Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
26 novembre 2010 5 26 /11 /novembre /2010 20:55

اليوم العالمي للفلسفة مناسبة طيبة لتأمل الزمان والزمانية!

محمد بلال أشمل

  محمد بلال أشمل  

 

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، أجرى عبد العالي بركات حوارا مع محمد بلال أشمل نشرته في ملفها الأسبوعي جريدة “بيان اليوم” المغربية لعددها ليومي السبت والأحد 20/21 نوفمبر 2010 تحت عنوان “أيقنع الواحد منا أن يكون مجرد رقم في البنك، ورقم في البيت، ورقم في جواز السفر، ورقم في فاتورات الاستهلاك؟” حيث صدرته قائلة: “يعتبر الباحث في مجال الفلسفة وأحد مؤسسي “الجمعية الفلسفية التطوانية”، محمد بلال أشمل في هذا الحوار الخاص ببيان اليوم، أن الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة، هو بمقدار ساعة مما نفكر، ولكنه بمقدار عمر الفكر لما يكون شاهدا على نفسه، وعلى غيره.  ويؤكد في هذا الحوار كذلك على جدوى الفلسفة اليوم، أكثر من أي وقت سابق، لأجل الاستعانة بها في دفع تشيئنا، ورفع ما حاق بنا من تقهقر أنطولوجي فظيع”.

 هنا نص الحوار كما نشرته الجريدة المذكورة ضمن ملفها الأسبوعي الذي خصصته لليوم العالمي للفلسفة 2010 متمنين لكل أصدقائنا في خصوص تطاون وعموم العالم، يوما فلسفيا مليئا بالحق والخير والجمال… 

  •  ماذا يعني لكم اليوم العالمي للفلسفة؟

 مناسبة طيبة لتأمل الزمان والزمانية؛ في الأولى نعرض ما قمنا به من أعمال طيلة العام على محكمة النقد، فإما قبولا لها مع تجديد، أو رفضا لها مع تبديل، مع ما يقتضيه المقام من تمحيص وتعديل وتطوير وإلغاء ومراجعة، أملا في “العلم النافع”، وطمعا في “العمل الصالح”. أما في الثانية، فنستحضر معاني الفلسفة في “ساحة الفدان”، بما هي “أغورا” تطاونية، بموقع مغربي، فننظر فيما تنطوي عليه من الدلالات القديمة والجديدة للحق والخير والجمال، كيف هو حالها؟ ما هو مآلها؟ أما زال “الباطل” يستقوي بالقوة فيمحق “الحق” فلا يجد له نصيرا؟ أم أن الحق في تكاثر، على بطء، ولكن على قوة واستماتة، يكسب الجغرافيا بشرعية التاريخ، فينال المشروعية بقوة السياسة المدنية؟ أما زال “الشر” حرا طليقا فلا يجد من يجعله رهين المحبسين: “الحق” و”القانون”؟ أم تراه بدأ يفقد سلطانه على النفوس والعقول، فإذا هو منبوذ، يحسب كل “صحافة” عليه، هو المفضوح المعلول الأجوف؟ أما زالت البشاعة تستعدي المسخ على الجمال فتقيمان مهرجان السخافة، أم أن الناس وعت أن أقحوان “كيتان” أروع بكثير من كل مطاط العالم؟ اليوم العالمي للفلسفة كما نفهمه، وكما نعيشه، وكما نقضيه، في غفلة حفظة التابوت، وخذلان الأقران في الصناعة، ونكير كل مشاء بنميم، ودهشة “منقذي الغريق، ومطفئي الحريق”، هو بمقدار ساعة مما نفكر، ولكنه بمقدار عمر الفكر لما يكون شاهدا على نفسه، وعلى غيره.

  •  كيف تقيمون الحركة الفلسفية بالمغرب؟

إذا كان لا بد من الحديث عن “الحركة الفلسفية في المغرب”، فدعني أقول لك أولا إنها حركة ذاتية لا محرك أول لها؛ وأقصد بذلك أن لا “مأمون” لها فيشيد لها “بيت حكمة”، ولا معين لها فيوقف عليها أموال الزكاة والخراج والصدقة والغنيمة والخمس. هي محض نزعات فردية، ينهض بها رجال أدركوا أن الانتماء  إلى المغرب مسؤولية فكرية، فسارعوا إلى النهوض بمسؤوليتهم حسب الوسع والقدرة. هذا أولا. أما ثانيا، فهناك من الناس من لا يرضيهم أن تكون في المغرب “حركة فلسفية”، وإذا حاججوا في وجودها، صنعوا ذلك بضعيف الحجة، وسقيم البرهان، مع المعاندة والمكابرة، وهذا أمر شهدناه وعرفناه، في بعض البلاد العربية التي تقرأ المتن المغربي بلسانها،  أو في البر القشتالي، الذي عرف شأننا بالترجمة وساطة، وبالكتابة في لغته مباشرة. ولكن أيخفى على الناس أن المغرب بلاد “الأطروحات”، ونقيضها، والمركب منها؟ ومع ذلك لا نحب أن ننشئ خطابا مدحيا في “الحركة الفلسفية في المغرب”، فنقول عنها إنها حركة “نشيطة”، لأن حركتها كحركة الأفلاك السماوية، بطيئة، وإنما نقول عنها إنها “تدور”، تارة على نفسها، فتقع في “الدور”، وتارة على “غيرها” فتقع في “الاستحالة”. وما بين “الدور” و”الاستحالة”، يقع الثالث الموضوع: الأمل في وجود “حركة فلسفية مغربية” بالهوية، و”حركة فلسفية في المغرب” بالانتماء. علينا فقط أن نصبر على بعض “المتحركين” حتى تنضج خميرتهم كي لا تكون حركتهم “جعجعة بلا طحين”، ونتوسم الخير في آخرين حتى لا تكون حركتهم محض حركة بالعرض، لا حركة بالجوهر.

  • ماهي أهم القضايا الفلسفية المطروحة في الوقت الحاضر؟

إذا كان المقصود بسؤالك أية قضايا يتناولها الفكر الفلسفي في الوقت الحاضر، فهي على العموم قضايا تتعلق جوهريا بالإنسان، وعرضيا بالمحيط الذي يعيش فيه: فسؤال الإنسان هو سؤال الأسئلة في الفلسفة؛ منه تتفرع باقي الأسئلة، تحصيلا لحقيقته الجوهرية أو  ما يعتقد أنها كذلك. وبما أن كل عصر له أسئلته، فلعل الأسئلة الكبرى لهذا العصر هي تلك التي تتصل بـ”السياسة المدنية” من حيث التفكير في الإنسان كمواطن، أية حقوق عليه نيلها، ضمانا لكرامته، وأية واجبات عليه القيام بها، تأكيدا لمواطنته. بل إن الاهتمام يشمل محيطه الاجتماعي حتى يضمن له الفضاء السليم من كل آفة، والمعافى من كل علة، ومحيطه البيئي حتى تصان له حقوقه المدنية والطبيعية في عيش كريم. وهكذا  يصير الاهتمام بالإنسان اهتماما سياسيا، ولكن برؤية فلسفية تؤسس للشمولي والعام في حياة الإنسان. ولعل إقبال الفكر الفلسفي المعاصر على تناول القضايا المتعلقة بالكينونة السياسية للإنسان مرده إلى  ما شهده هذا الأخير وما يزال، من كل ألوان العنت والضيق؛  فحياته لا تطاق جهلا أو  فقرا أو  قهرا، وكرامته مهانة، وجغرافيته محتلة أو  مدمرة، وتاريخه مشوه أو  مجهول،  وساحاته العمومية مسيّجة، وقيمه الثقافية والاجتماعية والدينية  تباع وتشترى في سوق النخاسة ، مثل الأشياء أو أكثر. ومع ذلك فليس كل اهتمام الفكر الفلسفي المعاصر بالإنسان منصبا على القضايا المتصلة بالسياسة؛ هناك عناية بالشأن الميتافيزيقي والمجال الاستيطيقي، والأخلاق النظرية أو  العملية، والعمارة، والجسد، والمعبد، والمتعة، والهامش. النظار المعاصرون مشغولون الآن بالسعي إلى  إخراج الإنسان من الأنثروبولوجيا إلى اللاهوت عن طريق التساؤل مجددا عن معنى الألوهية، واستقصاء التصور المعاصر للدين، وقد حضرت مؤخرا مؤتمرا في مدريد تناول هذا الجانب من النظر ربما طلبا للتصالح مع الإرث المسيحي لأروبا التي تنكرت لأصلها الديني بفضل الثورات الفكرية والسياسية التي عصفت بها منذ النفحة العلمانية التي هيأها المتن الرشدي في جامعات بادوا وباريس وبولونيا، أو  دعوات الإصلاح الديني منذ لوثر وكالفن أو  غيرهما، أو على الأرجح خشية من “الزحف الإسلامي”، والمغربي بخاصة، وطلبا لفهمه من زاوية فقهية كما حصل منذ وقت قريب حينما تنادت أعرق الجامعات الإسبانية إلى  مؤتمر دولي حول “الفقه الإسلامي والتداخل الثقافي” في سرقسطة شهدت فيه كل شئ إلا العلم بمبادئ الدين الإسلامي، وأصول فقهه، وكان عليّ أن أقرر مثلا حقائق موضوعية في المتن الفقهي المالكي مثلا لا بد للخائض في أمور الكفالة التنبه إليها ولكن لا قلب لمن تنادى. وبالمناسبة، فقد ترسخ لدي الاعتقاد من يومها في كون أوروبا، ولا سيما إسبانيا، ما تزال تحت “التأثير السلبي” للتجربة الأندلسية التي تحرص، الكنيسة الكاثوليكية أن لا تتكرر مرة أخرى. وعلاوة على هذه العودة إلى “الأصول”، تحت وطأة التسايس بالدين، أو التداين بالسياسة، يحدث للفكر الفلسفي المعاصر أن يتذكر هوامشه، فيفرح بالجسد، بعد أن أعياه وصال الروح، وتيقن أن الموت واقعة ضمن بداهة الكون والفساد. أليس يخشى على الجسد الآن الانحجاب بـ”البرقع”، وانسجاب “الزي الأوروبي العالمي” إلى  قاع المتحف، وبدء تاريخ جديد من العناية بالجسد أساسها تكريمه باللباس الوطني، وتقويته بالغذاء الوطني، وتحصينه بالثقافة الوطنية؟ خلاصة القول إن الفكر الفلسفي المعاصر يعتني الآن بقضايا محورها الإنسان على ما يبدو عليه من انصراف إلى  قضايا أخرى أكثر قيمة وأهمية. وعلى ذلك فليس هناك قضايا “مطروحة”، وإلا لاحتجنا إلى كثير من الجهد والوقت والمال لإزاحتها من الطريق العام للتفكير، بل كل القضايا مصانة في مستودع التفكير، فيها ما هو تحت العناية المركزة، وفيها ما هو في قاعة الانتظار.

  • ما جدوى الفلسفة اليوم؟

لعلي سمعت هذا السؤال من قبل، ولعله مرّ بي خلال السنوات الأربع الماضية حين احتفلنا باليوم العالمي للفلسفة تحت شعار “الفلسفة ومصير عالمنا”، ولعلني سؤلته مرات عديدة، وكان جوابي فيه -دون التدقيق في طبيعة الفلسفة المقصودة- أن جدوى الفلسفة اليوم هي ذات جدواها بالأمس وغدا، ما دام الأمر يتعلق بضرورات التفكير في مصير الإنسان من حيث هو موضوع للقلق. غير أني أستطيع أن أقول إن جدواها اليوم ربما تكون أكثر ضرورة من أمسها. لقد جزع الفيلسوف الإسباني “خوسي أورتيغا إي غاسيت” يوما من نزع الطابع الإنساني عن الفن، اليوم صارت تنزع إنسانية الإنسان، فما بالنا لا نتحصن بما يعتقد أنها له خصيصة من دون غيره، أن يقول العالم بكيفية أخرى، ويعيشه حياة ثانية. أيرضى الواحد منا أن يعيش محض “رقم” بارد في معادلة الكون وهو على حاله من الطرح والجمع والضرب؟ أيقنع الواحد منا أن يكون مجرد رقم في البنك، ورقم في البيت، ورقم في جواز السفر، ورقم في فاتورات الاستهلاك؟ ولعلنا نستعين بالفلسفة على دفع تشيؤنا، ورفع ما حق بنا من تقهقر أنطولوجي فظيع. ومن هنا جدواها. 

  • ما مدى اهتمام جمعيات المجتمع المدني بالتفكير الفلسفي؟

مدى اهتمام جمعيات المجتمع المدني بالتفكير الفلسفي مدى قصير، ومرده إلى  ضعف تكوين القائمين على تلك الجمعيات، أو  جمودهم على الرهبة من الفلسفة، أو  اقتناعهم منها بقشور عملت عمل “العوائق الإبيستيمولوجية” فمنعتهم من تغيير نظرتهم إليها، والارتياب في المشتغلين بها، وعدم سعيهم إلى  تطوير بضاعتهم العلمية من تآليفها… وكلها أسباب لها تاريخ بعيد في رفض “علوم الأوائل”، وتاريخ قريب في اتهامها في وطنيتها، والتشكيك في عقيدة المشتغلين بعلومها، والطعن في سلامة مضامينها وأن “ضررها على الدين شديد” كما قال ابن خلدون. هذا إذا وجد “التفكير الفلسفي”. والحال أن التفكير السائد الآن إما من صنف خطابي كالشعر أو  القصة، أو  صنف جدلي كالأبولوجيات الدينية والطائفية. ولذلك ترى أن الاهتمام بالتفكير الفلسفي -ندوات أو  مؤتمرات أو  أيام دراسية أو تقديم كتب ذات صلة- هو في حكم النادر، ومن تعاطى هذا الشأن من قبل الجمعيات المدنية، نظر إليه كالخل الوفيّ، وعيب عليه أنه لم يجد أعصى من الفلسفة لكي يصادقها، وترك صداقة المال، وموالاة السلطة، والسعي إلى  الجاه كما هو دأب أغلب الناس اليوم.  ولقد نقم علينا بعض الناس أنّا أسسنا جمعية فلسفية في مدينتنا، وأشد ما ساءهم أنّا باركناها باسم “الجمعية الفلسفية التطوانية”، وشق عليهم أكثر أنّا عنينا فيها بالفكر المغربي والإسباني، واستكثروا علينا أن تكون في مدينتنا حياة عقلية تستجيب لمقتضيات التخوم، وكانوا يريدوا منا أن نقنع بقدرنا في “التهريب” و”الإرهاب” و”الشذوذ الجنسي” و”شبهة الانفصال”، ظلما وعدوانا، مع أنهم يعتبرون أنفسهم أطرافا في “المجتمع المدني”، وجودنا تحقيق لقيمة “الاختلاف” و”التعدد” اللتان يطربون لهما، ولكنهم متى جد الجد يفزعون منهما، ويضيق صدرهم بغيرهم، كأنّا جئنا نزاحمهم على مجد تليد. والغالب على الظن أنهم كانوا ينتظرون منا أن “ننضبط” للمركز، فلا نرى إلا ما يرى، ولا نقول إلا ما يقول، كما يفعل غيرنا وهو راض غير متبرم ولا ساخط. فكيف ستكون عنايتهم بالتفكير الفلسفي وقد نشأوا على الاعتقاد أن ثماره لا تأتي إلا من “أثينا”، وأن لسانه ليس إلا اللسان الفرنسي، وأن رجاله ليسو إلا عمرا وزيدا من ذوي العصبية الحزبية؟ ولقد أصدرت جمعيتنا بعض الإصدارات قدمت في مراكز ومعاهد فلسفية وفكرية خارج البلاد، ولكنها لم تلق “اهتمام” “جمعيات المجتمع المدني” نظرا لأن موضوعها يدور حول نمط من التفكير الفلسفي لم يعهدوه في تداولهم الثقافي، لأنهم جمدوا على مقدمات مشهورة في “العمل الثقافي” بينة التهافت، واضحة الفساد. الهجرة الثقافية مبررة أحيانا، لأن من خبر مقاصد القوم في التداول الثقافي، وقارنها بغيرها لدى أمم أخرى، يحصل لديه الاقتناع ببؤس الأولى، فيهجر إلى الثانية. ولقد اخترنا “أهون الشرّين”: الإقامة في بلادنا، وطلب الحكمة في الصين.    

  • كيف ترون موقع الفلسفة في وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية؟

 لا أرى البتة “موقعا” للفلسفة في وسائل الإعلام؛ لأن مواقعه يتصدرها سقط المتاع. تشتغل حياتنا العقلية بأفضل الآلات وأنبل المقاصد، ولكنها لا تجد لها موقعا يخبر عنها، أو يعرّف بثمارها، أو يقرّب الأفهام من قضاياها، أو يهئ للأجيال نموذجا طيبا للقدوة من رجالها مع أن ضرائبنا لها مجزاة، ومحبتنا لها موصولة رغم الهوى الشرقي والغربي لبعضنا. أما موقعها في المؤسسات التربوية، فبالكاد يرى، ولكن ليس رؤية العقل، بل رؤية العين؛ إذ هي هناك محض “مادة” تنتمي إلى  “استقساط” البرنامج، وهيولى الامتحان، وعنصر “السماع الطبيعي”، وعموم “الكون والفساد”. ليست هناك “حياة فلسفية” بالمعنى المتواضع عليه كحوار عمومي هو ثمرة إعمال نظر شخصي في “قضايا العصر”، ولو بأبسط الأشكال التواصلية كالمحاضرة والندوة والحوار المفتوح وغيرها. المعلمون “يعطون” الدرس، ولا يعيشونه، والطلبة يتلقون المعارف ويغفلون عن المواقف، والإدارة التربوية تتابع الإنجاز، ولا تحفل بكيفياته، والجميع في أعلى عليين.

  • هل دور النشر تشجع على طبع المؤلفات الفلسفية؟

إذا كنت تقصد دور النشر في بلادنا، فلا أعلم من أمرها إلا ما يعلمه سواد الناس: أن لديها معاييرها في النشر قد لا ترضي المؤلف، فيمضي إلى نشر عمله بعيدا عن شروطها، هذا إذا حفلت به، واستجابت لطلبه، رفضا أو قبولا. غير أن هناك دور نشر، لا تكلف نفسها عناء الرد على” زبنائها”، مع أنهم أودعوا لديها مخطوطاتهم خاضعة للعرف العالمي في النشر. خذ أي دار للنشر خارج بلادنا، واسلك معها السبل المتعارف عليها، تجد أنها تسارع إلى إجابة طلبك سواء بالرفض أو القبول. أما لدينا في المغرب، فلا يحسنون آداب التواصل، أو قل لا يريدوا ذلك. فلا تعرف من أمر طلبك شيئا. ولقد نشرنا باكورة أعمالنا الفكرية في جمعيتنا باستكتاب شهري لثلة من المثقفين، وجنبنا أنفسنا مذلة السؤال، ومهانة الانتظار. ولهذا فأغلب المشتغلين بالفلسفة في بلادنا يمضون توّا إلى نشر أعمالهم على نفقتهم إلا في أضيق الحدود لمن لديه سند من “بلدية”، أو دعم من “مجلس حضري”، أو يملك الخريطة السرية لوزارة الثقافة. ونحن من الذين يفضلون ترك المخطوط في دار مؤلفه على تزويجه زورا وبهتانا من إحدى دور النشر عن طريق دفع مستحقات ذيوعه، كما يفعل بعض الناس ثم يزعمون أن الدار المعلومة هي التي استكتبتهم للنشر لديها، وبعد ذلك يطوفون على غيرهم يستكتبونهم نقدا أو”متابعة” لعملهم، وقد كنا نظن أن أعمالهم لاقت استحسانا لدى “النقاد”، فرأوا حاجة للتعريف بها، فإذا هي محض تعاقد مخجل بين مصالح آنية تصطنع من الثقافة وسيلة لتحقيق مقاصدها الغير الثقافية. المؤلف، في أيّ شعب معرفي كان، عليه أن يكون صاحب مروءة، وكرامته من كرامة أعماله، فلا يهينها بالكذب والادعاء واستغفال الناس. ولهذا فنحن نفضل مائة مرة أن نكتب عن أعمالنا المنشورة، أو ندواتنا المقامة، أو محاضراتنا المقروءة باسمنا الحقيقي على الكذب على القراء بوضع اسم مستعار (أو اسم حقيقي ولكنه ليس هو الكاتب الحقيقي) على جميع ذلك. أما إذا كنت تقصد “المطابع”، فهذا شأن آخر. ولقد حدث أنّا وضعنا مخطوطا عند إحداها، فصار يعلن في موقعه الرقمي أن الكتاب مطبوع ولكنه غير مطبوع، ولم يكن يعلم أنه بذلك يحفر قبر إفلاسه الأخلاقي بيده أمام العدول من الناس.  أما إذا كنت تقصد بلدا آخر غير بلادنا، فما أعلمه عن إسبانيا مثلا، بحكم المعايشة والمشاهدة، أن الأمور هناك “شكل ثاني”: المساهمات في الندوات والمؤتمرات تطبع في كتاب جماعي بعد خضوعها لفحص نقدي من لدن اللجان العلمية المختصة، والدراسات العلمية تنشر في المجلات الفكرية المحكمة بعد قراءتها من لدن قارئين مختصين يقرآن العمل وهما لا يعلمان من المؤلف، ولا هذا يعرف من يقرؤه، والغاية تحقيق نزاهة ممكنة في الحكم، ومن ثم في النشر، ومشاريع المؤلفات تقدم إلى  در النشر فيقع تسليم وصل بإيداعها، ويتم الإخبار بشأنها رفضا أو  قبولا مع تعليل مرفق بالأسباب في حالة الرفض، ورجاء بالاستدراك والتعديل في حالة القبول. الأمور واضحة بما فيه الكفاية، ولذلك فهي واصلة بالقدر الذي ترضي الكاتب إن سلبا أو إيجابا.

  • رحل أخيرا نخبة من المفكرين، ما هو الانطباع الذي خلفه فيكم هذا الرحيل؟

 لأنه رحيل حتمي، فهو يخلف لدينا غصة من الحزن لا قبل لنا به إلا مع أعزّ قرابتنا. إذا اقتصرنا على نخبة المفكرين الذين رحلوا من ساعتهم، فقد تركوا لدينا تلك الدهشة الممزوجة بالأسى؛ كأن الموت حق في غيرهم “باطل” فيهم، ومن فرط تقديرنا لهم، لا نصدق أنهم رحلوا، وحين نصنع ذلك، نواسي أنفسنا وبعضنا البعض، بأنهم ما زالوا معنا، نجوما زاهرة في وجودنا العقلي والثقافي، بأيهم اقتدينا اهتدينا. والحق أنهم كذلك، وكيف لهم أن يكونوا غير كذلك ولا أحد فيهم أمهله الموت لكتابة “رسالة الوداع”؟ لما رحل الأستاذ الجابري، قمنا بواجبنا في نعيه إلى  أصدقائنا في الشرق والغرب، وكان مما قاله لنا في إحدى رسائله إلينا صديقنا الأستاذ “أندريس مارتينيث لوركا”، مدير سلسلة “الأندلس، نصوص ودراسات” في دار نشر طروطا التي تولت نشر ترجمة كتاب أبي عصام “نحن والتراث” إلى القشتالية: “نأمل أن لا تضيع سدى بذرة مفكر مستقبل العالم العربي”. كما كتب إلينا صديقنا المفكر الإسباني “خوان كارلوس فيلا ألونسو” يقول: ” الموت خطوة ونقطة في الطريق فحسب، أما فكر الجابري فسيظل مرافقا لنا”. وقلنا في كلمة التأبين التي نظمناها له بتعاون مع شعبة الفلسفة بالمدرسة العليا للأساتذة بثغر مرتين: ” وكم كنا سنسعد-لو أمد الله في عمر المرحوم الجابري- حتى يرى اسمه ضمن أنطولوجيا الفكر المغربي الحداثي التي نعدها للتداول الفكري باللسان القشتالي، ولكن للأقدار حكمتها واختيارها. ولكن عزاؤنا في أن فكره بعد مماته الحي، سيتلاقح مع كافة الأفكار التي تأتي عبر هذه العملية العجيبة في التاريخ الفكري والحضاري والثقافي بين الشعوب: الترجمة”. رحيل أعلام الفكر المغربي والمغاربي عن حياتنا خسارة فادحة بلا ريب، ولكن واجب الأجيال الحالية واللاحقة استئناف القول والعمل الفلسفيين اللذين دشنهما رجال عصرنا أمثال محمد عزيز الحبابي، وفؤاد زكريا، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، ونصر حامد أبي زيد وغيرهم.

  •  هل هناك جيل جديد من المؤلفين؟

 في مجال الفكر الفلسفي، بكل تأكيد، إما باللسان العربي والفرنسي، وهو المعروف، أو  باللسان القشتالي وهو المجهول. غير أن للنقد نظرا في الأمر: أكل ما “يؤلف” يعتد به في مجال الفلسفة؟ لقد اطلعنا على الكثير مما “يؤلف” تحت اسمها، فوجدناه “قلق العبارة”، أو  سقيمها، تقرؤه من اليمين إلى  اليسار فتظن أن صاحبه أخطأ السطر، وكان عليه أن يكتب من اليسار إلى  اليمين، آفة الترجمة فيه واضحة، وضحالة الفكرة عنده بينة، يمتلئ بما طاب من المفاهيم، وتتزاحم على بابه خيرة المفكرين والفلاسفة، ولكن “مؤلفه” نكرة بينهم، يقول ما قالوه، وأحيانا بركاكة كأنها ركاكة “ناشئة الأدب”، ويعيد ما كرروه، ولكن بأخطاء فادحة، “ضعف الطالب والمطلوب”…إلا القلة القليلة ممن يحسن الصنعة، ويعرف أسرارها، وهم على الحقيقة نظار المغرب ومفكروه الذين نحسد عليهم في المحافل الفكرية العربية حسدا يبلغ به صاحبه رتبة العليل المأسوف على حاله، فيمضي إلى  التدليس على الناس كما صنع فلسطيني ممنوع من الدخول إلى  المغرب نسب إلينا، بعد التحريف والتخريف- أنّا قلنا إن “الفكر المغربي عقلاني في مقابل لاعقلانية الشرق” في محاضرة لنا بطرابلس استشكلنا فيها الفكر المغربي المعاصر، وكان غرضه أن يوهم الناس أن المغاربة ميؤوس من حالتهم لما أصابهم من “الغرور” و”الادعاء” بسبب سبق فضلهم على الدراسات الفلسفية في مجال التراث. ولكن هل يخفى القمر؟ 

  •  كيف تنظرون إلى آفاق التفكير الفلسفي بالمغرب؟

هي آفاق رحبة إذا أدرك الفكر المغربي مغزى ما سمّيناه في مناسبة سابقة بـ”ضغط التخوم”؛ ولا سيما فيما يخصنا نحن في الشمال. ونقصد بذلك تخوم التاريخ والجغرافيا: فأما تخوم التاريخ، فلا زلنا لم نحقق مثلا “التراث الفكري للحركة الوطنية في الشمال”، بدءا بنقد المشككين في إسهامها في الفكر السياسي الوطني؛ وانتهاء بفحص مضامينها الفكرية والسياسية، ومرورا بتمحيص أثر الشرق والغرب في رؤيتها العامة لقضايا الفكر والثقافة والاجتماع والسياسة. هناك متن فكري معتبر لدينا في الشمال وعلينا النظر في مضامينه، وفحص مفاهيمه، وهي بالمناسبة مفاهيم ذات دلالة خاصة مثل مفهوم “السعادة” في سياق “النهضة” أو “البعث” الذي عاشه رجال كعبد الخالق الطريس على سبيل المثال لا الحصر. ثم ألم يحن أوان بسط مفهوم “الشمال” كمفهوم أونطولوجي على بساط التفكير قبل تسييجه بسياج السياسة، فإذا هو محض “ريف”، مثمر للطائفية العرقية، أو هو محض “جبالة” أو “غمارة” قابل للبلقنة الجهوية؟ لم لا يتم السعي إلى التفكير فيه من حيث الوحدة المتوجة للتعدد، والتعدد المخصب للوحدة؟ أو أن هذا ليس من دواعي تفكيرنا؟ بل علينا أن نتبع ملة الشغوفين بالكليات القائمة على جزئيات غيرهم؟ والمغرب؟ أليس ضروريا تجديد التفكير فيه وقد صار ما صار إليه في السياسة والثقافة والاجتماع، والسعي إلى تجديد الانتماء إليه من منطلق التواطن لا “المواطنة” على أساس فكر مدائني يعيد للمدينة عنصرها التوحيدي الحداثي ضدا على دعوات العرقية والقبلية والطائفية الدينية والإيديولوجية. وأما تخوم الجغرافيا، فلا يخفى ما للحدود “الواقعية” الغير الشرعية التي بيننا وبين إسبانيا الرسمية من وقع على رؤيتنا للعالم، نحن الذين تعودنا على الشمولي والكوني، وفاتنا أن ذلك يمكن أن يتحقق بوساطة الذاتي والشخصي؛ إذ ينسى النظار المغاربة أن هناك أرضا لنا محتلة، ومقتضى الفكر الحرية، والإرادة، والاستقلال، ومقتضى الواقع التحرر والفعل والحركة، فكيف لا ينهض بهذه المسؤولية من قدّر له أن يكون الشمال أرضه، وأرض أجداده: أن يبني تداوله الفكري والفلسفي على تلك المقتضيات؟ وعلى ضوء ذلك ينبغي أن يكون تداولنا الفكري له خصوصيته المغنية للمتن المغربي: لم لا يكون المدخل إلى ذلك مثلا النظر في “آراء أهل إسبانيا الحيوية”، واصطناع الفكر واللسان الإسبانيين وسيلة من أجل إخراج مقتضى الفكر والواقع من حالة الإمكان إلى حالة التحقق؟ يعتقد بعضنا أنا نستبدل لسان “موليير” بلسان “سرفانتيس”، ولكنه غفل عن اعتزازنا بالانتماء إلى الفكر المغربي، وثقتنا في  جدوى التعبير  بلغاته الوطنية أو الرفادية، وغاب عنه أن ضغط التخوم في “السمارة” هي غير ضغط التخوم في تطاون، ولا هي ذاتها في وجدة، ولا حتى هي غيرها في الناظور، إذ من جميعها يتكون هذا المغرب الفكري الذي شاء له البعض أن يكون “واحديّ” البصر والبصيرة. من هنا عنايتنا في “الجمعية الفلسفية التطوانية” بالفكر المغربي والإسباني، ومساهمتنا الشخصية فيما سميناه بـ “الاهتمام بالعالم الفلسفي الإسباني”، من منطلق تطاوني، وبامتداد مغربي، ولعلها تلك ميزة  مشاركتنا في الفكر الوطني، وهي الميزة التي ينبغي أن يتسع لها صدر النظار المغاربة، وخصوصا المولعين منهم بالديموقراطية اللغوية والفكرية… آفاق التفكير الفلسفي في المغرب رحبة واسعة إذا أردنا ذلك، ضيقة شديدة الضيق إذا أردنا ذلك أيضا.

عن “الجمعية الفلسفية التطوانية 

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article

commentaires

youssef bouhamidi 08/12/2010 17:48



شكرا لكم والمرجو الانتباه للحوار الذى اجرى هع الاستاذ محمد الاندلسى



صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية