Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
7 décembre 2010 2 07 /12 /décembre /2010 13:32

التحولات العلمية والفكرية:

الانفتاح والتركيب وتجليات النقد المتجدد

د.محمد عفط

ينبئ المناخ العلمي والفكري الحديث عن تصاديات، مباشرة حينا، وغير مباشرة أحيانا، تكشف كلها عن الحجم الكبير للتلاقيات الهامة التي يتم فيها تجاوز اللااكتراث الذي قد يسم علاقات التخصصات فيما بينها، وتبين مدى التكامل الذي يحكم النظريات والأفكار والتحولات.

ويكتسب هذا الأمر أهميته الكبرى من كونه يرتبط ارتباطا قويا ببنى الفكر الإنساني، وبما لذلك من انعكاسات على مختلف الإنجازات التي تشي بحصول تحولات بعيدة الأثر وواسعة المدى، حيث يقدم المشهد تجليات واضحة لانتشار بعدي الانفتاح والتركيب في مختلف هذه التحولات –الحديثة على وجه الخصوص- مع ما يستتبع ذلك من اعتراف بمختلف الجهود، ومن تعميق لجسور التواصل بين العديد من المنظورات.

1.1-في هذا السياق يقدم العلم الحديث عبر ما عرفه وما يعرفه من إبداعات مثيرة أبرز مثل على هذا التحول العميق الذي يتصل باتساع دائرتي الانفتاح والتركيب المشار إليهما.

إن العلم الحديث لا يقدم الدليل على هذا من خلال إنجازاته العلمية الباهرة التي تكشف كل يوم عن تقدم هائل في مختلف المجالات فحسب، بل يحمل، كذلك، في ذاته، قدرة كبرى على وضع نفسه ومناهجه موضع تساؤل مستمر، وهو ما يوضح أن الممارسة العلمية هي ممارسة منفتحة رغم ما قد توهم به الظواهر من انغلاق وحدود.

وإذا كانت التصورات العلمية الكلاسيكية قد جعلت مفهوم الحقيقة هو فرس الرهان، فإنها قد عملت على تعميم قناعة أن العلم هو وحده القادر على تقديم الإجابات الحاسمة عن كل الأسئلة التي تطرح لأنه يتوفر على قدرة ذاتية تجعل النتائج المتوصل إليها موسومة بدرجة عالية من الحقيقة والثبات جعلت الكثير من فلاسفة هذه التصورات ينظرون إلى المعرفة العلمية بوصفها حقائق مثبتة مؤسسة.

وضمن هذا المنظور، كان إلحاح التصورات الكلاسيكية الشديد على ضرورة التسليم بـ"حقيقة" أساسية هي أن التركيب الملحوظ في الظواهر يمكن تفسيره انطلاقا من بعض المبادئ البسيطة، وأن التنوع المثير للكائنات والأشياء يمكن أن يفسر هو أيضا انطلاقا من بعض العناصر البسيطة. ومن ثم، كان هناك حضور محايث في كل مسار علمي للاختزال والتبسيط من خلال فكرة أن التبسيط يمكن أن يتحقق بفعالية بواسطة الفصل والاختزال عبر استثمار منهج تنازلي من التعدد/الفوضى إلى الوحدة/ النظام، ومن الاختلاط المربط إلى التجانس المنسجم.

في ظل هذا المعطى، كان الفصل يقوم بعزل الموضوعات ليس فقط بعضها عن بعض، بل كذلك عن بيئتها وعن ملاحظها لأن هذين المكونين يعدان –ضمن الخلفية العلمية الكلاسيكية- مشوشين يجب إبعادهما في كل بحث علمي يريد لنفسه أن يتسم بالجدية والصرامة.

يضاف إلى ذلك أن الفصل كان يسمح بعزل التخصصات بعضها عن البعض عبر السعي لإبراز أن للعمل مزية على غيره تجعل من الواجب منحه وضعا اعتباريا خاصا واتسامه بخاصية تطهرية تجعله بمنأى عن كل الشوائب التي تخالط غيره من الممارسات. وبذلك، كانت كل المفاهيم التي تحدد مجال المقدس قد رحلت –رغم ما يبدو من اختلاف- ليتم تطبيقها على المسار العلمي الذي على مريديه أن يمروا بمجموعة من طقوس المسارة والعبور.

ولا شك أن الاختزال، بما يهدف إليه من تبسيط يوحد ما هو منوع أو متعدد سواء فيما هو أولي، أو فيما هو قابل للتكميم، قد سمح بتبلور فكر يسنده يمكن تسميته الفكر الاختزالي، الذي "يسند الواقع "الحقيقي" لا إلى الكليات، ولكن إلى العناصر، ولا إلى النوعيات، ولكن إلى المقاييس، ولا إلى الكائنات والموجودات، ولكن إلى ملفوظات الصورنة والرياضيات".

والملاحظ أن هذه التصورات الكلاسيكية المستندة على الاختزال والتبسيط ستجد لها سوقا رائجة فيما اعتبر "غير علمي طاهر" كما توضح ذلك بعض المقاربات خاصة في الفلسفة والنقد الأدبي.

إلا أن التحولات العميقة التي عرفها المشهد العلمي قد شكلت منعطفا هاما ليس فقط من حيث الإنجازات المحققة، بل كذلك من جانب النقد الإبسستيمولوجي العميق الذي ستتعرض له أسس ما سمي المنهج العلمي ذاته، حيث كشفت هذه التحولات عن هشاشة الكثير من المرتكزات التي انبنت عليها فكرة "الحقيقة العلمية" المبرأة من كل مس أو تجريح.

ينطلق الطرح الجديد من فكرة/إطار هي أن العلم هو، وسيبقى، مغامرة تتميز –على وجه الخصوص- باستنادها المستمر على فكرة أن بنى فكر العلم الخاصة يجب أن تبقى على الدوام موضع تساؤل لأن ذلك هو ما يسمح –حسب كون Kuhn  - بالحديث عن "تغيير النماذج Changement de paradigmes  ".

ومن ثم، يرى كارل بوبر أحد رواد إعادة النظر هذه أن تاريخ العلوم، مثل تاريخ كل الأفكار الإنسانية، هو تاريخ من الأفكار غير المسؤولة، والعنادات، والأخطاء، ولكن العلم هو واحد من أندر النشاطات الإنسانية، وربما الوحيد، التي تذكر فيها الأخطاء منهجيا، وتصحح، في الغالب، مع الزمن".

ومن هذا المنطلق، فإن خاصية العلم الأساسية هي "إمكان تكذيب عباراته، هي قابليته المستمرة للمواجهة مع الوقائع والوقائع، للنقد والمراجعة واكتشاف الأخطاء وبالتالي التصويب والاقتراب الأكثر من الصدق، التقدم المستمر".

إن الصورة التي تحكم التصور الحديث هي أن الإشكالية الأساسية في العلم ليست هي الحقيقة بل قابليته للخطأ أو حتى للتفنيد. فما يسمح للعلم بالتطور والتأثير هو قابليته لأن يكون موضع تساؤل مستمر، ذلك أن العلمية la scientificité   ليست هي عكس reflet   الواقع، بل ترجمته في نظريات متغيرة وقابلة للتفنيد. إن الحقيقة هي موضوع معرفة وليست قناعة مسبقة.

ومن ثم، فإن ما يميز "العلم" (الحقيقي) عن "العلم المزعوم" ليس هو حقيقة الأول في مقابل خطأ الثاني، ولكن هو أن الأول يقبل الخطأ ويعترف به، ومن ثم يقبل المراجعة وإعادة النظر، بينما لا يقبله الثاني ولا يعترف به، وهذا يمثل تحولا كبيرا يبين أن تطور المعرفة العلمية لا يأتي من نماء المعرفة وتمددها فحسب، بل كذلك من التحولات والقطائع والمرور من نظرية إلى أخرى، إذ النظريات العلمية فانية، وهي فانية لأنها علمية.

من هنا، فإن ما يسمح بتمييز النظرية العلمية عن المذهب (غير العلمي) هو أن نظرية ما هي علمية –حسب بوبر- حينما تقبل أن خطأها يمكن أن يكون مبرهنا عليه. أما المذهب، أو العقيدة، فهما يجدان في ذاتيهما التحقق الذاتي المستمر إما بالرجوع إلى الفكر المقدس للمؤسسين، أو إلى اليقين بأن الأطروحة قد عللت بشكل نهائي وحاسم. وبذلك، فإن العقيدة غير قابلة للهجوم من قبل التجربة، ولكن النظرية العلمية –على العكس- قابلة للخطأ، وحتى للانهيار البيولوجي Bio-dégradable  .

ولعل هذا الأمر هو ما جعل المسار العلمي نفسه يعرف تحولا رئيسيا من الاستقراء إلى الاستنباط حيث تأخذ الفرضية موقعا استراتيجيا. وفي هذا الصدد يقول عالم الفيزياء النظرية ستيفن هوكنج    S.Hawking  : "لم أسمع عن أية نظرية كبرى قد طرحت على أساس من التجربة فحسب. فالنظرية هي التي تأتي دائما أولا، وتطرح بسبب الرغبة في الحصول على نموذج رياضي رائع ومتسق. ثم تعطي النظرية تنبؤات، وهذه يمكن اختبارها بالملاحظة. وإذا اتفقت الملاحظات مع التنبؤات فإن هذا لا يبرهن على النظرية، وإنما تظل النظرية باقية لتصنع تنبؤات جديدة، تختبر مرة أخرى بالملاحظة، وإذا لم تتفق الملاحظات مع التنبؤات نتخلى عن النظرية".

في هذا الإطار، تتحدد لعبة العلم الحديث ليس في امتلاك الحقيقة وتمديدها، ولكن في لعبة تكون فيها المعركة من أجل الحقيقة متداخلة مع النضال ضد الخطأ. ويصبح ما يسمى المنهج النقدي في العلم هو أنه ليست هناك نظرية يمكن أن تفلت من النقد لأن منهج العلم هو "منهج تتم فيه مراقبة محاولة (أو فكرة) حل مع تقديمها بواسطة نقد لا هوادة فيه. إن الأمر يتعلق باستخدام نقدي للمنهج عبر المحاولة والخطأ".

يقودنا هذا إلى ملاحظة أن إرجاع المتعدد إلى الواحد، والمركب إلى البسيط بحثا عن حقيقة تتماهى مع الوحدة البسيطة وتنتهي فيها هو مسار يتناقض مع منهج العلم رغم أنه يدعي أنه هو العلم ذاته. فالفصل والعزل اللذان مثلا هما أساس الممارسة العلمية الكلاسيكية يفقدان أهميتهما من منطلق أن المعرفة ليست شيئا خالصا، معزولا ومستقلا عن أدواته، ليس فقط أدواته المادية، ولكن أيضا أدواته الذهنية التي هي المفاهيم، ذلك أن النظرية العلمية هي نشاط منظم للعقل، يفعل (بضم الياء وكسر العين وتشديدها) ملاحظات، ويفعل أيضا، هذا الحوار مع عالم الظواهر. ويعني هذا أنه يجب استيعاب نظرية علمية باعتبارها بناء لأن "العلم صنيعة الإنسان، أي فعالية نامية باستمرار، كل خطوة قابلة للتجاوز، للتقدم"، مما يستدعي إعادة نظر عميقة في مفهوم الموضوعية باعتباره شكل –حسب التصورات الكلاسيكية- مزية العلم الطبيعي الكبرى. وفي هذا الإطار يقول إدغار موران:

"إن المعطيات التي تنبني عليها النظريات العلمية هي معطيات موضوعية، هي موضوعية بالتحققات وبالتفنيدات، وهذا الأمر غير قابل للنقاش كلية. ولكن ما يمكن أن يناقش، تحديدا، هو أن تكون نظرية ما موضوعية. لا، النظرية ليست موضوعية: لا تكون نظرية ما انعكاسا للواقع، النظرية هي بناء عقلي، بناء منطقي-رياضي يسمح بالإجابة عن بعض الأسئلة التي تطرح على العالم، على الواقع. إن النظرية ترتكز على معطيات علمية ولكنها ليست موضوعية في ذاتها".

ويبدو هذا الأمر بقوة في الأثر الذي مس مفهوم العقل ذاته الذي لم يعد له "مضمون دائم، ليس هناك معطى عقلي، لم يعد العقل يعرف كمجموعة من المبادئ: إنه القدرة على القيام بعمليات تبعا لقواعد، إنه أساسا نشاط وفعالية. العقلانية، إذن، هي اليقين بأن النشاط العقلي يتعرف كيف تنشأ منظومات تنطبق على ظواهر مختلفة".

2.1-لقد سمح هذا التحول العميق بإبراز الأهمية التي يكتسيها مفهوم التركيب في كل نظر علمي. وقد سبق لـ"غاستون باشلار" أن أبرز أن التركيب يعد مشكلا أساسيا حيث لا يوجد البسيط في الطبيعة، ليس هناك إلا ما هو مبسط. ومن ثم لا يتحدد التركيب في الخطاب العلمي الحديث باعتباره جوابا، وإنما باعتباره تحديا ودافعا للتفكير لا يتناقض مع البرمجة والإيضاح.

إن أخذ التركيب بعين الاعتبار يأتي من تجاوز الرؤية الاختزالية القائمة على الفصل والعزل، خاصة حينما ترادفت هذه الرؤية مع إغفال بين لمفهوم تعددية الأبعاد التي لا تتناقض، بالضرورة مع السعي إلى القانون والنظام. ويتبين أن التركيب يأخذ بالاعتبار مختلف التمفصلات التي تعرضت للعطب بسبب القطائع بين التخصصات وبين المقولات المعرفية وأنماط المعرفة. ومن هنا، فإن "التطلع إلى التركيب ينحو باتجاه المعرفة المتعددة الأبعاد. إنه ليس إعطاء المعلومات الكاملة عن ظاهرة هي محط دراسة، ولكن احترام مختلف أبعادها. إن الفكر المركب، بتطلعه إلى تعددية الأبعاد، يحتوي في ذاته على مبدأ اللااكتمال واللايقين.

وتبدو أهمية هذا الأمر حينما يتضح أن استحضار مفهوم التركيب في الرؤية العلمية الجديدة قد سمح بأن يكون الحوار مع التناقض مفتوحا من منطلق أن التوجه الضابط هنا هو إقامة علاقة تناقضية وتكاملية في الآن نفسه بين المفاهيم الأساسية التي هي ضرورية لاستيعاب العالم. ويوم المبدأ الحواري، في هذا الإطار، على فكرة أن منطقين، مبدأين هما متحدان دون أن تضيع الثنائية في هذه الوحدة.

ويكشف هذا التحول أن "العلم ليس فقط في حاجة إلى فكر مؤهل لاعتبار تركيب الواقع. إنه كذلك في حاجة إلى نفس هذا الفكر لاعتبار تركيبه الخاص وتركيب المشاكل التي يطرحها على الإنسانية".

وهكذا، لا يغيب التركيب التمييز والتحليل الحاضرين بقوة في كل خطاب علمي، ولكنه يختلف عن التبسيط من خلال بحثه عن إقامة تواصل بين ما هو مميز: الموضوع والمحيط، الشيء الملاحظ وملاحظه. وبذلك، فهو يهتم ليس بالتضحية بالكل لصالح الجزء، أو بالجزء لصالح الكل، بل باستيعاب الإشكالية الصعبة للتنظيم، وبفتح الحوار بين النظام والفوضى، وكذلك بالرؤية العينية المتعددة التي تكون فيها الأبعاد الفيزيائية والبيولوجية والروحية والثقافية والسوسيولوجية والتاريخية لما هو إنساني قابلة للتواصل فيما بينها.

ولعل من أهم ما ينتج عن استحضار هذه الروح القبول بالانفتاح والتركيب باعتبارهما ما يسمح بممارسة حوار خصب في مجتمع مفتوح للرأي والرأي الآخر حيث تتحدد الديمقراطية، كما يقدمها التصور العلمي الحديث، بكونها إدارة منظمة ومنتجة للصراعية. وهو ما ينقض كل دعاوى الديكتاتورية والانفراد بالرأي والتعصب والتطرف.

2.2-إن هذا التحول الهام والعميق الذي وقفنا عند بعض تجلياته قد عرف تبلورا مثيرا للانتباه في حقول معرفية أخرى أهمها حقل الدراسات الأدبية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا التحول كان تتويجا لتحولات متعددة تقدم كلها الدليل على الدينامية التي عرفها حقل الدرسات الأدبية نتيجة مجموعة من التفاعلات الخصبة التي أكدت ذلك التداخل المنتج بين الممارسة المعرفية والممارسة النقدية مع كل ما يستتبع ذلك من استحضار لآفاق الانفتاح والتركيب في النظر.

ويمثل السعي للتخلص من الاختزالية والتبسيطية في التعامل مع النص الأدبي أحد أهم مرتكزات هذا التحول الذي تصاحب مع نقد منهجي لأسس المقاربات الاختزالية التي كانت تعمل على رد "التعدد الظاهر والسطحي" إلى "وحدة خفية وعميقة" ضمن هاجس منح دراسة النص درجة عالية من "المقبولية العلمية".

ونتوقف هنا عند مثالين بارزين للمراجعة النقدية للتصور الاختزالي وما يشتمل عليه من إسقاطات تتناقض وما يسم النص الأدبي من انفتاح وتركيب. يتعلق المثال الأول بـ"رولان بارت" الذي يبرز مساره العلمي-النقدي قدرة هائلة على مراجعة الأفكار وإعادات النظر العميقة، ويتعلق المثال الثاني بـ"بيير زيما Pierre Zima  " الذي قام بنقد منهجي لفكرة الأصل الأحادي والواضح والمتجانس التي سكنت العديد من المناهج، وخاصة تلك التي كانت تقدم نفسها على أنها مناهج جدلية.

في هذا الصدد، كان من أهم مؤاخذات بارت على مجموعة من المقاربات التي اهتمت –على وجه الخصوص- بدراسة المحكيات أن أصحابها قد سعوا، ضمن مبدأ التبسيط والاختزال الذي كان يحكمهم، إلى رؤية كل محكيات العالم في بنية واحدة ووحيدة. ومن ثم، عملوا في البداية على أن يستخلصوا من كل حكاية نموذجها، وأن يتم بعد ذلك استخراج بنية سردية كبرى من كل النماذج يمكن تطبيقها (للتحقق) على أي محكي.

ويرى بارت أن أهم ثمرة مرة لهذا العملية أن النص يفقد اختلافه. هذا الاختلاف الذي "ليس نوعية مملوءة قابلة للاختزال. إنه ليس ما يعني فردية كل نص، ما يسميه، ما يعلمه، ما يوقعه، وما ينهيه، بل هو –على العكس- اختلاف لا يتوقف، وهو يتمفصل على لا نهائية النصوص، اللغات، الأنساق: اختلاف يكون فيه كل نص هو العودة".

وعليه، فإن إعادة النظر في المقاربات الاختزالية-التوحيدية لا تنبني على وضع النص في فرديته فحسب، بل في لعبته عن طريق جعله يستقبل، حتى قبل أن يتحدث إلينا، من خلال نموذج الاختلاف الذي سبق تحديده، وذلك بوضعه تحت نمذجة مؤسسة (بكسر السين الأولى) وتحت تقييم.

على أن التقييم المؤسس لكل النصوص لا يأتي –حسب بارت- من العلم (العلم الاختزالي تحديدا) لأن العلم "لا يقيم شيئا" ولا من الإيديولوجيات "لأن قيمة النص الإيديولوجية (الأخلاقية والفنية والسياسية والإلزامية) هي قيمة تمثيل لا إنتاج (الإيديولوجيا "تعكس" ولا تعمل). والتقييم بهذا المعنى، هو تقييم مرتبط بممارسة، هذه الممارسة هي ممارسة الكتابة ما دام أن رهان العمل الأدبي (الأدب باعتباره عملا) هو أن يجعل من القارئ منتجا للنص وليس مستهلكا فحسب، لأن كل نص يستدعي القارئ-المستهلك فقط هو نص كلاسيكي بامتياز.

ولا شك أن منطق الاختلاف والتعدد هذا يحضر بقوة في ما يسميه "بارت" النص القابل للكتابة Texte scriptible   الذي يعرفه بأنه حاضر دائما، ولا يمكن أن يبنى عليه أي كلام نهائي (يمكن أن يحوله إلى ماض). ومن ثم، فإن النص الذي "يتأسس على تعددية المداخل، وانفتاح الشبكات، ولا نهائية اللغات، والقابل للكتابة هو الروائي دون الرواية، والشعر دون القصيدة، والقول دون المقالة، والكتابة دون الأسلوب، والإنتاج دون المنتوج، والبنينة دون البنية".

كل هذا يوضح أن المقاربات المستندة على المفهمة الأحادية والاختزالية لا يمكنها الوقوف عند هذه الخصوصية الإبداعية التي تميز هذه النصوص التي تبدو مسكونة بهاجس الكتابة أساسا. إن النص، وهو يصدر عن تعددية المداخل وانفتاح الشبكات ولا نهائية اللغات يجسد كل هذه الدلالة المتمثلة في أن "النص تعددي، لا يعني هذا فحسب أنه ينطوي على معان عدة، وإنما أنه يحقق تعدد المعنى ذاته. إنه تعدد لا يؤول إلى أية وحدة، ليس النص وجودا لمعان، وإنما هو مجاز وانتقال. وبناء على ذلك لا يمكن أن يخضع لتأويل، حتى لو كان حرا، وإنما لتفجير وتشتيت، ذلك أن تعددية النص لا تعود لالتباس محتوياته، وإنما لما يمكن أن نطلق عليه التعدد المتناغم للدلائل التي يتكون منها".

إن هذا النص لا يعترف بالثنائية التحليلية القائمة على وجود بنية سطحية هي مجال الاختلاط والفوضى، وبنية عميقة هي مجال الانسجام والتجانس والنظام. إن الاختزال الذي يؤسس هذه الثنائية ويسكنها يفقد كل إجرائية في النظر إلى النص الذي لا يؤول تعدده إلى أية وحدة، والذي يكون قارؤه شبيها "بذات مرتكبة (تعطيل فيها عمل المخيلة)، هذه الذات الفارغة تتجول قرب واد ينحدر في أسفله نهر، ما يدركه متعدد يصدر عن مواد ومستويات متنوعة من أضواء وألوان وخضرة وحرارة وهواء وضجيج وزعيق وأصوات أطفال وحركات وملابس".

ولعل ما يؤكد التعددية ويمنحها وضعا اعتباريا في كل تعريف للنص أن التناص نفسه لا يتحدد بكونه بحثا عن الأصل النقي للنص المقروء في آنيته لأن النص، في منطق التعددية هذا، هو "نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء وأعني من اللغات الثقافية السابقة أو المعاصرة التي تخترقه بكامله".

من هنا، يصبح كل بحث عن الأصول والمؤثرات الواضحة البينة رضوخا لخرافة السلالة والانحدار التي يجب إعادة النظر العميقة فيها من منطلق التعامل مع النص على أنه "لا ينشأ عن رصف كلمات تولد معنى وحيدا، معنى لاهوتيا إذا صح التعبير (هو رسالة "المؤلف" الإله)؛ وإنما هو فضاء متعدد الأبعاد تتمازج فيه كتابات متعددة وتتعارض من غير أن يكون فيها ما هو أكثر من غيره أصالة: النص نسيج من الاقتباسات تنحدر من منابع ثقافية متعددة".

إن هذا التصور، إذ يحمل في عمقه نسفا واضحا لتصورات التبسيط والاختزال المسكونة بالأحادية والتجانس، فإنه يسمح بالتقاء منظور النقد الثقافي لنصية الاختزال مع منظور النقد الإبستمولوجي الذي يستند على طرح يقول بأن فكرا قادرا على مواجهة تركيب الواقع هو الذي يسمح، في الوقت نفسه، للعلم أن يفكر في ذاته.

إن هذا الطرح البارثي القائم على إعادة نظر عميقة فيما اعتبر مسلمات تحليلية في التعامل مع النص، سنجد له امتدادات لدى "زيما Zima  " –وإن كان يصدر في طروحاته عن مرجعيات أخرى-.

يلاحظ "بيير زيما" أن "جورج لوكاتش Georg Luckas   وهو يحدد مفهومه لـ"النمط type  "، قد كان يستند على مفهوم "الجوهر essence  "، وبشكل غير مباشر على مقولة "الكلية totalité  ". وبما أن الأدب يعمل على إظهار الكلية في الحالة الخاصة، فإنه يخلق شخوصا وأحداثا وأوضاعا "نمطية"، ويدرك بطريقة عامة، التمثيل النمطي للواقع الاجتماعي، وهذا هو الأدب الواقعي تحديدا.

إن ما يسكن طرح "لوكاتش" ويحدد كذلك تعريفه لما يسميه الأدب الواقعي هو إلحاحه على ضرورة استخلاص الفكرة (الجوهر) من الواقع الاجتماعي المعروض.

ولعل "كولدمان" –رغم ما يطبع من عمق واختلاف- قد ظل مربوطا إلى هذا الطرح المبني على فكرة البحث في كل عمل فني عن بنية مفهومية أحادية هي ما سماه "بنية دالة". وفي هذا الصدد يقول "كولدمان": "إن العمل الفني هو عالم كلي، وهذا العالم الكلي الذي يقيم، يأخذ موقفا، يصف، يثبت وجود بعض الأشياء، يملك شبيها له، حينما نترجمه، هو النسق الفلسفي".

إن هذا الطرح الذي يلغي كل اختلاف بين الأعمال المفهومية والأعمال غير المفهومية، يقوم على أن بنية دالة يظهر على مستواها "معنى" النص الأدبي، هي بمثابة حزام نقل منهجي يسمح بمماهاة خطاب تخييلي مع خطاب مفهومي (فلسفي) وربط "العمل الفني" برؤية للعالم". ومن ثم، لا يبقى هناك اختلاف كيفي بين "تأملات" باسكال وتراجيديات راسين مثلا.

إن رؤية العالم التي تتجاوز الوعي الواقعي لكي يتجلى فيها الحد الأقصى من الوعي الممكن لدى جماعة اجتماعية خاصة هي إذن البنية المفهومية التي يعد كل "عمل فني كبير"، يشكل كلية مغلقة، موجها للتعبير عنها.

ومن هذا المنطلق، تكون نقطة البداية وأساس كل تحليل نصي هي دراسة مستوى المدلول، فما أن يضاء البناء المفهومي حتى نحصل على الإطار الذي تندرج فيه الدوال باعتبارها مظاهر سطح.

يوجه "بيير زيما" نقدا قويا لهذا الطرح الذي يرى فيه اختزالا للدال في المدلول الحادي، والخاص في العام، ويبين أن النص الأدبي غير قابل، بطبيعته وبغاياته، للاختزال أو للترجمة في خطاب مفهومي أو رؤية للعالم، ومن ثم، عدم قابلية للاختزال في بنية عميقة أحادية الدلالة.

وفي هذا الصدد، يستحضر "بيير زيما" مجموعة من ملاحظات "أدورنو" الذي كان يرى أن النص الأدبي لا يعبر بطريقة أحادية عن معنى يمكن أن يكون مربوطا به إلى رؤية محددة للعالم لدى جماعة اجتماعية خاصة أو لإيديولوجيا، لأن النص الأدبي يقاوم، عن طريق التباسه (تعدديته الدلالية) المعنى بصفة عامة والمعنى الإيديولوجي بوجه خاص. وفي هذه المقاومة يتجلى مظهره النقدي في مجتمع السوق حيث النصوص التي تعبر عن إيديولوجيات مسوقة أو قابلة للتسويق تباع بكثرة.

هكذا، يرى بيير زيما أن ما يميز الأدب هو عدم إمكانية ترجمة كتابته المتعددة الدلالية في لغة مفهومية (فلسفية أو علمية)، وفي ذلك تكمن أهميته السوسيونقدية ولا تماهيه مع الخطاب الإيديولوجي.

وبذلك، ترفض الكتابة الأدبية المتعددة المنطلق والدلالة كل اختزال وتبسيط، وتبين –كما يقول بارت- أن "تأويل نص ليس هو إعطاءه معنى (أكثر أو أقل بناء، أكثر أو أقل حرية)، إنه، على العكس، تقدير من أي تعدد هو مكون".

 

المراجع:

  1 – Edgar Morin, Science avec conscience, Editions du seuil, 1990.

  2 – يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية، سلسلة عالم المعرفة، عدد 26، دجنبر 2000.

  3 – Roland Barthes, S/Z, Editions du seuil, 1970.

  4 – رولان بارت، درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، البيضاء، ط1، 1986.

  5 – Pierre Zima, L’ambivalence romanesque, Proust, Kafka, Musil Sycomore, 1980.

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans فضاء النقد
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية