Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
6 juillet 2011 3 06 /07 /juillet /2011 16:29
الأسس الجمالية في الرواية .. الكليّة الموضوعيّة والنمط
 

بقلم: صباح علي الشاهر

كلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما اتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. الكليّة في العمل الفني عالم وهمي، المقصود بالوهمي هنا مُتخيّل، قائم بذاته، إنها صيرورة مُستحدثة، ومبتدعه، تتميز بكونها ذات خاصية جمالية، إنها ليست كليّة بغنى الواقع، ولن تكون، كذب وادعاء الزعم بأن الكلية الفنية ذات الخصوصيّة، يمكن أن تكون أغنى وأعمق وأشمل من الواقع . القول بهذا ليس سوى هراء، إذ يظل الواقع أغنى وأعمق وأشمل من أي إبتداع، ولا يُطلب من الكلية ذات الخصوصيّة الفنيّة عكس الشمول والغنى المتنوع في الواقع، لأن هذا مستحيل، لكنها ينبغي أن تدل عليه وتُوحي به، وتستلهِمه، وإلا أصبحت مُجرد عبث ومضيّعة للجهد والوقت. ترتبط

الكلية مع النمط الذي هو الوحدة الجدليّة للخاص والعام، الفردي والشامل، الزائل والأزلي، بحيث يشكل هذا الإرتباط وحدة لا تنفصم في جماليّات كلاسيكيّات الماركسيّة، والمجال الخاص الذي يخلق النمطي هو الجوهر البنائي في هذه الجماليّات، إن النمطيّة التي هي مجال الفن الخاص ليست فقط مُتعلقة بالشخصيّات النمطيّة، وإنما بالظروف النمطيّة والأحوال النمطيّة أيضاً، ومن هنا يمكننا القول أن التعريف الذي قدمه إنجلز للواقعية من كونها (التصوير الصادق لشخصيات نمطيّة في ظروف نمطيّة) إنما هو تعريف للعمل الفني برمته من وجهة الماديّة الديالكتيكيّة، ولا يقتصر على العمل الروائي ، ولا على الأدب حتى. في تعريف إنجلز السالف يتحول الواقع الموضوعي من واقع ملموس (الكليّة التأريخيّة الإجتماعيّة)، وهي مادة العمل الفني الخام، إلى تجريد، (إلى شخصيّات وأوضاع) نمطيّة، إلى الوجود الفني الذي هو بمعنى من المعاني عرض تمثيلي ومجازي رمزي. وبمعنى آخر فإن المضمون، الذي هو الواقع، قد انتقل من المستوى الحياتي، الإجتماعي التأريخي، إلى مستوى الفن. لا يؤخذ الفرد في الظاهرة الإجتماعيّة كما هو في الواقع دونما ربط بالماهيّة الإنسانيّة الكليّة، التي هي في أحسن الأحوال مجرد تعميم. هذا الربط العضوي، البالغ الرهافة والشفافيّة، وهذا التناغم الفريد، والتماهي العذب بين الظاهرة والماهيّة هو الذي يمنح العمل الفني المنجز الخلود، بحيث يتخطّى الزمان والمكان، وهو بالذات ما يمنح العمل الفني خصوصيته وتجاوزه. يتحقق النمطي في العمل الفني من خلال العمل في مجال الخاص، والمقصود بالمجال الخاص، المجال الذي يتوسط الفردي من ناحية والكلي من ناحية أخرى، ففي كل إنسان مثلما في كل شيء، ماهو خاص وما هو عام، ماهو كلي وما هو فردي، وعبر التمازج العذب الصعب بين ما هو خاص وعام، فردي وكلي يخلق النمط الذي يتجاوز زمانه ومكانه، ويمنح العمل الفني ما يُسمى بالخلود، ذلك لأن النمطي يصور الكلي والفردي، الثابت والمتحوّل، الذي يبقى ما بقي الإنسان والزائل. إن الشخصيّة على مستوى الواقع شخصية فردية، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، تتحرك في ظروف نمطيّة، وتتعايش وتتصارع مع شخصيات أخرى، هي أيضاً ليست شخصيات فرديّة وإنما نمطيّة. وهكذا فإن الشكل الذي ينبع من المضمون هو في نهاية المطاف الذي يخلق العمل الفني كعالم وهمي مستقل، يثير المتعة الجماليّة ويقدم معرفة فريدة، ويتيح للمنجز الفني أن يتجاوز زمانه ومكانه، أي أنه يتجاوز الكليّة الإجتماعيّة التأريخيّة التي عمل في ظلها ومن خلالها. الشخصيّة على مستوى الواقع شخصيّة فرديّة، ولكنها على مستوى الفن تصبح نمطاً، والظروف على مستوى الواقع تأريخيّة وإجتماعيّة، لكنها على مستوى الشكل الفني ظروف نمطيّة، لا يمكن تفسيرها كلياً في ظروف إجتماعيّة تأريخيّة خاصة ومحددة تماماً، دون النظر إلى الخصوصيةّ التي يتمتع بها الفن، ودون الإنتباه إلى أننا أمام عالم فني، وهمي، ومستقل. إن الواقع الإجتماعي والشخصيّة الفرديّة هما المضمون، لكن الشكل الذي يكون المضمون موضوعه هو الذي يخلق العالم الفني في نهاية المطاف. ما يثير المتعة الجماليّة هو بالتحديد هذا الترابط السحري بين الشكل والمضمون، ومن هنا عناية الروائي فائقة الحد بالشكل وتقنياته، والذي لا يمكن بأية حال من الأحوال فصله عن إهتمامه بالمضمون بكل عمقه وتنوعه. إهتمام الروائي بالشكل والتكنيك الروائي لا يمكن فصله عن اهتمامه بالمضمون الغني، بالحياة الثرّة المعقدة، وكلما زادت إستجابة الروائي للحياة والعصر، وكلما إتسمت نظرته بالعمق والصدق، تضاعفت الحاجة إلى تطوير التكنيك ليستجيب لذلك. يقول جان فريفيل: « إن لغة الأثر الأدبي وأسلوبه وتركيبه وطابعه الجمالي تتحدد بمضونه أي بالتصور الذي يكونه الفنان عن الواقع، وبالتجربة التي يمتلكها، وبالأيدلوجيا التي يعبر عنها. وفي الحقب التي يدرك فيها التطور أوجه، ويصل الفن إلى ذروة إمتلائه، يؤلف الشكل والمضمون كلا متناغماً لا فصام فيه، ومتى ما رجحت كفة المضمون على الشكل، ومتى ما أنفصل الشكل عن المضمون، يسعنا الجزم بدون أن نجازف بالخطأ بأن المجتمع يمر بفترة ولادة أو إنحلال ». وبعيداً عن أية محاولة مبتسرة للفصل بين الشكل والمضمون، يمكن القول إن الشكل محافظ، والمضمون ثوري، باعتبار أن الأشكال تميل إلى الثبات والمحافظة، إلا أنه عندما تطرأ مضامين جديدة فإنها تُفجّر الأشكال القديمة وتصل بها إلى أشكال جديدة تلتحم معها فتشكل كلا لاينفصل، ولكن إلى حين، حيث يستمر المضمون المتغير بتفجير الأشكال وفق عمليّة إرتقائيّة متواصلة، لذا فإن البحث بتطوير وتجديد الأشكال وتقنياتها أمر لا مناص منه بالنسبة للمبدع الذي يتلبسه هاجس عكس العالم والتعبير عنه فنيّاً. من الصعب جدا، لا بل من المتعذر تجاهل العلاقة المتينة بين الشكل الروائي والبيئة الإجتماعية التي إنبثق هذا الشكل وتطور من داخلها محاولاً تمثلها والتعبير عنها. إن العلاقة بين الرواية كجنس أدبي والمجتمع الذي طغت فيه الفردانيّة علاقة متينة لايمكن إغفالها أو التقليل من شأنها، فتعقد المجتمع وتعقد علاقاته ينعكس على الشكل الروائي الذي أصبح بالغ التعقيد أيضاً. إن الناس في ظل الرأسمالية يعيشون حياة معقدة بما فيه الكفاية، ويمكن القول أن هذا التعقيد في الحياة الإجتماعيّة لا يقتصر على البلدان الرأسماليّة المتطوّرة، التي مدّت نمط حياتها إلى العالم كله مشيعة عبر مختلف الوسائل قيمها، ولعل تأثيرات هذا على البلدان الأقل تطوراً ستكون أكثر هولاً وتدميراً للإنسان. في المجتمعات المبنيّة على الربح المادي الملموس والمنظور يكون الناس مرغمين على البحث عن قيمة حقيقيّة، حيث إن هناك العديد من الأمور التشويشيّة المبتدعة بكل حذق تؤثر تأثيراً أخذ يتصاعد بإستمرارعلى ذوق المستهلك، ويخلق حاجات واقعيّة ووهميّة غالباً، إن تأثير الدعاية والإعلان والمودة، ومايسمى بالبضاعة الديزاينر، وأجهزة الإعلام المتطورة بشكل مذهل بالغ الأهميّة في خلق الوهم والخديعة واللهاث وراء مالا يشبع حاجة روحيّة، إنسانيّة حقيقيّة، الحاجات تُبتدع وتخلّق، لا من حيث تلبيتها لرغبة إنسانيّة محددة، وإنما بسبب شطارة المعلن وتكثيف الكذب والخديعة والنصب والإستغفال، هذه جرائم حقيقية ترتكب بحق الشعوب، تحت بصر القانون وحمايته. لم يعد العمل محبوباً لذاته، ولم يعد كما كان يقول ماركس خالق الإنسان. لقد تغرّب الإنسان عن عمله، وبات العمل قيد وعبوديّة. لم يعد العمل مكرساً لتلبيّة حاجات إنسانيّة ماديّة وروحيّة، وإنما أصبح مكرساً من أجل السوق، الذي لم تعد الحاجات الإنسانيّة الفعليّة تتحكم به، وإنما التشويش وبيع الوهم عبر أساليب بالغة التعقيد والحداثة. يمكن فهم أبعاد ما نرمي إليه من معرفة أن بعض الشركات والمؤسسات تنفق ثلث إنفاقها العام على الدعاية والإعلان. إن الدعاية والإعلان تغتال الخيار الإنساني الحر، عبر خلق خيارات مخادعة يبتدعها دهاقنة فن الإعلان. إن التشويش يطرد الفن، وبالتالي يطرد الإنسان. إن المجتمع الرأسمالي يخلق أفراداً إشكاليين، ومن هنا يأتي الشكل الشديد التعقيد الذي عليه الرواية. ذلك لأن التعقيد هذا هو الواقع الذي يحيا فيه الناس كل يوم، عندما يكونون مرغمين على البحث عن كل قيمة إستعمال وفق نموذج منحط يتوسط الكميّة وقيمة التبادل في مجتمع لا يمكن لكل جهد من أجل أن يتجه نحو قيمة الإستعمال إلا أن ينتج أفرادا إشكاليين.

ميدل ايست أونلاين

 

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية