Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
6 juillet 2011 3 06 /07 /juillet /2011 16:39
مَنْ يصلح مَنْ؟ الصندوق الأسود أم المخزون التنويري؟
 

علي حرب

[ هبة الفكر

في مقاربتي للمشكلات، أذهب الى أن مكمن العلّة هو دوماً في الافكار، كما تتجلّى في نماذج الثقافة وأنساق المعرفة أو في مسبقات الفكر وقوالب العقل أو في منظومة القيم وقواعد التواصل. والاصل في ذلك أن التفكير هو ميزة الانسان ورصيده، في كل مشاريعه ومساعيه وأنشطته، ولذا، فهو منبع الحيوية ومصدر القوة، عند من يحسن ادارة افكاره وبالعكس. وهكذا، فالعالم تصنعه الافكار، من صور وهوامات ونماذج وقيم ومفاهيم ومشاعر… بها نستنير ونتحرّر او نقيّد ونستبعد، ننجح ونتقدم أو نتراجع ونتقهقر، نحقق المعجزات او نرسف في العجز… [ الازدواج والارتداد ولا يعني ذلك أن المرء يملك الحرية في ما يفكر فيه أو يسيطر على فكره تمام السيطرة. فنحن هِبَة الفكر بالمعنَييْن، بمعنى أننا ننتج الافكار، ونشكّل آلتها في الوقت نفسه، تماماً كما أننا

ننتج المعنى وندين له. ولذا، فالافكار لا تأتي دوماً حسب الطلب، وإنما هي تتداعى وتهجم على صاحبها من غير إرادته، أي تتأتّى بما يشبه الضرورة. مما يعني أن هناك دوماً، جانباً يخرج عن نطاق التفكير، في ما نفكر فيه ونعقله او نبرهن عليه وندعي معرفته، مردّه الى عتمات الفكر وسراديب الوعي، او الى ازدواج الدلالة واشتباه الرواية، او الى تعدد المعنى والتباس المفهوم، او الى مخاتلة اللغة وسلطة النص… وهكذا فالمرء يفكّر بحرية، ولكنه لا يملك الحرية في أن يفكر او لا يفكر، ما دامت علاقته بوجوده هي في أساسها علاقة فكرية. ما بوسعه أن يفعله هو أن يُعمِل فكره، لكي يفكر بصورة نقدية، بتأمل ذاته ومراجعة افكاره. واذا كانت ميزة الانسان انه ذات مفكرة، فإن ميزة التفكير هي الانعكاس والارتداد والازدواج، أي ما يخلق المساحة التي تتيح اللعب على الممكنات بسيرها او اجتراحها وبنائها… من هنا اهمية المراجعة النقدية التي تحمل صاحبها على اخضاع تصوراته وقناعاته للفحص العقلاني والدرس المعرفي، لكي يقيم مع فكره علاقة حيّة، خصبة، متجددة، فعّالة، فلا تستبد به عقيدة أو تأسره هوية او يستعمره أصل او نموذج.. وهذه مهمة دائمة، كما يشهد تاريخ الفكر بحقبه وثوراته وأزماته. مع كل حقبة او ازمة تتم مراجعة شبكات القراءة ونماذج الفهم ومناهج الدرس وادوات التحليل. حتى الافكار الخصبة، مآلها أن تستهلك وتفقد مفاعيلها في التنوير والتغيير، اي قدرتها على الشرح والتفسير او على الفعل والتأثير، لتتحول الى عوائق ومآزق. فكيف بالافكار التي هي اساساً مصدر الجهل والحجب والعجز… [ الوحش والتنين قد تكون المداخل عديدة لتفسير الظواهر وتحليل الوقائع. ولكن المدخل من باب الافكار هو الأولى عند صاحب الفكر، فكيف بمن يشتغل أصلاً بميدان معرفي أو يحترف مهنة التفلسف. والفلسفة تصنع لك شيء مفهومه، ولذا فمشكلة كل شيء تكمن في مفهومه بالذات. هذا ما أحاوله لفهم الوقائع وتفسير الظواهر. ففي مواجهة الظاهرة الاصولية، مثالاً، أعمل على تفكيك الشيفرة الثقافية التي تنتجها وتقف وراء صعودها، كما تتجسّد في العقائد الاصطفائية والمنازع العنصرية، في عبادة الاصول وتقديس النصوص، في العقول المغلقة والحلول النهائية، في الهويات الموتورة والذاكرة الجريحة، في ادعاءات العظمة والعُصمة والطهارة… أي كل ما يجعل الواحد يعتقد بأنه الأحق والأفضل والأشرف والأنقى. ومن هذا شأنه يتعامل مع الناس بعقلية الاتهام والاقصاء والانتقام. وذلك هو مآل الاصولية: الاستئصال الرمزي او الجسدي للآخر، أي ما يصنع الوحش الارهابي. هذه الشيفرة الثقافية هي ما أدرجته تحت مسمى « الصندوق الاسود »، (راجع كتابي: الانسان الادنى، 2005). هذا ما أفعله ايضاً في تفسيري للظاهرة الشمولية: تفكيك العقلية التي تقف وراءها، كما تتجسد في الفكر الاحادي والمعتقد الخلاصي، في النموذج الابوي والعقل الأمني، في عبادة الشخصية واحتكار المشروعية المتعلّقة بالأمّة والهويّة، في اعتبار الشعارات والقضايا أولى من الحياة والناس… أي كل ما يجسّم ارادة التأله والقبض والتحكم، لكي يصنع التنين الشمولي. يضاف الى ذلك، عربياً، ترسانة من المفردات تحتاج الى التفكيك، قد احتلّت الوعي وقولبت العقول مثل الوطنية والوحدة والتقدمية والاشتراكية والطليعة والحزب القائد والزعيم الأوحد والبطل المنقذ، ثم تلتها مفردات المقاومة والممانعة، وسواها من الشعارات التي راجت و »ازدهرت » لكي تتحول الى أصنام عقائدية وتنانين فكرية تنتج آلهة وقطعاناً بشرية. والمآل أن تحصد المجتمعات كل هذا الفقر والقهر والعجز او العنف والتخلف والتفكك. [ ديناميكة وجودية وفي المقابل، عندنا ندرس النماذج الحضارية الناجحة، نحاول تفكيك النمط الفكري الذي يقف وراءها. هذا ما يفعله أحدنا اذا أراد أن يفسر اسباب التقدم في الغرب: لقد انبثقت ديناميكية وجودية من تجلياتها خروج الانسان من قصوره العقلي؛ حمله المسؤولية عن نفسه من غير وصاية لاهوتية او كهنوتية، نبوية او رسولية؛ اعادة ترتيب علاقته بذاته وبالعالم، على نحوٍ يجعله يفكر ويعمل كذات تمارس فاعليتها وحضورها، بقدر ما تملك استقلاليتها وتمارس حريتها في المبادرة، والاختيار والمشاركة في صنع المصائر. وفي أقرب مثال الينا، هذا ما أحاوله، عندما أتأمل التجربة في ماليزيا او تركيا. فنجاح النموذج يعود الى انتهاج طريقة مختلفة في إدارة الشؤون والقضايا والهويات؛ بالانفتاح على العالم، أو الافادة من المنجزات التي حققتها المجتمعات الاخرى، أو الأخذ بمبادئ التعدد والتوسط والشراكة، أو كسر منطق التطرّف والاقصاء، او استخدام لغة الخلق والابتكار. فكل مجتمع يبتكر في النهاية نموذجه او يخترع صيغته. وفي المقابل، إذا كانت المشاريع الحضارية في العالم العربي قد أخفقت او تعثرت، فالعطل كامن في الافكار، كما تتجسم في النرجسية الثقافية، والاحادية الفكرية، والقوقعة الايديولوجية، ونظرية المؤامرة، واستعداء العالم، والمماهاة المرضية مع الذات، والخوف الطفولي من المتغيرات، وسوى ذلك من الافكار العقيمة والثوابت المعيقة التي انتجت العجز والهشاشة، وأورثت التراجع والتخلف. من هنا أذهب، في تفسيري للنماذج الناجحة في التحديث الاقتصادي والانماء الحضاري، بقولي أن اصحابها يفكرون ويعملون بمفردات الاعتراف والشراكة، والبعد المتعدد، والتداول المنتج، والتحويل الخلاق، والتركيب البنّاء، والتجاوز الدائم… [ الفاعل الميديائي ومن هذا المدخل الفكري، قرأت الثورات العربية التي اندلعت على نحو مفاجئ أحدث صدمة لدى النخب الثقافية التي ادعى اصحابها أنهم يملكون مشاريع لتحديث المجتمعات وتغيير الواقع، فإذا بهم يخشون المتغيرات التي أتت على خلاف كل تصوّراتهم وبرامجهم. لقد حاولتُ أن أبيّن أن هذه الثورات فجّرتها قوى جديدة من الاجيال الشابة، لم نكن نحسب لها حساب، ولكنها أحسنت تشغيل طاقاتها العقلية باستثمار الامكانات الهائلة التي فتحها عصر المعلومة والصورة والشبكة، للتواصل الاجتماعي والتفاعل الحيوي والتضامن البشري. نحن إزاء نموذج جديد هو « الفاعل الميديائي » الذي ينخرط في موجة الحداثة الفائقة، ويشتغل بالقوة الذكية والناعمة، ويمارس هوية مفتوحة وعابرة، كوكبية وعالمية. هذا مع أنني لا أوثر استخدام عبارة « الصندوق الاسود » للثورات الجارية. لأنها تصلح اكثر للتعبير عما هو سلبي ومعتّم ومدمّر، أي عمّا وقف وراء الوحش الارهابي والتنين الشمولي، لكي نحصد كل هذه المظالم والمفاسد والكوارث. أما ما هو حيوي ومشرق وايجابي، مما يحتاج الى الدرس والتحليل، لتشكيل خطابه وتركيب مفهومه او صوغ نماذجه، فالاولى أن نجد له مسميات اخرى، إذ هو لا يحيل الى صندوق أسود، بل يستدعي مفردات اخرى، مثل شُعلة ومشكاة، أو نبع ونسغ، أو منهل ومستودع، إذ هو يتعلّق بمخزون تنويري من الرموز والمعاني والقيم والاسماء والاحلام التي فجّرت الطاقات وأطلقت قوى خارقة جعلت المستحيل ممكناً، بقدر ما قلبت المعادلات وكسرت الانماط المستهلكة في التفكير والنماذج القاصرة في العمل. وهكذا فالثورات الراهنة هي لحظات استثنائية أطلقت قوى خارقة، لكي يستيقظ من كان غافلاً، أو يظهر ما كان ما مكبوتاً، او يتحرّك ما كان صامتاً، او يشتغل ما كان معطلاً… [ الرعب المزدوج أما الصندوق الاسود، فإنه لا يصحّ على الثورات الجارية. لا يصحّ على تجربة اليمن التي كنّا نظنّ أهلها متخلفين، فإذا بهم يفضحون تخلفنا، بإصرار الناشطين، هناك، على سلمية الثورة، وسط بحار الدماء التي يحاول رأس النظام إغراق البلاد فيها. إنه يصحّ على العقليات المفخّخة والعقول الارهابية التي بنى أصحابها أنظمتهم السياسية على رعب مزدوج: حكّام متشبّثين بسلطاتهم، ولكن مرعوبين في الوقت نفسه من شعوبهم، خائفين من كل رأي مخالف او صوت معارض. ولذا فقد تفنّنوا بابتكار وتطوير واستخدام مؤسسات التطويع والتدجين، أو آليات التخويف والترهيب، او استراتيجيات الاتهام والاقصاء، أو ممارسات الخطف والاعتقال أو التعذيب والقتل كما في الحالات القصوى. وهكذا أقيمت دول أو دويلات حوّلت القضايا الوطنية والمؤسسات العامة والأطر الحديثة، السياسية والنقابية والاعلامية والثقافية، الى مجرّد واجهة، تُمارَس عبرها سلطة مطلقة لمصلحة أسرة أو جماعة او طائفة او حزب وحيد، تحت عباءة زعيم أوحد يختزل مجتمعه وينسب اليه بلده، لكي يتصرّف فيه كما يشاء، فيكافئ المذنب والفاسد، أو يعاقب المظلوم ويدين المقتول، كما يمكن أن تفعل الآلهة. ومع ذلك، فإن هذه الانظمة، وإن تماهت او استندت الى عصبيات طائفية او مذهبية أو قبلية، فإنها لا تحتكر تمثيل طائفة أو عشيرة، وإنما هي تعمل على تجنيد وتسخير او توريط الجماعات التي تدعي الدفاع عنها، من أجل الحفاظ على السلطة وحراسة النظام القائم، بأي ثمن كان، ولو اقتضى ذلك إغراق البلاد والعباد في الفوضى والدماء. بالطبع جرت مطالبة الانظمة العربية بإجراء اصلاحات جذرية تحدث تحولاً في بنية النظام على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية… ولكن لم تحصل اصلاحات جدية ومُقنعة. ما حصل هو العكس. تغليب الحل الامني، واستخدام العنف المفرط في مواجهة التظاهرات الشعبية. [ استحالة الاصلاح مما يشهد على أن الانظمة القائمة غير قادرة على أن تتغير، وفقاً لمبادئ الحرية والشفافية والعدالة، أو لقواعد التعدّد والشراكة والاعتراف بالآخر. ذلك أن علّة وجود هذه الانظمة وقيامها، هو احتكار السلطة والثروة والاعلام، للسيطرة على المقدرات والهيمنة على العباد، بالختم على العقول وارهاب النفوس وتطويع الاجساد، على ما هو شأن الأنظمة الشمولية والحكومات الديكتاتورية والايديولوجيات الحديدية. ولو كانت قابلة للاصلاح، لما لجأت الى الالتفاف على المشكلة، أو أقدمت على مجابهة التظاهرات بكل هذه القسوة والشراسة. نحن إزاء أنظمة شعارها: لا حقّ للشعب لكي يطالب به. فالمطلوب منه، بل واجبه، تقديم فروض الطاعة والتبجيل والتسبيح بحمد زعمائه، إذ هم أولياء نعمته ومصدر رزقه وبقائه، فالأولى أن يفديهم ويضحي من أجلهم، كما يعبر شعار الفداء بالارواح والدماء. وأعتقد أن القذافي هو لسان حال الزعماء. مع فارق أنه يصرح بما يضمرونه. ولكن خطاباتهم تحجب بقدر ما تكشف وتفضح. ولذا من غير المجدي، بل بات من الغفلة والخداع، عند مَنْ يتأمّل المعطيات ويقرأ المجريات، أن يطلب من الانظمة القائمة او يقترح عليها خطط في الاصلاح والتغيير، على ما يفعل رؤساء دول ومثقفون كبار في مناشداتهم ورسائلهم المفتوحة او المغلقة، لأن هذه الانظمة لا تنتج إلاّ ما تشكو منه المجتمعات العربية من الامراض والآفات. (راجع الرسالة التي وجّهها الشاعر أدونيس الى الرئيس السوري بشار الاسد، جريدة « السفير »، 24/6/2011). [ رهان خاسر ولكن رهان الانظمة على المعالجة الامنية خاسر، سواء في ليبيا او في اليمن او البحرين، أو في المحور الذي يمثله الحلف المقدّس المؤلف من ثالوث ايران وسوريا وحزب الله. فالمتغيرات التي يشهدها العالم العربي، بفعل الثورات والانتفاضات، غيّرت المعطيات بصورة جذرية. ولم تعد تجدي مقاومة ارادة التغيير لدى الشعوب العربية، لبناء مجتمعات تستجيب للحدّ الادنى من مطالب الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. ولنتأمّل المجريات. فحزب الله يكاد يخسر رصيده الهائل في العالم العربي، نتيجة سياساته وتدخّلاته في لبنان وفي بعض البلدان العربية. وسوريا التي أهملت الداخل وأتقنت اللعب في الخارج، قد فاجأتها الأحداث على أرضها وفي بيتها. أما في إيران فقد ظهر المكبوت وانفجر الصراع بين العقيدة الاسلامية والعقيدة الايرانية. ولا عجب، فإيران دولة قومية، والعلاقة بينها وبين شيعة العرب هي مجرّد قشرة ايديولوجية او ذريعة استراتيجية. وهذه هي حال تركيا مع سُنّة العرب. مع فارق أن تركيا دولة غير دينية، وقد نجحت في امتحان الديموقراطية والتنمية، بقدر ما تنهج نهج التوسُّط والشراكة على الساحة الاقليمية. ويؤمَل أن تبقى على هذا النهج حتى لا تخسر رصيدها وتنقلب الامور ضدها. من هنا فإن محاولات الهروب من استحقاقات الداخل لجمع الاوراق واللعب على ساحات الخارج، هي لعبة خاسرة سوف ترتدّ على أصحابها. الأوْلى، عند من يعقل ويتبصر، أن ينصرف الى حلّ مشكلاته الداخلية. فالقوة العارية والمعالجات الأمنية تخلق مشكلات ولا تحلُّها، تماماً كما أن الهويات المغلقة تنتج العجز والفقر، سيما في عصر القوّة الناعمة والهويات العابرة. وبالعكس، فالذي ينجح في قود شعبه، على سبيل التحديث الاقتصادي والتداول الديموقراطي والعدل الاجتماعي، يبني مجتمعاً هو أغنى وأقوى وأقدر على التواصل مع العالم وعلى ممارسة الفاعلية والحضور على مسرح الأمم، بل أقدر على مجابهة التحديات والضغوطات من الخارج. [ حقبة فكرية جديدة أياً يكن، مع الثورات تطوى مرحلة فكرية بنماذجها ورموزها ومفرداتها لتبدأ اخرى تنفتح معها آفاق جديدة وتتشكل ديناميكية جديدة لا تعمل بمفردات المطلق والمقدس والواحد والثابت والاصولي والنخبوي والمركزي والامبريالي، بل تشتغل بعقلية الاعتراف والشراكة والمداولة، بقدر ما تعمل تحت خانة المتعدد، والنسبي، والمتحول، والافقي، والتواصلي، والكوكبي… ولعلّ ابرز درس يستخلص من إخفاق الثورات السابقة بممارساتها الارهابية واستراتيجياتها القاتلة ومآلاتها المدمرة: الكفّ عن عبادة الاشخاص لأن ذلك هو منبع الاستبداد، التوقف عن تقديس القضايا واختزالها في شخص معين لأن في ذلك مقتلها، كسر منطق الحتميات الصارمة التي تخنق الامكان وتشكّل الطاقة على الخلق، التخفف من اراد القبض والتحكم تحت عناوين السيادة والعَظَمة والعُصمة والبطولة… آن لنا أن نغيّر نظرتنا، كبشر، الى مكانتنا ودورنا وقدراتنا. فبعد كل هذه المصائر البائسة بمآزقها وكوارثها ومآسيها، بات من الزيف الفاضح أن نتشبّث بمفهوم السيادة، سواء بمعناه الديكارتي كمالكين للطبيعة، او بمعناه اللاهوتي كخلفاء لله. فنحن لا نقبض على حقيقة مطلقة او نطبّق خطّة مرسومة بصورة محكمة، بدليل ما نُفاجأ به بعد كل هذه التقدّم العلمي الهائل والتطوّر التقني الفائق. الأجدى أن نتحول نحو مفاهيم مثل الادارة والتدبير او التسيير والتشغيل، مما يعني كسر النظرة الحتمية والمركزية الامبريالية، المستقيمة والتقدمية، للتاريخ نحو نظرة أخرى لولبية، مواربة، مزدوجة، متحركة، مركبة، تأخذ بعين الاعتبار التراجعات والارتدادات، الانقطاعات والثغرات، الالتباسات والمفارقات، الطفرات والمفاجآت… لنتواضع. لسنا سادة الكون، ولا سادة أنفسنا. لا نقبض على قوانين العالم الذي نصنعه بقدر ما تصنعنا أحداثه المفتوحة على غير معنىً واتجاه ومسار… إن العالم لا ينفكّ يحدث ويتشكّل أو يتخلّق ويتهجّن أو يتغيّر ويتحوّل، ممّا يعني الحاجة الى مقاربات تكون أكثر مرونةً وتركيباً وعقلنةً، بقدر ما تؤلّف على نحوٍ خلاق بين مختلف الحقول والاختصاصات والمجالات او المذاهب والتيارات. في أي حال، إذا كانت الثورة كلحظة خارقة تعني خروج المرء من سجنه الفكري، فإن ما بعد الثورة، بما يقتضيه من المسارات والبناءات والتحوّلات، سوف يسفر عن انبثاق وتشكيل عقليات ومفاهيم وقيم أو نماذج وأساليب ومؤشرات جديدة، في ما يخصّ العلاقة مع العدالة والمساواة والثروة والتنمية… [ قواعد اللعبة والكلام على افتتاح حقبة فكرية جديدة، يفتح الامكان ليس فقط لتغيير الافكار، بل ايضاً لتغيير يطال مؤسسات تداولها ومصانع انتاجها، كما يطال ادوار المثقفين والمفكرين واستراتيجياتهم في التدخل والتوسط. مما يعني تغيير مفهومنا للندوات الفكرية وقواعد تنظيمها وآليات عملها. فنحن عندما ننظم ندوة نتحدث فيها عن مشاريع النهوض، في العالم العربي، لا يسعنا أن نتحدث كما كان يجري في المؤتمرات الفكرية الاحادية الجانب، والمقتصرة على المثقفين والدعاة من فلاسفة وفنانين. ما هو متاح لنا، اليوم، هو أن ندعو أناساً من الناشطين الذين أسهموا في انبجاس التحولات العاصفة التي تجتاح غير بلد عربي، وفي إحداث هذه التغيرات الهائلة التي عجزت عن القيام بها الانظمة السياسية والنخب الثقافية، طوال عقود، وربما منذ عصر النهضة. إن الندوات التي تهتم بتدارس القضايا العامة والمشاريع الحضارية، هي شأن عام يخصّ الجميع، وبالاخصّ الاجيال الشابة والقوى الجديدة، ممن حققوا هذا الانجاز الكبير بأفكارهم وتقنيناتهم واستثمارها لعقولهم بصورة خارقة وخلاقة. فمن نجح هو اولى ممن فشل في مناقشة قضايا التغيير تحت شعارات الاصلاح والتحديث والديموقراطية والحرية. والنماذج ناطقة كما يجسدها ناشطون يكتبون على صدورهم العارية: نحن الشهداء المقبلون، فيما نجد مثقفين ومفكرين لا يطيقون بعضهم البعض، بل يتصرّفون كأعداء لبعضهم البعض، ولذا لا يتّسع صدر الواحد لسواه. لنعترف بالحقيقة، إن الاصلاح لا تملك مفاتيحه النخب التي تصدرت الواجهة، عقوداً، لكي نصل الى هذا المأزق. لم يعد الزمن زمن ممارسة الوصاية على العناوين الحضارية والقيم العامة. فإذا كان ثمّة فاعل جديد يظهر على المسرح، فذلك يعني ممارسة أدوار جديدة تتغيّر معها قواعد اللعبة. لقد تداعت أسطورة المثقف المُحرّر للوعي والمنوّر للعقول، لأنّ ما أتقنه المثقفون هو فبركة أوهام لا تغيّر واقعاً ولا تصنع مستقبلاً، لأنها تقوم على نفْيِ الحقائق والعجز عن إنتاج وقائع فكرية تغيّر في مجرى الافكار والاشياء. ولا عجب أن يكون المآل كذلك، لأن مفاهيمنا للديموقراطية والحرية والانسانية والعلمانية والعقلانية والحداثة والعمل المدني، قد صدئت واستهلكت، ولم تعد تعطي سوى مرددها العكسي، من هنا حاجتها الى اعادة البناء على اقل تقدير. بهذا المعنى ليست الانظمة وحدها هي التي فقدت صلاحيتها وباتت غير قادرة على الاصلاح. هذه أيضاً حال المثقفين الذين باتوا جزءاً من المشكلة، إذ هم الوجه الآخر للعملة. من هنا السؤال: مَنْ يُصلِح مَنْ؟ ومَنْ يحرّر مَنْ؟ وبالعكس، نجد بأن الناشطين الذين فجروا الانتفاضات العربية، والذين نخشى منهم على الديموقراطية التي لم نحسن ترجمتها، قد اتقنوا العمل على نحو تواصلي، افقي، تبادلي. وبدلاً من أن نلقي عليهم دروساً في الديموقراطية، الأجدى أن نتحدث معهم لنفيد منهم، أو على الأقل لنتبادل معهم حول قضية الديموقراطية. [ العقل وألغامه إنها لمفارقة في العالم العربي أن يحدث هذا التحول الهائل، في زمن قصير، على يد العاملين على الشبكات والكتب الرقمية، فيما أخفق اصحاب المشاريع الايديولوجية والكتب الدينية، على مدى قرن او اكثر. هذه المفارقة تدعونا الى أن ننصت الى ما يقوله الذين لا يمارسون الوصاية على القيم العامة، ولا على شؤون الفكر والعقل والمعرفة، لكي نتعرف الى نظرتهم الى الاشياء وطريقتهم في التفكير وأساليبهم في العمل والتأثير. هذا ما أفكر فيه من جهتي: أن أتحاور مع افراد من الفاعلين الجدد، لكي أسألهم عما تعنيه لهم كلمة عقل او عقلانية او استنارة أو فلسفة… إن الفلسفة تتجدد ليس فقط من الانفتاح على تاريخها، بل من الانفتاح على ما ليس بفلسفة، تماماً أن العقل يمارس فاعليته بالاشتغال على اللامعقول الذي هو قاعه ومادته وبطانته، بقدر ما هو لغمه او ربما سره ومحرّكه… وتلك هي المفارقة الأصلية، أعني الفجوة الوجودية، بين العقل وموضوعاته، أو بين الوعي وسراديبه، او بين الفكر وطيّاته. وهي فجوة تملؤها الاساطير والمحرّمات والتهويمات والرموز والنماذج الاصلية، كما تملؤها المنازع الطوباوية والرومانسية او القدسية والغيبية. ولا أعني بالغيب هنا الاحالة الى كائن أسمى، هو المصدر والمرجع والمآل، وإنما أعني به كل ما يند عن العقل المنطقي، الحسابي أو الاستدلالي او المصلحي او الادائي، من الميول والاهداف والمقاصد التي تشكّل محفّزات المشاريع البشرية، أكانت فردية ام جمعية. وهكذا فما هو خارج عن نطلق العقل يلعب دوراً مزدوجاً، إذ هو يشكل من جهة المحرك والحافز لمشاريع الانسان ومساعيه، كما يشكل من جهة ثانية المادة التي يعمل عليها العقل لتصييرها معقولة. [ سوية مزدوجة مرة أخرى أجدني أكرر قولي بأنني خفضت السقف الرمزي والمثالي، منذ زمن، في ضوء تجاربي وتأملاتي، ولذا لم أعد أؤمن بوجود عهود ذهبية او فراديس ارضية او ممالك تحررية… والشاهد تقدّمه فرنسا، مصدر الثورات وبلد الحركات والموجات التنويرية والتحرّرية، حيث المرأة تُعامَل ككائن من الدرجة الثانية. ما زالت السيطرة للرجل، بل ما زالت النساء تتعرّض للعنف المتفاقم بشكليه، الجسدي والجنسي. الأمر الذي جعل نائبة فرنسية في البرلمان الاوروبي تعلّق بالقول: من المرعب أن تشهد فرنسا، في العام 2011، تصرّفات « بائدة » من حيث المعاملة مع المرأة (مجلة « ماريان »، عدد 737، 4-10 حزيران 2011). ولا غرابة. فالمجتمع البشري لا ينفك ينتج آليات التفاوت والاقصاء والسيطرة، من وراء شعارات التحرر والتقدم والتمدن. وتلك هي المفارقة. لنعترف بالحقيقة: إن التاريخ لا تصنعه الافكار الكبيرة والقيم النبيلة والدعوات المثالية، وإلا لكان العالم أفضل بكثير، أو أقل سوءاً مما هو عليه. ما يصنع العالم، بدرجة كبيرة، من خلف أو من تحت الشعارات المعلنة والخطابات الرسمية والمشاريع الانسانية، هو التفاصيل الصغيرة والهموم الشخصية والمشاعر الحميمة والأحقاد الدفينة والمنازع العنصرية والعُقد المستعصية والنزوات الغريبة والنماذج البدئية او البدائية، وكل ما نحاول حجبه لكي يفعل بصورة مضاعفة وغير مرئية. بهذا المعنى تشكل الثورات التي نجحت في إسقاط النظام السياسي، لحظات تحريرية او تنويرية، استثنائية وخارقة. إنها بدايات، تشبه شهر العسل، بعدها تعود الامور الى سويتها المزدوجة الملتبسة المنسوجة من الفروقات بقدر ما هي مفتوحة على الصراعات، والتي تنتج المفارقات بقدر ما تضعنا على المفترقات، لكي نتردد أو نتوتر، بين المختلفات من التفاسير والقراءات، او بين المتعارضات من البدائل والخيارات. الامر الذي يتطلب الانخراط في عمل متواصل من المراس والجهد والمعاناة والمكابدة، اشتغالاً على الذات والافكار والواقع، لاعادة البناء والتركيب بالترقيع والترميم، أو الاصلاح والتحديث، او التخطي والتجاوز او الجمع والتاليف… [ الخلق والخرق إذا كنّا لا نقبض على الواقع، فما بوسعنا القيام به هو أن نخلق ما به نساهم في صنع الحدث أو نكون على مستواه، بتعديل الوجهة أو خرق الشروط أو تغيير قواعد اللعبة او اعادة ترتيب الأولويات… ولكن مع ادراكنا بأن ما نخلقه يتجاوزنا ويندّ عن سيطرتنا، أكان المخلوق نصاً أم حرباً، اختراعاً أم ثورة؛ ولأن ما نخلقه من الوقائع هو كذلك، فإنه يشكّل إمكاناً مفتوحاً على شتى الاحتمالات وتعدد التأويلات، بقدر ما يشكل فرصة، من جديد، لكي نُحسن ادارة الواقع وتسييره، بصورة ايجابية وبنّاءة، أو بأقل الأكلاف والأضرار، على أقل تقدير. خلاصة ذلك أن القضية هي أن لا نموّه المشكلة، لأن مشكلة الانسان هي مع نفسه بالدرجة الاولى. هذا معنى النقد الوجودي، بما هو محاولة لفهم ما نحن عليه، أي لما نطمسه ونستتر عليه، أو لما نجهله ونتناساه، او لما نتورط فيه ونتواطأ ضده، او لما نولده من المفارقات والتناقضات، أو لما نرتكبه من الفضائح او نحصده من الكوارث. ولكن للمسألة وجهاً آخر: فإذا كانت أعمالنا تفاجئنا، سلباً، بسبب ما نسميه الهوة الانطولوجية التي تسم بنية الكائن، فالعكس هو ايضاً صحيح، بمعنى أن هذه الهوة هي منبع الامكان ومصدر القوة، بقدر ما تشكل الفاصل الذي يقيمه المرء بينه وبين ذاته، اي مساحة اللعب التي تتيح لنا أن نتعامل مع معطيات وجودنا وأن نشتغل على وقائع حياتنا، بلغة الفهم الخارق والتخيّل الخلاق، كما يتجلّى ذلك مآثر ومنجزات. في اي حال قدر الانسان أن يواجه نزواته ونوازعه وآفاته، لمحاربة الطاغية الذي يسكنه، او المفسد او المخرب او الفاشي أو البربري، بالمراس النقدي الدائم، على نحو يحد او يكسر ارادة الانفراد والاحتكار والهيمنة والتوسّع و الانتقام والاستئصال

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات فلسفية
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية