Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
22 juillet 2011 5 22 /07 /juillet /2011 23:05

 

عن النثر والشعر ..والشعر
بقلم : رابح التيجاني 
                              ​                
          أجهل الشعر  أجهل النثر
 أجهل الشعر ، أجهل النثر ، وأعرف الكتابة ،صبية عذراء أغشاها وتغشاني قبل أن تصبح مدام قصيدة أو السيدة مقالة، أعرف الكتابة قبل أن تذبح ق...ربانا أمام أوثان الإستطيقا ، وإن كان مشروطا أل تعتبروا الشعر إلا إذا أرقصكم فثمة في الصدر أنغام الحزن الجنائزية دندنات الفرح، ثمة ما يكفي مقامات وإيقاعات تركبها النفس وتموج حدوا ، وإن كنتم تستلزمون القوافي هاكم لهاثي وأنفاسي تواترا وتقطعا ، محطات أشمخ جذبا وحرارة من تكرار الروي أو السبب الخفيف أو الوتد المجموع أو المفروق ، سألتني عن رأيي في قصيدة النثر ، رأيي الموضوعي ، وأدخل ذاتي وأخرج منها وأسألني وأسألكم كيف أكون موضوعيا ؟ أأتحدث عن مجلة " شعر " وما أتيح لي الإطلاع عليها ! أأستعرض ما علق بذاكرتي عن تثوير اللغة وزمن الشعر والشعراء أدونيس إنسي الحاج يوسف الخال ، طليعة شعراء لبنان ، أأتناول شهادات الماغوط تجاه زمن الرداءة وعلاقتها بالشعر ؟ أأتموقف إزاء إفرازات الشعر بتونس وأتناول ظاهرة إبداع " غير العمودي   والحر "، أأخوض غمرة الشعر المغربي فأفاجئكم بأن مصطفى المسناوي في كتاباته القصصية شاعر وعبد الكريم برشيد في كتاباته المسرحية شاعر وأن عددا من الشعراء لاارتباط لهم بالشعر عموديا ومنثورا وحرا ؟ أأنطلق ابتداء من انتفاضات الشعر المعاصر وأعلج نازك من " الكوليرا " وصولا بها إلى الموت أو الحياة التي تكتنه قصيدة اليوم ؟ أأخرج بالسياب من تساؤله " هل كان حبا " وأنساب تدريجيا عبر متطلبات الواقع إبداعيا ؟ أأستند في جوابي تراثيا وأعانق ثورات الماضي وأستفسر ابن المعتز وأبا تمام والمتني والحمداني ونظراءهم ،أم أستفسر ابن الخطيب وكل وشاحي الأندلس والمغرب والتروبادور ؟ ؟ لن أفعل ولكني أسأل ما السر في كل هذه الضربات التي يتلقاها الخليل ، ولن أجيب فالخليل قد سقط فعلا أو لابد أن يسقط بشكل أو بآخر أو تسقط صنمية النظرة إليه ، وسيحتفظ له الشعر بفضل التأطير الإيقاعي لديوان العرب ، ذلكم التأطير الذي إن كان فيصلا بين فنون القول فإنه ليس معيارا للشعر ولا ضابطا لحدوده ومستوعبا لتطوره ،، وأنتقل عبر تساؤلي وأساير أراغون في سان ميشيل أو سان جيرمان ونجالس بعضنا في مقهى المنبع ونختلس الشعر من عيون إلزا فلا يكون إلا كما شاءت الكتابة ، كتابة أوتوماتيكية، تحتفي مقطعية اللغة الفرنسية وقوافيها ويكون الشعر ، كيف يكون ؟ كذلك يكون، وأتابع سارتر في تفريقه بين الشعر والنثر ، الفشل والنجاح ،الرقص والمشي ،وبالرغم من كل التنظير يظل الشعر خارج القمقم دائما ، وأسأل ت س إليوت  فيجيبني :" لم أستطع أبدا أن أحفظ أسماء التفعيلات والأوزان أو أن أقدم فروض الطاعة لقوانين العروض المعتمدة وليس معنى ذلك أنني أعتبر الدراسة التحليلية للأوزان والأشكال المجردة التي تختلف اختلافا بينا عندما يتناولها الشعراء المختلفون مضيعة للوقت ، وكل ما في الأمر أن دراسة تشريح أعضاء الجسم لايمكن أن تعلمنا كيف نجعل دجاجة تبيض "(1) ولو أن إليوت يستدرك بأن :" وراء أشد الشعر تحررا يجب أن يكمن شبح وزن بسيط إذا غفونا برز نحونا متوعدا وإذا صحونا اختفى حيث ان الحرية الحقيقية لاتظهر إلا إزاء قيود مصطنعة " (2)فإن أشعار إليوت نفسه وأرضه الخراب مترجمة حملت كل الشاعرية وهي خالية من الوزن والقافية ونبرية اللغة الإنجليزية.
      لا أريد أن أستطرد وأستنطق إزراباوند أو كولردج أو بليك فإن بعض أشعارهم لم نقرأها إلا مترجمة منثورة ولقد ظلت في مجملها شعرا ، إن الشاعرية الحقة لاتعتمد موسيقاها العروضية اعتمادا ولعل هذا ما سمح بالعرف على شعر حقيقي يوناني أو تركي أو إسباني وعداه مترجما ومنثورا ، غير أن شعرنا العربي بطقوسه يحمل من الإيقاع والبيان والبديع أكثر مما يحمل شعرا ، وتلك سقطته التاريخية التي لابد أن يبدع المبدعون في إطار تجاوزها ، ولا أنفي ضرورة الإفادة منها إلى حد ما ، ولنتأمل إلى أية درجة يمسخ الفهم الموسيقي حقيقة الشعر بالمقارنة فقط بين بعض الترجمات العيدة لرباعيات الحيام ، لا أطيل وأساند تقريرا أورده غالي شكري في كتابه " شعرنا الحديث  إلى أين " يقول :" إن إحلال كلمة النثر مكان الوزن لا تعبر إلا عن رد الفعل الذي يصنعه الشعراء ، فقصيدة النثر تقف في الطرف المقابل لما يدعونه بقصيدة النظم ، ولكن دعاة هذه القصيدة يلتقون في الواقع عند حدود المفهوم الكلاسيكي للشعر ، بمعنى آخر المفهوم الشكلي ، فليس النثر في قصيدة النثر هو الذي يمنحها قيمتها الفنية الجديدة ، وليس النظم  في قصيدة النظم هو الذي منحها قيمتها الكلاسيكية القديمة ، وإنما هناك شيء آخر لا علاقة له بطريقة تركيب الكلمات نثرا ونظما هو الذي يخلق ما ندعوه بالشعر " (3) ولو أن غالي شكري يستطرد في هذا المقام ليشيد بالشعر العامي فإنه حقا أصاب المفصل وحدد مواصفات الشعر الجديد معمارية وأبعادا ، وإن كان الإبداع العامي باعتبار ثرائه وباعتبار العامة المقصود الأول بالإبداع ، ولضرورات الوحدة والقومية ، فإن القصيدة البديل تشمله عنصرا محققا للواقعية والجماهيرية ، إن المنظور الشعبي للأدب عامة يستلزم أصلا تحديد الشعب أولا ، أهو الشعب اللبناني ، الشعب المصري ، الشعب المغربي أو الشعب العربي ؟ أشك ولا أشك في انحرافية أدب العرب وسقوطه في الشوفينية ، ولكن هذا التنوع وبأصوله العامية بالإمكان استيعابه في إطار البناء الجديد للقصيدة الجديدة ومن أشكالها قصيدة النثر ، وبذلك يصبح مصدر إثراء وليس حدودا حاجزة .
 
 
البحث عن القصيدة الجديدة 
      دائما في إطار البحث عن القصيدة الجديدة قد يعتبر ما قيل عن إبداع العامة موقفا رجعيا ،، حقا إن ثقافة الطلائع المتنورة كانت عبر العصور رأسمال ممنوع على الآخرين ، رصيدا في الأدمغة ، رصيدا يتم استعراضه بأبهة وتقسيط وبرمجة على الدونيين ، تحاول فرضه مدعية الإرتباط بالجماهير المسحوقة ومعاداة الكبار في الوسائل والمضامين ، هذا في أحسن الأحوال إذ أن أغلب ما وصلنا عن مثقفي العصور العربية لايعكس إلا المدح على أعتاب السلاطين جهارا ، طبقيا يمنع المتنورون شيوع ثقافة الجماهير ، تلك الثقافة التي تعني إقصاءهم أنتلحنسيا وبورجوازية صغرى عامة ، كما نصطلح على التسمية حاليا ،وتحطيمهم في إحدى مدعمات أشكال الممارسة ، إن البورجوازية صغيرة وكبيرة ، ونترك الكبيرة لله ، أقول إنها تعتبر أشكال الثقافة الشعبية ومضامينها سطحية مسطحة مبتذلة وبالمقابل تعتبر الفئات الشعبية ثقافة المتنورين ثقافة قصور ومجالس وصالونات وعوالم خاصة ولو تناولت شؤون الشعب وقضاياه ومشاغله ، إذ هي ثقافة تتوسل في كل مناحيها وأدواتها لغتها الخصوصية وقيمها الخصوصية نظرتها الخصوصية ، إن مسألة شيوع الأدب محكومة باعتبارات استراتيجية لكل فئة أو صنف أو طبقة ، والبرجوازية تجد مجالها في الوسائل السلطوية للتبليغ وتفرض بذلك قيمها الإبداعية والجمالية ، وتظل الثقافة الشعبية دائما مسارحها الشوارع الدور الحوانيت في كل مكان ، خارج سوق عكاظ أو على هامش قصور العباسيين ، بطبيعة الحال هي ثقافة مرفوضة رسميا ولكنها ثقافة الأغلبية التي كان يجب أن تصلنا وما وصلت أو أنها وصلت إلى حد ما متنكرة في غمرة ضحكات جحا أو حدائق كليلة ودمنة وليالي ألف ليلة وليلة والمقامات وزجليات المجذوب وسير الخوارق والأساطير والتحليقات التصوفية ،  ولو أننا فهمنا الشيء من ضده فإننا حقا ما نزال نعاني مشكلة التعرف على الثقافة الحقيقية من خلال الثقافات المزيفة وما يعتور ذلك من ملابسات ، ترفض الشعوب دائما أستاذية المسيطرين والموالين للمسيطرين وتصنع ثقافتها ، وبحكم السيطرة فالمعتقد أن تاريخ الأدب الذي قرأناه في المدرسة ما وصلنا إلا بحكم السيطرة ونحن لانملك إلا أن نقبله تاريخا ولكننا نرفضه إبداع الشعب العربي والأجيال ،من هذا المنطلق نتساءل ماذا حمل إلينا الشعر العربي ؟ وبطرح  أدق ماذا حمل إلينا الرقص العربي ؟ إنه باستثناء الشعر الذي تضمن تجارب انسانية ومعاناة حقيقية لا نعثر إلا على البحور طويلة ومتداركة ومساحيق الجناس الطباق التورية التضمين الكناية الإستعارة وما يؤكد البراعة اللغوية ، تجربة المتنبي وطرفة بن العبد وعروة بن الورد وأبي فراس الحمداني أوصلت أصالتها وغيرهم قليل ، ولكن أمام الخضم الهائل للشعر العربي نخجل حقا إذ لا يكون رصيد العرب شعريا إلا أسماء معدودة من خلال ملايين الأبيات ، وماذا أجدتنا علوم بيانهم وبديعهم وإني لا أدعو إلى تركها بقدر ما أتلمس مشارف القصيدة الجديدة مستغلة البيان والبديع والعروض في الظرف المناسب بحيث لا يستمر إبداعنا إلى الأبد توشية وزخرفة وموسيقى ، إسقاطا لطموح ترفي لا غير ، يتمثل من داخل الخيام نقوش القصور ويسير على رمال الصحراء العائقة راقصا ، جماليات الشعر  ،  هذا الوثن الضال والمضلل ،كيف تحدد قاعدة وتم شيوعها ؟ أتساءل كيف تسمح الكلمات لنفسها بأن تغرق في الجماليات والموسيقى الراقصة لتعرض للمتلقي قمم الحزن مثلا ؟ إنها الخيانة ، خيانة المظاهر على مر العصور ، خيانة الطبقات الظاهرة الطافية على السطح الطبقات المستفيدة أو السائل لعابها ، إنني بكل ملتقى أكون أو أريد أن أكون مكتنها للكتابة وتكون ألغازا ، أحاورها وعندما تملكني أو أملكها أمسك زمامها ، تنطق بي وتتبعني منقادة كظلي ونمشي حيث نشاء معا ،ةأنا وهي ، ننثر الخطو إذ تجرنا متاهة ، نرقص إذ تدغدغنا ريح مرحة ،نقف انبهارا أو احتقارا أمام حائط حيطان نختفي نظهر ،وإذ ينتهي المطاف أراها وأرى فيها نفسي وغيري ، أرى كل المخلصين مثلي أرى  الشعراء فيها .
        متحفية اللغة لا تستهويني بقدر ما يستهويني تسكعها بالحالة التي شاءت أنيقة أو مهلهلة بين الدروب وفي أصقاع الوجدان والفكر والواقع ، وأنحني لها إذ تكون متناسبة مع المقام ، قبيحة إذ تعببر عن القبح ، جميلة إذ تعبر عن الجمال ، أميرة وصعلوكة ، لامعنى إطلاقا لأن يكتسي التعبير دائما قناعا تجميليا يقتات بهموم الجماهير ويجعل من مشاكلها فنا جميلا لا غير ،إن أكذوبة إثارة المشاعر والتأثير فيها بالكلام العذب المموسق لا يهضمها إلا الذوق الأرستقراطي الذي يحنط هذه الأعمال ويدرجها في إطار التحف الفنية ، أتساءل كيف يأتيك الناعي وهو شاعر يخبرك بموت فلان يقول لك ماااات فلان مااااات  كان موته عظيما عظمة البحر موكب جنازته تظاهرة حاشدة غرق جثمانه بين الناس وذااابانتهى ،إنه تصوير يراعي أن يبلغ أمرا بوائل خائنة ، إن المحسنات البلاغية أفسدت علينا اللغة وما تحمله اللغة ، وماذا يهمني أنا من كل هذه الطقوس ؟ لو دعيت كإنسان يعاني حقا من موت هذا الفلان لصمتت أو بكيت أو قلت شيئا لست أدريه ، ولكنه هو ، إنه الشعر وهذا ما يجب أن نبحث عنه ، وليكن كيفما شاء  موزونا أو منثورا ولكن إنه سيكون بكل إطلاقية الكلمة ، الشعر الشعر المفقود .
 
 
الفوارق والقواسم
     لعلنا نتجاوز في حديثنا هذا فارق الشكل بين قديم الشعر وحديثه ، وأكيد ان الفارق ليس شكليا فحسب ، وقد أشار إلى ذلك غالي شكري ،إن المعيار التفريقي بين القديم والأنماط التجريبية الحديثة لا يمس الشكل دون المضمون وهذا ما يجعل الحديث عن قصيدة النثر متجاوزا للفوارق الشكلية وممتدا إلى جوهر الشعر عامة ، وإذا كان سارتر يقر بأن " اللغة الشعرية تنبجس فوق أنقاض النثر ، وان في كل شعر شكلا من أشكال النثر أي من أشكال النجاح ، فبالمقابل فإن النثر الأكثر جفافا يحتوي دوما على شيء من الشعر ، أي على شكل ما من أشكال الفشل " ويضيف سارتر :" إن أي ناثر مهما كان صاحيا لا يصل إلى الإفهام لما يريد أن يقوله فهو يقول أكثر أو أقل مما ينبغي وكل جملة هي رهان مجازفة أخذها على عاتقه وكلما تلمس طريقه ازدادت الكلمة تفردا "(4).
        أقول إذا كان سارتر يقر بهذا فواضح أن المسألة وفق هذا النسق من التحليل ليست مسألة كتابة شعرية أو مسألة كتابة نثرية ، ولكنها قضية تعبير بالدرجة الأولى، ونستمر مع سارترفي معرض مقارنته يقول :"إن التزام الشاعر الحديث هو التزام الانسان بأن يخسر وهذا هو المعنى العميق لذلك النحس لتلك اللعنة يعزوها إلى نفسه دوما والتي ينسبها دوما إلى تدخل من الخارج في حين أنها أعمق اختيار له ومنبع شعره لا نتيجته ،إنه متأكد من الفشل الكلي للمشروع الانساني وهو يعد نفسه للفشل في حياته الخاصة حتى يكون شاهدا بهزيمته المتفردة على الهزيمة الانسانية عامة ،  إنه ينقض إذن وهذا ما يفعله الناثر أيضا ، لكن نقض النثر يتم باسم نجاح أكبر في حين أن نقض الشعر يتم باسم الهزيمة المستترة التي يخفيها كل نصر "(5).
     وسارتر يقيم هذه التوازنات ليخلص إلى الشعر المحض أو النر المحض ونحن هنا لسنا بصدد عرض للوجودية المتجاوزة بقدر ما نريد استخلاص رأي وارد بخصوص معضلة التعبير باعتبار :" أن الإيصال مستحيل وأن الكلمة أداة لهزيمتنا ومخبأ لما لا يمكن إيصاله وصولا إلى القضية ، قضية البنى المعقدة غير الصافية والواضحة الحدود "(6).
      أعتقد أن الصيغ النثرية إلى حد ما جاهزة دائما أما الصيغ الشعرية فإنها تستحضر من خلال طفوس معينة شكلية ومضمونية ، ولكن مع ذلك قد يكون استحضارنا للغة الشعرية سقوطا في صيغ جاهزة باعتبار أن اللغة معين  يغرف منه الشعر والنثر ، ثم إن هناك صيغ شعرية جاهزة نجدها في الأمثال وفي بعض التعابير لدى العامة تكونت منذ قديم وصارت تعبيرا عاديا يستعمل استعمالا نثريا ، وهذا وإن كان يقود إلى حصوصية الشعر وأن النثر عمومي  فهو ليس فارقا ، وإن التعبير كان جاهزا أو غير جاهز محتاج إلى روح ما تجعله شعريا ،تلك الروح التي يمكن أن تمس اللغة العادية أو اللغة المصنوعة ، ثم إنه ليس مشروطا دائما في الصيغ الشعرية ن تكون مقفاة موزونة كما أنه لا يعيب الصيغ النثرية خلوها من الوزن والقافية وإنما فضل الشعر هو الإفادة من إمكانات العبير شعرية ونثرية إلى الحد الذي يجعل فعلا العمل المنتج إبداعا وخلقا .
 
 
موسيقى الشعر
     فيما يتعلق بالموسيقى في الشعر فإنها لا تخلقها رتابة الإيقاع وتكراره بل يمكن أن تنتج الموسيقى من تنوع الإيقاع أو التفعيلة ، وإن لكل كلمة بناء إيقاعيا يتحدد من خلال صوائتها وصوامتها ، فإذا أضفنا إلى كل ذلك ما تلبسه اللغة من دلالات وما تنتجه تقنية الكتابة من صور وأوضاع وتراكيب خاصة تبين لنا كيف يمكن أن يكون الشعر ولو في إطار تركيب نثري لايعتمد البيت أو السطر أو التفعيلة المحددة ، أتساءل كيف لا يمكن للمتلقي إدراك موسيقية الكتابة إلا إذا كانت متكررة حسب تفعيلة معينة ؟ فإذا كانت لكل كلمة بنية إيقاعية وإذا كانت ارتباطاتها بكلمات أخريات يقود إلى خلق سلسلة من الإيقاعات قد تكون متجانسة أو متنافرة فكيف لا يكون الإعداد لتصورها وتلقيها كذلك ؟ هناك في الموسيقى المغناة أو المعزوفة جمل موسيقية لا تعتمد إيقاعا واحدا متكررا ، ثم أليس في الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم ن تقسيم على مقام الصبا مثلا أو الحجاز أو النهاوند أو البياتي ؟ إن هذه التقاسيم نثرية بحيث إن أداءها يتم دون إدخال الإيقاع في الاعتبار ، لماذا الشعر وحده نريد منه أن يكون موزونا ؟إننا نسمح للنثر بأن يخرج من نثريته ويتأطر في بناء موزون مقفى كما هو الحال في سجع  المقامات وفي بعض الأمثال ولكننا لانقبل العكس ، لا نقبل أن يسترسل الشعر ويتخلص من قيده .
       إن النظرة الأرثوذوكسية إلى الشعر قد تؤدي به إلى الإنقراض كما هو الحال في العلوم المحتكرة سابقا والتي أحيطت بهالات من التعجيز والحصوصية كعلم السحر مثلا . ولنعد إلى الإيقاع وعلاقة بنية الكلمة به في الموسيقى المعزوفة ، نجد مثلا إيقاعات موسيقية ثنائية ثلاثية رباعية إيقاعات بلدي مصمودي صحراوي وهذه الإيقاعات يؤشر لها ب"دم"و"تك"وترتيب هذه الدم والتك وفق تشكيل معين يعطي الإيقاع مثلا  :دم تك دم دم تك ، هذا إيقاع موسيقى يعتمد دم ويمكن تشبيها بمتحرك في تفعيلة فاعلن وتك ساكن ودم دم تك وتد مجموع التفعيلة ، ونقيس على ذلك سائر الكلمات أو التفعيلات ونرى أن أساسها إيقاعي حقا ، ولكن لا تتجلى بصورة واضحة خصائص هذا الإيقاع مثلما تتجلى في الموسيقى ، ولكن ما يهم قوله هو أن أخذنا لإيقاعات متعددة في آن لاينفي أننا لانستعمل إيقاعا ن مثلا ن فاعلاتن مستفعلن فاعلن فعولن مفاعيلن فعلن ، إن بناء الكلمات هكذا أو وفق أسلوب مشابه لايعتمد تكرار تفعيلة أو تفعيلتين لم تألفه الأذم في الشعر ، ولعلنا بحاجة إلى التأكيد على صرورة توافر الأذن لدينا على قدرة تستطيع أن تنتزع الموسيقى من خلال تعدد الموسيقى والإيقاع من إيقاعات ، لا أن تظل حبيسة الرتابة المعهودة ، دم دم تك دم تك ، فعولن ، وكفى. إنك وأنت تستمع إلى الدقة المراكشية تماما وكأنك تستمع إلى أرجوزة أو معلقة ، بناء محكم وإيقاع محسوب ، كل خروج عليه يستوجب تكسير التعريجة على رأس من أخل بالميزان ، ومع ذلك يستطيع الإيقاعي البارع تقسيم الزمن الواحد إلى أزمنة ويسميه "الزواق"إلا أنك وأنت تكتب الكلمة تستطيع أن تحذف ولكنك لا تزيد ساكنا  أو متحركا في صلب البنية عدا الترفيل والتذييل  ولو بدعوى الزواق  مع أنه من الممكن ذلك بشرط إدماج الزيادات في زمن معين عند القراءة أو الإلقاء وتخصيص زمن معين صامت للمحذوفات عند القراءة أو الإلقاء أيضا ، ونتناول إيقاعات الحيدوس أو الهيت ، إن هناك تصريفا للوزن بشكل غريب أحيانا يجعلك تعتقد أن الوزن مختل أو أنه لا وزن هناك ، نقرات متتالية على البندير بدون نظام هو النظام نفسه ،حقا إن هناك وزنا محددا لا يقبل التمازج مع وزن مغاير ولكنه وزن متفتح على الإضافة والتحرك وهذا ما نعدمه في الإيقاع الشعري ، إنه الوزن الخفي الذي تحدث عنه إليوت إلى حد ما .
      إن الفرق بين إيقاع الكلمات وتراكيبها التي تخلقها بنفسها وبين القصيدة التي تريد أن تحبس كلماتها في إيقاع معين مسألة لا تحتاج إلا لمزيد من المراس والقدرة على فهم واستيعاب التعدد ، ولست بحاجة إلى القول بأننا مدعوون إلى إبعاد ونفي ما بصم به إرنست رينان وأتباعه من الأعاجم عقلياتنا بأنها عقليات توحيدية لا تستطيع النفاذ للمركبات والمعقدات ، ومجال الموسيقى أيضا يحكمه ما يحكم الإبداع إذ لا نجد قدرة على فهم وتطبيق الموسيقى من خلال تنزع في النظرة بحيث تكون العقلية المبدعة والمتلقية جامعة للأقانيم وممتدة في نفس الموضوع الإطار ، إن عدم وصولنا في الموسيقى إلى ما يسمى بالتناغم يقابله حقا قصورنا في مجال الإبداع الشعري وعدم تمكننا من استخلاص الشيء من اثنين وإدراك الشعر سواء في الشعر أو النثر ، إننا أقرب إلى  الخيل التي تحاذي عيونها بقطعتي جلد   لترى طريقا واحدا أمامها فقط : الشعر يعادل التفعيلة والنثر انسياب وما عدا ذلك فلا شيء هماك.
       إن الشعر يكون قبل أن تكون اللغة وحدودها ، ولكنه باللغة يكون ، فباستحضار اللغة باعتبارها المميز للكائن الإنساني ووسيلة تعبيره الأولى بها نقول الشعر أو نقول عداه ، قد تحتوي هذه اللغة على الشاعرية المسكوبة وقد تظل بعيدة حاملة كل كلمة فيها مدلولها الخاص مضافا إلى المدلول الخاص لكلمة أخرى ومدلول خاص لكلمة أخرى ونكون أمام حالة مثيرة فعلا قد تقترب من الشعر بمبهماتها ، ولعله كان من باب التحديد إضافة قيود إلى الشعر أو أن الشعر تميز بالأشكال التي نراها عليه من وزن وقافية ، ولكننا بالنظر المتأمل نتأكد من أن الوزن مستوعب للنثر أيضا ثم إن عددا من القصائد العمودية لا تختلف في شيء عن النثر ،وإنه لمن الأكيد ما دامت نقاط الائتلاف بين الشعر  والنثر أكثر من نقاط الاختلاف أن يتحدد الشعر بمعياره الحقيقي ، معيار تضمنه لحقائق  وتجليات وحمولة وخلق شعري ،لا كونه مقيدا أو غير مقيد.
        إن الكلمات وموسيقاها الداخلية وتراكيبها أحيانا وتجانس الكلمات ودلالاتها أمر بيد هذا الشاعر والناثر لا فرق إلا في استعمال هذه المواد ، بل إن النثر بتراكيبه المعتادة والأكثر تحررا تتضمن غالبا من الشعر  ما تعجز دونه الوسائل المعقدة التي أرادوها لتحديد الشعر في حين أنها تعمل على نفيه في الغالب الأعم ، ومالنا ولهذا الشعر الذي عزلناه بأقانيمنا ثم ها نحن نتحدث عن "علاقة الشعر بالفنون الجميلة بالرسم ، علاقة الشعر بالموسيقى " (7)علاقة الشعر بالرياضة  الفكرية .
       لا أشك في أن الشعر هو كل الفنون وأن التعبير عنه دائما تعبير جديد له مكوناته التي تنشأ بوجوده ، قد تكون البنى الموسيقية الناتجة عن تناغم الكلمات ، قد تكون الإيقاعات المتكررة ،قد تكون الصورة أو الكاريكاتور ، قد تكون الحوار الداخلي أو الحوار مع الأشياء ، قد تكون اللقطة ، قد تكون البنيات الدرامية الملحمية ، قد تكون الغنائيات البسيطة و قد تكون اللوحات التركيبية ، قد تكون الخاطرة ، إن كل هذه الإشكال لا يتحدد مدى استعمالها إلا من خلال المضمون وبأسلوب جدلي لا أولية فيه للمضمون دون الشكل ولكن لهما معا . تبقى مسألة بنية الكلام الشعري وهذه في نظري مضاف إليها طريقة الفهم الشعري والتناول هي المميز الفصل للشعر ن إن موقف الشاعر الانسان تجاه الأسئلة الكبرى هو ما يحدد الشعر ، وليس الوقوف أمام الأسئلة يستدعي دائما أجوبة ، إن الشعر وهو متناول للميتافيزيقا أو كاشف لملكوت النفس وارتطامات الانسان بالأشياء بالكون ، بعلاقة الانسان بنفسه علاقاته مع غيره مع معطيات الوجود وغيبياته يظل شعرا بمعنى إنه مستوعب لخلاصات التجارب الانسانية ومحرك لها ، ومن ثم فإن استيعاب التجربة الانسانية في الكون وتحريكها ليس بالضرورة استيعابا متحفيا ، وأقول بالضرورة ، فكلما كانت متحفية الإبداع عائقا دون الإبداع أو شيوع الإبداع كان من الأولى إعطاء الأولوية للإبداع بتلقائيته واعتماده لشروطه الخاصة التي تأتي مع الخلق ومن ذاته لا إسقاطات جمالية محددة يتم إلباسها لكل التجارب دون مقاسات اللهم كونها موضة العصر موضة الكتابة .
      وأتصور القصيدة عملا مفاجئا ، فالقارئ أو المتلقي تعود على الشعر ، شعر الأبيات ن شعر كلمة في سطر أو كلمتين ،ومن الناس من يقلب الصفحات كلما تأكد له من خلال هندسية الكتابة أن الكلام شعر ، لهذا تأتي القصيدة الجديدة وفي ركابها قصيدة النثر شراكا يستدرج القارئ أو المستمع ضمن أشكال معتادة لا تدعي التميز عن الكلام العادي المنثور ، وتربح القصيدة قارئا كان يعتقد أنه يقرأ مقالة ينهيها ليعود متسائلا أي شكل من أشكال النثر هذه الكتابة ليتيقن من أنها شعر ،إن طقوس الكتابات الشعرية القديمة عزلت الشعر ولا نخفي أن من بين القراء من يتجاوز صفحات الشعر هربا من وجع الدماغ ومن الخواء في حين أنه ما من أحد لا يقرأ النثر ، كلنا قارئون للنثر ومتحدثون به ، ولكن من الشعراء من يريد أن يجعل من الشعر مملكة لا يغشاها إلا المقربون ، ومن هنا فالعودة إلى الأشكال العادية ضرورية لتحرير الإبداع كلما كانت التجربة انسيابا لا يستدعي هذه الوقفات والأسطر ، أفرأ قصائد وأكتبها أحيانا تضم في  كل سطر منها كلمة أو كلمتين ، هكذا ، وألمس نوعا من السلطوية ممنوحا لكلمة في سطر واحد أرادها الشاعر مفتاحا للقصيدة أو معلمة بارزة من معالمها  ، غير أن عددا من هذه التجزيئات اللغوية تجعل الكلمة تلعب لعبتها الخاصة ، لعبة حمل دلالتها أكثر من اشتراكها لتأدية معنى مخلوق ، وبذلك يكون اندراج الكلمات ضمن جيش تعبيري متماسك أكثر ايحاء وأداء ، بمعنى أن اختفاء الدلالات المفردة للكلمات في السياق نسبيا وتضافرها لتأدية معنى ينتج التحاما بين دلالات متعددة هو ما يجعلنا نتلقى ما نتلقى من معان مقصودة ناسين الوسيلة وكل المتاهات الشكلية ، وأمثل لذلك بكتابات بعض المتصوفين وأبرزهم النفري ، لا أعتقد أن مواقف النفري نثرية ولا كتابته أيضا وإلا بماذا نفسر هذه القوة التي تجري في كلمات معتادة ومعتادة جدا
 
 
 
الغموض والوضوح 
      قضية أخرى: غموض الشعر ووضوح النثر  ، قضية مردودة لأن الوضوح والغموض مرتبطان بالموضوع المعبر عنه وليس بالنثر أو الشعر ، قد يكون النثر غامضا إذا كان ما يراد التعبير عنه غامضا وقد يكون واضحا في الأغلب الأعم باعتبار أن المرامي التي يستهدف التعبير عنها عادية بعكس الشعر الذي يتلبس الغموض اعتبارا لتعقد التجربة أو استعصاء المجال المتناول أو حتى جدة التركيبات اللغوية ، تلك التركيبات غير المألوفة إلى حد ما ، وهذا لا ينفي أن يكون هناك شعر واضح وضوح النثر العادي ترتكز حرارته في نقل موضوع أو موضوعات معينة ، إلا أن أغلب الشعراء يخيفهم هذا الوضوح وكأنه نفي للشاعرية فيلجأون إلى تغليف هذا الوضوح بأصباغ ومحسنات بلاغية وتفنن عروضي وكأنهم بذلك يضيفون إلى شعرهم من الطقوس ما يكفي لتمييزه عن النثر، والواقع ان غموض الشعر أو وضوحه في القصيدة العمودية أو قصيدة النثر لا يتحدد إراديا أبدا ، أما حال المعاجميين المتعاملين مع الكلمات وإفرازاتهم فشيء آخر سواء في الشعر أو النثر.
 
 
 
خلاصات
 أعتقد أن تشتت الأشكال الفنية الأدبية هو ما يجعل كل الفنون مفتقرة ، ولعل مقولة إن الشعر ديوان العرب ما كانت لتكون لو طفت فنون أخرى أو ساعدت طبيعة العرب على تواجد فنون أخرى وآداب بنفس مستوى القصيدة ، وحقا لقد وصل الشعر ذروته خلقا وشيوعا وفاعلية ، ولكن ومرجلتنا الحضارية مختلفة تماما عن العصر الجاهلي والحالة ان الفنون وجدت مجالاتها وتمسك كل فن من فنون القول أو التعبير بمقاييسه وأثرى في حدوده الخاصة ها نجن نجد كل الفنون متطاولة ولا نجد فنا واحدا يعبر عن الانسان تعبيرا جامعا مانعا كاملا شافيا ، إن الاجتزائية في مجال التعبير الانساني دعت الكلمة إلى جمع مقاييس ومعايير حولها وانفردت عن أخواتها لتكون هذه قصيدة وهذه قصة مع أن المفروض أن جل الخلق الانساني في ميدان التعبير عن الذات والواقع وما وراءه هي شعر ، الرسم شعر والموسيقى شعر ،وهكذا ، وإني لا أرى الشعر إلا شاملا لكل الفنون الأخرى وأنواع التعبير بما فيها النثرية.
        إن كل الأشكال التعبيرية تضم بين ثناياها شيئا من الشاعرية ، لكن الشعر بشموليته واعتماده على أبدع ما تميز به الانسان وهو اللغة المنطوقة قادر على ضم مختلف جزئيات أشكال التعبير المختلفة بمعنى أن الشعر قد يستوعب الموسيقى كما هي وموسيقى العروض أو الموسيقى المقطعية أو الإلقائية ، قد يستوعب الرسم وقد أكد هذا الإتجاه الدادائي ، قد يستوعب الكاريكاتور وقد يستوعب جماليات النثر من سجع وخطابية كما أسلفت ، لماذا نريد حصر الشعر في نطاق معين ، أعتقد أن الراسم وهو يرسم أو الموسيقي وهو يلحن يقوم بعملية إبداع شعري ،قد تختلف وسائل التبليغ ولكن يظل العمل شعريا ، لماذا لا يسعى الشعر إلى توحيد شتلته فيشمل كل أنواع التعبير حسب الإقتضاء . فكرت مرة في قراءة قصيدة نثرية بشكل غنائي وكنت قد كتبتها مدندنا بنغمات مسترسلة ولكن الإقدام على المغامرة راعني ويشهد الله أن كتابتها بدون تصنع جاءت مصاحبة للموسيقى ،  ليس العروضية ولكن الموسيقى ، مقطع على الصبا أشد النغمات جزنا ومقطع على الحجاز أشد النغمات تجسيدا للتيه والغربة والحنين ، وقد يتحداني قارئ للقصيدة أين هي الموسيقى ؟ إنه يسأل عن  العروض وقد تجاوزتهلأخفي ما يسميه منثورا إلى الموسيقى الخالصة . لماذا نفرض على الشعر شكليات مستقاة من عنده مع أن كل المظاهر التعبيرية الأخرى هي جزء منه ،  قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا بقراءة معينة مغناة أو ممسرحة ، قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا طبق رسم معين ، إن الشعر سائر إلى الإنقراض بانفراديته وابتعاده عن طبيعته التي هي شاملة لكل الوسائل.
       أتصور سوق عكاظ وشاعرا من إياهم يقرأ شعره ، لاشك أنه وإضافة إلى العروض كان الشاعر خطيبا وممثلا ومهرجا ومغنيا وراسم حركات على الهواء وغلا ما كانت له كل هذه القوة في حفر قصائده في الأدمغة .
     إن الشاعر بالضرورة لا بد أن يكون كل الأدب والفن ، ولا أعتقد أن الرسام مطالب بأكثر من فهمه للغة الألوان  ، الرسام في حدود تعامله خصوصي ويتحرك في مجال معين ولكن الشعر قاسم مشترك في كل المجالات ، لذلك لا يستغرب أحد إذا رأى قصيدة على شكل نثر قصيدة خطية قصيدة لوحة قصيدة أغنية قصيدة رواية . إن الشعر هو كل الأشكال والمضامين وليس الكلام الموزون المقفى ، ومن ثم كان سؤال " العلم " محرجا لي أيما إحراج إذ أطالب بالحديث عن قصيدة النثر بدل الشعر عامة .
     ولأننا نعيش عصر الثورات والإيديولوجيا ، لأننا نعيش كل العصور التي مضت والعصور التي لم تأت بعد فأنا لا أسقط التناولات التحليلية التفسيرية للواقع الداعية إلى استشراف آفاق أخرى ، فالشعر بطبيعته تجاوز غير أن التناول أيضا لا يمكن أن يكون كما أرى إلا اختزانا وتخميرا لكل العناصر التي تفرز العمل الإبداعي عن أصالة ، وأعتقد أن هذه الإفرازات لا يمكن أن تكون إلا تجاوزا للحدود المرسومة. الشعر موقف مختزل إزاء الوجود انطلاقا من الذات عبورا بالأشياء بالكون  بما يعتمل الآخرين ووجود الآخرين وقوفا بالأسئلة الكبرى ، ارتطاما بها ، خنوعا أمامها أو تجاوزا ، وبذلك لن يكون الطرح الحقيقي للإبداع إلا ذلكم الطرح الذي يصدر عن انسان مختزن كل عناصر الحياة والموت وليس مختزنا لحدود الشعر وحدود النثر ، ولن تكون أشكال هذا التعبير إلا أصيلة أصالة الإنسان نفسه لم تكسرها العصي التي ورثناها . إنها عودة بالكتابة ليس إلى النثر وحسب ولكن إلى ما أراه أصلا قبل التشتت ، فلا شك أن الناس لا زالوا يتساءلون أيهم الأسبق الشعر أم النثر ولا شك أنهم أدلوا بما شاؤوا من نظريات ، ولكن انطلاقا من تجربتي حالة الكتابة أجدني أقرب إلى الإنسان الأول الذي اعتقد أنه عندما كان يقف أمام بحر أو جبل تختلط معاناته لتبرز همهمات إشارات تغيرات فيزيولوجية كلاما رقصا أو تلاشيا ، نوعية هذا التعبير لا أستطيع أن أحدد مواصفاتها ولكن أسعى إلى استخراجها كلما حاولت الكتابة مستفيدا مما يغشاني من ترسبات ورصيد مستجمع لخبراتي تواجدا واطلاعا ومعايشة ، مستفيدا وغير مستفيد إذ أريد ألا تحصرني التصنيفات والأقانيم والتخوم الموضوعة : هذا شعر هذا نثر هذا كلام مسرحي . لا أشك أن هذا التخصيص للنوعيات كان ضرورة اقتضتها ضرورات ، ولكن أومن إيمانا عميقا بأن الشاعر لا بد أن يكون الانسان الأول على حد ما في سذاجته وبراءته وانفعاله بالكون والأشياء، ولأن انفعال الانسان المعاصر ليس انفعال سيدنا آدم والله أعلم فلا شك أن إفرازات المتأخرين ستكون أشد حرارة وقوة وما هي كذلك . 
   إن استهلالية المتنبي " واحر قلباه ممن قلبه شبم " تبز عديدا من التوعكات والتأوهات المعاصرة ، لا يعني طرح هذا الحديث تكريما لمن سبقوا وللبدائية وليس مثالية أو عوما فكريا ، إني ملتزم ولدي قناعاتي كما كان الانسان دائما ، كان الانسان يؤله الشمس أو القمر يعظم الشجرة أو قرون بقرة ، كانت تلك قناعات واليوم الانسان يؤله شيوعية أو رأسمالية ، قصيدة شعر أو قصيدة نثر أو يرفض الكل . إن ما يؤكد دعواي اننا نجد أكثر الكلام شاعرية كلاما أقرب إلى الخرافية واكتساء ما يمكن أن أسميه الجهل أو التجاهل للأشياء واختلاط المفاهيم في الذهن ، إنها عودة إلى موقف شعري ، قبل الشعر وقبل النثر ، موقف بدائي ولا شك . إن الشعر يرتضي أن يكون أكثر العلوم جهلا وتجاهلا للأشياء ، خلقا لها بشكل آخر ، فالشاعر إذ يقف أمام دمعة حزن في العين ويراها بلورا ودرا منثورا إنه ليس سخيفا إلى هذا الحد بقدر ما هو رؤية استقبالية تختزن أملا مفقودا أمل لو كانت دمعة الحزن شيئا آخر ، لذلك أعود إلى نظرتي إلى الكتابة ومضمون الكتابة مؤكدا على أننا استنفذنا الأشكال الموروثة متحفية مستوردة ، طبقنا في كتاباتنا حدود كل المدارس وقد نكون بلغنا شعرا ولكنه شعر تبعي إلى الخليل في طرق تفجيره تبعي للعالم المتقدم في أبعاده وأشكاله أيضا ، خصائص اللغة الفرنسية مثلا ليست خصائص اللغة العربية ، رصيد هذه اللغة الحضاري التاريخي ليس رصيد العربية ، قد يكون أقل أو أكثر ، هذا ليس مهما ولكنها ليست نفس الخصائص ، نعم إن التجربة الانسانية تظل واحدة بالرغم من تنوعاتها ولكن التعبير عن التجربة إذا افتقد خصوصياته الحضارية التاريخية اللغوية فقد مسخ ، وقد يواجهني مواجه إذن لماذا نقبل قصيدة النثر فأقول بأن كل الحيوانات تصدر أصواتا وإنها مشتركة في صفة الحيوانية ولكن بعضها يموء وبعضها يزأر وبعضها ينبح وبعضها لايمكن أن ينبح إلا وهو يعض أو يتراجع وإنها الخصوصيات التي افتقدناها .
       إن مقولة أن الأدب عالمي قد تصح ولكن من يروجونها يروجون أيضا للقوالب والأشكال التي وضعوها هم. ماذا وضعنا نحن عدا ما وضع الخليل ؟ وصلنا إلى تثوير اللغة وصلنا إلى نثرية القصيدة، إلى الكتابة الأوتوماتيكية ، إلى تطبيق مختلف المدارس النفسية والأدبية عموما على أدبنا العربي ؟ وكنا مستوردين وظل أدبنا غير ممثل كل التمثيل لحقيقة تحولات العالم العربي ، لا زالت القصيدة إطرابا للأذن إنشادا ولا زالت المضامين عبدة لا يمكن  أن تكون إلا تابعة ، المواصفات اختلطت ، ومعنى هذا أن البحث عن أشكال تفجيرية للشعر العربي أمر مطروح ، ولا أعتقد أن الشعر العمودي يمثله اللهم في خلق غنائيات محدودة نفسا وموضوعا وهي مرتبطة بالمترفين ومطربيهم ، إني لا أرى الشعر العمودي الآن حيا إلا على الأعتاب ، ولا أعتقد أن النثرية بانطلاقاتها تجسد البديل لتحطيمها للعروض والفواصل بين كتابة وكتابة ن لعلهم في القديم اختاروا إيقاعاتهم وحدوهم وعاء لحفظ إبداعهم وقد حفظ الإيقاع ووعى وظل في الصدور ونحن لا نكتب وننتظر من الرواة تناقل قصائدنا فنسهل عليهم مهمة استرجاعها بالمجالس . إن الشعر لم يعد بضاعة يخرجها الساحر من قبه ليدهش  المجالس ، ثم هذا التكثيف الشكلي هذا الحبس للتجربة في نطاق محطات وقوف تذكر بما مضى وتعد بما سيأتي تطرح صائتا لينذر بأن صامتا بعده أصبح متجاوزا. أن تحفظ القصيدة أمر لم يعد مطلوبا باعتبار أن ما يعمله حماد الراوية طوال عام قد تقوم به الصحيفة في دقائق وبذيوع أكبر.
       إنهم يريدون جعل الشعر علم الخاصة ، يحتكرون الثقافة مع أنها رأسمال شائع بقدر أو بآخر لدى الجميع ويمكن التأكيد لذلك بإبداعات الشعب في أمثاله وحكمه وممارساته الخلقية عامة .
       إن القضية ليست قضية شعر أو  نثر ، إنها قضية تعبير بالدرجة الأولى وإن أغلب الكتاب تدرجوا شعراء ثم قصاصين أو العكس أو اختلط عليهم الأمر وهم يبحثون عن التعبير الشامل ، ولعل احتفالية برشيد في المسرح اقتراب حقيقي من أصالة الانسان وأصالة تعبيره وشموليته ، وأعتقد أن الشعر أيضا يجب أن يرتد إلى أصوله التي افتقدت وما تبقى منها عبر عمليات النحت والتعرية على مر التاريخ إلا الشظايا والأشلاء والأشباه . سألتني العلم عن قصيدة النثر وقد حددت موقفي وإن لم يتجل ممارسة واعتقادي راسخ في أن المشكلة ليست قضية أو ظاهرة قصيدة النثر أو غيرها من الظواهر بقدر ما هي قضية قصيدة الشعر نفسها ، وهذا ما يجعلني في الوقت الراهن أقف بمحطة من خلالها أصرح بأنني أجهل الشعر أجهل النثر وأعرف الكتابة .
 
 
                              
​         رابح التيجاني .الرباط
                         (مساهمة في ملف عن قصيدة النثر سبق
                        ان احتضنها الملحق الثقافي لجريدة العلم )
    الهوامش :
-       (1) من كتاب " الشعر كيف نفهمه ونتذوقه " إليزابيت درو ترجمة الكتور محمد ابراهيم الشوش ص 49.
-       (2) عن كتاب " شعرنا الحديث إلى أين "غالي شكري ص82.
-       (3)" الأدب الملتزم " لجان بول سارتر ترجمة جورج طرابيشي ص 78و79.
-       (4)إشارة إلى كتيب الدكتور نعيم حسن الباقي " الشعر بين الفنون الجميلة " سلسلة إقرأ العدد 192.
-       (5)في موضوع نبرية اللغة الانجليزية ومقطعية اللغة الفرنسية والشعر غير العمودي وغير الحر اعتمدت

Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

commentaires

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية