Samedi 21 mai 6 21 /05 /Mai 09:19
- Par مجلة دفاتر الاختلاف الالكت

الشعر المغربي الحديث وبؤس النقد

مسلك ميمون (*)

 

لم يعرف من فنون القول، أو من الفنون الجميلة الأخرى، فن ازدهر، وانتعش في غياب النقد. لقد كان النقد عصب الحياة والاستمرار، لكل حركة إبداعية. بل كان دعامة النمو المطرد، وسند الابتكار المنفرد، عبر مختلف العصور. لما له من معايير موضوعية ومقومات واقعية فيما يخص التفسير والتقويم، والتحليل والتوجيه السليم …وتلك عملية خطيرة ينبغي أن يأتيها النقد بكل جرأة وفاعلية بناء على الحيدة المطلقة، واستصدار الآراء وفق المعايير الأدبية الخالصة.

ولربما يقال : وماذا عن الشعر المغربي الحديث، ألا يشكل استثناء؟

فأقول إن حالة الاستثناء هذه، لا تكون –قطعا- في مجال الإبداع. لأن عملية الإبداع لا تكون من فراغ. ولم تكن في يوم ما وليدة ارتجال أو مصادفة. بل هي –دائما- نتيجة مخاض أولي ناتج عن عملية : التأثير والاستجابة، والرغبة والاستزادة، والدراسة والاستفادة…ومن ثم كانت أهمية النقد حاسمة وأساسية لإضاءة كل عتمة ممكنة، وجلاء وإظهار كل خفية غامضة. فالنقد لا يعدو أن يكون إبداعا آخر في نسقية عقلانية فنية. محققا معادلة صعبة، لا يفيها حقها إلا امرؤ منطيق، حباه الله سلطة العقل، وفضيلة العلم، وموهبة الأدب والفن.

وبذلك لم يكن الشعر المغربي الحديث استثناء. فلقد بدأ متأثرا بالشعر العربي في المشرق. فنهل منه إلى حد الثمالة، فاقتفى خطاه، منتهجا طرائق إيجابياته وسلبياته. فلم يظهر في سلم الإبداع إلا من أحسن التقليد، وأجاد التكرار والترديد، فالكل انسلَّ من عباءة السياب والبياتي ونازك الملائكة، وعبد الصبور وحجازي وأدونيس … فأصبح نتاج هؤلاء  الرواد هو المقياس والنموذج لكل كتابة شعرية خلال عقدي الستينات والسبعينيات، وقد يكون هذا أمرا بديهيا طبيعيا …غير أنه في غياب النقد، الذي ظل –ولوقت طويل- ينتظر-بتقاعس-  تراكم الإنتاج، ووضوح الرؤية، وبيان النوايا، ظهرت أعمال (شعرية ) متهافتة منزعجة ومزعجة، لا تمت للشعر بصلة، اللهم عبارة : (ديوان شعر) على الغلاف!!  وتسلق منبر الإلقاء (شعراء) وما هم بالشعراء! ! لا يملكون إلا نبرة الإلقاء تقليدا لدرويش أو أدونيس أو نزار(1) …فغرق الشعر والشاعر في المغرب في متعة التقليد ولذة الاجترار. فلم يتميز من ذلك إلا طائفة قليلة، استطاعت أن تقلد ولكن بذكاء واحتراس ونبوغ …لأنها عمَّقت دراستها في مجال الشعر والإبداع والنقد والتحليل. ولكن لا يمكن أبدا أن نجعل من هذا الاستثناء وسيلة تشفع للشعر المغربي رتابة مساره، وفتور عطائه، وانكفائه ونمطيته …لأن الرواد الذين تميزوا بعطائهم يعدون على رؤوس الأصابع فلقد مرَّ عقد الستينيات ولم يخلف لنا من الأسماء إلا أحمد المجاطي، ومحمد الخمار الكنوني ثم محمد السرغيني وعبد الكريم الطبال. (وفي اعتقادي أن جيل الرواد في المغرب واكب تحولات سياسية واجتماعية خطيرة واستطاع كل شاعر من هؤلاء بحسب قدرته وكفاءته وموهبته الخاصة أن يبلور هذه التحولات ويعكسها في شعره، لقد استطاع المجاطي إلى حد ما أن يعكس تجربة التطور التاريخي والاجتماعي والسياسي في المغرب بحساسية مفرطة، وبرهافة كبيرة، وبطبيعة الحال من موقع سياسي وفكري محدود، وكذلك فعل الخمار والسرغيني إلى حد ما.وإن كان السرغيني يسبح في صوفية وفي تجريد مغرق. على العكس، شعراء السبعينيات لم يستطيعوا أن يتعمَّقوا التجارب الاجتماعية بل إن محاولة رصدهم لهذه التجارب بقيت في مستوى الشعارات، والفرق كبير بين الشعر والتغني بالشعارات)(2). إنصافا للواقع الأدبي أقول : لم يكن كل شعراء السبعينيات شعراء شعارات، لقد حاول بعضهم التميز بشعره، بل منهم من انفرد باتجاه خاص (كجماعة وجدة)(3) أو( أصحاب الثقافة الجديدة)(4). ولكن هذا –أيضا- لا يعني أنْ ليس هناك، أنصاف الشعراء، والمتشاعرين وأتباع هؤلاء وأولئك. وذلك مرده لغياب النقد الموضوعي الفني، فما كان في فترة السبعينيات، لا يخرج عن إطار النقد الإيديولوجي أو الإخواني التعاطفي. وإن كان في جميع الأحوال يتمظهر بمصطلحات لمناهج علمية، ويستشهد بأقوال رواد في مجالاتهم العلمية والفكرية. ولكن هذا لا يغني عن الحق شيئا، إذ سرعان ما ينكشف النص النقدي عن فراغه المهول : فلا المصطلحات وظفت توظيفا علميا كما أريد لها أول مرة، ولا الأقوال تنطبق على النص الإبداعي، إذن ؛ فما المراد من نص نقدي بلا طعم ولا لون ؟

بل ليت شعري، ما ذا كان نقد الشعر يلتمس في جسم القصيدة ؟

هل كانت القصيدة الحديثة تعيش مأزق الكتابة ؟ أم مأزق التواصل ؟ أم مأزق النقد ؟

أسئلة وما أكثر الأسئلة التي بقيت معلَّقة منذ السبعينيات، وأحسبها ستبقى طويلا ما دام هناك نفور من الجواب، أو عدم القدرة على مواجهة العوارض والأسباب. إنه ليتضح بجلاء أن النقد المغربي الحديث خلق حبيس الأسئلة، وكأن الأمر إشكاليات وقضايا فلسفية، تتناسل من أسئلتها اللولبية. غير أن الأمر خلاف ذلك، إذ كان على النقد أن ينصب على النص الإبداعي، وأن تكون أسئلته من صميم إشكاليات النص ومعطياته.إن طرح الأسئلة القبْلية معناه الانطلاق من أفكار جاهزة لها وطأتها وتأثيرها، فقد يجيب عنها النص أو يستجيب لها، فيكون الثناء والاستحسان. وقد لا يجيب عنها أو لا يستجيب لها فيكون الاعتراض والاستهجان. وهذا ما لمسناه في كتاب د. محمد بنيس (ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب ) أول كتاب في نقد الشعر بطريقة منهجية علمية في المغرب. فهل بعض نقط نقصه جاءت نتيجة كونه أول محاولة في هذا الإطار ؟ أم ترى سوء توظيف المنهج البنيوي التكويني ؟ أعتقد أن كل هذا وارد في الكتاب بشكل أو بآخر.

فإن كنا مع توظيف مستجدات النظريات النقدية، والمناهج العلمية، أو محاولة تطبيقها والاستفادة منها …فإننا نعلم أن كل وافد دخيل على ثقافتنا وأدبنا وحضارتنا له خصوصيات قد لا تنطبق وما عندنا.كما أن المنهج الذي وضع خصيصا لعلم من العلوم، فمصطلحاته لا يجوز أن تصبح عُملة رائجة في كل الميادين دون مراعاة دلالاتها وأبعادها التي تحيط بأشياء وتغيب عنها أشياء.  كما أن اعتماد منهج ما، ينبغي أن يكون له نتائج موضوعية لا افتراضية، دون أن يهمل طرفا هاما من أطراف العملية الإبداعية.

إن اختيار محمد بنيس المنهج البنيوي التكويني كان من باب الإعجاب. ولا ضير في ذلك. ولكن الإعجاب لا يعني الممارسة النقدية. لقد وجد الناقد نفسه أمام الاختيار الصعب حين لم تسعفه الوسيلة. فإما أن يتخلى عن منهج ملك عليه تفكيره واهتمامه، وإما أن يتصرف بعناد فيحتطب من هنا وهناك تحت مظلة المنهج البنيوي التكويني مثلا :

لقد وظف مصطلح : البنية العميقة، وهو مصطلح من مصطلحات النحو التحويلي، لم يتقيد بنيس بدلالاته النحوية، فعرفه تعريفا خاصا به : ( ونقصد بالبنية السطحية مجمل المظاهر الخارجية للنص وتشمل اقتصاد النص من النواحي الزمانية والبصرية والنحوية، نظما وصرفا، والبلاغية أي ما يركب النص كلغة ذات خصوصية في المجال العام للغة ) ص 39،40.

وكذلك مصطلح : متتاليات النص، وهو مصطلح آخر أخذه بنيس من تشومسكي وتودوروف دون أن يتقيد بدلالته، بل عرفه هو أيضا تعريفا خاصا : (وما المتتالية عندنا إلا وحدة لغوية متجانسة نحويا ودلاليا، داخل النص الشعري، وقد تشمل بيتا أو مقطعا أو نصا بكامله ) ص 113 لهذا نلاحظ أن : البنية السطحية، والبنية العميقة، والمتتالية هي من مصطلحات المنهج البنيوي العام ولا تخص المنهج البنيوي التكويني الذي طبقه بنيس وذاك ما دفعه إلى البحث عن دلالات جديدة لهذه المصطلحات.

فإذا تجاوزنا المنهج وعدم التزام الناقد بخطواته وبعض مصطلحاته. فإننا نعجب من طريقة اختياره لنماذجه الشعرية إذ حدد شعراء البحث في أحد عشر شاعرا. كيف تمَّ ذلك ؟ هذا ما لا يجيب عنه البحث. بل إن البحث يغرق في الخطأ ويمعن فيه حين يجعل الشعراء الأحد عشر يشكلون وحدة متجانسة. (انظر الصفحات 25، 113، 198، 283، 339 )

وعموما فإن كتاب د.محمد بنيس محاولة لتطبيق المنهج ولكن بطريقة عكسية لا نوافقه عليها وهي إخضاع الشعر للمنهج، وكأني بالباحث يسعى جاهدا لخدمة المنهج لا الشعر، وذلك وجه من وجوه بؤس النقد. أما الوجه الآخر فيتمثل لي في إهمال دور الشاعر المبدع وكأن النصَّ كتب نفسه بنفسه، إلا فيما يمكِّنُ من اتخاذه معبرا ليس إلا.

وفي دراسة لنجيب العوفي (5) تحت عنوان: (مدخل إلى دراسة شعر الشباب) قسَّم شعراء المغرب كالتالي :

1- جيل الريادة التاريخية : الذي انطلق سنة 1948  عبد الكريم بن ثابت، محمد بن إبراهيم، عبد الرحمن الدكالي، علال الفاسي، عبد المالك البلغيثي، محمد القري، علال بن الهاشمي الفلالي، ومحمد الحلوي.

2-جيل الوسط : محمد الحبيب الفرقاني، مصطفى المعداوي، أحمد المجاطي، محمد علي الهواري، محمد الميموني، محمد السرغيني، عبد الكريم الطبال، محمد الخمار، أحمد صبري، أحمد الجوماري، حسن الطريبق.

3-جيل الشعراء الشباب او جيل السبعينيات : أحمد بنميمون، محمد بنيس، محمد بنطلحة، إدريس الملياني، محمد الشيخي، أحمد مفدي، عبد العلي الودغيري، المسكيني الصغير، محمد السولامي، حسن الغرفي، محمد الشعرة، أحمد بلبداوي، احمد الطريبق، (تلاهم) عبد الله راجع، الحجام علال، محمد الأشعري، منيب البوريمي، آيت وارهام أحمد بلحاج، رشيد المومني، عبد الله زريقة، عبد الرحمن بوعلي، عماد الدين سعيد، المهدي أخريف، (تلاهم) عبد اللطيف الفؤادي، بنيحي، محمد بودويك، محمد السبايلي.

وهكذا وبإصرار وسابق ترصد، وبدافع من سلبيات النقد الإيديولوجي، يقصي الناقد من بحثه كل الشعراء الإسلاميين في المغرب، وكأن لا وجود لهم وبخاصة : د.حسن الأمراني، ود.محمد بنعمارة، ود.محمد علي الرباوي، ويكتفي بالقول بنوع من التملص والمكر : (إن اللائحة-كما أسلفت – طويلة وما تزال عباءتها فضفاضة قابلة لاستضافة طاقات شعرية وافرة والأسماء التي أشرت إليها هي على سبيل المثال لا الحصر ) ص 5  

وهذا لا يشفع له في شيء، ما دام في من ذكرهم من كان يومئذ لم ينشر ديوانا واحدا، بل كل ما نشر كان في الجرائد فقط، ومنهم من كان له ديوان يتيم ظل ولوقتنا الحاضر كبيضة الديك. ببيد أن من الشعراء الإسلاميين من كان يومئذ قد تجاوز الثلاثة دواوين ! ! أليس هذا من بؤس النقد الإيديولوجي ؟؟

ومن حيث الدراسة فهو يحددها في الأبعاد التالية :

1-إشكالية الوعي الأيديولوجي :

أ-الوعي الثوري القريب من الموضوعية.

ب-الوعي الثوري القريب من الذاتية.

2- إشكالية الوعي الشعري :

أ-فئة ذات وعي محكم.

ب-فئة ذات وعي شعري متوسط.

ج- فئة ذات وعي شعري فاتر.

السؤال الآن،  أين الشعر ؟ ودراسة الشعر ؟

لقد استحال كل شيء إلى مفاهيم إيديولوجية. لنتأمل ما كتب الناقد عن إشكالية الوعي الشعري : "إن الرؤية الثورية في الشعر تقتضي حتما رؤية ثورية في الوعي الشعري ذاته، هذه مسلمة يعتبر تأكيدها –الآن –من نافل القول. ومهما يستتب الوعي الإيديولوجي في الشعر ويتبلور فإن تخلف الوعي الشعري عنه يفقد المعادلة توازنها ويقص للشعر أحد جناحيه وينزل به من ملكوته الخاص . والعكس صحيح أيضا. إن الشعر علاوة على كونه نزوعا فطريا وتجليا خاصا لا يتمان اعتباطا، فهو عذاب أيضا، عذاب مع اللغة والخيال والصورة والإيقاع والبنية التركيبية، وجماع ما يدخل في تلك العملية الكيميائية المعقدة، عملية خلق النص الشعري."(6)

هل بهذه الصيغة، وبهذه اللغة، يمكن التعامل مع النص الشعري ؟؟ وهل النص الشعري بيان سياسي ؟؟ أم خطاب إيديولوجي ؟؟ وهل المضمون هو الذي يشكل النص الشعري ويؤطره في بنية شعرية متكاملة ؟؟

لا أذهب –كما ذهب البعض- إلى القول بغياب النقد الشعري في المغرب، ولا أدعي أن حضوره كان مجديا. لانعدام فاعليته، وجديته، وضعف تحليله وموضوعيته …لاعتماده الجانب الإيديولوجي، وإهماله لباقي الجوانب الأخرى من العملية الإبداعية، إلا لماما وبشكل مبتسر ومقتضب. وربما غذَّت هذا الاتجاه الصراعات السياسية، وبخاصة في فترة السبعينيات وبداية الثمانينيات.التي ظهرت خلالها دراسة مطولة لحسن الطريبق حول الشعر والشعراء في المغرب نشرت بجريدة العلم نهاية 1976 وبداية 1977 وقد فضل الباحث أن يوظف المنهج الوصفي في النقد. فعلق محمد بنيس على ذلك بقوله :"فالمنهج الوصفي الذي يمارس من خلاله حسن الطريبق قراءته للشعر المغربي لا يعدو أن بكون استنساخا لبعض المصطلحات والقيم النقدية التقليدية، بعد أن يمازج بينها وبين المصطلحات والقيم السائدة في المنهج التأثري. إن حسن الطريبق يعيد كتابة النص المقروء بعد أن يلغيه. ويحل محله نصا لا علاقة له بالنص الأول. وهو إلى جانب ذلك يعود إلى بعض الأحداث التاريخية بأسلوب لا علمي ليبحث فيها عن سند لما يطلقه من أحكام، وما يقدمه من نتائج. ومن ثم كان هذا المنهج خليطا من المناهج، تلتئم في نقطة واحدة، وهي معالجة النص بوعي هامشي، لا يرقى إلى فهم وتفسير المتن الشعري، كنتاج لغوي ذي بعد أنطولوجي واجتماعي، له جذوره في الواقع الاجتماعي "(7)وبنيس في هذه القولة لا يهدف إلا النيل من حسن الطريبق لأن هذا الأخير سبق وأن انتقد مجلة (الثقافة الجديدة) التي كان مديرها المسؤول محمد بنيس، والذي اعتبر النقد (هجوما علنيا) ضد الثقافة الجديدة و أنصارها. إذاً هي تصفية حسابات ولا علاقة لها بالشعر. والدليل على ذلك أن بنيس لم يأت بشاهد واحد لكي يحاجّ به حسن الطريبق.  واكتفى فقط بأن عاب عليه المنهج الوصفي واستفادته من المناهج الأخرى. وكأن بنيس كان منزها عن هذا، ولم يخلط هو نفسه بين مصطلحات لمناهج شتى كما أسلفنا. وبالمقابل فإننا نجد محمد بنيس يثني الثناء الأوفى على من يجاري آراءه الإيديولوجية. التي كانت تقليعة تلك الفترة، التي اتسمت بالاستلاب الفكري، إذ نجده يقول عن التيار الاجتماعي - التاريخي ما يلي : " أما التيار الاجتماعي- التاريخي، فقد كان وما يزال منذ أواسط الستينات إلى الآن، سيد الصراع الثقافي، خاصة بعد أن أعطاه كل من عبد القادر الشاوي، وإبراهيم الخطيب، وإدريس الناقوري ونجيب العوفي، قوة استطاع بها اكتساح جزء هام من الساحة الثقافية من ناحية، وفرضه على أنصار المنهج الوصفي، من ناحية ثانية. وهو تيار يؤسس منظومة قراءته للنص الأدبي على الرجوع بدلالات النص إلى خلفياتها الاجتماعية والتاريخية، ضمن رؤية تعتمد مقولة الصراع الطبقي داخل المجتمع. إن هذا التيار ركز على سوسيولوجية المضمون احتذاء بما قام به محمد أمين العالم وعبد العظيم أنيس، وبعدهما حسين مروة، وغيرهم بالمشرق ومستفيدين من أعمال لوكاتش وغولدمان بعد أن خضعت لمستويات من وعيهم الإيديولوجي والنقدي."(8)

ومرة أخرى كلام أطلق على عواهنه بدون شاهد، مع تغييب للمادة الأدبية. وهذا وجه آخر لبؤس النقد.

وتستمر عملية التجريب عبر محطات المناهج المختلفة : كالمنهج التفسيري، ومنهجي تين وبوف، والمنهج البنيوي وبخاصة الشكلاني منه. ويبقى السؤال : إلى متى يستمر التجريب في غياب وعي نقدي ؟ وهل المنهج هو سر الأزمة ؟ أم الأزمة في سوء تطبيقه ؟ أم في عدم فهمه واستيعاب مصطلحاته ؟أسئلة …لا أزمع من وراء طرحها الوصول إلى جواب شاف. ذاك أن الجواب - في مثل هذه الحالات- يزيد الطين بلة. خاصة وأن نتائج هذه التجارب الهزيلة في نقد الشعر أبانت عن قصور وأحيانا عن جهل تام بالعملية النقدية.

يوضح ذلك بجلاء د.حسن لمنيعي بقوله :" فإذا كانت المحاولات الإبداعية تأخذ صيغا تعبيرية جديدة. وتجريب العديد من الأشكال المستحدثة، فإن النقد الأدبي لا يزال عندنا في مرحلة التشبث والتجزئة وإن حاول بعض رواده إظهار ألوان من سراب المهارات تحمل القارئ على الاعتقاد بأنهم يمتلكون ثقافة واسعة تخول لهم فرض نظرية أو مناهج متميزة، في حين أنهم لا يعرفون سوى قشور الأمور، ولا يرددون سوى بقايا المذاهب النقدية الأوروبية التي لا زالت تختلط لديهم "(9)

من كل هذا، نذهب إلى ان النقد الأدبي، وبخاصة في مجال الشعر في المغرب، لا يعرف أزمة وجود أو قلة …وإنما يعرف أزمة فكر وفن. بمعنى أن المقالة التي تسود كلماتها صفحات من كتاب، أو مجلة، أو أعمدة من صحيفة …لا تقول –في النهاية -شيئا يخدم الشعر أو يفيد الشاعر، أو يعين المتلقي. كتابة بيضاء انحيازية أو عدوانية. لا ترقى إلى مستوى النقد. أحيانا لاعتمادها مناهج دون أخذ بعين الاعتبار خصوصية الشعر المغربي.وأحيانا –ولا عجب- جهل تام بقواعد الشعر، واهتمام كلي بالمضمون، فتاتي المقالة خطابا في الفكر والفلسفة والإيديولوجيا السياسة ولا شيء عن الشعر.

ومن ثم كان لدينا ركام شعري، ستزيده الأيام القادمة ركاما آخر في غياب نقد شعري خالص. يزاوج بين الشكل المضمون في نسق جدلي، ومبدأ حيادي، ورؤية مستنيرة تمكن من قراءات متعددة.

لقد مرَّ علـــيَّ زمن ليس بالقصير، كنت أظن أن البلية تخص نقدنا المغربي، وإذا بي أكتشف أن البلية عامة في الوطن العربي. ولولا خشية الإسهاب لاستعرضت أقوالا كثيرة لنقاد عرب تكاد آراؤهم تتوحد إن لم نقل إنها موحدة، فيما يخص بؤس النقد. فلنتأمل قول الناقد المصري :د.أحمد كمال زكي :" لا أنكر جدب ما يبذله النقاد، وعندنا – للأسف الشديد – وبخاصة في المجالات الأكاديمية، من لا يزال يعتبر النقد شروحا لغوية وتعليقات بلاغية هدفها تعليمي أكثر من أن تنحو نحوا تذوقيا … ونجد من ناحية أخرى فئة من النقاد تتحدث بما لم يعرفه تراثنا، واستخدامها للاصطلاحات الأجنبية تبدو من ثم شهادة على  وصولها إلى أوروبا وأمريكا …ولو فتشنا عن أسلوب النقد عند هذه الفئة فسنجد أمامنا واحدا من عشرة يعرف مهمته ويوازن بين التراثية والعالمية … وأما الآخرون، فهم إما عالة على تنظيرات قرؤوها معرَّبة فلم يحسنوا فهمها، وراحوا يتشدَّقون بها مقحمين المصطلح على غير ما وضع له..وإما مستغربون فتنوا ببضاعة أوروبا وأمريكا فأقحموها على بضاعتنا بلا تمييز حتى لقد اجترأ بعضهم على أخذ آدابنا القديمة – كبحث الصورة عند أبي تمام – بما أخذ به وليم بليك وتوماس إليوث وإديث سينوبل..إن الأدب فن والدراسة الأدبية تحصيل علمي وقد ترتب على ذلك فتح الباب أمام أي حامل للقلم للدخول في زمرة الأدباء، ونجحت فئة مثقفة في معالجتها للأدب –من حيث هو فن- معالجة فكرية فوصفت بأوصاف الأديب، مع أنه يكون من الأجدر حقا أن يوصف بالفلسفة : كزكي نجيب محمود ومصطفى سويف "(10)

فهل يخالف هذا الكلام ما قلناه سابقا عن النقد المغربي ؟ لا أظن ذلك. فبؤس النقد معضلة قائمة، ما بقيت أزمة الفكر والفن في النقد الأدبي.

 

 

الهوامش

(*)ناقد وباحث من المغرب، وله اهتمام بالقصة القصيرة نقدا وإبداعا.

(1) سئل الناقد إدريس الناقوري في بداية الثمانينيات عن الشعر المغربي في السبعينيات فقال :" أرى أننا حينما نتحدث عن شعر السبعينيات فإننا نرفعه إلى مستوى الشعر بصفة عامة بينما هو ما يزال محط نقاش لأنه لم يتبلور بعد سواء من الناحية الفنية أو الفكرية." أنظر مجلة آفاق العدد السابع مارس 1981 ص 5.

(2) انظر مجلة آفاق العدد السابع مارس 1981 ص 17 إدريس الناقوري.

(3) ويراد بها د.حسن الأمراني. د. محمد بنعمارة. ود. محمد علي الرباوي الذين نهجوا نهجا إسلاميا في الشعر.

(4) المراد بذلك : د.محمد بنيس ومن كانوا يكاتبون مجلته (الثقافة الجديدة )

(5) مجلة أقلام العدد  السابع، فبراير 1979 ص 1

(6) أقلام، العدد السابع، فبراير 1979 ص  24.

(7) محمد بنس الثقافة الجديدة، العدد العاشر -الحادي عشر، السنة الثالثة 1978 ص 47

(8) نفس المرجع ص 47 - 48

(9) نفس المرجع ص 67

(10) حوار مع الناقد د. أحمد كمال زكي. الفيصل، العدد 45 ربيع الأول 1401 هـ السنة الرابعة، يناير /فبراير 1981، ص 54 – 55 .

 عن منشورات الزمن صدر للباحث سعيد شبار

كتاب تحت عنوان :" الحداثة في التداول الثقافي

العربي الإسلامي –نحو إعادة بناء المفهوم"

 

Publié dans : فضاء النقد
أكتب تعليقا - Voir les 0 commentaires
Retour à l'accueil

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : Culture
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Partager ce blog
  • Retour à la page d'accueil

يومية

Juillet 2014
L M M J V S D
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31      
<< < > >>

بحث

موسيقى

Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés