Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
4 mars 2010 4 04 /03 /mars /2010 22:59

 

ملف القصة القصيرة

إعداد : جميلة طلباوي

تَعرّف القصة القصيرة على أنّها لون سردي قد لا يقل عن عشرة آلاف كلمة  يهدف إلى إحداث تأثير مفرد مهيمن ويمتلك عناصر الدراما. وفي أغلب الأحوال تركز القصة القصيرة على شخصية واحدة في موقف واحد في لحظة واحدة. وحتى إذا لم تتحقق هذه الشروط فلا بد أن تكون الوحدة هي المبدأ الموجه لها. والكثير من القصص القصيرة يتكون من شخصية

(أو مجموعة من الشخصيات) و رغم أنّها عرفت انتشارا كبيرا في القرن الماضي إلا أنّنا نلاحظ  في القرن الحالي تحوّل بعض كتاب القصة القصيرة إلى كتابة الرواية و القصة القصيرة جدا ،الشيء الذي جعلنا نفتح ملف القصة القصيرة لنطرح من خلاله إشكالية : أيّ مستقبل للقصة القصيرة ؟

  هل نحن نعيش تحولا سرديا ليصير عصرنا عصر الرواية بلا منازع؟

أسئلتنا طرحناها على مجموعة من النقاد و الروائيين و كتاب القصة القصيرة ضمن هذا الملف:

الدكتور منسي حبيب- جامعة سيدي بلعباس - الجزائر

القصة القصيرة أي مستقبل؟

ليس غريبا أن يظهر جنس أدبي تستدعيه ظروف خاصة، وتسرع في إيجاده، فيقبل عليه كثير من الكتاب، لأنه يناسب الوضعية التي يحيونها، من جهة ويناسب حجم المساحة المتاحة للنشر  من جهة أخرى، فإذا اختفت الدواعي المشار إليها فقد يختفي الجنس الأدبي كلية. وقد شهدنا ذلك على سبيل التمثيل في جنس الموشح في الأدب الأندلسي، حتى وإن استمر البعض في كتابة الموشح في أشكال أخرى من الشعر الحديث.

 وإذا كانت القصة القصيرة تساير ظهور الصحافة وتجد لنفسها على صفحاتها القليلة فسحة للنشر، فإنه قد تحتم عليها منذ البدء أن يكون لها من الخصائص الفنية والقواعد الكتابية: أسلوبا وعرضا، ما يناسب تلك المساحة في الصحف والمجلات. بيد أننا مع القصة القصيرة ننظر أولا إلى مجالها الخاص نشرا، قبل أن ننظر إلى طبيعتها باعتبارها فنا اكتسب من المقومات ما يجعله جنسا متفردا، يغاير القصة والرواية.

كانت هذه الطبيعة الخاصة في القصة القصيرة عاملا دفع برؤساء تحرير المجلات والصحف إلى التشدد في المعايير، فلا يسمحون إلا بظهور العمل الذي لن يزري بقدر المجلة، ولا يحط من قيمتها، فاستكتبوا أولا أسماء لها من الشهرة والمكانة الأدبية ما يدفع بالمجلة إلى أعلى أرقام المبيعات، كما عمد بعضهم إلى نشر قصص مسلسلة اتخذت في كتابة حلقاتها طابع القصة القصيرة محترمة التكثيف اللغوي، والاكتفاء بالفكرة الواحدة، والغوص عميقا في الدلالات المرتبطة بها. حتى لكأنك  تحتاج إلى قراءات متعددة للنص الواحد لتبلغ أقاصيه. وشكلت لجان قراءة من كبار الكتاب لمراقبة الوافد في الأقلام الجديدة.

لقد كان ذلك العمل الدقيق، الباب الذي فتح أمام العديد من الأسماء في أمريكا وإنجلترا وفرنسا، وغيرها من الدول التي انتهجت السبيل عينة، فعُرفت الأسماء الجديدة وأقبل عليها القراء من جهة، وشجعتها المجلات والصحف من جهة أخرى، وأجرت لها الجوائز والألقاب.. حينها التفت أصحاب دور النشر إليها، فكان إغراء التحول من القصة القصيرة التي هي بعض صفحات في مجلة إلى كتاب قائم بنفسه يحمل اسم صاحبة..  لقد كان الإغراء شديدا، وكان التحول سريعا.

هناك حقيقة أخرى لابد من الإشارة إليها.. ذلك أن المعايير التي وضعت للقصة القصيرة، معايير كلاسيكية، بمعنى أن واضعوها كانوا مرتبطين في تشخيصهم للجنس الجديد بالرواية العتيدة، فانتهى بهم المطاف إلى تسطير خصائص لا تبتعد كثيرا عن عما هو معروف في الرواية الرومنسية والواقعية وغيرها.. أما الإغراء الذي تقدمه الرواية فهو إمكانية التجريب خاصة مع الرواية الجديدة التي فسحت المجال أمام الكاتب ليتجاوز المتعارف عليه إلى إثبات ما يريده هو من الفن. بعيدا عن التقنينات والمعايير التي يراها البعض أنها تثقل كاهل الرواية، وترغمها على استكتاب نص واحد أبدا.  وربما أغرى هذا الزعم كثيرا من الكتاب للتحول من القصة القصيرة إلى الرواية ظنا منهم أنهم سيدخلون مجالا سهلا يتمتع بحرية لا يحدها حد ولا يشترط فيها شرط. فكان هذا الوهم سببا في وجود كثير من السخافات التي تمتلئ بها صفحات الروايات اليوم بزعم أو بآخر.

هل يحق لنا أخيرا أن نسأل هذا السؤال؟ هل انتهت القصة القصيرة؟

إنني من الذين يؤمنون أن الموضوع الفني يختار شكله، وليس أمام الفنان إلا الاستجابة. فالموضوع الذي يريد أن يتمظهر في الرسم كان له ذلك لأنه لن يكون أكثر جودة وتأثيرا في غيره من الأشكال. والذي يختار أن يكون صوتا فلأن الصوت أنسب له من غيره. وهكذا.. صحيح أننا نستطيع أن نعالج الموضوع الواحد في الفنون كلها، ولكن الذي لا نستطيعه حتما هو أن نلمس عين الجوهر فيه ونحن نفعل ذلك. إن جوهر الفكرة في الفنون شبيه بالماسة التي تتعدد صفحاتها ولكل صفحة منها بريقها الخاص ولونها المتميز، فإذا زعم زاعم أنه أمام الماسة يشاهد وجوها واحدة قلنا له لقد فاتك ما في الماس من روعة التعدد في الجوهر. إني أخال الفكرة على هذا النحو يكتب فيها هذا فيجلي بريقا، ويكتب فيها ذاك فيجلي بريقا آخر. وهكذا دواليك من فن إلى فن. وتتجلى العبقرية في صفاء الرؤية ووضوح التجلية وهنا يتمايز الكتاب والفانون.. إنه مجال الصفاء واكتمال التجربة.

فإذا شعر الأديب أن فكرته لا تحتاج إلى كثير من الثرثرة، ولا إلى واسع من البسط، وأنها إن خرجت مكتنزة ممتلئة كانت أكثر تأثيرا في قارئها اختار لها شكل القصة القصيرة، واستجاب لداعي التكثيف فيها، واقتصد في اللفظ، وأخرج الجملة على مقاس العبارة، وجعل الأساليب خادمة لا مخدومة، وانتهى به المطاف إلى فكرة تتحدث بنفسها عن نفسها، قلنا له هنيئا إنك من كتاب القصة القصيرة.

وللقصة القصيرة على صفحات المواقع والأندية ما كان لها في الصحف والمجلات شريطة أن تحتفظ لنفسها بطابع الصرامة الذي اكتسبته من قبل وأن لا تسف باعتمادها لغة الشعر الحديث، في سج جمله، وإغراقه في الذاتية النرجسية المريضة، التي لا تتعدى الحديث عن هو وهي. وكأن العالم وهمومه قد اختصرت في هذا الفضاء الخلابي.. إنها الورطة التي وقع فيها الشعر الحديث والسجن الذي سجنه في كبار شعرائه ابتداء من نزار وانتهاء بآخر قصيدة يكتبها شاب في مخدعه.

إن القصة القصيرة لا تصلح أبدا لمثل هذا التأنيث المريب لأنها أشبه بفلسفة فكرة رأت أن تتمظهر في ثوب القص.

حبيب مونسي

 

 الأستاذ عبد القادر رابحي(أستاذ بجامعة سعيدة):عن منطق السرد

و تفريعات(شجرة الأجناس الأدبية)

 

    شغلت إشكالية تطور الأساليب الإبداعية النقاد و المفكرين منذ القدم. وقد تحول الانشغال بهذا التطور إلى اشتغال على أسبابه الفنية والجمالية و دواعيه الفكرية و التاريخية، فبحث النقاد في نشأة الجنس الأدبي و تبلور أشكاله و تمظهراته اللغوية و الدلالية عبر مختلف المراحل و العصور.

    ولم يكن الاهتمام بإشكالية الهاجس الجمالي التي تدفع المبدع إلى إبداع هذه الأجناس الجديدة وتوليدها من بعضها ليفلت من دائرة اهتمام الفلاسفة اليونانيين ومن جاء بعدهم ،نظرا لما يحمله العمل الأدبي من قيمة أخلاقية وفلسفية نظر إليها الفلاسفة اليونانيون كما نظر إليها غيرهم، من باب ما يمكن للعمل الأدبي أن يمرره إلى المتلقي من هذه القيم، فيتم بذلك ما يسعى الفلاسفة إلى توصيله على هذه المتلقي.

    وإذا كانت الأساطير اليونانية – على الأقل من وجهة نظر الفكر الغربي- هي أقدم ما وصلنا من مرويات دُونت فيما بعد و أصبحت معروفة بهذا الاسم، فإن تسارع عملية تدوين المرويات في الحضارة اليونانية وفي غيرها من الحضارات، قد أدى إلى تسارع طرائق تسجيلها ومن ثمة تعدد تمظهراتها على مستوى الكتابة،مما أدى، مع مرور الأزمنة           و المراحل، إلى ميلاد أشكال جديدة للتعبير الأدبي الذي ما انفك يزداد اختلافا عن التعبير العادي العام نظرا لما يحمله من خصائص جمالية كانت في صلب اهتمام هؤلاء النقاد و هم يحاولون ضبط الأطر اللغوية و الدلالية التي تجعل من أية كتابة أدبية مختلفة عن الكتابة غير الأدبية من جهة، و مختلفة عن الكتابة الأدبية التي سبقتها من جهة أخرى.

    و على الرغم مما يمكن أن يحسب لهوميروس من سبْقٍ- من وجهة النظر الغربية دائما- في التأسيس لانتقال العمل الأدبي من الشفوية إلى التدوين، من خلال أعماله الشعرية المطولة (الإلياذة و الأوديسة)التي أعلنت ميلاد جنس أدبي جديد هو الملحمة، فإن ما يمكن تسميته بـ(شجرة الأجناس الأدبية) سيشهد تفريعات جديدة على مستوى أشكال التعبير الأدبي نظرا لما شهده الفكر البشري من تطور على مستوى ضبط المفاهيم الأخلاقية وتحديد المعايير الفنية و الجمالية التي يجب أن تتوفر في العمل الأدبي. نرى ذلك جليا في ما بذله الفلاسفة اليونانيون عامة و أرسطو خاصة في كتابه (فن الشعر) من مجهود تنظيري عميق  و هو يحاول أن يجد الغاية المثلى التي يمكن أن يستخلصها  الدارس لجنس أدبي جديد وُلِدَ بشكله الحالي في اليونان بطريقة تراكمية من صلب الشعر الغنائي الذي كان الشعراء الجوالون يلقونه في الأسواق و المحافل في الأعياد و المناسبات. و هذا الجنس الأدبي هو المسرح الذي طوّره رواد المسرح اليونانيون (أسخيلوس) و (سوفوكليس)              و (يوربيدس)، فأضافوا للفرجة التي كان يُحدِثها الشاعر الغنائي و هو يقرأ القصائد الطويلة التي كانت تحكي عن أمجاد اليونانيين و تاريخهم ممثلا واحدا، ثم ممثلين اثنين، ثم أكثر من ذلك من مستلزمات نقلت النص الأدبي مما يسميه النقاد المعاصرون بـ(السرد) الذي كان من خصائص الأسطورة إلى ( الحوار) الذي ولّدته متطلبات التطور التي شهدها المجتمع اليوناني، فانتقلت بذلك العملية الإبداعية من طرائق فنية و جمالية قديمة على طرائق فنية و جمالية جديدة للتعبير عن نفسها

    لقد أخذ فن المسرح بوصفه جنسا جديدا على المجتمع اليوناني، من جنس (الأسطورة) حكايتها، أي قصتها، و من الشعر بنيته، أي إطاره، و من الشعر الغنائي طرائق تعبيره القولية و الجسدية(Verbales et Gestuelles Expressions) و حاول من خلال كل ذلك أن يحافظ على ما سيسميه (غريماس) لاحقا بمنطق السرد المتوفر في كل أشكال التعبير القصصية، دون الخروج عن عناصر (الوحدة العضوية) و (الحبكة) و (العقدة) و( الحل) التي كانت متوفرة في الأجناس الأدبية السابقة بنسب مختلفة.

    و قد  أدى توفر هذه العناصر في العمل المسرحي بأرسطو إلى اعتباره عملا متكاملا يحقق الفرجة من خلال (المحاكاة) التي يقوم بها الممثل من جهة، و يحقق (التطهير) (Catharsis)الذي يحدث للمتفرج عند مشاهدته لمسرحية من المسرحيات من جهة ثانية. و لعله بسبب هذين العنصرين (المحاكاة و التطهير) أُطلق على المسرح اسم (أبو الفنون).

    و سنرى أنه، و منذ أن اكتملت البنية الفنية و الجمالية لفن المسرح بوصفه جنسا أدبيا جديدا أضيف على شجرة الأجناس الأدبية، لم تنفتح العملية الأدبية على مخاض يشي بميلاد جنس أدبي جديد. و قد بقيت أشكال التعبير الأدبي تعيد نفسها من خلال استعمالها للأجناس الأدبية نفسها طيلة الفترة التي شهدتها الحضارة اليونانية ثم الحضارة الرومانية وما تلاها من تراكم أدبي وفني و جمالي شهدته الحضارة الأوربية حتى العصر الكلاسيكي. و لم تكن (الأدبية) التي سادت خلال الحضارة الرومانية من وجهة نظر النقاد الغربيين أنفسهم، إلا مرحلة محاكاة للأجناس التي كانت موجودة في الحضارة اليونانية. فمثلما كان (فرجيل) الروماني و ملحمته (الإنياذة) التي تؤرخ لأمجاد الرومان يمثلان المعادل الموضوعي لـ (هوميروس) و ملحمته (الإلياذة) التي أرخت لأمجاد اليونان، كان (هوراس) الروماني   و كتابه (فن الشعر) يمثلان المعادل الموضوعي لـ(أرسطو) اليوناني و كتابه (فن الشعر).

      و على الرغم من مرور أزمنة طويلة على ميلاد هذه الأجناس و تبلورها، إلا أن منطق الحكم النقدي على الأعمال الأدبية الكثيرة التي شهدتها هذه الفترة كان يخضع للمنطق الجمالي نفسه الذي حددت معظم أُطرهِ  الفنية و الجمالية الفترةُ اليونانية و ما شهدته من تفاعل فكري و فلسفي و تلاقح تاريخي و اجتماعي انعكسا على العملية الأدبية، فتغيرت بموجب ذلك النصوص الأدبية في بنياتها الشكلية و أساليبها اللغوية         و أنساقها الدلالية في العصر اليوناني، وركنت إلى الجمود فيما تلاها من العصور الأخرى. و كأن ميلاد الجنس الأدبي الجديد إنما يجب أن يخضع لآلية تسارع تاريخية و فكرية        و فلسفية و اجتماعية لكي يتم بموجب كل ذلك تكوّن الرحم الذي يحمل هذا الجنس،    و خلق المكان الذي يستقبله، و تهيئة الشرط الإنساني الذي يدعمه بالرؤية النقدية المقنعة فيتهيأ له بذلك شرط البقاء و أحقية الاستمرار.

     و يلاحظ مؤرخو الأجناس الأدبية أن هذه الأجناس قد بقيت على حالها حتى       في العصر الكلاسيكي القريب من عصرنا الحالي، لا في تصنيفاها بوصفها أجناسا فحسب، و لكن في بنيتها الفنية و الجمالية التي تحيل إليها بوصها أجناسا، و ذلك على الرغم مما شابها من تغير في الموضوعات( غياب البعد الأسطوري الخرافي و حضور البعد الديني المسيحي)، و ما شابها كذلك من تغيّر في طرائق التعبير اللغوي (غياب البلاغات اللغوية المرتبطة باللغات القديمة اليونانية و اللاتينية و تبديلها ببلاغات مرتبطة بما يحمله العصر الكلاسيكي من مستجدات)،  و ما شابها من تغير في الموضوعات التي تطرحها هذه المستجدات.

    غير أن العصر الكلاسيكي(1550/1675) كان يحمل في طياته بذورا خفية لحركية إبداعية في غاية السرعة و التعقد بدأت تظهر في العديد من النصوص التي كانت تعتبر مهمشة أو مارقة في ذلك الوقت، و التي كانت إنذارا بقرب ميلاد هذه الحركية. و ذلك من خلال تخلي أصحابها عن الأسس التي بني عليه المذهب الكلاسيكي في تطبيقه المفرط و الصارم لقواعد الفن الأدبي كما جاء بها أرسطو في كتابه الشهير (فن الشعر). وقد مكن هذا (الخروج) عن (الأدبية) التي سنّها أرسطو و احترمها الكلاسيكيون، من التمهيد لما سيحدث من وعي في دينامية الفكر الغربي التي لم ترضخ للقراءة الكلاسيكية للموروث اليوناني التي دامت ما يقارب السبعة قرون، و إنما حاولت جاهدة أن تعيد قراءة هذا الموروث قراءة جديدة وفق ما مكنته منها تجليات التفكير العقلي في عصر النهضة ممثلة في الفيلسوف ديكارت، بناء على الاكتشافات العلمية و الثورة الصناعية و التغير الاجتماعي.

     و لعل هذه العناصر الثلاثة هي التي مكنت بطريقة أو بأخرى من ميلاد المذهب الرومانسي الذي سيحمل بوادر التغيير على مستوى إعادة تشكيل النظرية الأدبية وفقا للمعطيات الإبداعية التي كانت موجودة في أرض الواقع، و المرتبطة هي الأخرى بالتغير الاجتماعي الحاصل  في بنية الفرد الأوربي. لقد أدت دينامية الحراك الحضاري المتولد عن التفكير العقلي من جهة و التطبيقات العلمية من جهة ثانية إلى إعادة النظر في العديد من المفاهيم الفنية و الجمالية التي لم  تعد تطبيقاتها على مستوى النص الأدبي تتناسب مع روح العصر.

  و قد ظهرت في خضم  التغييرات في النظرة للعمل المسرحي إلى التخلص من القالب الذي كان يُصبُّ فيه وهو الشعر، فأبصح المسرح يُكتب نثرا ، و انفصل الشعر في الإبداع الغربي لأول مرّة عن الأجناس الأخرى اللصيقة به. و بات يُنظر إليه على أنه جنس أدبي لوحده. و بناء على ذلك ، ونظرا لاعتبارات تاريخية مرتبطة ببداية استعادة أوروبا لقوتها، انفصلت حكايات البطولات الجديدة  للإنسان الغربي عن الشعر و أصبحت هي الأخرى تُكتب نثرا ( روايات الفرسان)، مثلما قلت الملاحم الأدبية بشكلها الذي كانت تظهر به سابقا.

  و لعل أهم عامل حاسم في تغير الأجناس الأدبية في العصر الرومانسي (1675/1800) هو تخلي الأجناس الأدبية الأخرى عن الشعر بوصفه إطارا و قالبا لصيقا بها. و قد مكّن هذا التخلي الشعرَ من أن يصبح جنسا أدبيا يكتب بذاته و من أجل ذاته. و قد وجد الرومانسيون في ذلك حرية كبرى للتعبير عن عواطفهم بطريقة لا ترضخ لمعايير مسبقة مما أدى على تطور الشعر واستقلال نظريته الأدبية عن الأجناس الأخرى.

    و بالمقابل، مكن هذا الانفصالُ الكتاب و المبدعين من كتابة المسرح بأساليب نثرية في غاية التطور والاختلاف بالنظر إلى ما كان سائدا في المذهب الكلاسيكي. كما مكن هذا الانفصالُ كتاب الملاحم من كتابة قصصهم المطولة في شكل روايات كانت بمثابة النواة الأساسية لميلاد الجنس الجديد و هو الرواية التي ستترسخ في  القرن الثامن عشر بطريقة جذرية نظرا لما استطاعت أن تطوّره من بنية فنية وجمالية انعكست على موضوعاتها        و بنياتها و أساليبها. و لعل هذا ما جعل المذهب الرومانسي من أكثر المذاهب الأدبية ثورية، و ذلك بالنظر إلى تخليه عن الرؤية الإبداعية والنقدية التي كانت تسيطر على مفاهيم النظرية الأدبية بصفة عامة في العصر الكلاسيكي، و محاولته تجاوزها إلى آفاق إبداعية جديدة فتحتها مستجدات العصر الجديد الفكرية و الجمالية و فرضتها تغيراته  التاريخية و الاجتماعية.

    و لعل عودة النثر بوصفه عاملا أساسيا في أشكال التعبير الأدبي، قد أدت إلى صياغة النص الأدبي صياغة لغوية تعتمد على معايير بلاغية و فنية وجمالية غير مرتبطة بالبلاغات التي كان المنظر يفرضها على النص من خلال استعمال الكاتب للشعر بوصفه إطارا مفروضا. كما أن عودة النثر قد أحيت الرغبة في الحكي دون الخضوع لموازين الشعر،      و من ثمة أحيت عنصر السرد الذي أصبح أكثر اهتماما من طرف النقاد، و من طرف النظرية الأدبية. 

     و الأكيد أن هذه العناصر كلها قد أدت إلى بلورة نشأة الرواية بوصفها جنسا أدبيا أستطاع أن يعكس مجمل القيم الأخلاقية والفسلفية والجمالية التي حاول أرسطو أن ينظر لها  في فن المسرح. إن تغير النظرة إلى هذه القيم ناتج عن شمولية الحراك الاجتماعي الذي شهدته المجتمعات الغربية في أروربا. و هو ناتج كذلك إلى عمق المقاربات التي كان يحملها الفلاسفة والمفكرون في دراستهم لبنية هذه المجتمعات. و من هنا، كانت الرواية عبارة عن ملحمة حقيقية تعكس الحراك التاريخي والاجتماعي الذي شهده عصر النهضة. و لذلك، فهي لم تكن طفرة أدبية وليدة الصدفة التاريخية و لا وليدة التكديس المعرفي، و إنما كانت وليدة لحظة وعي عميق بما يمكّن العصر من التعبير عن نفسه بطريقة صادقة. و لعلنا بهذا نفهم التعريف الذي صاغه ناقد متأخر هو جورج لوكتش والذي يقول إن (الرواية هي ملحمة بورجوازية).

     إن انتقال المجتمع الأوروبي من البنية الإقطاعية التي كانت تحكم معظم اقتناعاته الفكرية و الجمالية،  إلى البنية البورجوازية المدعمة بالتفكير العقلي والتطبيقات العلمية، قد سرّع عملية الانتقال إلى صياغة هوية أدبية جديدة على مستوى الأشكال وعلى مستوى المضامين. و قد أدت هذه الهوية الجديدة إلى تفرّع جنس القصة القصيرة عنها بطريقة تحيل إلى تفرع (الخرافة) عن (الأسطورة) أو تفرع (القصيدة) عن ( الشعر الغنائي المطول).

    وإذا كانت الرواية قد اصبحت تمثل  الجنس الأكثر كتابة والأكثر قراءة  في العصر الحديث، فإنه يجب  التذكير بأن (شجرة الأجناس الأدبية) إنما انطلقت:

- من الأصل إلى الفرع من حيث المواضيع( من قصة خلق الإنسان في بداية التكوين إلى قصة أي إنسان كان في أي مكان)،

-و من الأكبر إلى الأصغر من حيث طرائق التعبير (من الأسطورة بوصفها جنسا مفتوحا بإمكان الأجيال أن تضيف إليه إلى القصة القصيرة المغلقة التي لا تحتمل أية إضافة)،

- و من المركب إلى البسيط من حيث عدد الأجناس ( الأسطورة التي تكتب شعرا، أو الملحمة التي تحكي أسطورة بقالب شعري، إلى القصة التي تحكي قصة بأسلوب قصصي).

 و بناء عليه، فإن تفريعات (شجرة الأجناس الأدبية ) عادة ما تحترم طبيعة النمو التي تخضع لمعايير غائبة عن رؤية الناقد الاستباقية، و لكن درْسَها حاضرٌ في رؤية الناقد الاستخلاصية. و هي معايير تَمكَّن الناقد من استخلاصها بناء على معاينته لهذه الشجرة معاينة مكنته من القول بأن تفرع أي جنس جديد عن هذه الشجرة إنما هو خاضع لأطر فنية و جمالية مرتبطة بشرط تاريخي خضع هو الآخر لفترة بيات شتوي(Hibernation)   لا يمكنه أن يعرف مدّته مسبقا. و لعله لهذا السبب كانت الإبداع يسبق التنظير للإبداع، و النص الإبداعي يسبق النص النقدي.

     و قد يكون تأخر الناقد عن العملية الإبداعية هو الذي جعله يلاحظ أنه  على الرغم من  اختلاف أشكال التعبير القصصية و اختلاف تجلياتها السردية ، إلا أن السرد يظل واحدا في منطقه الباطن لا يتغير . ذلك ما لاحظه أرسطو في كتابه فن الشعر من خلال حصر مساحة السرد بين وضعيتين أساسيتين: وضعية سعيدة و وضعية تعيسة.               و هما نقطتا البداية و النهاية التي يمر من خلالهما البطل بمرحلة (ارتكاب الخطأ) و من ثمّة (التحوّل). ولعل هذا ما جعل غريماس و الشكلانيين الروس عامة يجتهدون داخل المساحة التي حددها أرسطو لإيجاد واحد و ثلاثين وظيفة في كل قصة محكية مهما كان الجنس الذي حكيت به ومهما كان المكان،ومهما كان الزمان . و هي الوظائف نفسها التي شكلت ما سمّوه بـ(منطق السرد)( logique du récit) الذي لا يخرج عن التأريخ لحادثة ميلاد الإنسان و موته سواء عُبِّر عنها بأكبر الأجناس و أقدمها (الأسطورة)، أو بأصغر الأجناس و أحدثها (القصة القصيرة جدا).

د. علي القاسمي(قاص و ناقد)-عراقي مقيم بالمغرب الأقصى:تحوُّل الكتّاب من القصة القصيرة إلى الرواية لا يعني أبداً نهاية زمن القصة القصيرة.                    

 يبدأ معظم كتّاب السرد العرب بكتابة القصة القصيرة تمهيداً لكتابة الرواية، ظناً منهم بأن القصة القصيرة أسهل لقصرها. ولكن تحوُّل الكتّاب من القصة القصيرة إلى الرواية لا يعني أبداً نهاية زمن القصة القصيرة، فهي جنس أدبي قادت إلى مولده ظروف اجتماعية واقتصادية وإعلامية معينة، وهذه الظروف ما زالت قائمة. فالصحافة التي شجعت ظهور القصة القصيرة وازدهارها، ما تزال في حاجة لها لتُشبع نهم القرّاء الذين يستمتعون بها، حتى في الصحافة الإلكترونية. وتشير الدراسات الإحصائية، في أمريكا مثلاً، إلى أن ما يُنشَر من القصص القصيرة سنوياً يفوق بكثير ما يُنشر من الروايات، وأن ما يُرصَد من جوائز للقصة القصيرة أكثر بكثير من جوائز الرواية. وأخيراً فإن القصة القصيرة ملائمة لروح عصر السرعة، الذي فرض تناسل القصة القصيرة فولدت في أحضانها القصة القصيرة جداً. وعلاوة على ذلك، فإن طبيعة الإنسان الاجتماعية تدفعه إلى أن يحكي ما يقع له من أحداث طريفة فيبوح به لصديق حميم يأتمنه، ليخفف من وقع تلك الأحداث على نفسه."

د.علي القاسمي

 

 

 

عيسى بن محمود (قاص جزائري): راهن القصة القصيرة و توجه كتابها إلى كتابة الرواية

 

و قبل الإجابة لا بأس من الإشارة إلى مقولة روبرت لويس ستيفنسون أنه ليس هناك إلا ثلاثة طرق لكتابة القصة أن تأخذ الحبكة و من ثم تجعل الشخصيات ملائمة لها أو أن تختار الشخصية أولا ثم تختار لها الأحداث و المواقف التي تنتمي لها , أو أن تأخذ ثالثا جوا معينا و تجعل الفعل و الأشخاص في فلكه معبرين عنه مجسدين له-
و هو ما قد تشترك فيه الرواية مع أن هاته الأخيرة تتسع لأحداث فرعية و أبطال و شخصيات و زمان و مكان متعدد الوقت الذي يحد فيه كاتب القصة القصيرة من امتدادها عازفا عن المقدمات الطويلة و الزوائد و الاستطراد فهي في نظر البعض : ( وجبة غنية إذا توفر لها طاه<

 

Partager cet article

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans متابعات ثقافية
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية