Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
19 juillet 2011 2 19 /07 /juillet /2011 13:08

 

أندريه رابلوف 1969:الفن والجمال،والفكرة والمضمون،وكل شيء عن الإنسان


بلال سمير الصدّر
الحوار المتمدن - العدد: 3429 - 2011 / 7 / 17
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 

قام أندريه تاركوفسكي شاعر السينما الشهير بتصوير هذا الفيلم عام 1969 عن حياة رسام الأيقونات (أندريه رابلوف) وتعرض هذا الفيلم للنقد الحاد من قبل الجنة الرسمية لمؤسسة السينما والتي تضم عادة عددا من المسئولين الشيوعيين الحزبيين السينمائيين حيث تم الاعتراض على عرض تاركوفسكي لمسار الأحداث التاريخية وعلى مشاهد العنف فيه فتم حذف المشاهد العديدة منه وهذا الفيلم بالذات لم يرى النور إلا متأخرا بالنسبة لوقت إنتاجه
إذا فيلم أندريه تاركوفسكي الذي يعد الثاني في مسيرته الواقعية بعد طفولة ايفان يحمل في مضمونه وشكليته الكثير من المفاهيم والأفكار التي شكلت سينما تاركوفسكي،مع ابتعاده في المستقبل عن بعض الأفكار التي طرحها في هذا الفيلم،لذلك من الممكن أن يقال أن هذا الفيلم الواقعي هو أهم فيلم لتاركوفسكي على الإطلاق...والأهم من ذلك بأن تاركوفسكي في صراعه مع السلطة كان يتماهى ويظن بأنه يخرج فيلما عن نفسه أثناء تصويره لحياة أندريه رابلوف.
يفتتح الفيلم على مشهد يختصر مضمون الفيلم،ويعطي للمشاهد مفتاحا لأحد الزوايا الرئيسية التي من الممكن النظر إليها في هذا الفيلم،فهناك أحد الفلاحين يتعلق صدفة بأحد البالونات ومع فرصته النادرة هذه للطيران إلا أنه أثناء طيرانه فهو لا يستطيع أن يرى سوى مشاهد العنف المنتشرة بكثرة على الأرض...
أندريه رابلوف- (قام بالدور الممثل- Anatoli Solonitsyn ) الذي سيتعاون مع تاركوفسكي في فيلمين آخرين هما المرآة والمنطقة – ذو شخصية ليست إشكالية أبدا فهو متمسك بالتقاليد والعادات الدينية التقليدية من خلال مسيرته وسيرة حياته في هذا الفيلم سنلقي نظرة اجتماعية على الجهل المنتشر في روسيا في ذلك الوقت ولكن ليس من وجهة نظر معينة أو من وجهة نظر رابلوف بالتحديد وليس من خلال رؤية تاريخية مؤولة أو خاصة فعلى الرغم من أن رابلوف يمتلك صيغة نقدية إلا أن تاركوفسكي يبدو محايدا في تصوير التاريخ ورابلوف ليس سوى حكما-وهو ليس الوحيد-على أحداثه وعلى الزمن الذي كان يعيش فيه...
إذا قلنا عن الفيلم بأنه سيرة ذاتية فهذا صحيح ولكن هذه السيرة ليس المقصود منها فقط الرواية أو السرد،بل التصوير الاجتماعي والتأمل والتعليق على نموذج حياتي مستقيم في تاريخ مليء بالكوارث والجهل والتتار قد يكون الهدف من هذا الفيلم أيضا،لذلك يصح أن نقول بأنه فيلم عن محنة الإنسان الروسي ((الفكرية قبل المادية)) فنحن نعيش في خضم فكرة المقصود منها النقد والتوضيح والإيضاح،فهذه الفكرة مفعمة بالعناصر الشكلية الخاصة بتاركوفسكي في تطبيقه لهذا التيار الذي تحدثنا عنه وقلنا بأن اسمه هو تيار السينما الذاتية الشعرية...
فوقفات التأمل في هذا الفيلم تحمل قدرة ومضمونا للتأمل الداخلي في محاولة للوصول إلى داخل الشخصيات للوصول إلى الهم الذي يؤرقها وهواجسها والتفكر في روحها،بالإضافة إلى العناصر الطبيعية المغرم تاركوفسكي بتصويرها بل على تكثيفها في أسلوب جعل منه تاركوفسكي تيارا منفردا بدأ وانتهى معه.
فمشهد الشتاء سينهي الرحلة الأولى في حياة رابلوف،والعناصر الطبيعية سنشاهدها بتكثيف أكبر وأكثر في أفلامه القادمة عندما يتخلص تاركوفسكي من السمة الواقعية ليسمح لخياله عندها في التعبير عن أفكاره.
إذا قلنا بأن فيلم تاركوفسكي هذا ليس مجانيا بل كل حدث فيه محسوب بدقة وكل حدث فيه يهدف إلى أن يقول وينتقد،وهذه الجملة ربما لن تعجب النقاد لأن النقاد دأبوا على معاملة تاركوفسكي على انه فنان شكلي تأملي ومن النادر جدا أن نرى أو نقرأ لناقد يتعامل مع تاركوفسكي من زاوية النقد الاجتماعي،وعلى الرغم بأن هذا ليس موضوعنا ولكني في نفس الوقت لا أؤطر تاركوفسكي في هذا الفيلم ضمن المذهب الواقعي فقط.
تاركوفسكي في هذا الفيلم يقرأ التاريخ الروسي بلسان فنان وعيني مبدع،فهو يلقي نظرة مكثفة على واقع روسي مرير مع بدايات القرن الخامس عشر الميلادي مليء بمشاهد الإعدام والتعذيب ويأس الإنسان الروسي ومن الطبيعي إذا أن تتكاثر مصطلحات في الفيلم مثل الحقيقة والإخلاص والإيمان فالفيلم هو سيرة حياة شخص متدين يعيش حياة الرهبان وطبعا سيعامل وينتقد المجتمع ضمن خلفياته الدينية وليس من الغريب أيضا أن يكون أحد همومه هو النفاذ إلى الحقيقة،وكشخصية إيجابية غير منغلقة سينتقد مشاهد الإعدام ضد الخطاة بل وسيتهم الفاعلين بعدم الخوف من الرب،ولن نختصر الفيلم بكلمة واحدة بأن نقول عنه بأنه فيلم ديني ـولكن الحوارات الطويلة للفيلم ترتكز على المصطلحات الدينية بشكل أساسي...ولكن أليس الدين هو الموضوع الأثير لأي فنان يعالج تخلف القرون الوسطي...؟
سيبدأ رابلوف رحلة إلى أحد الكنائس في موسكو لأنه تلقى عرضا للرسم هناك ويبدو بأنه يمتلك شهرة واسعة في روسيا...وعندما يمشي في رحلته إلى موسكو متأملا مفكرا ضمن مناظر طبيعية شديدة التكثيف والعمق المشهدي،فتاركوفسكي هنا ينجح أن يثبت التكامل بين الشكل والمضمون وتنبع الأهمية الخاصة لهذا الفيلم من خلال قدرة المخرج على خلق هذا التكامل،وربما من أجل ذلك رابلوف هو أحد أهم أفلام تاركوفسكي على الإطلاق...
كل جملة في هذا الفيلم لها حكاية...فالفنان اليوناني الذي سيشاركه رابلوف في الرسم على جدار الكنيسة المذكورة يمتلك أفكارا تشاؤمية سوداء تتعلق بالجهل المحيط بالعالم،ورابلوف يستغرب قائلا:كيف ترسم وانت تحمل أفكارا كهذه؟!!
تأملات في صلب المسيح،وانتقاد حاد للفريسيين مع نعتهم بالثقافة،كما أن صلب المسيح بالنسبة لرابلوف هو أكبر تبرير على جهل هذا العالم،ويصاحب كل هذا مشهد تمثيلي تأملي لأحد الأشخاص وهم يحاولون تقليد مسيرة المسيح الأخيرة ووضعه على الصليب،في موسيقى تصويرية تدفع للتأمل باستمرار.
ومع تتابع مسيرة رابلوف هناك توضيح أكثر لمعالم تلك الحقبة السوداء من تاريخ روسيا،حيث سيصادف رابلوف في طريقه أحد الطوائف التي من الممكن تسميتها (بالخليستية) التي تؤمن بالخلاعة والمشايعة الجنسية كطقوس مقدسة لها وربما تمارس السحر الأسود،وعادة ما تقوم هذه الطوائف بهذه النشاطات في الغابات مكان رحلة رابلوف.
ومن الجدير ذكره أن تسمية الخليستية ظهرت في القرن السابع عشر ولكن وإن كانت هذه التسمية قد ظهرت متأخرة ولكن هذا لا يمنع أن للخليستية أصول في روسيا قبل ظهور هذه التسمية لهم.
عندما يصل رابلوف إلى الكنيسة يكون حكمه الأخير هو عدم الرسم على جدران هذه الكنيسة،لأنه لا يريد أن يطرح أفكار ويرسمها وهي مقررة مسبقا من رجال الكنيسة وهو بصورة أخرى يطالب بشيء مشترك مع تاركوفسكي ألا وهو حرية التعبير ثم يعرج تاركوفسكي طويلا على معاناة الشعب الروسي من التتار.
حتى الآن يصطبغ الفيلم بالصبغة الواقعية الحادة جدا،من واقع اجتماعي مرير إلى محاولة لتعريف الإيمان الحقيقي وتعريف الخطيئة وهكذا نرى المشهد الواحد ممتزج بعدد غير قليل من الموضوعات منها الديني ومنها الاجتماعي ومنها النقدي ومنها الجمالي ولكنها تجتمع مع بعضها في خلاصة واحدة ألا وهي الإنسان...الفيلم هو عن الإنسان كاختصار وكسيرة مجردة والدين يعتبر أحد المرجعيات لتشكيل وحكم هذا الإنسان ضمن نظرة تاريخية غير مؤولة على الإطلاق...
فيلم أندريه رابلوف هو فيلم استثنائي في مسيرة هذا المبدع الكبير،لأن الفردية أو الذاتية لا تتمحور حول رابلوف فقط،وهو أمر مقرر عند كل أبطال تاركوفسكي،ولكن المصير يخص كل الشخصيات حتى الهامشية منها ويصح أن نقول عن الفيلم بأنه فيلم عن الإنسان ومصيره وتضارب أفكاره وعلاقته بالمجتمع من حوله وقيوده الاجتماعية والدينية،وعن فكرة التدين نفسها، في فيلم للحوار فيه دور كبير ولكنه حوار غير متكلف ويتميز بالهدفيه فكل كلمة في هذا الفيلم لها دور في التعبير عما يريد أن يقوله هذا المخرج،من قصة وعظية إلى قصة تأملية،أو ربما قصة ملحمية مدموجة بعناصر تاركوفسكي الشكلية وهو بحق عبارة عن تحفة تستحق الوقوف عندها دائما.
فيلم أندريه رابلوف 1969 سهل الاستيعاب وقريب إلى النفس إذا أحب المشاهد موضوعه ويشترك في ذلك فقط مع فيلم طفولة إيفان،وهما الفيلمان اللذان دعوناهما بفيلمي المرحلة الواقعية،وعلى الرغم من كل شيء فالفيلم يتميز بالإطالة التي من الصعب الحكم عليها إن كانت ضرورية أم لا،خاصة بأن للمكان والزمان دور مهم في هذا الفيلم...نعم إن تاركوفسكي في هذا الفيلم ينحت في الزمن ويتمسك بصيغة واقعية في الطرح لن نراها بعد الآن-بهذه الصيغة على الأقل –في أفلامه القادمة حيث سيعمد إلى الكناية والرمز مع اعتراض مخرجنا الكبير على هذا الوصف حيث رفض أحكام النقاد عليه بأنه لجأ إلى الكناية والرمز،ولكن هذا صحيح-مع احترامي الشديد لرأي واعتراض المخرج- ففيلم مثل المرآة لا يمكن أن يصنف إلا في خانة أقوى الأفلام الرمزية في التاريخ السينمائي.




Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans شخصية العدد
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية