المؤسسة الأكاديمية التي ترسم إطارا جامدا للقراءة لقولبتها وضبطها.

II - النقد الثقافي: النظرية والمنهج

عمل الغذامي في الفصل الثاني من كتابه على تحديد مفهوم النقد الثقافي، بعد أن وضع نظرة موجزة عن مسيرة هذا المفهوم، ويتمثل السؤال المحوري في مشروع الغذامي في: هل هناك في الأدب شيء آخر غير الأدبية؟

يحاول أن يؤسس للمفهوم أولا معتبرا أن التعريف المؤسساتي للنقد الثقافي الأدبي غير مجد، وهو تعريف يركز على: أن الأدبي هو الخطاب الذي قررته المؤسسة الثقافية حسب ما توارثته من مواصفات بلاغية وجمالية قديمة وحديثة وهذا التصنيف في نظره يميز في الأدب ما هو رديء وما هو جيد، ما هو راق وما دون الرقي. لذلك يعتبر أن عمله إطار الأدب إلى الثقافة، متسائلا: كيف يمكننا إحداث نقلة نوعية للفعل النقدي من النقد الأدبي إلى الثقافي…؟

هكذا يرى أن:

” النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهو أحد علوم اللغة وحقول الألسنية معنيّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء. ومن حيث دور كل منها في حساب المستهلك الثقافي الجمعي. وهو لذا معني بكشف لا الجمالي كما شأن النقد الأدبي، وإنما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي/الجمالي، فكما أن لدينا نظريات في الجماليات فإن المطلوب إيجاد نظريات في القبحيات لا بمعنى عن جماليات القبح، مما هو إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي”.2

وبهذا يعين العديد من العمليات الإجرائية والتي تتمثل في:

  • نقلة في المصطلح النقدي ذاته؛
  • نقلة في المفهوم (مفهوم النسق)؛
  • نقلة في الوظيفة؛
  • نقلة في التطبيق؛

أولا: النقلة الاصطلاحية

تتمثل النقلة على مستوى المصطلح النقدي في ذاته في ستة عمليات ترتكز أساسا على نقد العمليات النقدية والمفاهيم السائدة في النقد الأدبي محاولا تجاوز البعض منها وتطويرا البعض الآخر، وتتم هذه النقلة على مستوى:

1 - عناصر الرسالة (الوظيفة النسيقة):

يستند على نظرية جاكوبسون في التواصل والتي نقلها من الإعلام والاتصال إلى الأدب والتي ترتكز على ستة عناصر: المرسل، المرسل إليه، الرسالة، السياق، الشفرة، الاتصال. والتي تقابلها ستة وظائف: النفعية، التعبيرية، المرجعية، المعجمية، التنبيهية، الشاعرية (الجمالية). ويرى الغذامي أنه سيضيف وظيفة سادسة هي الوظيفة النسقية، إلى جانب عنصر جديد هو عنصر النسق.

وبالتالي نكون أمام سبعة عناصر لنظرية التواصل وسبعة وظائف، وقد أجملها الغدامي في المخطط التالي:

الشفرة

السياق

الرسالة

المرسل ———— المرسل إليه

أداة الاتصال

العنصر النسقي

تشكل هذه الإضافة بالنسبة للغذامي أساس نظري لدراسته، معتبرا أن هذا النسق هو أساس النقد الثقافي.

2 - المجاز والمجاز الكلي:

المجاز بالنسبة للغذامي لا يمتلك وفقط قيمة بلاغية / جمالية بل قيمة ثقافية. حيث يعتبر المجاز مفهوما بلاغيا يدور حول الاستعمال المفرد للفظة المفردة. ونظرية المجاز تقوم على الازدواج الدلالي والذي يسمى المجاز والحقيقة والذي يصف حركة اللغة في تحويل القول من معنى إلى آخر.

ينبغي في نظره تجاوز هذا المعنى الضيق وذلك بنقد المفهوم البلاغي للمجاز، واقتراح “مفهوم ثقافي للمجاز يوسع من مجاله ويهيئه لاستعمال نقدي أكثر وعيا بالفعل النسقي وتعقيداته”3، والتأمل في الفعل الثقافي من حيث أداؤها التعبيري المباشر ثم التأثيري غير المباشر. وهذا يعني أن ذلك يتم على مستوى كلي وليس جزئي. لذلك ينبغي تجاوز مفهوم المجاز إلى مجاز كلي حيث المعنى الدلالي يتجاوز العبارة والجملة إلى الخطاب الثقافي ببعده الكلي الجمعي.

3 - التورية الثقافية:

التورية تعنى بالظواهر التعبيرية المقصودة فعليا في صناعة الخطاب وفي تأويله. وفي النقد الثقافي لا نعنى ـ حسب الغذامي ـ  بالوعي اللغوي بل معنيون بالمضمرات النسقية. والمعنى المقصود في التورية هو المعنى البعيد. ويخضع العملية للقصد أي للوعي ويحولها إلى لعبة جمالية. إن التورية تركز على إزدواج دلالي: بعيد وقريب، في حين استعير هذا المفهوم في النقد الثقافي ليدل على حال الخطاب إذ ينطوي على بعدين أحدهما مضمر ولاشعوري ليس في وعي المؤلف ولا في وعي القارئ. إنه مضمر نسقي ثقافي لا يكتبه كاتب فرد، ولكنه انوجد عبر عمليات من التراكم والتواتر حتى صار عنصرا نسقيا يتلبس الخطاب ورعية الخطاب من مؤلفين وقراء.

لذلك يدعو الغذامي إلى تورية ثقافية، إذ المضمر في النصص لا يوجد في النص بل في المضمر الثقافي.

4 - نوع الدلالة: الدلالة النسقية

النقد الأدبي بنى مشروعه على ازدواجية: دلالية صريحة دلالية ضمنية ويقترح الغذامي دلالة ثالثة هي: الدلالة النسقية.

ونكاد لا نجد تعريف واضحا لهذه الدلالة في نص الغذامي، بل يعتبرها ميتافيزيقة وغير دالة وغامضة، لذلك يدعونا إلى التسليم بها وفقط حيث يقول: “المهم هنا هو أن نسلم بضرورة إيجاد نوع ثالث من الدلالة هو (الدلالة النسقية) وعبر هذه الدلالة سنسعى إلى الكشف عن الفعل النسقي من داخل الخطاب”، وقبل هذا القول نقرأ فعلا عبارات لا معنى لها بتاتا وخاصة في مشروع يعتبر نفسه مشروعا نظريا يسعى إلى بناء نظرية في الأدب والثقافة عموما: “إن الدلالة النسقية ترتبط في علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرا ثقافيا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرا فاعلا، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامنا هناك في أعماق الخطابات وظل ينتقد ما بين اللغة والذهن البشري فاعلا أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد بالجمالي أولا ثم لقدرة العناصر النسقية على الكمون والاختفاء”4. ويعتبر أن الدلالة النسقية ذات دلالة ثقافية مرتبطة بالجملة الثقافية.

5 - الجملة النوعية: الجملة الثقافية

يتضح أن المنطق المتحكم في الغدامي هو التقابل بين النوع الأدبي والنوع الثقافي.

الجملة الثقافية هي النوع المقابل للجملتين النحوية والأدبية.

لا يعرض أسس هذه الجملة بل يجعلها مشروطة بأنواع الدلالات السابقة: النحوية، الأدبية والثقافية مشيرا إلى أن الثقافة هنا مأخوذة بدلالتها الأنثروبولوجية5.

6 - المؤلف المزدوج:

إن الثقافة ـ ويصح هنا أن نتحدث عنها كخلفية ـ لم تعد كما نفهم ذلك من خلال قول الغذامي، مجرد موجه بل مؤلفا حيث نقرأ: “كل ما نقرأ وما ننتج وما نستهلك هناك مؤلفين إثنين/ أحدهما المؤلف المعهود، مهما تعددت أصنافه كالمؤلف الضمني والنموذجي والفعلي والآخر هو الثقافة ذاتها، أو ما أرى تسميته بالمؤلف المضمر”6. وهو ما يسميه بالمؤلف النسقي. إنه مؤلف مزدوج: مؤلف معهود ومؤلف ثقافي مضمر.

ثانيا: النقلة في المفهوم - النسق الثقافي

يطرح ثلاثة أسئلة مركزية: ما النسق الثقافي؟ كيف نقرؤه؟كيف نميزه عن سائر الأنساق؟

يكتسي مفهوم النسق دلالة خاصة يحددها فيما يلي:

1 - يتحدد في وظيفته، وليس عبر وجوده المجرد. والوظيفة النسقية هاته تتخذ أربع مواصفات:

أ – نسقان يحدثان معا وفي آن، في نص واحد أو في ما هو بحكم النص الواحد.

ب – يكون المضمر منهما نقيضا ومضادا للعلني. ذلك أن النص لا يدخل ضمن النقد الثقافي ما لم يكن فيه المضمر من تحت العلني.

ج – لا بد أن يكون النص جميلا ويستهلك بوصفه جميلا لأن الجمالية أخطر حيل الثقافة لتمرير أنساقها وإدامتها.

د – لا بد أن يكون النص جماهيريا ويحضى بمقروئية عريضة، وذلك لكي نرى ما للأنساق من فعل عمومي ضارب في الذهن الاجتماعي والثقافي.

2 – ضرورة قراءة النصوص والأنساق من وجهة نظر النقد الثقافي. فالدلالة النسقية هي الأصل في النقد الثقافي، إنها أداة للكشف والتأويل.

3 – النسق كدلالة مضمرة ليست مصنوعة من المؤلف بل الثقافة ومستهلكها، جماهير اللغة من كتاب وقراء “يتساوى في ذلك الصغير مع الكبير والنساء مع الرجال والمهمشين مع المسود”7.

4 – النسق ذو طبيعة سردية، خفي ومضمر وقادر على الاختفاء دائما ويستخدم أقنعة جمالية لغوية.

5 – الانساق الثقافية: تاريخية أزلية راسخة لها الغلبة دائما، وعلامتها هي اندفاع الجمهور إلى استهلاك المتوج الثقافي.

6 – الجبروت الرمزي ذي طبيعة مجازية كلية وجماعية، يقوم بدور المحرك الفاعل في الذهن الثقافي للأمة، إنه المكون الخفي لذائقتها ولأنماط تفكيرها وصياغة أنساقها المهيمنة.

7 – ضرورة وجود نسقين متعارضين: يقصد الخطاب (وليس النص) أي نظام التعبير والافصاح سواء في نص مفرد أو طويل مركب أو ملحمي أو في مجموع إنتاج مؤلف ما أو في ظاهرة سلوكية…

ثالثا: النقلة في الوظيفة - وظيفة النقد الثقافي

يدعونا الغذامي في هذه النقلة إلى ضرورة الانتقال من نقد النصوص إلى نقد الأنساق الثقافية وهنا تأتي وظيفة النقد الثقافي من كونه نظرية في نقد المستهلك الثقافي (وليست في نقد الثقافة هكذا بإطلاق، أو مجرد دراستها ورصد تجلياتها وظواهرها)، مع العلم أن مجال نقده للنصوص الأدبية في القسم الثاني كمجال تطبيقي (وهذا هو النقلة الأخيرة والتي شغلت حيزا كبيرا في الكتاب)، لم يستطع الإلمام بالبناء الثقافي الذي يؤطر النص، ونعتقد أن هذه المسألة نقودنا إلى بعض الملاحظات حول مشروع الغذامي.

III - ملاحظات حول “مشروع النقد الثقافي”:

لقد سعى العديد من الهمتمين بالنقد في الأدب العربي إلى إبداع “قول” فيما استجده الغذامي في الساحة النقدية العربية، وبين ناقد8 لهذا المشروع النقدي “الجديد”، وبين مدافع عنه ومنبهر به، نتوقف أساسا على مدح الدكتور السعودي مصطفى الضبع لمشروع الغذامي، وذلك في عرضه أمام مؤتمر أدباء مصر9، والذي اعتبره “مشروعا وطرحا جديدا على مجتمعنا العربي” ، لأنه يمثل “استيعاب الناقد لكل ما طرح على الساحة العالمية في الموضوع”، ولأنه هام جدا يسعى إلى “مراجعة الكثير مما كرسه النقد الأدبي عبر عصور التراث العربي السابقة”، وقد وصل به الأمر إلى حد اعتبار هذا المشروع لا يحتاج إلى تبسيط لأن ما يميز “الطرح الثقافي بساطته وبعده عن التعقيد” مكتفيا بالاستشهاد بمقتطفات من كتاب الغذامي “النقد الثقافي”، ويحدد مميزات هذا المشروع في كونه:

التكامل: حيث يتكامل مع الأنواع النقدية الأخرى، وينبذ الهيمنة الانفرادية.

التوسع: حيث ينظر من زاوية النشاط الإنساني المتكامل منفتحا على أشكال متعددة من هذا النشاط.

الشمول: حيث يشمل كل مناحي الحياة.

الاكتشاف: يسعى إلى اكتشاف جماليات جديدة.

الحرية: فالنقد الثقافي يشترط حرية أوسع وساحة أكبر للحرية سواء في موضوعه أو في طرائقه.

وبغض النظر عن مساهمات أخرى تذهب في نفس الاتجاه، أي إلى تأكيد وتعداد مزايا مشروع النقد الثقافي لدى الغذامي، فإننا نسوق هنا بعض الملاحظات التي تبدو لنا جديرة بالتسجيل، لأن الوقوف على كل القراءات التي تمت طوال تسع سنوات منذ ولادة المشروع ليس هينا.

اعتقد أن الغذامي يريد أن يعرض نظرية جديدة دقيقة ومنهجية يسميها النقد الثقافي والتي يؤسس أغلب عناصرها ردا على النقد الأدبي: يؤسس جل عناصر نظريته من خلال عناصر معروفة في النقد الأدبي: المجاز، التورية… معتبرا أن النقد الثقافي أعم من النقد الأدبي، لذلك فالمؤلف مؤلفان معهود ومضمر (هو الثقافة)، لكن السؤال الجدير بالاهتمام هنا هو: لماذا ينبغي تجاوز النقد الأدبي إلى النقد الثقافي؟10

إن النقد الثقافي لا يمكن أن يكون بديلا للنقد الأدبي، وهو ما يحيل عليه الغذامي نفسه ولو بشكل عرضي لأن النقد الذي يوجهه للنقد الأدبي ليس نقدا فارغا بل هو محمول بنوع من الازدراء (حيث صب المهتمين بالنقد الادبي جام غضبهم على الغذامي)، حيث نقرأ “إننا نقول بمفهوم المجاز الكلي متصاحبا مع الوظيفة النسقية للغة، والإثنان معا مفهومان أساسيان في مشروعنا في النقد الثقافي كبديل نظري وإجرائي عن النقد الأدبي”11، وهنا نلاحظ الرغبة الخفية في مشروع الغذامي والمتمثلة في العمل على استبدال النقد الأدبي بالنقد الثقافي، لما لا وهو يتصوره بديلا. ويقول في مقدمة الكتاب: “وبما أن النقد الأدبي غير مؤهل لكشف الخلل الثقافي فقد كانت دعوتي بإعلان موت النقد الأدبي، وإحلال النقد الثقافي مكانه، وكان ذلك في تونس في ندوة عن الشعر عقدت في 22 ستنبر 1997، وكررت ذلك في مقالة في جريدة الحياة(أكتوبر 1998)”12.

ولا يسع القارئ لكتاب الغذامي إلا أن يلاحظ التناقض الصارخ الذي لا يستطيع الغذامي تجاوزه بين اعتبار النقد الثقافي بديلا وبين القول بالتداخل بين النقدين، حيث نقرأ في مقدمة الكتاب: “وليس القصد هو إلغاء المنجز النقدي الأدبي، وإنما الهدف هو تحويل الأداة النقدية من أداة في قراءة الجمالي الخالص وتبريره (وتسويقه) بغض النظر عن عيوبه النسقية”13، ولعل هذا يعود إلى أن ملهم الغذامي، الأمريكي ليتش فنسنت، لا يستطيع بدوره أن يلغي النقد الأدبي وأن يحل محله النقد الثقافي، لأنهما يشكلان بالنسبة له نقدان مختلفان، على الرغم من نقط الالتقاء والرتابط بينهما، وهو لا يدعو إلى الفصل بين النقدين فمتخصصي النقد الأدب يمكنهم ممارسة النقد الثقافي دون أن يتخلوا عن اهتماماتهم الأدبية، واتخذ هذا النظر في مشروع الغذامي شكلا مبهما غير واضح لأن النقد الثقافي في نظره يستدعي تغييرا في بنية المصطلح والمفهوم حيث يقول: ” إن إعمال المصطلح النقدي الأدبي إعمالا لا يتسمى بالأدبي، ويتخذ له صفة أخرى هي الثقافي، يستلزم إجراء تحويرات وتعديلات في المصطلح لكي يؤدي المهمة الجديدة”14. وإذا كان النقد الثقافي يستدعي تغييرا في المصطلح، فكيف يمكن للنقد الأدبي أن يظل حاضرا في عمل الناقد وهو مجرد من بنيته المفاهيمية؟

كيف يتصور الغذامي الثقافة في مشروعه؟ أو ما طبيعة البنية الثقافية التي يتحدث عنها في مشروعه باعتبارها هي المؤلف وهي المتحكمة في كل انتاج أدبي؟

إننا لا نجد ـ كما أشرنا سلفا ـ أي تحديد لطبيعة الثقافي في مشروع الغذامي، بل اكتفى بالإشارة إلى أن المعنى المقصود هو المعنى الانثروبولوجي، وبهذا نتساءل: هل تشكل الثقافة بنية مستقلة بذاتها خارج أي شروط أخرى؟ هل يفعل الثقافي في المبدع خارج البني الأخرى التي تحكم تصوره؟

إن الثقافي لا يشكل إلا بنية من البنيات الأساسية التي تعتمل في مجتمع من المجتمعات وهي بنية لا تتشكل بمعزل عن البنى الأخرى، بل تتفاعل معها وتعد مكونا من مكوناتها. هكذا تغدو الثقافة بنية محكومة بشروط عدة، وقابلة للتطور وللتغير. وفي نفس الوقت لا يمكن تصور البناء الثقافي باعتباره بناء متحجرا وجامدا يفعل فعله خارج الزمان والمكان.

إن الإقرار بتحول وتغير البناء الثقافي المكون للهوية الفردية والجماعية معا، والتي تظهر في أي عمل إبداعي أدبيا كان أو غير أدبي، يجعل نظرية الغذامي في النقد الثقافي محط سؤال، ففي معرض حديثه عن دلالة مفهوم “النسق الثقافي”، وعن وظائفه

يعتبر أن الأنساق الثقافية “تاريخية، أزلية، راسخة لها الغلبة دائما”، أي أنها ثابتة تظل كما هي، وهذا ما ينفي عنها أي تغير أو حركة، لأن التغير والحركة في النسق الثقافي يهدم كل مشروع يقول بامكانية الكشف عن الانساق في النصوص وفي نقد المؤسسة، بكل بساطة لأن النسق بدوره سيغدو متحركا ومتغيرا، ومن الصعوبة الامساك به.

إن النسق الثقافي لا يمكن أن يظل معزولا وغارقا في ركن ما من العالم، شأنه شأن الخطاب الثقافي، بل هو ينشأ نتيجة عوامل تاريخية متراكمة ويتحول في نفس الوقت، وهكذا إذا كان الثقافي مشروطا بالتاريخ، فإنه غير بعيد أيضا عن السياسة، ذلك أن البناء الثقافي ككل يظل مشروطا بعوامل سياسية، حيث يمكن لعوامل سياسية معينة أن تفرض نمطا معينا من الثقافة، والعكس صحيح، يمكنها أن تلغي نمطا معينا، إلا أن هذا التداخل بين السياسي والثقافي لا يلغي الحضور المستمر للربط ولمجموع الممارسات الثقافية التي تميز مجتمعا عن الآخر15.

إن الحديث عن جوهر ثابت للأنساق الثقافية يضرب بعرض الحائط الجوهر الحقيقي للأنساق الثقافية. فالنسق الثقافي في اعتقادنا هو نسق بشري، منتوج بشري مشروط بوضع الإنسان عبر الزمان والمكان. وهذا هو سر اختلاف الأنساق الثقافية. أي أن النسق الثقافي بنية مشروطة تاريخيا بتغيرات وطبائع الاس وأحوالهم. وعليه لا يصح عد النسق الثقافي نسقا قارا يقع وراء التاريخ، بل هو في صلب التاريخ مما يطرح ضرورة النظر إلى الأنساق باعتبارها أنساقا متغيرة ومتفاعلة فيما بينها، فهل يمكن القول على أن الأنساق الثقافية التي تحكم الأدب العربي هي أنساق منغلقة وبعيدة عن أي تفاعل مع غيرها؟

بمنظور الغذامي إذا كنا نسعى إلى حداثة عقلانية ومنفتحة فإن نسقا ثقافيا منغلقا على نفسه ومتحجر لا يقبل التغير ولا يصلح أن يكون معيارا لعقلانية منفتحة.

باستدعاء منظور ميشيل فوكو فإن النيق هو مجموعة من العلاقات، تستمر وتتحول في استقلال عن الأشياء التي ترتبط فيما بينها، وهذا ما يضعنا أمام دور النسق الثقافي في تشكيل الهويات وتحديدها.

إذا اعتبرنا النسق خارجا عن الذوات التي يفعل فيها، فهذا لا يعني أنه ثابت وأزلي، كما لا يعني أن النسق هو خطاب فوقي معزول عن أي تأثير فعلي، وهذا ما نتلمسه من قول الغذامي نفسه: “الدلالة النسقية ترتبط في علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرا ثقافيا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرا فاعلا”.

وكملاحظة أخيرة نوجز الكلام في مسألة الجمالية والقبحية: إن سر اهتمام الثقافة الغربية بالجمل القبيحة، ودعوتهم إلى ضرورة تأسيس نظرية القبحيات في الأدب يكمن في اعتقادنا في الثورة على العقل والانفتاح على ما بعد الحداثة، وهو انفتاح يقابله بالأساس تغييرات حقيقية على جميع المستويات. وهذا ما يختلف كليا وجذريا مع واقع حالنا. فالثقافة الهامشية في الغرب فرضت نفسها على النقد وليس النقد هو من له الفضل في اكتشافها. والتعبيرات خارج المؤسسة، فرضت نفسها بغض النظر عن قيود المؤسسة والاقصاء الذي تمارسه في حق الثقافة المهمشة.

وعلى هذا الأساس نقول ما الفائدة التي تضيفها لنا هذه الجملة: “المتنبي مبدع عظيم أم شحاذ عظيم”، فوصفه في النقد الأدبي أنه مبدع عظيم لا يتعارض مع وصفه في النقد الثقافي بأنه شحاذ عظيم، لأن حال المتنبي هو حال رجل ترك لنا نصا، وبغض النظر عن وضعه هل هو مبدع أم شحاذ، فإن ما يهم هو النص وما يمتلكه من قيمة جمالية كانت أو غيره. إن هذه العبارة في نظرنا تختزل جزءا من مشروع الغذامي.

 

 

 

Partager cet article

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans فضاء النقد
commenter cet article

commentaires

قليل يوسف 23/10/2009


مدخل إلى الأسلوبية (1)
بقلم السيد/ قليل يوسف (باحث جامعي.جامعة سيدي بلعباس-الجزائر)
Email :youcef.kliel@laposte.net
نبتغي أن نصنع من هذا المدخل النظري نبراسا نهتدي بنوره في مقاربتنا الأسلوبية للنصوص الأدبية، وأن نقدم للطلبة والباحثين وكل قارئ لهذا البحث حصيلة مركَّزة عن المنهج الأسلوبي وكل التيارات والمناهج التي
انصهرت معه لتكوين رؤية نقدية، وكذا الإحاطة بالمصطلحات النقدية المستعملة فيه مثل الأسلوبية، البنية، وخصوصا الانزياح(2) الذي هو جوهر الدراسة الأسلوبية.
انتقل الأسلوب في النقد الحديث من كونه يعني الطريق أو الفن أو المذهب أو الوجه (3)، ومن كونه عاما مميعا يختص بالموضة والفن والسياسة وتدبير الحياة اليومية (4)، إلى علم ومنهج نقدي قائم بذاته يتكفل برصد
الملامح المميزة للخطاب الأدبي. ويُعرّف الأسلوب في الاصطلاح الأدبي النقدي عادة بأنه: "طريقة يستعملها الكاتب في التعبير عن موقفه، والإبانة عن شخصيته الأدبية المتميزة عن سواها، لا سيما في اختيار
المفردات، وصياغة العبارات، والتشابيه والإيقاع" (5).واتخذ اسما خاصا به هو: "الأسلوبية".
ويرجع الفضل الأول في ظهور الأسلوبية إلى العالم اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير (1913-1857)Ferdinand De Saussure الذي أظهر علم اللسانيات حيث يعزى إليه التفريق بين اللغة والكلام من خلال معادلته
الشهيرة:"اللسان في نظرنا هو اللغة ناقص الكلام" (6)، حيث أوضح أن اللسان:"نتاج اجتماعي لملكة اللغة، فهو مجموعة من الأعراف الضرورية التي يستخدمها المجتمع لمزاولة هذه الملكة عند الأفراد"(7)، وأن
اللسان:"ما هو إلا راسب من عمليات عديدة للكلام عبر الزمن، أما الكلام فانه تطبيق أو استعمال للوسائل والأدوات الصوتية، والتركيبية والمعجمية، التي يوفرها اللسان"(8).
لكن الفضل الأكبر ناله تلميذه شارل بالّي (1947-1865) Charles Bally وهو:"باحث لساني كان مختصا في السنسكريتية واليونانية، ولما استوعب المفاهيم التي جاء بها دي سوسير وتمثلها عكف على دراسة الأسلوب فأرسى
قواعد الأسلوبية المعاصرة ابتداء من سنة 1902"(9).
لقد أحدثت معادلة دي سوسير المفرِّقة بين اللغة والكلام ثورة في ميدان النقد الأدبي الحديث، باعتبار أن اللغة تمثل الثابت والكلام يمثل المتحول، بمعنى أن اللغة المعيارية ذات القواعد النحوية والصرفية
الثابتة التي أوجدها علماء النحو، لا لشيء سوى أن يتقيد بها الجميع ويتكلمون بحسب تلك القواعد، سرعان ما يتجاهلها المتكلم ويحيد عنها من خلال الانحراف والانزياح والعدول عنها، ومع كثرة هذه الانزياحات
والانحرافات تتحدد احتمالات عديدة وممكنة للكلام، ويصير المتكلم في وضع مريح يسمح له بنحت اللغة على حسب ما يريد التعبير عنه، مما خلق نوعا من الحساسية تجاه النظام والمعيار النحوي تجلت في قول
الشاعر:
ولست بنحويٍّ يلوك لسانه --- ولكن سليقيٌّ أقول فأُعربُ(10)
وهذه الحساسية وضَّحها بشكل أفضل عبد السلام المسدي حينما اعتبر أن:"النحو مجال للقيود والأسلوبية مجال للحريات"(11).
ومن هنا يعمد المتكلم إلى أن يختار من اللغة معجما خاصا يوظفه حسب غاياته التعبيرية، ويركِّبه في شكل جديد وفريد، ينزاح عن المألوف ويقدمه للقارئ في أبهى حلة فينفرد بأسلوبه الخاص.
ومن هنا تظهر عناصر ثلاث (الاختيار، التركيب، الانزياح) في تكوين العمل الفني والأدبي، وهي نفسها مقولات الأسلوبية الهامة في رصد الإبداع الأدبي وتتبع التميز فيه، وأن مقاربة أي نص أسلوبيا لا بد أن تطرق
هذه العناصر الثلاث. ومن هنا تولدت الخصومة بين الباحثين من أنصار البلاغة، والمنادين بتجاوزها وتأسيس نحو مستقل عنها، حيث وصف جوليان غريماس A. J. Greimas وجوزيف كورتيس J. Courtés الأسلوبية بأنها:"مجال
بحثي يندرج ضمن التقليد البلاغي،لم تفلح في تنظيم نفسها في علم مستقل"(12)، بينما وسم كل من تزفيتان تودوروف T. Todorov وأوسوالد دوكرو(ولد عام 1930) Oswald Ducrot الأسلوبية أنها:"الوريث المباشر جدا
للبلاغة"(13).
وفي المقابل نجد ثلة ثارت على البلاغة إلى حد وصفها بالعجوز(14)، واعتبر ميكائيل ريفاتير Michael Riffaterre أن البلاغة المعيارية من عراقيل الأسلوبية(15).
ولعل هذا الخلاف ناتج من الحقيقة العملية التي أثبتت أن الأسلوبية حينما تحاول الإحاطة بالانحرافات الموجودة في النص الأدبي فهي تقارنها بالبلاغة المعيارية، ومن هنا أضحى حضور البلاغة في المقاربة
الأسلوبية للنصوص دائما ومستمرا، وأمسى المرجع الأساسي في إثبات الانزياح الأسلوبي.
والأسلوبية كمنهج نقدي يصنفها جون دوبوا Jean Dubois على أنها:"فرع من فروع علم اللسان"(16)، وهذا ما يؤكده ميشال أريفي Michel arrivéبقوله:"الأسلوبية وصف للنص الأدبي حسب طرائق مستقاة من اللسانيات"(17)،
وهو إثبات لدور اللسانيات في بلورة مفهوم الأسلوبية، حيث يقول الهادي الجطلاوي:"الأسلوبية موضوعها النظر في الإنتاج الأدبي وهو حدث لغوي لساني"(18)، الأمر الذي دفع بـ:رومان ياكبسون (1896-1982) Roman
Jacobsonفي إحدى محاضراته الشهيرة إلى أن نادى :"بتوثيق العلاقة بين اللسانيات والأدب عموما"(19)، وتلاه عبد السلام المسدي أيضا حين:"نادى بمد الجسور بين النقد وعلم اللسان عن طريق علم الأسلوب"(20)،
ومعترفا في الوقت ذاته أنه:" من الحقائق التي غدت مقررة في عصرنا أن المعرفة الإنسانية مدينة للسانيات بفضل كثير، سواء في مناهج بحثها أو في تقدير حصيلتها العلمية"(21)، وكذلك جون لويس كابانيس Jean-Louis
Cabanes الذي:"حاول الدفاع عن قوة العلاقة بين علم اللسان والنقد الأدبي، من خلال بيان مظاهر التأثير اللساني (دروس سوسير، مبادئ الشكلانيين الروس، ...)في النقد"(22).
وترتبط الأسلوبية مع المدارس النقدية الأخرى ومنها الشعرية (أو ما يصطلح عليها بالإنشائية)، هذه الأخيرة التي يصنفها جون دوبوا أيضا على أنها:"جزء لا يتجزأ من اللسانيات، وهي العلم الشامل الذي يبحث في
البنيات اللسانية "(23)، أما جون كوهين Jean Cohenفيقول:"دل مصطلح الشعر على كل موضوع خارج عن الأدب، أي كل ما من شأنه إثارة الإحساس، فاستخدمت في الفنون الأخرى:شعر الموسيقى، شعر الرسم، والأشياء
الموجودة في الطبيعة"(24). فالشعرية هي ذلك الأثر الذي يلي إنتاج العمل الأدبي وتبقى بصماته باقية بعد ذلك، وهذا ما يقرره تودوروف بقوله:"ليس العمل الأدبي في حد ذاته هو موضوع الشعريات، إذ ما تستنطقه هو
خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي"(25)، فالأثر أو توليد الإحساس في المتلقي أو كما خلص إلى ذلك كمال أبو ديب:"مسافة التوتر هي منبع الشعرية"(26)، ويَستخلص مفهوم الشعرية من شبكة العلاقات،
القائمة في النّص، إذ يقول:"الشعرية خصيصة علائقية، أي أنها تجسد في النص لشبكة من العلاقات، التي تنمو بين مكونات أولية، سمتها الأساسية أن كلا منها يمكن أن يقع في سيا


صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث