Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
27 août 2010 5 27 /08 /août /2010 14:52

الهوامل والشوامل، حول الإسلام المعاصر" لمحمد اركون

 



باب الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة
اختار محمد اركون عنوان كتابه "الهوامل والشوامل" (اصدار دار الطليعة – بيروت) تيمنا بالعلاقة الروحية التي تربطه بأبي حيان التوحيدي الذي وضع كتابا بالاسم نفسه. الكتاب هو الجزء الاول من كتاب بعنوان "الف باء الاسلام، من اجل الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة"، ويتركز على جملة اسئلة واجوبة توخى فيها اركون اقصى التوضيح للمفاهيم التي يطرحها ولمشروعه في نقد العقل الاسلامي، خصوصا ان الكتاب يرمي الى مخاطبة الآخر الاجنبي والسعي الى التفاعل مع هواجسه ونظرته الى الاسلام كما يقدم نفسه في العقود الاخيرة. ترجم الكتاب وقدّم له هاشم صالح.
يرمي مشروع اركون الى تحرير التراث او بمعنى آخر تفكيك الانغلاقات اللاهوتية القائمة في كل الاديان التي تستخدم المقدسات لتبرير العنف او لخلع المشروعية الالهية عليه. هذا ما نلحظه في الخطاب الاصولي الذي يلجأ الى التغطية اللاهوتية واصدار الفتاوى الدينية التي تبرر العنف الممارس من جانب الحركات الاصولية المتطرفة. مع الاشارة الى ان آليات النبذ والاقصاء وعدم الاعتراف بالآخر هي قواسم مشتركة بين الاديان التوحيدية الثلاثة بصرف النظر عن عقائدها المتكونة او طقوسها الممارسة على امتداد تاريخها. يترتب على هذه النظرة مهمة اساسية مطروحة على المجتمعات العربية والاسلامية لتجاوز هذه الانغلاقات، الا وهي القيام بنقد العقل الاسلامي المهيمن والمحدد لمجمل الثقافات والممارسات السلطوية. ويشدد اركون على "نقد العقل الاسلامي" وليس نقد العقل العربي، وفق ما يقول به محمد عابد الجابري، لكون المسلمين جميعا، وفي كل مكان يسود فيه الاسلام، محكومين بالمسلّمات اللاهوتية نفسها التي تتحكم بعقولهم وبطريقة اشتغال العقل ومساره، اضافة الى كون المسلمين لم يتجاوزوا حتى اليوم المرحلة اللاهوتية او الغيبية، لينتقلوا الى مرحلة العقل العلمي او العلماني، من دون ان يؤدي ذلك الى التضحية بجوهر الدين الاسلامي وبالمثل الاخلاقية والقيم الروحانية التي ينطوي عليها.تقوم منهجية اركون في قراءته للتراث الاسلامي على استخدام ما يعرف في علم التاريخ بالمنهجية التقدمية – التراجعية، التي تذهب الى ان كل مشكلة في الحاضر لها جذور عميقة في الماضي، بحيث يصعب فهمها واقتراح حلّها من دون النبش في جذورها. وهو يستعين بما قدّمته مدرسة الحوليات الفرنسية وخصوصا منها كتابات بروديل حول منظور "المدة الطويلة" للحفر عميقا في الطبقات المتراكبة للتراث ونزعها طبقة طبقة. اكثر ما جعل اركون استخداما لهذه المنهجية، انما يعود الى واقع المجتمعات العربية والاسلامية التي انتجت لاهوتا في القرون الوسطى لا تزال تعتقد انه ذو طابع سرمدي وابدي من غير المسموح نقاشه او المس به، وبحيث يقدم هذا التراث الاسلامي نفسه في كونه فوق التاريخ وفوق الواقع وفوق الوجود، على غرار ما تقدم نفسها المسيحية واليهودية. لذا كان لا بد من الحفر الاركيولوجي في مجمل العقائد الاسلامية المعتبرة ذات رسوخ وقدسية، للكشف عن تاريخيتها، وعن بشريتها، بحيث يشكل هذا البحث التاريخي وسيلة لإسقاط الاوهام المسيطرة على العقل الاسلامي وخلق وعي تاريخي وعلمي بهذا التراث.
في كتابه الراهن، كما في باقي كتبه، يسعى اركون الى الكشف عن ابعاد النزعة العقلانية والانسانية في التراث الاسلامي لا سيما في عصره الذهبي في القرون الوسطى، والى تعيين ما اصاب هذه المجتمعات بعد القطيعة التي رافقت دخول العالم الاسلامي عصور الانحطاط التي لا تزال تتحكم برقاب الشعوب العربية والاسلامية وعقولها حتى اليوم. بل ان المصالحة اليوم بين الاسلام والحداثة تبدو مشروطة بهذه المراجعة والغربلة النقدية لموروثنا القديم السائد، على غرار ما عرفته اوروبا منذ عصر الانوار حتى اليوم، حيث لم يكن الانغلاق اقل جبروتا في المجتمعات المسيحية عما هو عليه في المجتمعات الاسلامية.
السؤال الدائم الذي يلاحق اركون ويؤرقه ويخترق كل كتاباته هو الآتي: كيف يمكن ان نخرج من انغلاقاتنا اللاهوتية كيهود وكمسيحيين او مسلمين لكي نستطيع ان نتعرف الى الاخر ونصيبه من المشروعية الدينية والانسانية؟ وكيف يمكن ان نخرج من عقلية التكفير والنبذ المتبادل بين اتباع هذه الاديان الكبرى على مدار التاريخ؟ مما يوجب تشكيل نزعة انسانية محلية وكونية تنخرط فيها جميع الشعوب ومعها الاديان.
في اجوبته عن بعض الاسئلة، يتوقف اركون عند مسألة وجود معرفة علمية حقيقية عن الاسلام في الغرب، فيجزم بضعف هذه المعرفة بشكل عام، وبنظرة غير موضوعية يراها متعمدة احيانا من جانب المثقفين المعنيين بتقديم الاسلام والتعريف به. لا شك ان عوامل موضوعية ساهمت في تقديم صورة سلبية عن الاسلام في الغرب، اولها الثورة الايرانية ونمط الحكم الذي ولّدته واسلوب الحياة الذي فرضته على المجتمع الايراني بالقوة والسيف، وتقديم نفسها النموذج الاسلامي الواجب تطبيقه. عامل آخر يتصل بانبعاث الحركات الاصولية المتطرفة وصعودها، ورفعها شعار العنف، معتبرةً غير المسلم كافرا بما يسمح بإعلان الحرب عليه، واستخدمت في ذلك نصوصا دينية تعود الى زمن الدعوة ورأت فيها اسلاما واجب التطبيق ومنها ما يعرف بآيات الجهاد او العنف. لعل هجمات الحادي عشر من ايلول عام 2001 كانت من ابرز نتائج هذا الصعود الاصولي وتطبيق الثقافة التي يحملها تجاه غير المسلمين. لعل ضربة 11 ايلول سجلت اهم العوامل التي جعلت الكثيرين في الغرب يدمجون بين الاسلام والارهاب ويساوون في ما بينهما. اضافة الى هذه العناصر، كان الصراع العربي - الاسرائيلي احد العوامل في النظرة السلبية تجاه الاسلام، سواء من خلال الانحياز الغربي لإسرائيل او من استخدام العمليات الانتحارية باسم الإسلام ضد المدنيين في الاراضي المحتلة وخارجها، هذا من دون ان نتجاهل ما يقدّمه بعض المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية من نمط مسلكي وممارسة عنف لم تعد المجتمعات الغربية تهضمه وتقبل به. الى هذه العناصر الموضوعية وجود عناصر ذاتية تتصل بالكيفية التي يقرأ فيها الإسلامَ كتّابٌ من الغرب، مما اوجد نتاجا سطحيا لا يتصل بالفهم العلمي للإسلام والتمييز بينه كدين وبين الاسلام كإطار تاريخي امكنه بلورة ثقافة متعددة الجوانب والمشارب، وحضارة ذات تاريخ واثر مهم على النهضة الاوروبية نفسها.
يولي اركون اهتماما بتوضيح معنى كلمة "اسلام ومسلم"، فيشير الى ان كلمة اسلام تعني في حقيقتها تسليم النفس بكليتها الى الله، وان ابراهيم "التوراتي" مقدّم في القرآن على انه مسلم، مع العلم ان "ابراهيم يجسد في شخصه الموقف الديني التأسيسي للتوحيد او للوحدانية قبل بلورة الطقوس والشعائر والشرائع المختلفة التي ادت الى التمايز بين الاديان التوحيدية الثلاثة لاحقا. انه ابو الاديان التوحيدية الثلاثة". مع الاشارة الى ان القرآن استعاد في نصه القصص القديمة التي تحفل بها التوراة والانجيل، فأجرى تعديلات عليها بما جعلها تتوافق وتتكيف مع واقع المجتمع العربي في الجزيرة العربية وظروفه في بداية القرن السابع الميلادي. يهدف اركون من خلال هذه التوضيحات الى طلب تحاشي استخدام كلمة اسلام من اجل وصف مجتمعات شديدة الاختلاف والتنوع، فالاسلام الذي نشأ في الجزيرة العربية ليس هو نفسه الذي انتشر في مجتمعات آسيوية وافريقية واوروبية طبعت الاسلام الآتي فعدّلت في هذا الاسلام واثّرت فيه، كما اصابها من تأثيراته الكثير. وهو امر يدعونا الى القول بإسلام واحد من حيث العقيدة الدينية، واسلام متعدد من حيث الشرائع والفقه، مما يعني ان هناك "اسلامات" بقدر ما هناك مجتمعات بشرية وليس اسلاماً واحداً.
في اجوبته حول موضوع الوحي والقرآن، يعتبر اركون ان من شروط دراسة الوحي بشكل علمي وموضوعي ان نضع على محك البحث ما تعنيه الكلمة في تحديداتها اللاهوتية في اليهودية والمسيحية والاسلام، لان كل دين من هذه الاديان يقدم نفسه على انه قائم على الوحي. فالتصور الاسلامي التقليدي للوحي يحدده على انه "التنزيل"، اي النزول من السماء الى الارض. ويذهب المفسرون المسلمون للوحي الى القول بأنه "إلهام يحصل إما كفكر يثيره الله في روح شخص ما لكي يتيح له القبض على جوهر الرسالة المنقولة، وإما كعبارة لغوية مقدمة في لغة بشرية". في هذا المعنى يلعب الوحي دورا في تغذية التراث الحسي للطائفة التي تؤمن به، فتستمد منه "غذاءها الروحي بين وقت وآخر"، خصوصا عندما ترى فيه الوحي الحقيقي فيما تشكك في الوحي لدى الطوائف الاخرى، لا سيما في حالة النزاع على الدين الحق وأخطار استخدامه في الصراعات السياسية والاجتماعية.
يولي اركون تجربة اتاتورك في تركيا اهمية بالنظر الى التساؤلات عن إمكان تطبيقها في المجتمعات العربية والاسلامية وحظوظ نجاحها. يرى ان اتاتورك استطاع انتزاع تركيا من مستنقع التخلف العثماني المديد، واقام تحديثا ماديا اكثر منه حداثة فكرية، وفرض العلمانية على المجتمع التركي. لكن "الاطر الاجتماعية التركية للاستقبال والذاكرات الجماعية المختلفة لم تكن قادرة على هضم المتغيرات الضخمة التي فرضها على الشعب واستيعابها... ان قطاعات واسعة من المجتمع التركي ظلت بمنأى عن العلمانية التي ادخلها اتاتورك بالقوة وفرضها على المجتمع من فوق". وهذا ما يفسر الانتصار الكاسح في السنوات الاخيرة لحزب التنمية والعدالة الاسلامي في تركيا، وعودة الكثير من الرمزيات والمظاهر التي كان اتاتورك قد منعها بالقوة من قبيل الحجاب وبناء المساجد بكثرة، ومعها سعي الاحزاب الاسلامية الدؤوب للحد من الهيمنة العلمانية وإدخال قوانين ذات طابع اسلامي في التعليم والمدارس والثقافة اجمالا. لا يقلل تمسك الجيش بالحفاظ على النظام العلماني من أخطار هذه العودة الى الاسلام على مجمل الوضع التركي مستقبلا.
في جوابه عن ماهية النصوص الاسلامية التأسيسية للاسلام بعد القرآن، يشير اركون الى ما يعرف بـ"السنة"، التي تتشكل من مجموعة الاحاديث الواردة على لسان النبي محمد، وهي تعني عمليا مجمل الكلام والسلوك اللذين صدرا عن النبي ابان حياته. وهذا "ساهم في تشكيل تلك الشخصية الرمزية والنموذجية المثالية العليا لمحمد، وهي شخصية تجمع بين وظيفة الرسول الناقل لكلام الله الى البشر من جهة، وبين قائد الامة الوليدة لجماعة المؤمنين من جهة اخرى... ورفع محمد من مرتبة الانسان العادي الى مرتبة الانسان الاعظم الذي يجسد الذروة العليا للهيبة والسلطة والمشروعية".
كيف تتمفصل ذروة السيادة الروحية العليا مع السلطة السياسية في العالم العربي؟ سؤال اجاب عنه اركون بتفصيل، معيدا منطقه التاريخي والتلاعب السياسي اللاحق به. يفتح السؤال على مسألة العلاقة بين الاسلام والسياسة، وبين الدين والدنيا، وهي من اهم المسائل اليوم في الفكر الاسلامي المعاصر. يقول اركون: "الهدف الاول للخطاب القرآني كان يتمثل في زحزحة المشروعية القبلية او العشائرية وتجاوزها من طريق تقديم بديل منها الا وهو المشروعية الفوق قبلية او العابرة للقبائل من جهة، ثم التوحيدية دينيا، اي غير المؤمنة بتعددية الالهة وعبادة الاوثان كما كان سائدا في قريش آنذاك". انطلاقا من هذه الوجهة بدأ الحديث عن وجود سيادة روحية عليا تشرف على السلطة السياسية وتهديها بنورها.
لا شك انه خلال فترة التبشير، كان النبي محمد يجمع بين موقعه كرسول لله يتلقى الوحي وينقله، وبين هيبة الزعيم الذي يحسم الامور ويتخذ القرارات المتعلقة بالصراعات ضد الكفار و"استراتيجيات الهيمنة" ويقود المؤمنين بدعوته. تلك فترة استثنائية مرتبطة بشخص النبي. عندما استولى معاوية على الحكم بالقوة والعنف، عمد الى تقليد ما كانت عليه فترة الرسالة الاولى، فأضفى على سلطته هيبة القانون الالهي واعتبر ان هذه السلطة مستمدة من الله. شكلت المراحل اللاحقة من الصراعات على السلطة والدولة مجالا لاستخدام كل طرف "ذروة السيادة العليا" لتشريع موقفه واعتباره مستندا الى الحق الالهي، وهو امر سار عليه مجمل الخلفاء والملوك، كما وجد ترجمته مجددا في القرن العشرين في مقولات الامام الخميني وبعده سائر القادة الايرانيين من طريق مقولة "الولي الفقيه".
تحتاج المجتمعات العربية والاسلامية بقوة الى ان تدخل في مشروع نقد تراثها وغربلته ولفظ ما تقادمه الزمن، والافادة مما يتوافق مع العصر. تبدو هذه المسالة مصيرية في تكنيس الموروثات المعششة في العقول، وشرطا لنهضة عربية اسلامية ذات صلة بالتقدم والحداثة.

 

كتبها : المثقفون العرب مجلة الفكرالعربي

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية