Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
28 mars 2010 7 28 /03 /mars /2010 10:22

http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:bkVQdx2qSSlrsM:http://www.alhares.org/site/uploads/img4824847e523e7.jpgالمرأة والكتابة إلى أين؟

- حوار مع الناقد و المبدع الفلسطيني زكي العيلة

حاوره وناقشه الباحث المغربي عبد النور إدريس 

 تدخل: عبد النور إدريس

إن ما تعيشه المرأة من أزمة هي قبل كل شيء أزمة فكر قبل أن تكون أزمة واقع..

لهذا فأزمة المرأة الدائمة تكمن في الميتافيزيقا..

لنُشرك الأستاذ زكي العيلة في إعادة طرح السؤال من جديد على عولمة قيمنا الاجتماعية.

فلو توقف التعامل بالإنترنيت نهائيا هل تعود العلاقات الإنسانية 

إلى حرارتها كما كانت سابقا؟ 

 

تدخل:الأستاذ زكي العيلة

رغم هروبنا الدائم إلى موضوعة ( الماضي الجميل )التي يحلو لنا ترديدها في محاولة لتجميل أزمنةٍ حلمنا بها ليس أكثر ، مما منحنَا بعضَ التعويض و لو بامتطاء موضوعات قد تكون وهمية عن ماضٍ آفل ، إلا أن الحاضر له ضروراته الحيوية التي لا بد لنا أن نتعامل معها و مع أدواتها ، شئنا أو أبينا ، فالعجلة دائرة و ستظل تدور بشروطنا تارة و بشروطها تارات ..و سيبقى الإنسان هو الإنسان ، بنقائه و قبحه ، بقوته و ضعفه ، بأحاسيسه و انكفائه ،

بحرارته و صقيعه ، تعددت مظاهر التواصل و الأنترنيتات و العولمة في النهاية واحدة .

معك أخي عبد النور في تشخيصك لأزمة المرأة في مجتمعاتنا التي

هي قبل كل شيء أزمة فكر قبل أن تكون أزمة واقع(..)

وهذا يتساوق مع خلاصة دراستي الأكاديمية التي تناولت خمساً و أربعين رواية فلسطينية(http://www.zakiaila.com/za/maraa.htm لم يظهر فيها أي تغيُّر واضح على المستوى الاجتماعي بالنسبة لقضايا المرأة الخاصة ، رغم مشاركات المرأة الواضحة الفاعلة في فعاليات الانتفاضة حيث ما زالت صورة المرأة التابعة السلبية الضعيفة ، غير القادرة على بناء ذاتها تشكل هاجس الروائي الفلسطيني.

 

تدخل: عبد النور إدريس

فعلا الأستاذ زكي من يتطرق بالتحليل لموضوع المرأة يستخلص أنها حبيسة كل الخطابات الرمزية المتمثلة في قوة احتواء الخطاب الذكوري الثاوي في القانون والميتافيزيقا والأسطورة والدين والحكايات ..الخ

لقد أثار تدخلكم الكثير من الأسئلة والتي تحتاج في الاجابة عليها صفحات وصفحات من حيث أنه لا يستطيع أي رجل ديموقراطي إلاّ أن يتواجد في صف مارينا ياغيلّو في تساؤلها التأكيدي بإحراق القواميس، ويعِدُ الأنثى، بحرية لا تنتهي بالبَوح في لغة الجنس والكتابة ولا يؤسس للصمت في لغة لا تعرف أن تُعلّم قول "نعم" دون أن تفتح الجملة على قولة "لا" وليست "اللاّءات" التي مصدرها مدرسة حضارة الرجل.

علامات هي تلك الأشكال التي تنتج الغموض والتساؤل حول تجدّر ما هو أسطوري، على الفضاءات الفكرية العذراء.

لنُحدث إذن قطيعة مع النظرة الدونية للمرأة فحريتها السياسية والمجتمعية أصبحت رهانا كونيا... فالبنية التحتية لتنمية المرأة يستوجب بالأساس خلخلة أصل الاستبداد وتطقيس الزمن العربي نحو الانفتاح على إمكاناته عوض الانخراط في تفكيك ماهية ما يُحيل على نُسخة ممجوجة للأصل. فلا يمكن أن نُنَمِّي المرأة وفضاءها وقضيتها إن لم نقلق الميتافيزيقا وننسف الأصنام والطابوهات المحْمومة، وذلك بتلغيم الثنائيات المُهترئة، ذكورة / حضارة، ذكورة / إنسانية إذ " ليس الرجل هو الإنسان، وليست الذكورة مرادفة للإنسانية، وليست المرأة جنسا آخر أو نوعية أدنى من البشر" 

ليس هناك داخل أصل المعنى اختلاف بين الرجل والمرأة " فالذين يتحدّثون عن الاختلاف يشعرون فعلا بأنهم متفوّقون على الآخرين "كما قال جان جينيه.

فلا يمكن أن نضع المبررات لعجز الماضي عن احتواء الاختلاف والتعدد فالماضي " الآن" و"هنا" يبيع نفسه كما كان الرجل في السابق يبيع حصّته من الفردوس مقابل الاستمرار في التعرية المادية لجسد المرأة، فهناك دوما خسارة تؤكد العنف الرمزي للتُّربة الميتافيزيقية تجعل الكائن عبدا لنفسه.

فالخطاب المتداول حول المرأة "هنا" و"الآن" من قِبَل الرجال تعتريه نواقص التستر والمغالطة فهو لا يعكس تفتًّح الداخل اللا شعوري، هذه السيكولوجية العرجاء تندرج عقيمة ضمن الإحياء المُزمن لأزمنة الرق الغابرة..فما زالت المرأة المعاصرة داخل الخطاب الذكوري رهينة الممارسات المُخاتلة..التي تؤسس لامتلاك الرجل للجسد الأنثوي، هذا الجسد وبدون وعيه لذاته قابل لأن يُهان إلى الأبد.

إن ضغط المرحلة يجب أن يواكب التطور ذهني للعقلية الذكورية التي تستمتع بنرجسيتها حتّى الثّمالة كي ينتشل المرأة من تشييء الرجل لجسدها... الجسد المرتبط بهويتها والذي يلهث كورقة تعريف.. كإعلان لشخصيتها وكينونتها،" فما الذي يجعل" رجلنا" يُشَيّْءُ المرأة فيمارس الجنس مع نفسه من خلالها، كأنها ليست ذاتا مشتهية، مستقلة، باحثة عن مجال رغبة مشتركة؟"(

) إن هناك مكانا شاغرا للديموقراطية المعرفية والمجتمعية والجنسية يجب أن يتنافس حوله الرجال حتّى كسب رهان التحديث... حتّى تتخلّص القيم الذكورية من أعراض التوحش ومظاهر الاسترقاق في زمن ما بعد الحداثة.

يمكن بذلك للمنطق الذكوري أن يتفاوض مع ذاته ويشحذ ذاكرته للقيام بنقد ذاتي فيعطي لشهرزاد أوراق اعتمادها لتمثل رسميا النساء في بلاط شهريار... في واضحة النهار ولتعيد صياغة حكاية ألف ليلة وليلة وتستيقظ من غَفوة عُرْيِها على وقع الجنون والفرجة المشتركة والإحساس بالعدل العام للسلطة، وهي تستمتع كذلك بجسدها لذاته وتخرج من ليل الحكي لتحُل داخل اليقضة الوجودية للمصالحة مع الذات وتكسير الصمت..صمت الوجود والموجود.

الأستاذ الناقد زكي العيلة حينما تكتب المرأة الفلسطينية هل تستحضر ذاتها في وعي الانتفاضة..؟

ما هي حقيقة انتقال المرأة الفلسطينية من الإطار المنكسر الهامشي إلى نموذج فاعل ..متمرد يطالب بالتغيير على جميع الأصعدة ؟

 

تدخل:الأستاذ زكي العيلة

لقد سجلت المرأة الفلسطينية حضوراً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي إثر الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من أرض فلسطين – الضفة الغربية وقطاع غزة – في يونيو (حزيران) 1967. 

وبعد تفجر الانتفاضة الفلسطينية في التاسع من ديسمبر 1987 انخرط كثير من النساء في فعالياتها و نسيج حياتها اليومية ، بحيث أثبتت دورها الريادي في فترة وجيزة من عمر الانتفاضة ، فلم يعد همُّها الجانب الخدماتي أو الإغاثي فقط ، بل أصبحت مشاركة في الحياة السياسية اليومية ، مما ساهم في ارتقاء وعيها لذاتها ، ولقضاياها الاجتماعية .

لقد تنبهت الرواية الفلسطينية المعاصرة للدور الذي تمثله المرأة الفلسطينية في مجتمعها ، وإن لم يتخط تناول ذلك الدور في أغلب الأوقات الصور النمطية التقليدية للمرأة .

ولعل هذا كان حافزي في رصد الروايات الفلسطينية التي تعرضت لصور المرأة في ظل إغفال معظم الدراسات للدلالات الفكرية الشمولية لصور المرأة ، وعلاقتها بالواقع المعيش ، خاصة في ظل المتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية التي واكبت الانتفاضة و مدى تأثيراتها على نموذج المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة .

 

و لعل السؤال الرئيس الذي حاولت الدراسة البحث عن إجابة له هو: هل تخطت الروايات الصادرة في هذه المرحلة 1987 – 2000 الصور التقليدية ذات القوالب المحددة للمرأة الفلسطينية السلبية ، المقهورة ، العاجزة عن التغيير ، والتي غالباً ما ترد خارج دائرة الفعل؟

 

في البدء تبرز ملاحظة ذات دلالة تحتاج إلى دراسة حيث لا توجد أية روائية أو كاتبة قصصية بين أعضاء الاتحاد العام للكتَّاب الفلسطينيين فرع قطاع غزة ( 120) كاتباً و كاتبة ، في حين لا تزيد كاتبات القصة و الرواية في فرع الضفة الغربية ( 280) كاتباً و كاتبة عن عدد أصابع اليد في الوقت الذي تكثر فيه أصوات الشاعرات .

 

لقد تناولت دراستي ، " المرأة في الرواية الفلسطينية " خمساً و أربعين رواية لواحد وثلاثين روائياً ، إلى جانب ثلاث روائيات فقط سحر خليفة ( أربع روايات : الصبَّار ـ عباد الشمس ـ باب الساحة ـ الميراث ) و ليانة بدر (رواية : بوصلة من أجل عبَّاد الشمس ) و ديمة السمان (رواية: جناح ضاقت به السماء).

شخوص روائية كثيرة ، حاول البحث من خلالها أن يجد في شخص المرأة الراوية أو المروي عنها ، على وجه التحديد نافذة لواقع المرأة الفلسطينية ذاتها على الأرض ، خارج الورق ، و خارج الرمزية الغامضة أو الواضحة أو المضطربة .

لا جدال في أن الروائي حين يصنع شخوص روايته، لا ينقل الواقع بالضرورة بل يتخيله ، لكن المخيلة ـ مهما كانت لعبتها الإبداعية ـ هي جزء من الواقع ، و وفق هذا الإدراك يصبح الباحث أمام واقعين يمكن أن يسمي الأول " الواقع الواقعي " والثاني " الواقع المتخيل " و هما يتماهيان معاً في الإبداع الروائي ، لا واقع و لا خيال ، بل هي الرواية فحسب .

لقد حاولت الدراسة " المرأة في الرواية الفلسطينية " أن توائم الواقع الواقعي مع الواقع المتخيل ، فالمرأة في الرواية هي المرأة في الحياة ، بقدر ما هي ذاتها ، و ربما بتجليات أشد كثافة و أبعد عمقاً .

الملاحظ أن معظم النماذج النسوية في الروايات (مجتمع البحث ) قد شغل بمفهوم الحرية الفردية و العلاقة بين الجنسين حيث ترفع تلك النماذج ـ في روايات سحر خليفة و ليانة بدر تحديداً ـ كثيراً من الشعارات الرافضة للضوابط التقليدية انطلاقاً من إيمانهن بأن معركتهن موجهة ضد الرجل و المجتمع القامع ، فالفتاة ( رفيف ) مثلاً في رواية (عباد الشمس) لسحر خليفة تبدو المسائل مشوشة في ذهنهـا وهي تدين الرجال كافة: فالجنس في نظرها طبقة ، والمرأة تعاني من استلاب مضاعف ، لأنه استلاب قومي ووطني وجنسي… لذا لا بد من ثورة المرأة ضد نظام اجتماعي، اقتصادي ، ديني أخلاقي ، وأضف إليها ما شئت من مسميات بلا عدد ) غير آخذة بعين الاعتبار القضايا الاجتماعية والسياسية في شموليتها فالتحرر كما يقول الناقد فيصل درّاج لا يبدأ بالرجل وينتهي بالمرأة ، بل يتحقق في تحرر المجتمع ككل ، أو يتحقق في سيرورة النضال الوطني الديمقراطي الذي يساهم فيها الرجل المرأة ، ومع ذلك ، فالكاتبة لا تبدأ من المجتمع بل من تعارض الذكورة والأنوثة ، وتقابل سيطرة الرجل مع النزعة النسوية ، ذكورة ونسوية، انغلاق مقابل انغلاق ، أو عنصرية تطرد أخرى ، بحيث يتحول تحرر المرأة في الرواية إلى خطاب أيدلوجي مفتوح . حتى أن (رفيفاً) لا تأخذ في اعتبارها الوظائف البيولوجية الخاصة بالمرأة ، وكأن الحمل والإنجاب لعنة ، لا نعمة : ( طبخت فأكلتم ، زرعت فقطفتم ، حملت بذوركم في بطني ، وسقيتها غذاء عيني ، وأسناني ، واشتداد عقلي ، وحين تتلقف أيديكم المولود ، يحمل اسمكم بدل اسمي ، والأب نفسه يحمل اسم مولوده الذكر ، ولا يحمل اسمي ، وأنا نفسي أسلخ عن اسمي واسمكم ، وأفقد هويتي ، وشخصيتي في مطابخكم ومعابدكم .

في المقابل تُطل علينا في الرواية نفسها شخصية (سعدية) المرأة التي تقرر أن تباطح الحياة بعد أن لم تفلح شهور من النواح والبكاء ، وارتداء الأسود في إطعام أولادها – إثر استشهاد زوجها (زهدي) – متحملة افتراءات ومنغصات نسوة الحارة وبعض رجالها لخروجها عن المألوف في تنقلها وتحركها بحثاً عن عمل ، ويتحقق حلم (سعدية) بشراء أرض في الجبل المشمس ، تظن أنها ستريحها من الحارة التي جعلت من خروجها للعمل مصدراً للتقولات ، كما ستمكنها من النجاة بأولادها من بطش الاحتلال وغراماته بسبب مشاركتهم – خاصة رشاد – في التصدي للجنود ، إلا أن بحثها عن خلاص فردي يواجه بالرفض من أولادها المتشبثين بالحارة وأهلها ، لتدهمها ضربة لم تحسب حسابها ، فالأرض التي اشترتها بعرقها وسهرها وشقائها وتحملها المشاوير والأقاويل ، يصادرها اليهود لصالح إحدى المستوطنات ، فتضطر (سعدية) إلى العودة لحضن حارتها في نابلس القديمة ، تتواصل مع المجموع، يصبح همها مقارعة العدو الذي قتل رجلها وصادر أرضها، كما صادر الأراضي المجاورة . 

فبعد اغتصاب حلمها تصل لقناعة مؤادها : أن كل الأحلام الفردية ستظل عُرضة للانهيار والسلب ما دام الاحتلال قائماً ، لتتقدم (سعدية) النسوة صوب المدرسة التي يُحاصر فيها رجال الحارة وفتيانها – بمن فيهم ابنها رشاد – مستمدة وعيها بضرورة مقاومة الاحتلال – الذي هو سبب كل الآفات – من واقع تجربتها .

 

تدخل : عبد النور إدريس

بالطبع الأستاذ زكي العيلة إن الروائي يصنع شخوصه الروائية عبر لقاء إبداعي بين الواقع والمتخيل ،وقد تطرق أرسطو في كتابه فن الشعر إلى انفتاح النص الروائي على مستقبل الاحتمالات الممكنة ، فوضع للمخيال إمكانية التهجيس بالمحتمل من خلال الوقائع الحيّة.

فالرواية بهذا المعنى أصبحت مختبرا للزمن الآتي وكما قال محمد شوقي الزين في كتابه(" تأويلات وتفكيكات..)" السرد وثيق الارتباط بالخيال بحكم تمثله لواقع زائل ينبغي حكايته أو روايته لإعادة تشكيله وفق نماذج ومعالم وتثبيته كخطاب يحتفظ بدلالته ويضمن له السيرورة عبر القراءة والتأويل".

أن نثور هو أن نفكك النماذج المعطاة فهل استطاعت المرأة الفلسطينية الكاتبة أن تتجاوز ثيمة الحرية إلى استثمار ثيمات أخرى كبحث عن نموذج لثورة المستقبل؟

هل تحضر ثيمة الجسد في الكتابة السردية النسائية وكيف تناسلت هذه الثيمة عند المتلقي و في جسد المجتمع مشبع بالمنطق الذكوري؟

 

تدخل الأستاذ زكي العيلة

للإجابة على التساؤلات التي يطرحها الأديب المبدع إدريس عبد النور، يمكن العودة للنماذج النسوية في الكتابة السردية للمرأة الفلسطينية الكاتبة حيث احتلت قضية الحرية الفردية للمرأة في علاقتها بالرجل حيزاً لا بأس به في الرواية ، و يُلاحَظ هنا أن بعض الشخصيات النسائية قد خلطت بيــن التـحرر بمعناه الإيجابي الذي يعني صقل الذات بالإرادة والمعرفة والممارسة الاجتماعية الواعية الواثقة ، والتحرر بمعناه السلبي الذي يعني السقوط والانحلال وتجاوز أخلاقيات المجتمع ، مما أدى إلى ضياع كثير من تلك الشخصيات التي بدت بتصرفاتها المنفلتة ، كأنها مقحمة على المجتمع الفلسطيني ، حيث لا تزال تسود جملة من التقاليد المتوارثة التي لا تخفي تحفظها من المرأة العابثة ، الخارجة عن الضوابط ، مما دفع أغلب تلك الشخصيات إلى البحث عن خلاص ينتشلهن من حالة التخبط والضياع والاغتراب و الخواء العاطفي بعد أن اكتشفن – ولو متأخراً- أنهن كنَّ أسيرات وهم شاركت في صنعه بعض النماذج الذكورية التي تخفي الخديعة خلف شعار تحرير المرأة الذي ترفعه ، بحيث جاء رصد الرواية التي خطَّتها الكاتبة الفلسطينية لتلك النماذج – الأنثوية والذكورية- هادفاً إلى كشفها ، وتخطيها ، والاستفادة من دلالاتها . 

ففي رواية (بوصلة من أجل الشمس) لليانة بدر نطالع طالبة المعهد ذات الأنثوية الجامحة (جنان) الراغبة في تجاوز وصاية المجتمع نحو تأسيس مفاهيم جديدة ، لذا نجدها ترفض القوانين التي تحد من قدراتها ، وتُعَامل الجميعَ بطلاقة دون حذر أو حرص رغم علمها بانتقاداتهم ، حيث يعتبرون تصرفاتها خرقاء متطرفة ، لكنها لا تأبه بذلك متناسية أن ما تطالب به من تحرر مرهون بتحرر المجتمع كله بجنسيه من موروثات أصبحت هي القانون السائد ، كما في حديث مدير المعهد معها : "نحن في مجتمع متخلف نطمح فيه لجذب أكثر ما يمكن من الفتيات إلى معهدنا ، فكري في تطرف البنات المتحررات اللواتي ينسين أية سمعة سوف تطلق على المعهد" ، لكنها لا تلقى بالاً لنصائح المدير حيث اختطت لنفسها – وهي ابنة العامل البسيط- التعامل مع مستقبلها بطريقة تؤكد من خلالها انعتاقها ، بمعزل عن نصح الآخرين أو تهديدهم ، بحيث لا تشكل ردة فعل الآخرين أية قيمة ، فعندما تسألها الصحفيـة الأجنبية وسـط

لفيف من الطلبة والطالبات "هل تهتمين بالعذرية ؟ كان جوابها صاعقاً لا ، إنها لا تهمني ".

ولعل هذا التطرف يؤكد على أزمة مفهوم الحرية الفردية الذي اقتبس سلوك الغرب في العلاقة بين الجنسين ، دون تمييز ، فرغم الأحاديث الكثيرة التي تدور حول (جنان) عن التقدمية ، ومجتمع الثورة الجديد ، وتحرير المرأة ، تظل النظرة التقليدية المتوارثة التي لا ترى فيها إلا الأنثى العابثة في مجتمع ما زال يحافظ على جذوره وقيمه ، كما في حديث جنان "الجميع يتحدثون عن الثورة ، وعن تحرير المرأة ، وعن انقلاب الموازين الطبقية في المجتمع القادم ، وأنا مثل الجميع أؤمن بما يطرحونه وأناقش الأفكار المنطقية ، ثم بدأت النظرات تبني حاجزاً بلورياً ، أعجز من أن يتبينه الحدس المباشر ، وارتعشت التماعة الشهوة على شفاه جدية عديدة، ومججت نظرات رفاقي ورفيقاتي حين شابهت تقطيبات أساتذتنا العجائز ، ليس التحرر إن زاد عن حده مقنعاً ، يقولون : تصادق علناً ولا تخاف أو تستحي".

أما (شهد) في الرواية نفسها فتتعرض لموقف مشابه ، فقد سحرت بمدرسها في المعهد (ماجد) الذي يشكل بالنسبة لها مثال المثقف ، العصري الذكي ، لتلبي بطيبة وحسن طوية ، دعوته لزيارة بيته ، لتكتشف خديعتها بمدرسها الذي تنحصر نظرته إليها في إطار الرغبة والشهوة ، فهو يحب المتحررات المجربات ، المنفتحات على الجميع ، اللواتي ينسجمن مع أية نوعية من الناس يقابلنها ، ويعرف نكهتهن الحريفة ، ليشدها إلى صدره ، مما يصيبها بصدمة تهزها ، وتحولها إلى صرخات متتابعة مختنقة، أعقبت فكاكها من يديه وفرارها محملة بالخيبة . 

و في رواية (عباد الشمس) لسحر خليفة تلتقي (سعدية) ـ التي تكد و تكدح بعد استشهاد زوجها ـ أثناء توقفها في أحد مقاهي تل أبيب ، انتظاراً لقبض أجرتها بخضرة المرأة التي جربت مرارة العيش والتشرد ، لتدور بعد فقدان الأرض والأم من خيمة إلى خيمة ، ومن دار لدار ، تعمل خادمة في البيوت في ظل أب لا يرحم ، يزوجها من رجل طاعن في السن يذيقها ألواناً من الضرب ، ويشاركه في ضربها أولاده ، لتهرب إلى زوج آخر بعمر أبيها ، يسمعها – رغم مرضه- الكلمات الحانية التي تجد قبولاً لديها : " صرت أطعمه ، وأسقيه ، واشتري له الدواء ، مسكين ، حنون، ولسانه حلو ، وما يناديني إلا خضرة يا ست الكل ، سمعني كلام عمري ما سمعته ، خضرة يا ست البنات ، خضرة يا مليحة ، يا حمالة الحمال، كلامه بينزل على قلبي مثل السكر ، وأتمنى لو أسحب من دمي وأعطيه". 

تضطر (خضرة) التي لم يعد لديها ما تخاف على فقده إلى بيع جسدها كي تشتري الدواء لزوجها الذي احترم إنسانيتها ومشاعرها ، دون أن تقيم وزناً للأعراف الاجتماعية كما في حديثها لسعدية : " والله أنا ما بخاف ولا من الله ، تل أبيب بطبلها وزمرها بحطها في قاعي وبقول ما شفت حدا". 

وعندما تُقتاد مع (سعدية) إلى مخفر الشرطة في (تل أبيب) بتهمة المشاركة في سرقة الباص تتصدى خضرة للجندي ، ترفسه بين رجليه معرضة نفسها للأذى ، حيث علمتها الحياة أن لا حل إلا بالعنف والضرب : " الأب يضرب ، والزوج يضرب ، واليهود تضرب ، ضرب في ضرب ، لا والله ضرب اليهود أحسن ، على الأقل الواحد يحس أنه محترم ، بكرة أخرج ، وأقول اعتقلوني ، السجن للنسوان ، ولاد الكلب تشاطروا عليَّ ، وأنا واحدة ، وهم ثلاثة وأنا واحدة "

غير أن كل ما تتعرض له من ضرب وإهانات ، وتحرشات لا يؤثر في معنوياتها ، كل ما تخشاه أن يعلم زوجها – الذي يحبها- أنها في السجن .

"دمعت عينا خضرة وأنَّت :

- إذا عرف المسكين أني في الحبس تيجيه نوبة يروح فيها ، وما يظل إلي في الدنيا بني آدم يحبني ويسمعني كلمة حلوة .. الدنيا كلها شقا بشقا ، الدنيا باعتنا ، وما حدا اشترانا ، حتى أبوي باعني ، قبض المهر واشترى حنطور ، وأنا ببيع حالي ، وبشتري للمسكين دواء ، دنيا ما عليها أسف ، قتل وبهدلة ، وسرقة وتعريص" 

ورغم واقع خضرة المأساوي ، وشراستها المظهرية ، وانغماسها في مستنقع الرذيلة، ومتاجرتها بجسدها وعدم مبالاتها بالقيم ، إلا أنها ما تزال تحتفظ في قلبها بجوانب من الطيبة التي تبدو في أكثر من موقف ، فهي ترفض الهرب من مخفر اليهود بمفردها عندما تتاح لها الفرصة، كي لا تترك (سعدية) وحدها التي تلكأت في الهرب فأضاعت الفرصة، كذلك نراها تبدي تعاطفاً واضحاً مع مجموعة الفدائيين هاتفة في انفعال أمامهم : "روحي فداكم ، وأبوس تراب رجليكم " كذلك نجدها تخفي معرفتها بسعدية التي تجاهلتها في حمام البلد ، فلا تحكي قصة توقيفهما في المخفر أمام النسوة كي لا تعرضها للقيل والقال .

 

تدخل : عبد النور إدريس

الناقد المبدع زكي العيلة

لعل من بين الخصائص الجوهرية في الرواية النسائية وجود الكتابة بالجسد كأحد الثيمات الاساسية.

كتابة الجسد écrire le corps هي فعلا أحد المفاهيم الجديدة التي أصبحت تنافس الجسد-النصي le corps textuel .

فالمعجم الخاص بالجسد الانثوي ليس سوى تحديدات جسد رومانسي حالم..أما الاعلان عن خاصية فيزيائية للجسد فتهذف بالاساس الى بناء الشخصية وقد تؤثر على سلوك المتلقي أيضا بالتفاعل معها بشكل من الاشكال ،منها : اعتبار اي منتوج الروائي لكاتبة ما .. سيرة ذاتية..ومنها ايضا بروز واضح لآلية الدفاع الذكورية.

يمكن القول ان اي عضو من الجسد الرومانسي الحالم ومن خلال تكراره روائيا يصبح له وجودا نصيا ..وهي بذلك تكون وحدة سردية unité narrative تدخل في علاقة بنائية مع باقي وحدات العمل الروائي، وهي كما قال عنها تزيفيتان تودوروف تعلن عن " التطور الدرامي".

الاستاذ المبدع زكي العيلة، لا شك ان السرد النسائي العربي قد استغل حضور الجسد الانثوي في عملية التلقي..البداية كانت مع ليلى بعلبكي (أنا أحيى) و ليلى العثمان (الحب له صور) ومليكة مستظرف (جراح الروح والجسد) ..والقائمة طويلة..

ماهو تقييمك لهذه المرحلة في الحياة الابداعية العربية والتي أسميتها في كتابي (الكتابة النسائية) بمرحلة الاستريبتيز الادبي والتي تشهد التعري الادبي أمام المتلقي؟

تدخل : الأستاذ زكي العيلة

التعرف على الجسد ، و محاولات اكتشافه ليست جديدة ، بل قديمة قِدم الإنسان ، غير أن الرؤية الذكورية هي التي تسلطت على جوانب هذه الثقافة ، و أخضعتها لقوانينها ، حيث حضرت المرأة في النص المتوارث رديفاً للنقص والخطيئة و المحظورات و ما إلى ذلك ، إضافة إلى تعامل تلك النصوص معها كسلعة تابعة للرجل ينتقي من المعروض منها ما يشاء ، و يستثني ما يشاء .

أما في الخطاب الإبداعي الأدبي المعاصر فقد أضحى الجسد بؤرة الاهتمام ، من حيث اعتباره عند البعض وسيلة إخضاعٍ لسلطة المجتمع و قوانينه و هذا شكَّل أعباءً أخرى هدفت إلى مزيدٍ من التكبيل للجسد ، في الوقت الذي حضر الجسد في بعض الكتابات كدرعٍ و حِصنٍ في مواجهة قهر الرجل ، مما أحال العديد من كتابات الجسد النسوية إلى نوع من العلاقة التصادمية مع الرجل ، و هذا ما تنوء به روايات العزيزة ( سحر خليفة ) خاصة في رواية ( عباد الشمس ) التي غدت صفحاتها نوعاً من الخطاب الأيدلوجي حين تقف المرأة نقيضاً للرجل ، نفي يقابله نفي ، و انغلاق يقابله انغلاق ، بدل أن يكون حضور الجسد الأنثوي شهادة امرأة تكتب بجسدها ، لها ، و لوجودها ، و لوعيها ، و لنا .

و إذا كان الجسد كما يقول جوناثان ميلر ( هو العلامة على كينونتنا ، فيه و من خلاله نتعرف وجودنا في العالم ) فإن هذا يتطلب أن تُبنى كتابة الجسد على علاقة معرفية تنفتح على الوجود ، كما تنفتح في اللحظة نفسها على الذات الإنسانية ، و على عوالم المعرفة الداعمة لانعتاقها و تحررها الواعي ، دون الاحتماء بالاستريبتيز الأدبي أو العري ، من أجل الاستريبتيز أو التصادمية مع الآخر فقط .

 

شكرا الأستاذ زكي العيلة. 

 

 

ناقشه في هذا الحوار / الندوة

عبد النور إدريس

قاص وباحث من المغرب.

مدير مجلة دفاتر الاختلاف(شهرية ثقافية فكرية). 

18-9-2005

 

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans المرأة والكتابة
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية