Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
24 mars 2010 3 24 /03 /mars /2010 22:30

http://resize.over-blog.com/150x150.png?~aHR0cDovL2ltZy5vdmVyLWJsb2cuY29tLzIwNngzMDAvMy8wNy81NC84Ny9raXRhYi5qcGc= 

نظرية الاستراتيجيات الفردية – -سوسيولوجيا التربية والثقافة-عبد النور إدريس

نظرية الاستراتيجيات الفردية بين الميكانيزمات العامة والخاصة
-سوسيولوجيا التربية والثقافة-
بقلم الباحث عبد النور إدريس

مع تطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، اشتدت الحاجة إلى يد عاملة متعلمة واقتضى ذلك التطور تبريرا مفاده ببساطة أن كل فرد يولد ولديه مقدار شبه ثابت من الكفاءة والذكاء ويجب تصميم النظام التعليمي بشكل تزول معه الفوارق الخارجية الاقتصادية والجغرافية التي تمنع الطلاب القادرين من أبناء الطبقات الدنيا من الاستفادة من ذكائهم الموروث الذي يؤهلهم بحق للترقي الاجتماعي.
وكان الانتقال يجري من مجتمع يرث فيه الأبناء عن الآباء امتيازات الغنى والوجاهة الاجتماعية إلى مجتمع يدخل فيه الأولاد إلى النظام التعليمي ويترقون في دروبه ويكافؤون على عملهم فيه بناءا على كفاءتهم التي تقاس بوسائل منها، اختبارات الذكاء واختبارات التحصيل المدرسي وعلاقات الامتحانات بالمؤشرات الموضوعية التي تدل على إنجازهم الدراسي.
الميكانزمات المحركة للا مساواة أمام التربية :
1. الوسط العائلي :

الأبحاث السوسيولوجية تمكننا من المعرفة الدقيقة للمحركات العامة المؤدية للا مساواة أمام التربية، فهي تعطينا عند أوضاع محددة في المكان ووحيدة في الزمان حقائق دقيقة عن العلاقات المرتبطة بكل وضعية اجتماعية.
و الأسرة بما هي وحدة اجتماعية صغيرة تحدث فيها استجابات الطفل الأولى نتيجة التفاعلات المستمرة التي تنشأ بينه وبين والديه وإخوته، فللأسرة وظيفة اجتماعية هامة، إذ هي العميل الأول في صبغ سلوك الطفل صبغة اجتماعية.
فللعائلة قوة جاذبة لتحديد حركية الأفراد للأعلى كما للأسفل وهي توجه الأفراد في اتجاه إعادة إنتاج البنيات الاجتماعية.
فالعائلة الفلاحية التي تعطي الأرض للأكبر سنا من ابنائها تكون فيه العلاقات العائلية هي المحدد الرئيسي في تقدم الحراك الاجتماعي.
أما في المجتمع الصناعي العصري فالعلاقات العائلية تلعب دورا ضعيفا داخل محددات الحراك الاجتماعي، إلا أنها تحافظ على دورها في التوجيه، في حدود تحديدها للمستوى الدراسي وبالتالي المنتظرات الاجتماعية من الطفل.
إن النظام التحتي العائلي يلعب دورا رياديا في التحكم في تقدم محركات اللا مساواة، فالعائلة تكوّن نظاما تضامنيا كل عضو فيها يتقاسم مع الآخرين نفس القانون (الوضع) الاجتماعي الذي يحدد العائلة ويميزها.
إذن فالعائلة لا تستطيع ألاّ تؤثر تأثيرا واضحا في الطموحات التعليمية لأطفالها، كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن النجاح والحراك…الخ، ليس لهم معنى بالنسبة للفرد إلا ما له علاقة بالوضعية الاجتماعية التي يوجد فيها. يقول ريمون بودون : “نسجل من هذا النقد اقتراح عادي من جهة وأساسي من جهة أخرى، فالمدلول الذي يعطيه فرد ما لمستوى مدرسي معطى يتراوح حسب الوضعية الاجتماعية لهذا الفرد”.(1)
2. مستوى الإرث الثقافي :
تعتبر الثقافة أساسا للوجود الإنساني بالنسبة للفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه. فهي توفر للفرد صورة السلوك والتفكير والمشاعر التي ينبغي أن يكون عليها، لا سيما في مراحله الأولى. فالثقافة لها صفة اجتماعية، فأعضاء المجتمع يشتركون في بعض التوقعات والآمال التي هي من نتاج تفاعلهم الاجتماعي والتي تصبح لهم بمثابة معايير خلقية واجتماعية، كما أنها توفر كذلك للأفراد المعاني والمعايير التي يميزون على ضوئها بين الأشياء والأحداث.
وتعتبر الأسرة الوعاء الثقافي الأول الذي يشكل حياة الفرد ويتناوله بالتربية بما فيها من علاقات وأنماط ثقافية تعبر عن الثقافة الأم.
معنى هذا أن الطفل ينظر إلى الميراث الثقافي الأول من وجهة نظر أسرته كما أن اختياره وتقويمه للأشياء يتأثر بنوع اختيار أسرته وتقويمه لها، هذا إلى أنه يتأثر بنوع الآمال التي تضعها الأسرة لمستقبلها ومستقبل أعضائها ، بل إنه كثيرا ما تفرض آمالها ومثلها العليا على أطفالها وكثيرا ما يكون هذا الفرض مصحوبا بانفعالات أكثر مما يوجد في واقع الثقافة.(2)
إن شرح اللا مساواة أمام التربية انطلاقا من اختلافات قيم الرأسمال الثقافي المنتقل للطفل من طرف عائلته أصبح معروفا كما يظهر واضحا، فتأثير الإرث الثقافي على النجاح المدرسي للطفل وبشكل أكثر وضوحا تبين أن المستوى الثقافي للعائلة يجب اعتباره بعدا رئيسيا للقانون الاجتماعي للعائلة، إذ أن الرأسمال الثقافي المعطى للعائلة من طرف الأسرة يحدد كثيرا الرأسمال المدرسي.
فانطلاقا من تفسير أ جيرار. للعلاقة الإيجابية الملاحظة بين مردود الآباء والنجاح المدرسي، يكون النجاح أكبر كلما كان المردود مرتفعا.
ويتساءل ريمون بودون عن التفسير المباشر لوجهة النظر هاته، والاقتناع بأن ضمان اقتصادي أكبر إنما يقود الآباء إلى التفكير في متابعة الدراسة وتشجيع اندفاع الطفل نحوها.
إن هذا التفسير نسبي من حيث أن هذه العلاقة تزول بين المدخول والنجاح المدرسي عندما نأخذ بعين الاعتبار أطفالا ناشئين لدى عائلات لها نفس المستوى الثقافي.
تبين هذه النتيجة، أن العلاقة بين المدخول والنجاح إنما يعود إلى أن مستوى ثقافي مرتفع بشكل عام، إنما يتوافق مع معدل دخل أكثر ارتفاعا، ولكن في الواقع حسب ريمون بودون : “أن المستوى الثقافي للعائلة هو المسؤول عن النجاح المدرسي للطفل”.(3)

نموذج بودون لتفسير هذا المعطى : الشكل -1-

مستوى ثقافة الأسرة
↓ ـــــــــــــــ ↓
مدخول ــــــــــــــــ النجاح المدرسي لدى الطفل
الشكل -1- يفسر العلاقة بين مدخول العائلة ونجاح الطفل مدرسيا كما يبين هذا النموذج كيف أن العلاقة الإحصائية بين المردود والنجاح المدرسي يجب ألا تفسر مباشرة، وإنما هي نتيجة لنظام من العلاقات يميز المتغيرات الثلاث صاحبة العلاقة.
ومع ذلك أظهرت الأبحاث كم هي متغيرة الاستهلاكات الثقافية وفق الطبقات الاجتماعية، وكم تتبدل نظرا لمستويات التربية والرساميل الاقتصادية والثقافية.
فالاستراتيجيات الفردية تتطور بشكل متفرق، ولا تتجمع إلا إحصائيا، لكنها تساهم، ديناميكيا، بتجدد التمايزات الاجتماعية. كما أن الحقل الثقافي يعمل كنسق تنظيم، يقدم للعملاء الاجتماعيين فرصة وضع استراتيجيات التمايز ضد أفراد الطبقات الأخرى.
إن الرهان الأخير لهذه الصراعات هو بالتأكيد الفوز بإقرار شرعي يصاغ في نهاية المطاف كإقرار شرعي بالسيطرة.(4)
فالتوزيع اللا متكافئ للرأسمال الاقتصادي، كما التوزيع اللا متكافئ للرأسمال الثقافي لهما قاسما مشتركا رغم اختلاف الوسائل؛ هو تأكيد شرعية كل طرف في امتلاك الثروات الثقافية، ويظهر أصحاب الرأسمال الاقتصادي البذخ في امتلاك الدلائل الثقافية المشروعة، كالقيام بالأسفار واقتناء الثروات الثقافية : (لوحات الرسامين الكبار أو اقتناء الفيلات والسيارات الفخمة…الخ).
بينما يظهر ذوي الرأسمال الثقافي تمايزهم عن طريق ارتباطهم بكفاءاتهم النوعية بالانخراط في القراءات والمطالعات والميل إلى سماع الموسيقى الكلاسيكية أو ارتياد الحفلات الشعرية والمسرحية…
3. مستوى المعطى القيمي:
اتجهت بعض الدراسات والأبحاث إلى الاهتمام ببحث العلاقة المحتمل وجودها بين الفشل الدراسي والقيم التي يتشبع بها الطفل أثناء عملية التنشئة الاجتماعية.
فالمعايير القيمية التي تحكم سلوك التلميذ، وتحدد تصوره عن ذاته وعن الآخرين قد تشكل سببا من أسباب فشله أو نجاحه دراسيا، فإذا كانت مماثلة لمعايير النموذج القيمي الذي تتبناه المدرسة فإنها تسهل على التلميذ عملية الاندماج والتكيف مع متطلبات التعلم المدرسي.
فالطفل الذي يتشبع خلال عملية التنشئة الاجتماعية وبواسطة التربية الأسرية بفكرة التنافس والتفوق في الصراع، والاعتداد بالذات، وهي ذاتها القيم التي ينبني عليها النسق التعليمي، يكون مؤهلا للنجاح في دراسته، لأنه يشعر بوجود تطابق بين القيم التي يعتقدها والقيم التي تسعى المدرسة إلى تثبيتها لديه.(5)
فإذا كان تأثير الوسط العائلي قويا ومميزا في التنشئة الاجتماعية للطفل فإن أبناء الفقراء لا يستطيعون اللحاق بأبناء الأغنياء. فالمعايير القيمية “المدرسية” المذكورة قد يكون لها دورا سلبيا خاصة إذا كانت تتعارض مع القيم التي يربى على أساسها “الطفل”. فالملاحظ أن القيم التي تسود أوساط الطبقات الاجتماعية الشعبية هي قيم الصحبة والتعاون والقوة الجسدية، وهذه القيم تتعارض مع قيم الثقافة المدرسية والتي أساسها التنافس والفردية؟، لذا يجد أطفال الأوساط الاجتماعية الفقيرة أنفسهم غرباء إزاء هذه القيم، وغير قادرين على التكيف معها مما يتسبب في فشلهم الدراسي.
4. مستوى المعطى اللغوي – اللسني :
تلعب اللغة دورا مهما في الحياة الدراسية للتلاميذ كما أنها تعتبر متغيرا هاما يؤثر بالسلب وبالإيجاب على المسار الدراسي ويحدد بالتالي نوعية النتائج ومستواها.
فهناك، اختلافات بين الأسلوب الذي تتحدث به الفئات الاجتماعية الفقيرة اللغة والأسلوب الذي تعتمده المدرسة وهو ذاته أسلوب الطبقات الاجتماعية المهيمنة أو الفئات المثقفة منها. وتشكل هذه الاختلافات عوائق صعبة التجاوز أمام أطفال الفئات الاجتماعية الفقيرة ذات الإرث الثقافي الهزيل مما قد يؤدي إلى فشلهم الدراسي.
فلغة الأسرة، لغة التداول اليومي، تختلف عن لغة المدرسة، فخطاب الطبقة العاملة يبدو مرتبطا بالسياق خالي من الصور المرافقة للمعنى ويأتي خطاب المراهقين منهم خالي كذلك من التعابير السيميائية والبلاغية، كما ينتاب خطاب هؤلاء وقفات التردد ،لإظهار أن اللغة لها دور مؤثر في الفشل الدراسي هناك الطريقة أو الأسلوب الذي تستخدم به اللغة.
فالأوساط المثقفة تستخدم نظاما من الرموز غير ذاك الذي تستخدمه الطبقات الشعبية.
وبما أن المدرسة تعتمد في التعليم لغة الطبقات المهيمنة فإن أطفال الطبقات الشعبية يجدون صعوبات بسبب هذا النقص اللغوي يؤدي بهم إلى الفشل الدراسي(6)
إن المعادلة اللسنية والاجتماعية تقف عند مرجعية اللغة المشتركة التي تفصل بين الجو العائلي للطبقة الراقية والطبقة العاملة، لهذا كانت الكفاءة اللغوية والذكاء الشفوي لهما علاقة وطيدة بالمستوى المعرفي كما بالمستوى العاطفي والاجتماعي، هذه الكفاءة تنمي العلاقة المنطقية والأشكال التعبيرية العالية لدى الطفل بالوسط الغنى الذي يجد نفسه مندمجا بسهولة داخل المنظومة المدرسية التي تحتويها الثقافة العامة المتشّربة بعائلته.
فملاحظات برنستين Bernstein كنظرية جذابة تربط الوضعية الطبقية بقيم الرأسمال الثقافي الملقن من طرف العائلة لخصها كالتالي :
-التنمية اللغوية تتأثر بالوسط العائلي.
-تنمية الأسلوب الشفوي يلعب دورا محركا في تقدم الكفاءات الفكرية والثقافية وخاصة في تقدم القدرة على التعامل بالمجاز اللغوي.
-بنية العلاقات العائلية يحددها الوسط الاجتماعي، هذه العلاقات بسيطة وشفافة وسلطوية بالطبقات المتدنية.
-التركيب اللغوي للعلاقات العائلية تؤثر على التركيب اللغوي للطفل
وقد نستنتج أن الإرث الثقافي يلعب دورا مهما في تحرك أجيال اللا مساواة الاجتماعية أمام التربية،على اعتبار أن هذا التأثير حساس بالأساس عند صغار السن.
الميكانيزمات العامة المحركة للا مساواة أمام التربية
1. مستوى الطموح :
لا يمكن تصور متعلم يتفوق دراسيا دون مستوى لائق من الطموح، وذلك لأن طموحه المتمثل في عكسه لطموح عائلته يلعب دورا مهما في الدفع به نحو تحقيق المزيد من التحصيل والتفوق والامتياز والتفرد، إذ الخلفية الأسرية والقيم الوالدية لها حثيث الأثر على تحصيل الأبناء.
2. عقدة النجاح :
لقد أصبح ينظر إلى التعليم، : “وحسب السياقات الاجتماعية المختلفة عنصرا من عناصر الترقي المادي والمعنوي، ومحددا من محددات الحركية الاجتماعية”.(7)
وإذ يفترض ريمون بودون إعطاءنا أهمية أقل لعامل التثقيف كأداة للنجاح يعتبر هذا النجاح المتعلق بالحياة المدرسية كما تدل على ذلك أعمال (شنوي) : “…الاقتناء الحليف لراحة مادية معينة فالنجاح هو في الحصول على عمل مضمون نسبيا، يسمح بالوصول إلى ميزانية مستقرة وبتأمين تثقيف منسجم للأطفال…”.(8)
فالجو العائلي من شأنه أن يثير ظاهرة لا مساواة النجاح المدرسي أكثر وضوحا ومباشرية من التطرق للإشكالية الاجتماعية للقيم الثقافية أو فوق اجتماعية خصوصا الجو العائلي (ميكرو-وسط عائلي) micromilieu familial حسب زازو Zazzo 1960.
نعلم كذلك أن خصائص الجو العائلي ونمط الحياة التربوية ليسا مستقلين عن قانون سوسيو-اقتصاديي وعن وضعية العائلة داخل النسيج الاجتماعي، هذا الطرح غير قار إذ نجد أن عائلات تنتمي لنفس الوسط الاجتماعي إلا أنها تختلف بعضها عن بعض فيما يخص عاداتها وطقوسها التربوية خاصة مظاهر النجاح والتفوق (Le syndrome de réussite) وتوجيه أطفالها نحو قيم النجاح.
فالعائلات ذات التوجيه الشخصي المعتمدة على الخصائص النفسية للأفراد ذات وضع قوي عند تحديدها لأدوار أفرادها إذ أن مراقبة السلوك لديها تقرر أساسا بالنقاش الشفوي والتحكيم.
أما العائلة من النمط الوضعي positionnel حسب Bernstein فتضع القانون كمؤسس وحيد لسلطتها حيث الأدوار محددة وعلاقة تماسك أفرادها قوية.
كل ذلك يحدد الهوية الاجتماعية بالنسبة للعائلتين ويضع قيم النجاح لديها من ضمن العوامل التي تؤثر على تماسكها حيث يشعر الطفل الناجح مدرسيا بقيمته إذ يمكنه أن يفخر بانتمائه لعائلة لها شعور خاص اتجاه قيم النجاح لأن ذلك الإحساس كفيل بمساعدته على الإحساس بالقوة واستمرار استقراره المدرسي إيجابيا.
وينتج عن هذا الميكانيزم الخاص ظواهر نفسية تتجلى في اضطرابات يمكن حصرها في :
اضطرابات التفوق والتحصيل :
من الاضطرابات التي يمكن أن تصيب المجال التحصيلي للفرد وتفقده تفوقه وتميزه “عصاب النجاح” Névrose de la réussite ويصاب به من أحرزوا نجاحا دراسيا برغم انحدارهم من بيئات اجتماعية معدمة مع تميزهم بالميول الفوضوية.
أيضا من الاضطرابات التي يمكن التعرف إليها في هذا المجال “الخوف من النجاح” la peur de la réussite حيث أن الذكور يعتبرون أكثر قلقا اتجاه الفشل الدراسي من الاناث.
ومن الاضطرابات الشائعة أيضا نجد “فوبيا المدرسة” la phobie de l’école ورهاب المدرسة هنا يتضمن كره المؤسسة التعليمية ورفضها والخوف منها ويعاني المصابون بها من أعراض بدنية للقلق.
3. النظام الرأسمالي والتفاوت الاجتماعي :
إن التعليم يعكس التركيبة الاجتماعية في أي مجتمع ويساعد على استمرارها والمحافظة عليها وتدعيمها أيدلوجيا والمدرسة في المجتمع الطبقي ما هي إلا أداة في يد الطبقة المسيطرة في المجتمع، وقد صممت المدرسة في المجتمعات الرأسمالية لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية للطبقة الرأسمالية وذلك من خلال محتويات هذه المدارس حيث تتشكل شخصية ووعي المواطن وفق نمط الحياة السائدة في تلك المجتمعات بحيث يشعر المواطن ويربّى على أن التمايز الطبقي أمر طبيعي ويحدث في كل مجتمع.
ومصلحة الرأسماليين تكمن في تنميط بنية التعليم المدرسي وفقا للعلاقات الاجتماعية في الإنتاج الرأسمالي إذ ينمّط النمو الكمي للنظام التعليمي وفقا كذلك للتوسع في الأسلوب الرأسمالي في الإنتاج وبسبب التركيز الأيديولوجي الواسع الانتشار على أن التربية وعن طريق التدرج التعليمي طريق مثلى إلى النجاح.
4. تدعيم مبدأ الإستحقاقية La méritocratie :
ليس للتلاميذ وأولياء الأمور أية سيطرة (رقابة) على العملية التربوية، فالنجاح يقاس بمقياس خارجي هو الدرجات والامتحانات التي تصبح الحافز الرئيسي للعمل، وهذا البناء يجعل أي اهتمام فطري بالمعرفة أمرا ثانويا نتيجة جهد الفرد أو بالتعليم.
ولا شيء يخدم النظام الرأسمالي والطبقي القائم أكثر من الاختبارات التي لا يرقى إليها الشك أو العيب والتي تدعي قياس قدرة الشخص في نقطة معينة من الزمن، على القيام بوظائف مهنية معينة، وإنما ننسى أن هذه القدرة مهما اختبرناها باكرا في حياة الفرد إن هي إلا حصيلة التعليم والتعلم بأوصاف اجتماعية معينة.
فهذا المبدأ؛ الاستحقاقية أو الجدارة يعني تكريس قضية القدرات والاستعدادات للالتحاق بالتعليم بفصل تلك القدرات عن جذورها الاجتماعية والطبقية وبذلك يمكن القول بأن النظام المدرسي يلعب دور المحافظ والمنتج لسوق العمالة. فالشعارات التي رفعتها الكثير من البلدان الرأسمالية المتقدمة والمتخلفة على السواء حول إشكالية حياد التعليم وعن كونه متاحا للجميع وفق قدراتهم التي تؤهلهم للالتحاق به تذوب أمام الوضع الواقعي والحقيقي لهذه القدرات والاستعدادات وتجعل النظام التعليمي نظاما طبقيا بالدرجة الأولى يتحيز بشكل واضح للأغنياء ضد الفقراء.
5. عولمة النظام التعليمي :
إن التوافق بين العلاقات الاجتماعية للتعليم المدرسي والعلاقات الاجتماعية للإنتاج لا يعني أن كل الأطفال يتلقون نفس التعليم، فتدرج مستويات القوى العاملة المستقبلية في جسم الاقتصاد العولمي يتحقق من ناحية بجعل كميات مختلفة وأنواع مختلفة من التعليم المدرسي متاحة لأطفال مختلفين، من تم فإن النظام التعليمي يتضمن بناءا طبقيا رأسماليا ينتج عن طريق التقسيم العالمي للعمالة تسيطر عليه مركزيا هيأة إدارية أجنبية كمركز عالمي فاعل يسميه فردناند بروديل Ferdinand Brudel بمركز الاقتصاد العالِم أما الحركات التي تجري في محيط هذا المركز أو في الأطراف، ليست مستقلة عما يجري في المركز نفسه.
فمن الممكن أن يشهد المستقبل تقهقرا خطيرا في الطلب على اليد العاملة بين خريجي المراكز المهنية والتعليمية الوطنية في المجتمعات المتخلفة نظرا لعدم استطاعتها انتاج نخب معولمة، هذه النخب الوطنية الضعيفة الموارد والإمكانيات لا تتردد في اللجوء إلى سياسة الإثراء غير المشروع والمضاربة التي تمكنها وحدها من انتزاع قسط من رأس المال الاقتصادي والثقافي والسياسي الذي يسمح لها بالبقاء الشيء الذي يفسر الاتجاه الأخلاقي المتعارض مع قيم المدرسة والذي ينحو إلى تعميم الفساد وانحلال الروابط والدوافع الوطنية في المجتمعات الضعيفة.(9)
ففي إطار العولمة الشاملة ستتحول علاقات العرض والطلب والثمن من مجرد آليات اقتصادية إلى عقيدة تتحول كطرح اقتصادي إلى منهج يجعل دور الدولة في الهامش حيث تتحول من الإدارة الترابية إلى إدارة الأعمال إذ سينحصر دورها في إعطاء الأولوية لعوامل الإنتاج غير المتنقلة( العمل).
فالقوى العاملة في بلد ما وحسب ما تمتاز به من انضباط وجدية ومستوى ثقافي هي العنصر الفعال في خلق امتياز تنافسي لمجال وطني ما فالعولمة تحاول إنتاج نظرية تطمح لاحتواء المجال الاقتصادي عبر المنافسة، هذه التنافسية تستدعي من مجالنا الوطني تحقيق وعي بالتجربة الاقتصادية المرتقبة عبر استراتيجية يلتقي فيها الوعي بالذات والوعي بأسئلة الآخر.
فعولمة الرّساميل وانتقالها لا يستوجب بالضرورة انتقال اليد العاملة الخبيرة، لهذا كان المطلوب من الدول الحاضنة للرّساميل كافة الاستعداد لتأهيل نظامها التعليمي كي يستجيب لطلب عمالة في مستوى التقدم التكنولوجي الموازي للإنتاج. فكيفما اشتغل النظام التعليمي التكويني لصنع التحدي للانخراط في إطار العولمة الاقتصادية يبقى تكوينه نظريا في غياب بنية صناعية بالدول المتخلفة، تدمج الطالب في الحقل الانتاجي على المستوى التطبيقي التكويني، الشيء الذي يدفع بنا للاستنتاج أن هذا المشكل سيضع تفاوتات من حيث استقبال هذه الرّساميل وبالتالي تركيز محور الاستقبال على نجاعة النهضة التربوية للنظام التعليمي.

حول المساواة التعليمية والمساواة الاجتماعية :
1. التعليم لا يحقق العدالة والمساواة الاجتماعية :

إن التعليم في بلدان العالم الثالث أصبح وسيلة لتكريس التباين الطبقي والاجتماعي. فالتعليم لا يستطيع أن يوفر العدالة والمساواة الاجتماعية عن طريق المال. لأن ذلك لن يتأتى إلا عن طريق التغيير الجذري للبنية الاقتصادية الاجتماعية الظالمة في المجتمع، فهي الشرط اللازم لتحقيق المساواة داخل المدرسة.
إن أبناء الفقراء لا يستطيعون اللحاق بأبناء الأغنياء حتى وإن تعلموا في مدرسة واحدة، وذلك لأن الفرص التعليمية المتوفرة لطفل الطبقة الوسطى والغنية مثلا تجعله متفوقا على طفل الطبقة الفقيرة والدنيا، كما أن أبناء الأغنياء يمكثون في التعليم مدة طويلة، وبالتالي فإنهم يحصلون على قسط أكبر من الإنفاق على التعليم بالنسبة لهم.
يتضح مما سبق أن حوالي الثلثين من مجموع الأطفال الذي يلتحقون بالمدرسة الابتدائية يغادرونها فاشلين، ولا شك أن هؤلاء الأطفال الذي لم يواصلوا تعليمهم الأساسي ينتسبون في غالبيتهم إلى الفئات الاجتماعية الفقيرة وينتسبون إلى القرى بأعداد تفوق أعداد المدينة والأحياء المهمشة (القصديرية) داخل المدينة بأعداد تفوق أيضا أعداد أحياء الطبقة المتوسطة أو الأحياء الراقية.
وبذلك يتضح أن التعليم الحالي غير قادر على إحداث المساواة الاجتماعية للتلاميذ الملتحقين به…
2. التعليم والحراك الاجتماعي :
ترتب على ذلك أن الفقراء لم يعودوا ينظرون إلى التعليم على أنه وسيلة للتحرر من الفقر ولا وسيلة للترقي الاجتماعي ،لأن الذين يصلون إلى الخلاص عن طريق التعليم قليلون جدا. فالتعليم في الحقيقة ليس وسيلة للحراك الاجتماعي La mobilité social وليس وسيلة للمساواة بل هو أداة لتقنين عدم المساواة والمحافظة على الفروق الاجتماعية والطبقية الموجودة.
إن تحقيق العدالة الاجتماعية يتم خارج المدرسة عن طريق توفير المال والسكن والنقل والعمل السياسي والتشريع، أما المدرسة بما تقدمه من معلومات ومناهج منفصلة عن الحياة الاجتماعية للفقراء، فإنها تحرم الكثيرين من فرص الحراك الاجتماعي.
وبذلك أصبحت المدرسة سببا في زيادة الشعور بالإحباط وخيبة الأمل عند الفقراء والمحرومين الذين لا يستطيعون الوصول إلى التعليم أو الاستمرار فيه وفق شروطه القاسية وعاملا مساعدا على الصراع الطبقي، وعنصرا مشجعا على زيادة الشعور بالدونية وتزييف الوعي. فكلما زادت جرعة التعليم التي يحصل عليها الإنسان في العالم الثالث كلما زاد شعوره بالإحباط والدونية والاغتراب. فالذي يترك المدرسة بعد السنة السابعة يصبح أكثر إحباطا من الذي يتركها بعد السنة الرابعة…
3. مسألة الحراك المهني وارتباطه بالحراك الاجتماعي :
يتصدى علماء التربية لمفهوم التكافؤ في الفرص التعليمية يجدون من واجبهم أيضا أن يشيروا إلى مفهوم التكافؤ في الفرص المهنية –التوظيف- وبالتالي إلى ارتباط المفهومين وانعكاس مضمون كل منهما على الآخر.
إن التلازم بين هذين المفهومين يطرح بدوره مشكلات فلسفية وسياسية واجتماعية على درجة كبيرة من الأهمية والتعقيد والشمول.
ويلاحظ هوسن Husen أن معالجة هذا المفهوم لتكافؤ الفرص التعليمية تؤدي على المستوى السياسي إلى استنتاج أنه من غير المفيد أن نجعل الفرد مسؤولا عن نجاحه أو فشله في الدراسة. إن ثقل هذه المسؤولية يجب أن يتحمله النظام بأكمله : (النظام المدرسي أو النظام الاجتماعي الاقتصادي).
فالقول بأن التربية أداة موضوعية لتصنيف الناس وانتقائهم حسب مهاراتهم المعرفية قول يترتب عليه نتيجة أيديولوجية مؤداها أن نجاح الفرد في المجتمع أو فشله مرهون بنجاحه أو فشله في التربية. وذلك القول ينطوي على إقناع زائف للمواطن بأن شكل المجتمع وبنية النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه بريئة تماما من أي فشل يتعرض له، فالفشل إنما سيكون فشله هو نفسه في اقتناص الفرصة المتكافئة التي توفرت له في المدرسة والقول بأن المعرفة التي تقدم في المدرسة تؤثر في رفع المستوى الاقتصادي للفرد والمجتمع هو نمط من أنماط الأيديولوجيا التي تزيف الوعي الاجتماعي على مستوى الفرد والمجتمع.
و سيترتب على هذا الطرح نتيجة مغلوطة فحواها أن مشكلة الفقر التي تعاني منها الطبقات الدنيا في المجتمع هي مشكلة فقر في امتلاك المعرفة وليست مشكلة استغلال اقتصادي تعاني منه هذه الطبقات.
وبالمثل فإن مشكلة التخلف في الدول الفقيرة ستصبح –حسب الطرح الأيديولوجي- مشكلة تربوية تعالج عن طريق الإصلاح التربوي وبالتالي يتم اختفاء حقيقة التخلف الحقيقية المعتبرة أن فقر دول العالم الثالث هو نتيجة نهب استعماري (ظاهر ومستتر) منظم وممنهج لقدرات وثروات الشعوب المستعمرة.
خاتمة: إن المساواة المفترضة التي روجت لها المدرسة “المدرسة كرأسمال بشري” في العقود السابقة سرعان ما أضحت لا مساواة، وذلك لفشل النظام التعليمي في تأدية دوره الاجتماعي في الحراك الاجتماعي أو النقلة الاجتماعية للأفراد الملتحقين به، بل أصبح وما زال يؤدي إلى التمايز الاجتماعي والطبقي بل ويساعد على اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء إلى جانب قيامه بدوره التاريخي البورديوي في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السائدة والمحافظة عليها.
مراجع البحث

1-Raymond Boudon, « L’inégalité des chances, la mobilité sociale dans les sociétés industrielles», Ed. Armand colin, paris 1978, page 58.
2- انظر د. مصطفى زيدان، ” علم النفس الاجتماعي “،ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر رقم النشر 1914/1/86، الصفحة 111.
3- ريمون بودون، ” مناهج علم الاجتماع “، ترجمة هالة شبؤول الحاج، منشورات عويدات، بيروت، الطبعة الأولى، تموز 1972، الصفحة 75.
4- انظر بيار نصار، ” العلوم الاجتماعية المعاصرة “، ترجمة نخلة فريفر، المركز الثقافي العربي،الطبعة الأولى، سنة 1992، الصفحة 103.
5-Rosenthal R. et Jakobson C., « Pygmalion à l’école », édition Casterman, 1981, Page 84.
6-Decorte E., « Les fondements de l’action didactique », A. de Boeck, Edition S.A. Bruxelles, 1979, Pages 63 – 64.
7- مصطفى محسن : ” في المسألة التربوية، نحو منظور سوسيولوجي منفتح “، الناشر : المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، سنة 2002، الصفحة 49.
8- ريمون بودون، ” مناهج علم الاجتماع “نفس المرجع السابق، الصفحة 32.
9- انظر د. برهان غليون و د. سمير أمين، “ثقافة العولمة وعولمة الثقافة”، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، بيروت لبنان، سنة 1999، الصفحة 19 و 20.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا البحث منشور بمجلة فكر ونقد المغربية
السنة الثامنة – عدد 78- أبريل 2006

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  عبد النور إدريس 09 أبريل 2006

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية