Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
7 décembre 2010 2 07 /12 /décembre /2010 13:10

خرائط التجريب الروائي

 

د.محمد أمنصور

القســـــم الأول:

(قضايا نظـرية  )

مفاهيــم التجريب الروائي في المغـرب

رصد ومسـاءلـة

 

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم صورة عن سيرورة تكون وعي الكتاب المغاربة لمفهوم وإشكالية التجريب، وهو المصطلح الذي سيعرف الشيوع في عقد الثمانينات بشكل مميز. وحيث يهمنا التركيز - بصفة خاصة - على محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو بصفة أدق؛ سيرورة تطور مفاهيم التجريب في الحقل الروائي، فإننا سنعمل على ربط نشأة المفهوم وتبلور دلالته الاصطلاحية بمسيرة نمو المشروع الروائي المغربي، وهي العلاقة الجدلية التي تجعل من مستويات الوعي بالتجريب عبارة عن تجليات لما يحققه التراكم الروائي على صعيد التحقق النصي.

  (1-1) إن الإرهاصات الأولية لظهور النزوع التجريبي في الرواية المغربية المعاصرة، ستسجل في منتصف السبعينات، أي مع صدور روايتي «حاجز الثلج» لسعيد علوش عام 1974، و«زمن بين الولادة والحلم» لأحمد المديني عام 1976. وإذا استحضرنا بعض محددات تلك المرحلة السوسيو-تاريخية فإننا نستطيع أن نوجزها في:

- بوادر الإخفاق السياسي لما سمي بالقوى التقدمية (اليسار الماركسي اللينيني).

- زمن المسيرة الخضراء وبداية المسلسل الديموقراطي وما سيواكبهما من شعارات الإجماع الوطني والوحدة الترابية والمغرب الجديد. وهي المرحلة التي نوجز ملامحها مع الناقد عبد الحميد عقار في قوله:

«إنها مرحلة تثبيت مشروعية المؤسسات بنزع الطابع الصوري عنها، بما أنها، أو هكذا يراد لها أن تكون، المجال الرئيسي والمشروع لممارسة الصراع والاختلاف»[1].

ستظهر إذن رواية المديني الأولى في فترة تحول ومرور أو عبور من زمن المواجهات الخفية والمعلنة إلى زمن تقنين أشكال المواجهة وإعادة النظر في أساليبها. وفي البداية سيواجه النص بالصمت والتجاهل، إلى أن يفتض ذلك الصمت أحد أبرز فرسان حلبة النقد في تلك المرحلة (إبراهيم) الخطيب الذي سيقول عن «زمن بين الولادة والحلم»:

«في الوقت الذي يظهر الروائي المغربي ارتباطه بشكل الرواية الواقعية القائمة على قواعد التخييل الممكنة، يتجه أحمد المديني بعمله الروائي إلى إرباك تلك الخطى التي لم يكتمل بناؤها بعد، وهكذا وظف كتابته لخدمة تأملات نظرية في صياغة الرواية لا تزال في طور التجريب حتى بالنسبة للبلدان الأوروبية الأكثر تقدما. ويمكن القول إن المديني يعبر عن تلك العلاقة المتوترة فيما بين المثقف الجامعي والمبدع الذي لازالت كتابته مجرد مشروع، لكنه، مع ذلك، يتوفر على دلالة الرغبة في تجاوز الأبنية المتخيلة القارة، وربما كان يعتقد أن استبدال صفة التخييل، بخلق معادل كلامي أمر ضروري في الوقت الراهن. لكن، يبدو أنه من البديهي التساؤل: كيف يمكن التعبير عن ''نظام الأشياء'' بواسطة ''فوضى الكتابة''. وإنه لأمر دال الصمت المطبق الذي ثصادفه ظهور الرواية. غير أن الروائي يستطيع أن يعتبر ذلك ظاهرة مشجعة: أليست تلك

وضعية كل ''كتابة جديدة''»[2].

لقد كتب إبراهيم الخطيب هذا الكلام في ضوء النقود السلبية - أيضا - التي حاولت التصدي لهذا المولود الغريب والطارئ على أفق انتظار الساحة الأدبية (نجيب العوفي / إدريس الناقوري / أحمد الحلو... إلخ.) أما الجديد في ملاحظات الخطيب، فيتمثل في انتباهه إلى القلب الاستراتيجي الذي حمله معه النص لسؤال الأدب والوعي به في الخمسينات والستينات والسبعينات، وهو قلب يعدل من صيغة: كيف يمكن السيطرة على فوضى الأشياء (أو الصراع الطبقي بمعنى آخر) بواسطة نظام الكتابة، إلى صيغة: كيف يمكن التعبير عن «نظام الأشياء» بواسطة فوضى الكتابة؟ فهذا النص الذي حمل معه قضايا جديدة مثل: مسألة الميثاق الروائي المبرم، وسؤال التقليد أو الاستيلاب، وسؤال اللغة الروائية، ومسألة الغموض في الكتابة... إلخ.، سيعيد تحديد قضية الكتابة الروائية، أو على الأقل، سيقلب موقع وزاوية النظر إليها، بحيث سيرغم التلقي على الالتفات إلى ما يمكن أن يطرأ على النص - قبل الواقع - من تغيير وخلخلة على صعيد ما يسمى بقواعد الجنس الروائي والتي حاولت النصوص السابقة لروايتي علوش والمديني تمثلها ومحاكاتها لتأصيل قالب روائي عربي. لقد كانت مرحلة السبعينات مهووسة بالبحث في إشكالية العلاقة بين الأدب والواقع، وإشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون، وإشكالية العلاقة بين الذات والموضوع... إلخ. وكان لابد من انتظار تحولات كثيرة على صعيد التاريخ والواقع وسيرورة المثاقفة، لكي تبزغ مع الثمانينات موجة البنيويات والشعريات التي يتم فيها تحجيم أو تغييب المرجع الخارج - نصي لصالح مكونات النص الروائي والأدبي عموما. وهو العقد الذي ستتراكم فيه عدة نصوص من طراز «زمن بين الولادة والحلم».

(2-1) وللوقوف على مستويات تقبل التجريب مفهوما وممارسة أدبية، نستعرض نماذج من آراء بعض رموز الحقل الثقافي السبعيني لتأمل كيفية أو طبيعة تعامل هؤلاء النقاد والمبدعين مع هذه الظاهرة الجديدة المسماة التجريب.

يقول عبد الكريم غلاب في شهادة سابقة له حول أزمة الرواية المغربية، وهي مثبتة في أحد أعداد مجلة آفاق التي يصدرها اتحاد كتاب المغرب:

«إن الرواية المغربية تجتاز ''أزمة نمو'' وليست أزمة إحباط. تتلخص الأزمة في أن معظم روادها (من ورد الحوض وليس من الرائد) يعيشون تحت الرعب. هناك شيء إسمه ''الإرهاب النقدي'' - معذرة للمبالغة في استعمال الكلمة - ولذلك فهم يلجأون إلى التستر، علهم لا يغضبون ''الإرهاب'' ومن هنا جاءت موضة ''التجريب''. من المهم أن يجرب المحاول. ولكننا نحن القراء لا نريد أن نعيش تحت طائلة التجريب، فكل من جرب يقدم لنا تجربة لنقرأها على أنها تجربة «وتعلموا يالحجامة في رؤوس اليتامى». أفهم طبعا البعد الفني للتجريب ولكنني مع ذلك أحب أن يثق الكاتب في نفسه (...) قد تكون مرحلة التجريب طبيعية أيضا في فن ما يزال في عمر الورد، ولكن حينما يصبح التجريب هو الهدف، سننتظر طويلا حتى يتحرر الكتاب الشباب من ''الإرهاب'' لينطلقوا في الإبداع بقوة الواثق في نفسه وفنه»[3].

من خلال هذا النص الذي لا نعزله عن سياقه والمرحلة التي أنتجه فيها صاحبه، يتضح أن فهم غلاب للتجريب لم يكن يخرج عن حدود الفهم القاموسي - اللفظي لمفردة التجريب. فالتجريب عنده مصدر مشتق من فعل جرَّب يجرب تجريبا، أي حاول فعل أو إنجاز فعل ما، وهو حد قاموسي مبسط، يمكن أن نقول عنه الآن إنه يسقط مفهوم التجريب في التعويم والميوعة. وهنا، لا يمكن تجاهل ما لدور الموقع الحزبي والإيديولوجي لغلاب من تأثير في تحديد مفهومه (أو فهمه) الخاص للتجريب. لذلك فإن الخلفية الإيديولوجية، والسقف السلفي - الوطني لتلك الخلفية، والانتماء الجيلي، كلها عوامل تجعل من رجل مثل غلاب لا يجد حرجا في الحكم على نقاد «الواقعية» الماركسيين بالإرهابيين! بحيث يغدو التجريب في هذا الطرح مجرد رد فعل تجاه الرعب الناتج عن (الإرهاب النقدي)، ومجرد (موضة) طارئة ستزول بزوال أسبابها. بل مجرد (مرحلة) وصيغة للتستر. وبالنسبة لنا، فإننا نضع هذا المفهوم الكلاسي للتجريب ضمن خانة الموقف السلفي المفتقر إلى أية خلفية فنية - معرفية، والوفي - بالدرجة الأولى- لسلط المتعاليات (السلفية والوطنية) التي تسنده.

(3-1) المفهوم الثاني الذي نورده، يندرج ضمن خانة الموقف الماركسي من التجريب، ونستخلصه من كتاب «جدل القراءة» للناقد نجيب العوفي، حيث يقول:

«ونحن نعتقد بأن الإيديولوجية الضمنية الكامنة في صلب التجريب الحداثوي في المغرب كما في بعض الأقطار العربية، هي إيديولوجية القلق واليأس والميلانخوليا، نتيجة العجز عن المواجهة والجلد والصمود، نتيجة ضيق النفس وعدم السيطرة على الواقع سيطرة معرفية وإيديولوجية ووجدانية ونضالية عميقة، بعد تجربة النهضة والسقوط الطويلة، ومن ثم يكون الخروج من الحلقة المفرغة ومن عنق الزجاجة، كما يبدو خروجا وهميا ونرجسيا يكرس لنا، في التحليل النهائي ظاهرة الثقافقراطية (كذا) على أنقاض الثقافة العضوية، ويقدم لأعدائنا الطبقيين والتاريخيين خدمة مجانية مغلفة بحسن النوايا»[4].

ورغم أن هذا الفهم ''الماركسي'' للتجريب يصدر عن منظومة مرجعية مختلفة نوعيا عن منظومة عبد الكريم غلاب، إلا أنه لا يختلف في الجوهر عن موقف غلاب من التجريب في الجوهر، فهو ينطوي على فهم سلبي لا يخفي رفضه للظاهرة ككل، بل إنه ينطوي على منظور متناقض يرفض خطاب الحداثة الميتافيزيقي باعتباره ضربا من الاستلاب وتكريس ما يسميه بـ «ظاهرة الثقافة البيروقراطية على أنقاض الثقافة العضوية» في الوقت الذي يستمد من الغرب ما تتيحه المنظومة المرجعية للماركسية من جهاز مفاهيمي يفكر به ويعتمده أساسا في الحكم والرفض والتصدي لخطاب »التجريب الحداثوي»!

ومن وجهة نظرنا، فإن الموقف الثاني من التجريب يطابق الموقف السلفي من حيث الاستيعاب النظري للظاهرة. فوهم الطليعية لا يحرره من أسر النظرة التقليدية المناهضة لما هو منفلت عن التنميط والقولبة. لذلك يمكن القول إن التعريف الماركسي للتجريب من خلال نموذج العوفي، للتجريب هو تعريف مضموني أيضا، لا يعير اهتماما لسؤال الشكل الروائي، وذلك راجع من جهة، لشروط المرحلة، ومن جهة أخرى للحدود التي كان قد بلغها الاستيعاب النقدي لنظرية الأدب. ولو شئنا أن نقارن بين الموقف السلفي والموقف الماركسي من التجريب، لأمكننا القول بأن الموقف الأول، ربما كان أكثر انسجاما مع نفسه من هذا الموقف الذي يأخذ من الغرب الماركسية ويرفض في الآن نفسه خطابه في الحداثة خوفا من الاستيلاب، وكأن الماركسية تحمل في أحشائها كثقافة ونظرية ومنهج مناعة للمستلبين من عدواها!؟

(4-1) والموقف الثالث من التجريب، نرصده من خلال نموذج مستقى من رسالة جامعية للباحث حميد لحميداني، وهو الموقف الذي يقودنا إلى ما نصطلح على تسميته بـ: المفهوم السوسيولوجي للتجريب. يقول لحميداني عن «زمن بين الولادة والحلم»، إنها رواية تعبر:

«عن معاناة الجيل الجديد وعن أزمة البورجوازية الصغيرة المولعة بالتجريب، والباحثة عن قيم بديلة في عالم مهترئ، تتخلص بدورها من التقنيات القديمة، وترتاد عالما روائيا بديلا أيضا يخلق مقاييسه التي تتلاءم مع التعبير عن المضامين المتولدة في الظروف الجديدة»[5].

وفي سياق آخر من الدراسة يذهب إلى أن:

«العلاقات الاجتماعية الشائكة تخلق بالضرورة أشكالا أدبية مطابقة لها. ففي الوقت الذي يفقد فيه الإنسان أي مجال للتصالح مع واقعه تختل كل القيم بما فيها قيم الزمان والمكان. ورواية «زمن بين الولادة والحلم» تعبر بشكل واضح عن هذا الاختلال. فمن حيث التحديد المكاني نرى أن الرواية، وقد خلت من الحدث بالمفهوم الروائي الكلاسيكي، تخلصت من ضرورة وصف الإطار المكاني المحدد»[6].

وأول ملاحظة يمكن تسجيلها على هذا التعاطي لنص تجريبي فوضوي، هي محاولة صاحبه إخضاع «زمن بين الولادة والحلم» لمنهج (البنيوية التكوينية)، مما يعني، التعامل مع جوانب «الاختلال» فيه من منظور إيجابي. وهي نقلة نوعية على صعيد الوعي النقدي بالتحقق النصي لمشروع التجريب، حيث ينتقل البحث من مستوى التلقي السلبي الرافض أو المستهجن لخروقات هذا اللون من الكتابة إلى مستوى الإقرار بقابليتها للفهم والتفسير في ضوء منطلقات منهج يتعاطى للنص بما هو موضوع علمي قابل للبناء المنهجي. ففوضى الكتابة - كما يقول إبراهيم الخطيب - تفهم وتفسر كبنية دالة متماسكة تندرج ضمن بنية إيديولوجية تدخل في علاقات وظيفية مع طبقة أو فئة اجتماعية تبحث عن وظيفة داخل المجتمع.

إن مقاربة (التجريب) ضمن هذا المنظور المنهجي «الغولدماني» تقفز على ثغرات القراءة الإيديولوجية البحتة التي حصرت اختياراتها وأحكامها في حدود النظرة الضيقة لـ «نظرية الانعكاس»، فاكتفت بالتركيز على العلاقة بين مضمون الوعي الجمعي ومضمون العمل الأدبي على أساس الانعكاس الآلي؛ بينما ينقل مبدأ التماثل البنائي (L’homologie structurale  ) تلك العلاقة إلى مستوى التماثل بين البنى الذهنية التي تشكل الوعي الجمعي والبنى الشكلية والجمالية التي تشكل العمل الأدبي، وهذا ما يميز «السوسيولوجيا الجدلية» عن «سوسيولوجيا المضمون» كما تم تمثلها لدى نقاد السبعينات.

(1-2) وبانتقالنا إلى عقد الثمانينات، سيكون مفهوم وإشكالية التجريب قد عرفا انتشارا وتبلورا واضحين على صعيد التراكم الروائي والوعي النقدي الموازي له. هذا رغم محدودية الإنتاج الروائي - بصفة عامة - بل إن الحقل الثقافي الوطني سيكرس التجريب كمشترك بنيوي بين عدة أجناس وحقول فنية من تشكيل ومسرح وقصة قصيرة ورواية... إلخ. ومن هذه الزاوية، فنحن نعتبر صدور كتاب سعيد يقطين المعنون بـ «القراءة والتجربة» عام 1985 علامة فارقة في تاريخ تشكل الوعي بالتجريب، وهو الكتاب الذي حاول فيه صاحبه أن يحلل نصوصا تجريبية بمرونة منهجية تنم عن تقدير لخصوصية النصوص موضوع التحليل. وعن مفهوم التجريب، يقول يقطين:

«إن "الإفراط'' في ممارسة التجاوز هو ما تتم تسميته عادة بـ ''التجريب''، وهي التسمية التي تكرر الحديث عنها في أواسط السبعينات في مناقشات قصص التازي والمديني وفي الندوات التي كانت تقام على هامش بعض المعارض التشكيلية، أو بعض العروض المسرحية كالتي كان ينجزها مسرح الهواة وبالأخص مع تجربة محمد تيمد»[7].

(2-2) وللوقوف على المناخ الجديد الذي صار مفهوم / إشكالية التجريب عنوانا له، نستعرض عدة تعريفات يقدمها بعض رموز الحقل الثقافي الفني والأدبي في المغرب للتجريب. وهي تعريفات تَطَالُ المسرح والشعر والقصة القصيرة والنقد الروائي، ومن خلالها سيتبين لنا النضج والتبلور الذي بلغه الوعي بالتجريب مفهوما وممارسة. ونبدأ بتعريف الأستاذ محمد الكغاط، الذي يتحدث عن مستويين من التجريب:

أ - تجريب عام.

ب - تجريب خاص.

يقول الكغاط:

«وأقصد بالتجريب العام لتلك المحاولات التي تمت عبر التاريخ المسرحي من اسخيلوس إلى بداية هذا القرن. وهو تجريب كان يتم بطريقة تلقائية، إذ أن كل مبدع يحاول في عمله اللاحق أن يضيف جديدا إلى عمله السابق (...) أما التجريب الخاص، فهو العمل الذي تقوم به مجموعة معينة، وهي تسعى نحو البحث عن صيغ جديدة في تعاملها مع النص الدرامي ومع النص السينوغرافي ومع الممثل ومع الجمهور، بل ومع مكان العرض (قاعة المسرح) ومع كل مكونات العرض المسرحي (...) وتتواصل خطوات التجريب في أعمالها اللاحقة دون أن يكون لها هدف يتوخى الوصول إلى صيغة قارة أو شبه قارة. إن التجريب بهذا المعنى كالسؤال الفلسفي لا يتولد عنه إلا سؤال جديد. إن التجريب، في الفن بصفة عامة، وفي المسرح بصفة خاصة، عبارة عن اقتراحات في مجالات الإبداع المختلفة، اقتراحات يقصد بها خلخلة ما هو سائد من أجل فتح آفاق جديدة، وإثارة أسئلة جديدة،والبحث عن صيغ جديدة للخطاب والتواصل»[8].

أما في مجال الشعر، فنقرأ التعريف الذي يقدمه الشاعر محمد السرغيني للتجريب حيث يرى أن:

«التجريب أساسا هو أن يخرج المجرب عن حدود القاعدة المشاعة انطلاقا منها (...) هو أن ينطلق الشاعر من القاعدة العامة المألوفة. التجريب هو محاولة تجاوز القواعد السائدة انطلاقا من هذه القواعد نفسها (...) التجريب هو محاولة للخروج من الدوران في الفراغ، خاصة بعد أن أحس الشعراء بأن العصر هو عصر الرواية وليس عصر الشعر. لذلك يجب أن تضبط مواصفاته على كل المستويات (...) والتجريب الذي يمكن أن يصبح قاعدة هو الذي يكون مصحوبا بقناعة ذاتية»[9].

وفي مجال القصة القصيرة، نستشهد بتعريف للروائي والقاص والناقد محمد براة، حيث يقول:

«إن التجريب» لا يعني الخروج على المألوف بطريقة اعتباطية. ولا اقتباس وصفات وأشكال جربها آخرون في سياق مغاير. إن التجريب يقتضي الوعي بالتجريب أي توفر الكاتب على معرفة الأسس النظرية لتجارب الآخرين وتوفره على أسئلته الخاصة التي يسعى إلى صياغتها صوغا فنيا يستجيب لسياقه الثقافي ورؤيته للعالم. هذا الوعي بالتجريب يضمن للكاتب أن يتعامل تعاملا خلاقا مع حصيلة الإنتاجات القصصية سواء انتمت إلى التراث إو إلى الذخيرة العالمية الحديثة. ومن ثم، فإن محاورة النصوص الأخرى والتفاعل معها بل والاستفادة من منجزاتها الفنية تصبح مختصبة ومولدة لأشكال جديدة أو قديمة أو حديثة، في صوغ مضامين ورؤيات مغايرة»[10].

ونصل إلى محور علاقة الرواية المغربية بالتجريب، أو مفهوم التجريب في الوعـي النقدي الروائي. ولعلنا لن نجد تعريفا أنضـج من ذلك الذي قدمه الناقد عبد الحميد عقار الذي يذهب إلى أن:

«قانون التجريب، باعتباره سلسلة من التقنيات ووجهات النظر عن العالم، تسعى إلى تجاوز الفهم القائم وإلى وضعه موضع تشكيك وتساؤل. وهكذا تتحدد الرواية بكونها إجابة معطاة من الذات على وضعها في المجتمع، هذه الإجابة يجسدها عادة المتكلم داخل الرواية ساردا كان أو شخصا، من خلال ما يحكيه أو يعيشه، ومن خلال طرائق تقديمه لذلك المحكي أو المعيش»[11].

محاولة في التركيـــب:

(1-3) من خلال التعريفات السابقة، الممتدة في الزمن بين عقدين، يتضح كيف أن مفاهيم التجريب الروائي قد عرفت سيرورة تكون وتطور على صعيد وعي الكتاب المغاربة. فمن النشأة المتعثرة على صعيد التحقق النصي والوعي النقدي الموازي له، إلى الانتشار، فالتشارك البنيوي على صعيد مكونات الحقل الأدبي-الفني الوطني. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن عشرية الثمانينات هي حقل التجريب بامتياز، وعلى صعيد الرواية والخطاب النقدي الموازي لها يمكن القول بأن الثمانينات سجلت مرحلة التحول من التجريب التلقائي مع «حاجز الثلج» و«زمن بين الولادة والحلم» إلى التجريب الواعي باستراتيجياته مع أعمال كل من عز الدين التازي وأحمد المديني ومبارك ربيع وعبد الله العروي والميلودي شغموم ومحمد برادة ومحمد الهرادي وغيرهم. فمع هذه الكوكبة من الروائيين المغاربة، ستنتقل الرواية إلى مرحلة البحث عن إمكانيات جديدة في مستويات التقنية والرؤية، وهو بحث معرفي وفني وإيديولوجي يستهدف الخلخلة وتجاوز القواعد السائدة المترسبة عن التقاليد وقيم الثقافة التقليدية.

إذن؛ مع تراكم النصوص الروائية التجريبية، سينهض التجريب الروائي في المغرب كمشروع له منطقه الخاص وأسسه الجمالية واحتمالاته اللانهائية، ومن تلك الأسس: رهان السؤال والمساءلة، وخيار الانفتاح والحوارية وفقَ مبدأ القناعة الذاتية التي تؤهل الرغبة للتلاؤم مع الحاجة الثقافية والشرط السوسيوتاريخي. إنه «المجرى المتحول» كما يقول الناقد سعيد يقطين في كتابه الرائد، وهو مجرى ينقل الحقل الثقافي الوطني:

«- من الفيلولوجيا الأدبية إلى أركيولوجيا المعرفة.

- من الثابت والجاهز إلى المتحول والممكن.

- من المطلق إلى النسبي.

- من الجواب العارف بكل شيء إلى السؤال المطروح بصدد كل شيء»[12].

غير أن انطلاق هذا المجرى المتحول في اتجاه إيجابي لا يحول دون طرح مجموعة من الأسئلة بصدد التجريب الروائي في إنجاز تراكماته النظرية والإبداعية متجاوزا مرحلة الوعي الجنيني، وأهم الأسئلة يمكن طرحها على الشكل التالي:

أ) كيف يتجنب التجريب الروائي - على صعيد الممارسة التخييلية - مأزق السقوط في الاختبارية التي تجعل من النص مجرد تنفيذ لأفكار مسبقة بدعوى المثاقفة أو المعاصرة أو غيرهما من الشعارات؟

ب) كيف يتم تأصيل المشروع الروائي المغربي مع معانقة أفق التجريب في الوقت نفسه، ودون التفريط في الحدود الدنيا من الثوابت الروائية الكلاسية؟

ج) ما هي حدود التجريب، وهل يكفي خرق قواعد الجنس الأدبي أو التمرد على كل أوفاق الكتابة الروائية لامتلاك شرعية الانتساب إلى مشروع التجريب؟ ألا يحتكم التجريب الروائي إلى رؤية فنية وفكرية، جمالية ومعرفية، تدعم التحقق النصي والتشكيلات التقنية في سياق الوعي النظري للمارسة الروائية؟

د) ما هو الموقف المتوازن الذي يجعل من التجريب الروائي يتجاوز دائرته التواصلية الضيقة ولا يقف عائقا أمام القارئ غير المتخصص؟ وماذا عن مسألة التواصل - بصفة عامة - ألا يعتبر المتلقي طرفا أساسيا في معادلة الكتابة التجريبية حتى يتم تهميشه فعليا؟ وهل ستظل رهانات الغموض والتعتيم والحرص على خلخلة كل الثوابت شروطا ضرورية لولوج بوابة التجريب؟ ألا يمكن مد الجسور بين التجريب الروائي ومبادئ الانسجام والوضوح والتماسك وغيرها من العناصر التشكيلية التي تحتكم في النهاية لطبيعة الرؤية التي تسند التحقق النصي؟

هـ) هل مجرد رفع شعار التجريب، أو تبني أسئلته، يؤهلان النص الروائي أو النقد الموازي له، لامتلاك القدرة على التجديد والتحديث؟ هل كل تجريب تجديد؟ وهل كل تجديد تحديث؟

و) ما مصير التجريب الروائي بعد أن يتحول إلى مجرد وصفات قابلة للاتباع والمحاكاة من طرف أي كان؟ وكيف يتم التمييز بين التجريب الكلاسي والتجريب المستقبلي؟

ز) أي أفق للتجريب في الحقل الروائي بعد انتقال أفق انتظار المتلقي إلى مراحل تجاوز المكتوب، ومعانقة مستويات أعقد على صعيد الحقلين السمعي والبصري: التجريب السينمائي مثلا؟


 

[1] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد 512، يوم 30/12/1990، ص. 17.

[2] - إبراهيم الخطيب: (الرغبة والتاريخ)، مجلة أقــلام، العدد 4، يناير 1977، السلسلة الجديدة، ص. 23.

[3] - عبد الكريم غلاب: (الرواية حياة متكاملة وهي تجتاز - بالمغرب - أزمة نمو)، مجلـة آفــاق، العدد (3-4)، 1984، ص. 104/108.

[4] - نجيب العوفي، جدل القراءة، دار النشر المغربية، البيضاء، ص. 149.

[5] - حميد لحميداني: الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، دار الثقافة، 1985، ص. 418.

[6] - المرجـع نفسـه، ص. 419.

[7] - سعيد يقطين: القـراءة والتجـربة، مطبعة النجاح الجديدة، ط. أولى، 1985، ص. 287-288.

[8] - محمد الكغاط: (التجريب ونصوص المسرح)، مجلة آفاق، العدد 3، 1989، ص. 21-22.

[9] - حوار مع محمد السرغيني: (الشعر المغربي الحديث والمعاصر: تاريخ وقضايا في ضوء الشهادة والنقد)، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، العدد: 4، 1990، ص. 17/18.

[10] - محمد برادة: (القصة القصيرة: الهوية - التجريب - الصيرورة)، دورية الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد 7 أكتوبر 1988.

[11] - عبد الحميد عقار: (من أسئلة المتن الروائي بالمغرب خلال الثمانينيات)، أنـوال، العدد: 512-1989.

[12] - سعيد يقطيـن: مرجـع سابـق، ص. 287-288

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية