Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
9 mai 2011 1 09 /05 /mai /2011 00:57

المجلة الثقافية الجزائرية تحاور القاص والروائي سمير الفيل

 http://thakafamag.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1847:2011-05-05-02-27-

34&catid=2:2010-05-31-17-34-19&Itemid=20 0

 أيحدث أن نجري حوارا ما مع كاتب شاعرو قاص أو روائي، ولا نعرف كيف سيكون شكل الحوار النهائي، مثلما يحدث عندما نقرأ الحوار بعد تجهيزه للنشر، فنصاب بتلك الدهشة الجميلة التي تجعلنا نقرأ الأجوبة بإحساس من المتعة، فنزداد اقترابا من الكاتب، ومن عوالمه، كلما قال أكثر كلما بدا أقرب إلينا، أكثر مما يتصور، وأننا كنا هناك، في تلك الزاوية لحظة حزنه، مثلما كنا هناك، لحظة كانت الفرحة تصنع يومه، بلون ما، لا يقبل الكآبة.. ولعله الشعور الذي انتابني وأنا أجهز هذا الحوار للنشر، مع الأديب القاص والروائي المصري سمير الفيل، الذي فتح لنا قلبه بصدق الإنسان الجميل، ووعي الكاتب الذي يعي أنه في الأول والأخير جزء من قارئ تربطه معه علاقة لن تنتهي. فقط أريد أن أهمس للأستاذ سمير أن الستين هي أجمل الأعمار، وأنه كلما جلس على كرسي يتأمل سنواته، سوف يكتشف أنها كانت تكفي ليكون كاتبا يستحق تقديرنا جميعا.. المجلة الثقافية: لو طلبت منك أن تقدم لنا سمير الفيل، ماذا تقول عنه؟ سمير الفيل: بكل بساطة هو كاتب، ينتمي للشرائح الشعبية في مصر، ويصطف بجانبهم عند الشدائد ووقت الملمات. وجد في الكتابة خلاصا من عثرات كثيرة في حياته، فهي تمنحه الكثير من السلوى، ومن خلالها يمكنه أن يفهم الحياة بكل تشابكاتها الملغزة. يعتقد أن الكون له حكمة، استخلصها مبكرا حين نزل للشغل في الخامسة من عمره، وهي: أن الحياة هبة ربانية، علينا أن نعيشها بفرح إنساني، وبكثير من الإشراق. واجب الإنسان أن يجمل الكون وأن يتناغم مع عناصره لأن ذلك هو السبيل الوحيد للارتقاء بالروح، وتخليصها من الشوائب. المجلة الثقافية: لعل ما لفت انتباهي وأنا أطلع على تاريخك الأدبي هو أنك انطلقت إلى العالم الأدبي شاعرا، قبل أن تتحول إلى القصة القصيرة ومن ثم إلى الرواية.. كيف حدث هذا التحوّل في حياتك؟ سمير الفيل: كانت لي خربشات طفولية مع صديقي الشاعر محمد علوش حين كنا في الصف الرابع الابتدائي، وقتها ذهبنا لمطبعة " نصار "، وطلبنا نشر قصائدنا، فخرج الرجل الطيب من وراء مكتبه وطيب خاطرنا، ونصحنا بالعودة عندما نكبر ونطول " البنك". بدأت شاعرا فور مقابلتي للعم محمد النبوي سلامة شيخ أدباء دمياط الذي قدمني للجمهور في مقهى شعبي، اسمه "مقهى دعدور". كانت مصر خارجة من هزيمة سنة 1967، لذلك أنشدت قصيدتي بوجع حقيقي خاصة أن زجاج المقهى كان مطلي باللون الأسود حسب تعليمات الدفاع المدني حتى لا تمنح طائرات إسرائيل الرؤية الكاملة للبلدة الساحلية. بعدها بأسابيع قليلة التقيت بالشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي الذي قدمني لكتيبة مقاتلة كانت تعسكر في جرن قمح بقرية "كفر البطيخ"، وأنشدت قصيدة " المطبعة ". كان عمري وقتها 18 سنة. هكذا وجدتني شاعرا في مقتبل العمر والنص يولد في تلك الأجواء الحماسية التي كانت تطالب بالحرب، والمقاومة. وأذكر أن هذه الفترة شهدت حرب الاستنزاف، وقد سمعت بنفسي إبراهيم رجب ملحن أغنية " يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي.. أستشهد تحتك وتعيشي أنت" وكان يدندن بعوده في نفس الندوة. حين حدثت معركة أكتوبر 1973 كتبت نصا قصصيا اعتمدت فيه على فقرات من برديات فرعونية ترجمها العلامة سليم حسن وكان عنوان القصة " في البدء كانت طيبة "، حدث أن حصدت هذه القصة الجائزة الأولى وتم تكريمي في نادي الضباط بالزمالك، بعدها بعام واحد كتبت قصة " كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟" والقصة تؤكد على أن النصر الذي تحقق بالسلاح في أكتوبر قد تم سلبه على يد دعاة الانفتاح الاقتصادي، وحصدت القصة على نفس المركز، ولقد اعتمدني الوسط الأدبي قاصا يتعامل مع فكرة الحرب من منظور اجتماعي، ولكن الشيء الغريب أن أغلب الأصدقاء استناموا للتصنيف الجاهز كوني بدأت شاعرا. بعدها بسنوات قلائل كتبت روايتي الأولى "رجال وشظايا " عن فكرة الحرب معتمدا على رواية الأصدقاء المقاتلين وأقربهم لي الشاعر مصطفى العايدي الذي كان من الأنساق الأولى للعبور، وحازت الرواية التي كتبت سنة 1985 شهرة واسعة. كانت تحكي قصة طاقم هاون اشترك في الحرب، والشخصيات واقعية وزاملتها خلال مدة الخدمة العسكرية في الفترة من سنة 1974 حتى سنة 1976. أعتقد أن تلك الفترة صقلتني وجعلتني قادرا على رؤية المشهد الحربي من داخله. لم تعد تجذبني أصوات القذائف وارتطامات القنابل بأرض المعركة بل أن خطتي كانت تعتمد على التسلل لمدن وقرى المحاربين ومعرفتها والتساؤل عن معنى الشهادة في لحظة حاسمة، يجد الشخص فيها مهيئا للصعود من أجل هدف أسمى أو فكرة طوباوية لكن هذا لا يمنع من تحسس ما قد يستشعره المقاتل حين تنفض الحرب، ويعود لحقله أو مصنعه فيكتوي بنار الفقروالاغتراب، وقد تذهب روحه في حادث عبثي عندما يتسلل بعيدا عن مقاعد القطار ليتسلق سطحه ـ حيث لا يمتلك ثمن التذكرة ـ فيلقى مصرعه كما في قصة " النحيب". هذه الالتفاتة من رحاب الشعر القائم على التخيل إلى منطقة واقعية صرفة غيرت قناعاتي، فقد تمكنت بصعوبة وبعد نشر خمس دواوين شعرية أن أصل لقناعات جمالية تخص تجربتي السردية، وقد عالجها نقاد متخصصون، ورأوا أن عجينة السرد كانت أكثر حرارة من طبقات الشعر رغم أنني كنت قد حققت نجاحا معقولا بمصاحبتي لسيد حجاب وصلاح جاهين ومحمد كشيك ومحمد بغدادي في أمسيات معرض القاهرة للكتاب. الآن طردني الشعراء من جنتهم، ووجدتني في جحيم السرد أقف مع نظرة ارتياب غير معلنة علي أن أسقطها من حسابي عبر نصوصي السردية. المجلة الثقافية: مع ذلك ليس من السهل أن يتحول الشاعر إلى قاص دون أن "يخون" (أحيانا) تجربة من تجاربه ليبرز بأخرى.. هل تشعر أن القصة منحتك ما لم تمنحك إياه القصيدة، أم أن المسألة تدخل ضمن وعي الكتابة في تلك المرحلة؟ سمير الفيل: سأحدثكم عن تجربة مررت بها، ربما لها دلالاتها، فحين عقد مؤتمر أدباء مصر الأول في محافظة المنيا سنة 1984، تم اختياري للمشاركة في الندوة الرئيسية، ومن ضمن ديوان " الخيول " ألقيت قصيدة " النول "، ولاحظ صديق من مدينتي أن الراحل الدكتور سمير سرحان يهمس في أذن صديق يجاوره في الجلسة، بما معناه أن النص قصة قصيرة مكتملة الأركان. هذا حدث وبصورة عملية حينما حول الكاتب المسرحي الديوان كله إلى عرض مسرحي بعنوان "غنوة للكاكي" من إخراج شوقي بكر وألحان توفيق فودة، لقد وجد الشربيني خيطا سرديا يمسك بأطراف القصائد وينضدها في عقد درامي متماسك. حققت المسرحية مشاهدة كثيفة وفازت بجائزة الألحان، حوالي سنة 1990. هذا الشيء لم أتبينه بوضوح إلا بعد أن دخلت شبكة الأنترنت، وحدث أن ماتت ابنة خالتي، فمشيت في الجنازة، وعدت متأثرا، لا أخاطب أحدا، لقد أغلقت على نفسي الباب وفي دقائق وجدتني أنهي نصا شجيا هو "مشيرة"، ما أن نشرته حتى وجدت ردود أفعال مشجعة للغاية، وخاطبني الأصدقاء كأستاذ للسرد بينما كانت هذه هي بداية الانتباه الحقيقي لوجود سارد ماهر يسكن الشاعر، وهو ما أتبعته بنصوص أخرى اشتهرت بعد ذلك مثل "نرجس" و" تمرحنة " و"مجرد تغيير" و" ألحان علي"، و"المأمورية "، وغيرها. لم تعد تزورني إذن تلك الرجفات التي تسبق كتابة النص الشعري، ومنذ وعيت أهمية أن يكتب الأديب عما يعرف بدأت تجوالي في محطات القطار والشوارع والحدائق والمستشفيات والمصحات والأسواق، بحثا عن مشهد أو لقطة أو لمحة أو رائحة لينطلق تيار السرد وأجدني في المعمعة أكتشف طريقي بسهولة وأضبط إيقاع السرد مرة بخبرتي ومرة بحدسي. لحظة الكتابة عندي ممتعة، واللحظة التي أشعر فيها أنني أفكر فيما أكتب أتوقف وأحصل على قسط من الراحة، وعندما أكتب فقرة تعجبني أنزل الشارع وابتاع قطعة شيكولاتة" أيكا" مكافأة لي على حسن صنيعي، فتضحك زوجتي في كمها حين تراني، وتعرف أن "ربنا فرجها عليّ" . المجلة الثقافية: وهل دخولك إلى عالم الرواية فيما بعد كان مرتبطا بوعي الكتابة الروائية وما شكلته وتشكله في وجدان القارئ في العشرين سنة الأخيرة على الأقل؟ سمير الفيل: لم أقصد كتابة رواية، لقد كنت بحاجة إلى تثبيت لحظة الحرب خاصة أنني زاملت محاربين حقيقيين في الكتيبة 16 مشاة، وجلست إليهم في نوبات الراحة في المنطقة المطلة على قناة السويس، فحكوا لي أسرارهم. دونتها في وريقات صغيرة، وبعد خروجي من الخدمة وجدت أنه من اللائق أن أكتب عنهم بأسمائهم، وأن أتعرف على الحرب التي لم أخضها عبر حكاياتهم، فكانت روايتي "رجال وشظايا "، بعدها بسنوات عديدة كتبت روايتي الثالثة "وميض تلك الجبهة " وكنت قد استفدت من خبرتي فتعقدت التكنيك، وبين الروايتين كانت "ظل الحجرة" وهي مرثية جيل حارب وهزمته رياح الانفتاح والصلح مع الأعداء، فانكسر قلب الشاب عبد العزيز. المجلة الثقافية: دعني أسألك عن ماهية الكتابة لدى سمير الفيل..؟ سمير الفيل: سؤال صعب. لا أعرف الإجابة عنه. في بعض الأحيان اعتبرها محاولة لفك شفرة العالم بغرض أن يصبح من المناسب الحياة فيها، وفي أحيان أخرى أجد الكتابة خلاصا من مكابدات عشتها؛ فأصبح لزاما علي أن أنطلق وأتحرر بفعل الكتابة التي تشبه إلى حد كبير فعل الخلق. ربما صادفتني أحزان ما، فأدخل معترك الكتابة كي تنقذني من الاكتئاب. في كل الأحوال هناك نداء خفي يدفعني دائما للإمساك بالقلم والتعبير عن حالة ما، قلاقل روحية، ترديدات، همسات خفية، ومع الوقت أعثر على شيء من ذاتي في النص. لذلك أستغرب من أصدقائي الكتاب حين يتحدثون عن تمزيق أوراقهم لنصوص لم تعجبهم. لو أنني شعرت أن نصا ما ضعيفا أو ركيكا فما علي إلا أن أدفنه وسط كتاب بعيد عن يدي، وأتناسى الأمر تماما. كم من مرة عثرت على "خبيئة أدبية " كنت قد نسيتها وربما أجد فيها شيئا ملفتا فأنشرها مع بعض الترميمات البسيطة. المجلة الثقافية: لعلي أقصد بشكل خاص أن تكون كاتبا عربيا في ظروف يعيش فيها الكاتب أبشع أنواع التهميش والإقصاء مثلا، على الرغم من خصوصيته ومن عطاءاته، يظل "إنسانا بائسا" في نظر النظم الشمولية.. سمير الفيل: لا أظن أن هذا الإحساس طاردني، فعندي إحساس يقوى مع الزمن، رويدا رويدا أن الكاتب نبي، أو ملهم، أو كائن فذ، خارج نطاق السيطرة. بالرغم من كل ألوان الإحباطات والهزائم والانكسارات التي طالت وطني، ومعها انهارت نظم التعليم والاقتصاد والفنون بفعل رأس المال الشرس ومافيا السماسرة إلا أنني ظللت فرحا بالحياة، مستبشرا بالنسغ الحي للناس الفقراء في سعيهم لجلب لقمة العيش. إن هؤلاء الناس الذين أعرفهم عن قرب، يعيشون يومهم بالكاد، ويتعبون تعبا لا مثيل له، لكنهم يصرون على البهجة والخروج للتنزه في الأعياد، وحتى في زياراتهم للمقابر يأخذون معهم سعف النخيل الأخضر كي يرطب الظل رؤوس الموتى من عشرات السنين. هذه الروح أعتقد أنها تسللت إلى نصوصي، فلم أعرف معنى الابتئاس، لكنه الحزن كان يسكنني فأفتح الراديو وأسمع صوت نجاة الصغيرة أو ناظم الغزالي أو نور الهدى أو نازك؛ فيطرب قلبي، وأدرك أن الحياة جديرة بالبقاء، ومن ثم الكفاح اليومي، خاصة أنني عشت طوال عمري في دمياط على بعد 200 كيلومترا عن العاصمة، وملاصقا لشريط ساحلي يطل على المتوسط أقصى الشمال . المجلة الثقافية: وهل تشعر أن الكاتب العربي أدى الدور الذي يفترض أن يؤديه إزاء وطنه وقضاياه وإنسانيته أيضا، في غياب الحرية، والرغيف، والكرامة، وأسباب البهجة؟ سمير الفيل: لا يمكنني الحكم على الآخرين. لكنني أتأمل بكثير من العرفان تجارب أساتذة وأصدقاء لي، فأجد بعضهم قد نجح في أن تكون كتاباته متوازية مع سلوكه الشخصي في دعم قضايا العدل والخير والجمال، بدءا من يوسف إدريس ومرورا ببهاء طاهر وصنع الله ابراهيم وليس انتهاء بمحمد المخزنجي وجيل الفيس بوك المتمرد بطبعه على كل تقنيات مغلقة. لقد صار الكاتب العربي واقعا بين سندان الأنظمة القامعة بكل ديكتاتوريتها وبين مطرقة المجتمع الذي يرفض أي خروج على النمط. كل كتابة ناصعة فيها خروج بشكل أو بآخر، والكاتب ليس مطالبا بلعب دور السياسي أو الحزبي لكن لابد له أن يحدد موقفه بوضح عبر كتاباته مع أي المعسكرين هو : الناس أم السلطة ؟ إنني أنظر بإجلال لكتاب كانوا دائما في حالة صدام مع الناجز والمستقر مثلما نجد في أعمال عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وسعدالله ونوس، وهذا لا يمنعني من محبة كتاب لم يعرف عنهم الصدام مع السلطة مثل الطيب صالح ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم. الضابط هنا هو النص ولا شيء غيره. المجلة الثقافية: هذا يقودني إلى سؤالك عن الثورات الشعبية العربية الراهنة، لماذا صنع المواطن البسيط ثورته الشعبية في ميادين التحرير العربية، أكثر مما صنعها المثقف أو النخب الثقافية في الدول العربية؟ سمير الفيل: حين هبت ثورة 25 يناير في مصر، شاركت فيها بمقدار ما لدي من صحة وجهد، وحين كللت بالنجاح ليلة التنحي 11 فبراير 2011 رفعت السماعة واتصلت بصديق عزيز عليّ. قلت له: لقد نجح الشباب فيما فشلنا فيه، وحققوا الشيء الذي لم نتمكن من صنعه؟ فجاءت إجابته العفوية، التي أقنعتني: لكن كتابتنا ساهمت في نشر روح الغضب والرفض والتمرد. قلت لنفسي: هذا صحيح. فكل نص جميل وأصيل ساهم بدون شك في تحفيز الوعي الجمعي، وهو ما اقتنعت به تماما. ربما أضيف شيئا آخر استنتجته عبر تأملي للمسألة، هو أن المثقف العربي بحكم مرجعيته التاريخية يبدو مترددا وغير قادر على الحسم لأنه " يحسبها " كثيرا، في حين أن المواطن العادي يقدم على ما يعتقد أنه صواب، بلا تردد. ولا يمكن أن ننسى ما ساهمت فيه الأنظمة العربية من تدجين بعض المثقفين بالسفريات والجوائز والمنح والهدايا، وأحيانا بالقهر والشرطي الذي يحمل عصاه الكهربية. المجلة الثقافية: مع هذا يقال أن المثقف لم يكن حاضرا وقت الثورة، جاء فيما بعد، انبهر، كتب وأيد، ولكنه لم يكن جزءا منها أثناء حراكها، ألا يعكس هذا تراجعا خطيرا لدور المثقف في الحراك الشعبي الراهن عربيا؟ سمير الفيل: هذا ليس صحيحا، ففي التجربة المصرية التي عشتها وجدت الشارع المصري يموج بأطياف سياسية تضم في تيارها المثقف. لكن دعنا نتأمل وضعية المثقف ككائن يقرأ كثيرا، ويرتاد ندوات داخل غرف مغلقة، ويزن عباراته قبل التفوه بها، ناهيك عن الرقيب الداخلي الذي تربى داخل كل كاتب على مدار السنوات. هذا المثقف مسكين، وطلوعه في المظاهرات بالفعل لم يكن في الصدارة بل على الهامش أو بالمؤخرة. ذلك أن السياسي أو الحزبي تمرس في مواقف مواجهة مماثلة عكس المثقف الذي يقرأ عن شنق سيد قطب وسجن جمال الغيطاني ونفي إسماعيل المهداوي وجنون نجيب سرور وانتحار أحمد عبيدة وأروى صالح. ان المتن الأدبي مخترق منذ سنوات طويلة مع التغيير النسبي في شكل هذا الاختراق، لذلك كان خروج المثقف حذرا، يشبه الشخص الذي حبسته دهورا في الظلمات ثم أخرجته ليواجه النور. أنا شخصيا كنت أغبط من يتصدر المظاهرة ويخترق صوته الصمت، فأردد مع المجموع ما يقال. لكن حين يضمني مقهى مع هؤلاء الشباب كنت أشعر بنوع من التكافؤ. هذا لا يمنعني من تقديم الشكر من قلبي لهذا الجيل العظيم الذي انتشلنا من قبضة الإحباط واليأس والخنوع. فمنهم تلامذتي وأبنائي. المجلة الثقافية: سأنتقل إليك: وأنا أطالع قصصك القصيرة، شدني كثيرا ثيمة المكان داخل النص السردي الذي تكتبه، هل لأن المكان مرتبط بمخيلة الكاتب أكثر من ارتباطه بالزمان؟ سمير الفيل: آه. أنت لماح. لقد عالجت الدكتورة وجدان الصائغ وهي ناقدة عراقية مجيدة ثيمة المكان في روايتي "ظل الحجرة"، وانتبه إليها الناقد المصري إبراهيم جادالله، وتكاد الدكتورة الناقدة السورية شهلا العجيلي أن تكون من أكثر النقاد الذين اهتموا بالمكان في مجموعتي "صندل أحمر"، كذلك فعل إبراهيم حمزة في " هوا بحري". يبدو أن مزاج الكاتب يفرض عليه معالجاته الفنية، فأنا شخص دائم الحنين للأمكنة التي عشت فيها، وكثيرا ما أعود لطفولتي لالتقط شخصياتي من أماكن أعرفها بل أن شخصيات مجموعتي القصصية "شمال .. يمين" تحمل نفس البصمة فالوقائع يتم تسجيلها في مواقع قتالية في منطقة سرابيوم والدفراسوار. أنا أكثر التفاتا للمكان لأنه بتقديري يساهم في رسم ملامح الشخصيات ويطبع بالتالي ردود أفعالهم تجاه الأحداث. كما أنني أخشى الموت، منذ خطف أبي وعمري عامان، فالموت يكمن في الزمان الذي يخترق كل شيء ثابت أما المكان فيبعث في نفسي المتألمة بعض الطمأنينة والسكن. المجلة الثقافية: يقول الروائي الفرنسي"فرانسوا بيجو" أنه عندما يتكلم عن البيئة لا يقصد المكان، وعندما يتكلم عن المكان لا يقصد البيئة.. كيف يختزل سمير الفيل هذه الإشكالية داخل نصه الأدبي بحيث تبدو لنا البيئة جزءا لا يتجزأ من المكان، والعكس صحيح؟ سمير الفيل: لم أفكر في هذه الإشكالية، لكن لأعطيكم لمحة عن طريقة تشكيل النص القصصي عندي. لا توجد خطة مكتملة. يكفيني فقط إحساس قوي بالفقد أو الحزن أو الحيرة، ثم أتخيل شخص ما، هو بطلي، وأضعه في مكان لابد أن أكون قد عرفته تماما بسماته وأبعاده وظلاله ومساراته، ثم ينمو الحدث وفي ذهني تصور كامل لحركة الشخصية في هذا المكان الذي أعرفه. مرة كان يزورني الشاعر السعودي أحمد السيد عطيف، ومررنا بشارع التجاري بمدينة دمياط، توقفت أمام محل للأحذية، وقلت له وكأنني أكشف عن أسراري. هنا دارت أحداث قصص "صندل أحمر"، وكان هذا صحيحا. مع المكان تتشكل ملامح البيئة، وغبرة الأشياء، ورائحة الأقبية، وملمس الشبابيك، وارتفاع الأبواب، ولون الجدران: كابية أو مشرقة. أنا ابن مدينة حرفية، وفي الصنعة شيء من الإتقان والمهارة وإحكام الشكل، أعتقد أنني قد استفدت من ذلك في نصوصي السردية. قيل لي أن أبي كان يعمل صانعا للأحذية في "شارع البدري". ذهبت هناك متأملا المحل. وجدت المقاعد والبنك الذي كان يعمل عليه وفاترينة العرض، لكن الشخص اختفى. المكان له الخلود أما الزمان فهو مراوغ، مخادع، خاطف للأرواح. المجلة الثقافية: هنالك أيضا التفاصيل الصغيرة التي يخيّل إلي أنك تكتبها بطريقتك الخاصة.. هل تشعر أنك معني بالتفاصيل داخل النص الأدبي؟ سمير الفيل: قال نقاد كثيرون مسألة الاهتمام بالتفصيلات، ويبدو لي أن هذه عادة تنمى مع الوقت. سأحكي لك حكاية صغيرة. في طفولتي كنت أعمل وتقلبت في عدة مهن كصبي ورشة موبليات، وكصنايعي أحذية، وكبائع خردوات، وهكذا. كنت أنتهز كل يوم جمعة وهو يوم الراحة الأسبوعية، كي استل كراسة صغيرة، وأندس بين لوحين من الصلب صنعا لي ملجأ صغيرا لا يعرفه غيري. ماذا تراني أفعل؟ أدون ما أراه أمامي، فأكتب مثلا: بنت صغيرة بفستان أحمر ووردة حمراء، وتنتعل صندلا بنيا، تضحك. ثم أترك سطر وأكتب: عصفور أبوفصادة، هزيل، له عينان كالخرز، حط الآن على شاطئ النيل إنه جوعان، يبكي ولا أرى دموعه. بعدها بسطر أكتب: فلاح حافي القدين يعرج، ويضرب زوجته بقبضة يده، ويقول لها بصوت عال: روحي منك لله. وجدت الكراسة حين صرت مشروع كاتب، واعتبرت أن هذه التفصيلات تدخل فيما لا يعنيني على المستوى الحياتي لكنه كنز للكاتب. الحياة تنبثق من هذه التفاصيل. إن يد رقيقة تمتد لتمسح شعر فتاة غاضبة أفضل من مقال كامل عن ضرورة الحب، وهكذا. هذا حدث معي صدفة ويبدو أنه راق لكثيرين، قرأوا أعمالي. المجلة الثقافية: هذا يقودني إلى سؤالك عن: كيف تكتب؟ هل لك طقوسك الخاصة قبل وبعد الكتابة مثلا؟ سمير الفيل: بص ياسيدي. لا توجد أي طقوس غير أن أتهيأ للكتابة، فأصنع كوب شاي وأحمله ساخنا والبخار يتصاعد منه، لأشعر أنني في حضرة الكتابة. ممنوع مرور طفل أو سيدة أو حتى قط بالقرب مني فذلك يشتت انتباهي ويخرجني عن تركيزي. الورق يكون مسطر ولا أعرف كيف أكتب على ورقة بيضاء بلا سطور، هنا قد تنحرف الشخصيات أو تسقط مني؟! أفضل أن أكتب وحيدا، ولا يوجد شخص واحد "زعلان مني"، والعكس صحيح. الكتابة معناها أنك مقدم على شيء جليل، مقدس، نوراني. لذلك فأغلب قصصي الأخيرة فاشلة لأن الموبايل اللعين، يقتحم خصوصيتي بثرثرة بلهاء. أفضل الكتابة في الليل حيث لا طارق ولا طلب تغيير أنبوبة بوتجاز، ولا محصل كهرباء يقتحم الشقة. السكون منحة ربانية مثله مثل الزوجة الوفية التي تجيد الطبخ أكثر من كونها تستطيع تسريح شعرها. أكتب وأنا مستريح ماديا نوعا ما، فقط يكون معي عشرة جنيهات أو مضاعفاتها، فهذا يقوي قلبي فأكتب بقوة وعنفوان. أستغرب أن يكتب إنسان ما وهو مهدد بالجوع أو العطش. في طفولتي اكتشفت طريقة للحصول على المال ودخول السينما، كنت اجمع في جوال قطع الزجاج و"كل ملوة بقرش"، عن طريق هذه الحيلة رأيت جريتا جاربو وبرت لانكستر وشين كونري، كما رأيت فريد شوقي ومحمود المليجي وفاتن حمامة. كانت طفولتي فقيرة لكنها لطيفة، ومبهجة. يكفي أن أقوم من النوم لأفتح الشباك فأجد عصفورا يشقشق فتغمر السعادة قلبي، وأنزل إلى المدرسة أو إلى الورشة شديد الابتهاج. المجلة الثقافية: طيب، حدثنا ولو بشكل مختصر عن الحراك الثقافي في مصر في ظل التغيير القائم حاليا؟ سمير الفيل: بعد ثورة 25 يناير تغيرت مصر كثيرا. سقط هذا الوهم بأننا أمة ميتة، وشق الشباب طريقهم نحو الشهادة أو النصر، وحدثت تغيرات سريعة لا يمكن للقلم ملاحقتها. كتبت مقالات عن تجربة الثورة كتقارير للنشر في مجلات أدبية متخصصة لكنني لم أكتب نصا واحدا عن الثورة. باستثناء عودتي للشعر فكتبت قصيدة بعد نجاح ثورة تونس وقصيدة أخرى خلال مظاهرات مصر قبل التنحي. هناك جيل عظيم، أعتقد أنه يحافظ على الكتابة الراقية بكل تفرعاتها، وهناك موسيقى، ومعارض فن تشكيلي وسينما ناهضة، لكن المشروع الثقافي الضخم لم يتشكل بعد. مصر كدولة مركزية متماسكة تعيش حاليا في حالة سيولة، وفوضي بعد جريمة الانفلات الأمني. هناك تعثر اقتصادي لوجود شراذم الحزب الوطني وغلاة السلفيين. بصراحة أخشى اختطاف الثورة، وأن يؤول الحكم لعناصر متشددة. أتمنى أن يحدث نوع من الوعي بحيث تصطف كل القوى المتنافسة لإرساء معنى الدولة المدنية ، وإرساء قواعد الديمقراطية بعد سنوات طويلة من التغييب والتزوير ومحو الإرادة. بطبيعتي سأعود للتفاؤل فأقول أنه مهما كانت المخاطر والأخطاء فهذا أفضل من الموت جمودا وتباعية بدعوى الاستقرار. لم تتشكل حالة ثقافية مختلفة، وحتى في انتخابات اتحاد الكتاب يوم 29/4 أسفرت النتيجة على تجديد 45% فقط. لكن فيما يبدو فالجميع قد استوعب الدرس، ولن تقوم في مصر سلطة قامعة، تابعة للاستعمار أ موالية للعدو التاريخي إسرائيل. المجلة الثقافية: سأسألك كيف يقرأ سمير الفيل زملائه الأدباء في مصر من جيله ومن الجيل الجديد، من الجنسين؟ سمير الفيل: بحكم السن قلت قراءاتي، لكنني مدين لجيل من الرواد تتلمذت على أيديهم وربما بدت بعض الأسماء غير معروفة بشكل كبير، فهناك صبري موسى، وعبدالحكيم قاسم، وعبد الفتاح الجمل، وجمال الغيطاني، وإبراهيم عبدالمجيد، وتعجبني تجارب محمد المخزنجي، ومنتصر القفاش ونجوى شعبان ومحسن يونس، ثم الجيل الجديد الذي يتمرد على كل القوالب السابقة ويجترح أفقا جماليا غير مسبوق. من حقهم أن يجربوا. من واجبهم أن يثوروا على الأشكال التقليدية. المجلة الثقافية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟ سمير الفيل: في بداياتي قرأت من الأدب الجزائري لكاتب ياسين ومالك حداد، ومحمد ديب وهؤلاء كتاب كبار جدا تعلمنا على أيديهم. ثم تعرفنا على الجيل التالي وفي مقدمتهم الطاهر وطار، ومرزاق بقطاش، وواسيني الأعرج ، وقد التقيت بهذا الكاتب الرائع في دمشق مرة وفي القاهرة مرات، كما التقيت في الرقة بالكاتبة آسيا موساي . قرأت لكتاب آخرين منهم: أحلام مستغانمي، وحميد عبدالقادر، وسهيلة بورزق، التي أرسلت لي مجموعاتها من مقر إقامتها في أمريكا، وهناك يوسف بوذن، ونصوصه لها حس شاعري أخاذ، وهناك أسماء أخرى تعرفنا عليها في موقع القصة العربية، منها: ياسمينة صالح، بوفاتح سبقاق، عز الدين جلاوجي، عبدالرازق بادي، سهيلة عزوني، قادري عبدالخالق، شرف الدين شكري، السعيد موفقي، جميلة طلباوي، وغيرهم، كما تغيب عن ذهني الآن أسماء أخرى . ما يلفت البال في تجربة الأدب الجزائري هو وجود تيار الكتابة بالفرنسية ووجود التيار الكتابة بالعربية وكلاهما يحمل قدرا كبيرا من الإجادة. المجلة الثقافية: ماذا تقرأ الآن؟ سمير الفيل: أقرا رواية "ملكة الصمت" لماري نيميه، وهي روائية فرنسية، ورواية "القلعة البيضاء "لأورهان باموق، الكاتب التركي الشهير، وكلاهما عن سلسلة "الجوائز" التي تصدر بإشراف الدكتورة سهير المصادفة عن الهيئة المصرية للكتاب. وقد قطعت شوطا في قراءة كتاب "الله والوجود والإنسان" لعماد الدين الجبوري، وهو منشور في بيروت سنة 1986. الكتاب له ملمح فلسفي يفيدني في تقليب أفكاري حول الوجود. وأعيد قراءة مجموعة عاشرة لي تحت النشر بعنوان "منامات الدمام"، لا أجد ناشرا لها. أقرأها كأنني شخص غريب حتى يمكنني أن أراها من مسافة بعيدة فتقع عيني على الأخطاء! المجلة الثقافية: ماذا تكتب؟ سمير الفيل: حاليا ومنذ الثورة لا أكتب شيئا. أعتبر كل كتابة نوع من الأثم الفني. وحتى قصة "أن تعذب الكلب" كتبت نصفها ثم تعثرت في كتابتها فور نشوب الثورة. هناك أشياء في الوجود تجعلك تقف حائرا منها الحرب، والحب، والثورات. المجلة الثقافية: كلمة ترغب في قولها عبر مجلتنا؟ سمير الفيل: جاءت ردودي بلا ترتيب وفي ظل إرهاق جسمي شديد، فقد بلغت الستين يوم 16يناير 2011، وأترقب موتي الوشيك فقد مات أبي في نصف عمري. وأهيئ نفسي لألحق به كي أبتهج بوجوده في الأعالي. ربما أنتهز فرصة إجراء تلك المقابلة كي أشكر الأصدقاء في منتدى القصة العربية ـ وفي مقدمتهم القاص جبير المليحان ـ الذين نشروا شهاداتهم حول تجربتي البسيطة، وقد جمعها الصديق الناقد إبراهيم حمزة تحت عنوان "أنشودة نورس وحيد"، وصدرت منذ أيام عن دار سندباد بالقاهرة .

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans حوار العدد
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية