Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
19 juillet 2011 2 19 /07 /juillet /2011 13:04

نظرية الأجناس الأدبية theory of literary genres


عمار الجنابي
الحوار المتمدن - العدد: 3430 - 2011 / 7 / 18
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 

نظرية تشير إلى مبدأ تنظيمي يصنف الأعمال الأدبية تبعاً لأنماط أدبية خاصة من التنظيم أو البنية الداخلية لهذه الأعمال، وتستمد غالب هذه الأنماط من الأعمال الأدبية الرفيعة التي تتحول تقنياتها وقواعدها ومبادئ تنظيمها وطرائق بنائها، بفعل جملة من العوامل الاجتماعية، إلى معايير يأخذها الكتاب بالحسبان عندما ينشئون نصوصهم، ويجعل النقاد من هذه المعايير كذلك منطلقاً في تقويمهم للنصوص التي يواجهونها، كما يحدد بها القراء آفاق توقعاتهم من النصوص عند قراءتها وتقديرها. وتكوّن الأجناس الأدبية ساحة مغنطيسية ذات تأثير فعال جداً في عملية إنتاج الأعمال الأدبية ونقدها واستهلاكها في أي تقليد أدبي قومي. وهي - أي الأجناس الأدبية - مؤسسة مهمة من مؤسسات أي مجتمع وتؤدي جملة من الوظائف تتصل بالكاتب والقارئ العام والقارئ الخبير معاً.
فأما الكاتب فإنه باستخدامه مؤسسة الجنس الأدبي، من جهة اختياره لها شكلاً فنياً يجسد رؤيته للعالم، يدلي ببيانات مهمة عن أسلافه في الجنس الأدبي المختار، وفي الفن عامة وفي الحياة جملة، مثلما يفصح عن آرائه فيهم وفيها. وهو كذلك يستخدم الجنس الأدبي لنقل رؤيته الفنية والاجتماعية والسياسية، ونشرها في مجتمعه بوساطة العمل الأدبي الذي يجسدها. وفضلاً عن ذلك فإنه يحدد النظام الترميزي code الذي يحكم رسالته الفنية التي يود أن تبلغ قارئه عندما يحسن تفسيرها تبعاً لهذا النظام الترميزي، مثلما يحدد آفاق توقعات قارئه ليرضيها أو يحبطها، فيما بعد، بحسب الغرض الذي يريده من عمله.
وأما القارئ العام فإن مؤسسة الجنس الأدبي تكوّن لديه نظام ترميز يتعامل به مع العمل الأدبي ويرسم آفاق توقعاته تبعاً له، ويحكم في النهاية استجابته له القريبة والبعيدة، مثلما يكوّن ذوقه النوعي الخاص بهذا الجنس الأدبي، هذا الذوق الذي يكون حصيلة تراكم قراءاته في أطوار حياته المختلفة.
وأما القارئ الخبير، أو ما يعرف عادة بالناقد الأدبي، فإن مؤسسة الجنس الأدبي غالباً ما تكون الإطار المرجعي frame of reference الذي يحكم قراءته النقدية للعمل الأدبي: أي اختياره إياه وشرحه لغوامضه وتحليله لبناه الكبرى والصغرى وتفسيره لدلالاته، وتبينه لصلاته الأدبية وفوق الأدبية، وتحديده المصادر الأدبية القومية والعالمية، ثم الحكم عليه في النهاية وذلك عن طريق وضعه في عدة سياقات contexts من الجنس الأدبي المحلي، والجنس الأدبي القومي، والجنس الأدبي العالمي آنياً وتاريخياً.
إن الجنس الأدبي بهذا المعنى هو المحرق الذي تلتقي فيه القوى الفاعلة في عملية الإنتاج الأدبي في أي مجتمع من المجتمعات: من كاتب وقارئ وجملة عوامل وشروط ومحددات تسهم جميعاً في تشكيله.
ترجع نظرية الأجناس الأدبية في أصولها الغربية إلى تمييز أفلاطون بين نمطين من أنماط إعادة إنتاج موضوع، أو شيء أو شخص ما، هما نمط الوصف أو التصوير بالكلمات ونمط المحاكاة mimesis. ولما كان الشعر، أداة الأدب الأقدم، في إعادة إنتاجه للموضوعات الخارجية، فقد قسمه أفلاطون إلى شعر محاكاة مباشرة للأشخاص هو الشعر المسرحي، وشعر وصف وتصوير للأعمال الإنسانية هو الشعر السردي. وتقسيم كهذا يترك الكثير من الشعر خارج دائرة التصنيف، الأمر الذي اضطر أفلاطون إلى إدخال قسم ثالث ذي نمط مختلف يتناوب فيه الحوار والسرد كما هو الشأن في الملحمة حيث يندر استخدام السرد الصرف. ومع ذلك فقد بقي الشعر الغنائي الذي يعبر فيه الشاعر عن أفكاره ومشاعره خارج دائرة أفلاطون ومخططه.
وإذ تبنى أرسطو في كتابه «فن الشعر» poetics قسمة أستاذه الأساسية، فإنه لم يلتفت إلى الشعر الغنائي بوصفه جنساً أدبياً رئيساً. والتقسيم الثلاثي الشائع للشعر إلى مسرحي وملحمي وغنائي، الذي ينسب عادة إلى العبقرية اليونانية، لايعود في حقيقة الأمر إلى عصر أرسطو ولا إليه، وإنما إلى عملية طويلة من الجمع والتعديل والإعادة مع التغيير الطفيف لقوائم تقليدية معينة من الأجناس الأدبية، ولم يأخذ هذا التقسيم صيغته الثلاثية هذه إلا في القرن السادس عشر الميلادي.والحقيقة أن فن الشعر عند أرسطو ينصرف في معظمه لدراسة جنس المأساة بوصفه جنساً أدبياً يسمو على ما سواه من الملهاة والملحمة وغيرهما. وأما إشاراته العابرة أو المتأنية للملهاة والملحمة فقد جاءت في معرض مقارنتهما بالماساة بهدف توضيح جوانب مهمة من هذا الجنس الرفيع الذي بلغ أوجه ما قبل عصر أرسطو، وكان من الطبيعي أن يتناوله بهذا الاهتمام والتفصيل الشديدين، وأن يعير اهتماماً أقل لكل من الملحمة والملهاة لأنهما دون المأساة وظيفةً (في التطهير) وأسلوباً (في اعتمادها الأسلوب النبيل كما أسماه اليونانيون).
وفي العصر الأثيني Attic Age لايجد المرء تقسيماً واضحاً وبسيطاً للأجناس الأدبية، وإنما يصادف تشكيلة واسعة من المصطلحات المستخدمة في الإشارة إلى أجناس محددة مثل الملحمة (أو الشعر المنشد) والمسرحية ( أو الشعر الممثل)، بنوعيها المأساة والملهاة، والشعر الهجائي المعروف باسم الإيامبي iambic لأنه منظوم على البحر الإيامبي، والشعر (الرثائي)الإليجي elegiac المنظوم على الدوبيت الإليجي، والشعر الإنشادي melic أي الشعر المغنى من الجوقة والمصاحب بالناي أو القيثارة أو بهما معاً، وهو الأقرب إلى مفهوم الشعر الغنائي اليوم، وغير ذلك مثل النشيد أو الترنيمة hymn والديثرامب (أو أمدوحة باخوس) dithyrambos وأغاني الجوقة وأغاني النصر والاحتفالات.
وقد قامت مدرسة الاسكندرية فيما بعد بتمثل الإنتاج الأدبي اليوناني وتصنيف القصائد ووضعها في مجموعات وطبقات تيسر تحديد القوانين والقواعد التي تحكم أعمال أفضل الشعراء، مما عزز الوعي بالأجناس الأدبية. وأثمر هذا عملاً متميزاً قام به ديونيسيوس تراكس Dionysios Thrax في القرن الثاني ق.م عندما وضع قائمة بعدد من الأجناس الأدبية تضم المأساة، والملهاة، والمرثية، والملحمة، والشعر الغنائي وغيرها. وقصد بالشعر الغنائي lyric ما توحي به التسمية ذاتها، أي الشعر المغنى المصاحب بالعزف على القيثارة lyre. كما أضيفت إلى هذه الأجناس أجناس أخرى مثل أنشودة الرعاةidyll والشعر الرعوي pastoral والنثر القصصي prose fiction. ومع ذلك فقد ظل تقسيم أفلاطون يلقي بظله على تصنيفالأعمال الأدبية قروناً طويلة، وهو التقسيم الذي يجده الباحث لدى النحوي ديوميدس Diomedes في القرن الرابع الميلادي ممثلاً بجنس التمثيل genus activum وجنس السرد genus enarrativum والجنس المزيج .genus mixtum ولكن هذا الظل ما لبث أن انحسر تماماً في العصور الوسطى إذ ضاعت كل فكرة المسرحية مثلما نسيت المعاني الدقيقة لمصطلحات الأجناس الأدبية بعد إغلاق المسارح، وجُعل الأدب مجرد خادم مطيع للاهوت، فالمسرحية drama على سبيل المثال كانت تستخدم في الكتابات البيزنطية لتشير إلى الرواية وكانت تعني في الغرب الأوربي الحوار الفلسفي. ومع مجيء دانتي أليغيري تبددت فكرة المسرحية تماماً، فقصيدته، التي تعد بحق رائعة عصرها، غدت عنده ملهاة لأنها حكاية ينتهي المطاف فيها بالفردوس، ولأنها منظومة بأسلوب وسط لانبيل ولا وضيع، و«الإليادة» ملحمة فرجيل الخالدة غدت مأساة. وهذا خلط واضح لكل ما أنجزته العصور السابقة من تقدم في نظرية الأجناس الأدبية. ولكن هذا لايعني بحال من الأحوال أن العصور الوسطى لم يكن لها أجناسها الأدبية الخاصة بها. وكل ما في الأمر أنه لم يكن ثمة من أرسطو يصنفها ويؤطرها ويقيم دعائمها النظرية على أسس فلسفية واضحة.
من هنا قامت مجهودات عصر النهضة في نظرية الأجناس الأدبية على أساس من عودتها إلى كتاب «فن الشعر» لأرسطو الذي أهمله كتاب العصور الوسطى باستثناء الفلاسفة العرب المسلمين من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. وهكذا ترجم الكتاب في القرن الثالث عشر. وتزامن ذلك مع عودة، قوامها الخبرة والمعرفة الدقيقة، إلى الآداب القديمة وإحياء للمسرح في شكله الكلاسيكي. والحقيقة أن عودة النقاد ومنظري الأدب من جديد إلى النص الأصلي لكتاب أرسطو في القرن السادس عشر جاءت كشفاً جديداً واستدعت الكثير من التعليقات والمعارك غدت معها نظرية الأجناس الأدبية أساساً للنظام النقدي السائد. وشرع نقاد العصر في وضع قوانين وقواعد متطورة للمسرحية والملحمة استنبطت افتراضاً من أرسطو, وقاد هذا إلى خلافات حادة حول «الملهاة الإلهية» لدانتي وأعمال أريوستو Ariosto وسبنسر Spenser التي لم تتفق على أي نحو، مع المخططات الكلاسيكية. وفضلاً عن ذلك فقد غدت قصائد بتراركا Petrarca في الغزل والحب نموذجاً يحتذى في مختلف الآداب الأوربية الوليدة، الأمر الذي اضطر النقاد إلى مواجهة مشكلة إغفال الشعر الغنائي هذا الإغفال الذي لم يعد مقبولاً منذ ذلك الحين. وحاول بعضهم حل المشكلة بإخضاع الشعر الغنائي لنظرية المحاكاة الأرسطية زاعماً أن الشاعر الغنائي إنما يحاكي نفسه، في حين رفضه بعضهم الآخر جملة بحجة أنه ليس شعراً. ومع ذلك لم يعدم الشعر الغنائي من يدافع عنه، فقد أثبته مينترنو Minturno عام 1559 في قائمة أنواع الشعر الثلاثة الرئيسة واصفاً إياه على نحو يذكر بتقسيم أفلاطون الآنف الذكر. فهو شعر إنشادي يحاكي الأعمال الإنسانية حيناً، ويسردها حيناً آخر، ويدخل متحدثين آخرين حيناً ثالثاً.
والحقيقة أن سيادة الإيمان بنظرية الأجناس الأدبية لم تكن كاملة في القرن السادس عشر، فقد كان هناك من يشكك فيها. وها هو برونو Bruno يردد أن ثمة أجناساً للشعر بعدد الشعراء. وكذلك فإن ازدهار المسرحية الإليزابيثية والإسبانية اللتين خرجتا على القواعد الكلاسيكية، ولاسيما الوحدات الثلاث: الزمان والمكان والموضوع، زعزع من سيادة النظرية، وشهد القرنان السابع عشر والثامن عشر خلافات حادة حول أجناس أخرى من مثل الشعر الرعوي ومسرحية البورلسكburlesque والملحمة الساخرة mock epic . وامتد هذا الخلاف إلى الحركة الرومنتية (الإبداعية) التي كانت وراء الثورة على الفواصل والحدود بين الأجناس الأدبية كالفصل بين المأساة والملهاة. وقد تفاوت الرومنتيون في مواقفهم تجاه هذه القضية: ففضل فريق منهم المزج بين جنسين أو أكثر داعياً إلى شكل شعري شامل، وحاجّ فريق آخر من أجل جنس جديد كالرواية التاريخية والمسرحية التاريخية، ومجد فريق ثالث الشعر الغنائي لأنه جوهر كل الشعر وروح الإحياء فيه، وتصور فريق رابع إلغاء كل التعريفات والتصنيفات المتصلة بالأجناس الأدبية كما فعل فردريش شليغل F. Schlegel في كتابه «حوار عن الشعر 1800» في حين ألمح أخوه أوغُست فيلهلم شليغل A.W.Schlegel إلى نوع من التوازي بين ثالوثالأجناس الأدبية الشعر الغنائي، الملحمة، المسرحية، من جهة، والثالوث الجدلي الأطروحة thesis، والنقيض antithesis، والتركيب synthesis من جهة أخرى: فالملحمة موضوعية، والشعر الغنائي ذاتي، والمسرحية مزيج متداخل منهما معاً. وقد غدا هذا التوازي شائعاً وراج بين مختلف منظري القرن التاسع عشر الذين استلهموه بطرق مختلفة، ولاسيما علماء الجمال الميتافيزيقيين الذين اتخذوا منه حافزاً لإقامة نظمهم الخاصة بالفنون الجميلة والأجناس الأدبية.
وشهد القرن التاسع عشر مؤثراً قديماً - جديداً في نظرية الأجناس الأدبية هو مفهوم التطور الذي تعود جذوره الأولى إلى أرسطو. ويبدو أن التطور وجد في أفكار داروين وسبنسر حافزاً قوياً على معاودة دوره، فغدت أفكار التطورية الجديدة تطبق بشغف على تاريخ الأدب في أقطار عدة وهكذا طبق جون أدنغتن سِمندز John Addington Symonds في إنكلترا التشبيه البيولوجي (1884) بصراحة لاترحم، وقال: «إن الدراما الإليزابيثية خط واضح المعالم قوامه الولادة، فالتوسع، فالازدهار، فالذبول» ووصف هذا التطور فعدّه تفتحاً لعناصر جنينية لايمكن إضافة شيء لها، تسير مسيرتها بحتمية حديدية إلى مرحلة الذبول المحتومة. وتبعه رتشارد غرين مولين الإنكليزي، وبوزْنتْ النيوزيلندي وغمير ومكنزي الأمريكيان وغيرهم. ويظل الفرنسي برونتيير Brunetiére في كتابه «تطور الأجناس في تاريخ الأدب» من أبرز مستلهمي هذا المفهوم. فقد حاول أن ينقل بعض المفاهيم البيولوجية الصرفة من الداروينية إلى الأدب، واعتقد أن الأجناس الأدبية لها وجود في الواقع كوجود الأجناس البيولوجية. وكان يقارن باستمرار بين تاريخ الأجناس الأدبية وتاريخ الكائنات البشرية، وقال: «إن التراجيديا الفرنسية ولدت مع جوديل، ونضجت مع كورني، وشاخت مع فولتير، ثم ماتت قبل هوغو». وأكثر من هذا فقد استخدم برونتيير في تأريخه للأجناس الأدبية تشبيه الصراع من أجل البقاء، لكي يصف تنازع هذه الأجناس فيما بينها، وقال إن بعض الأجناس تتحول إلى أجناس أخرى.
وقد حاول بعض أتباع برونتيير أن يمضوا إلى أبعد مما مضى هو من دون أن يكون عملهم أكثر إقناعاً من عمله. وسرعان ما واجه مفهوم التطور الكثير من النقد والرفض باسم العبقرية حيناً، والتقويم الانطباعي في بعض نواحيه حيناً آخر، ولاسيما من جانب كروتشه Croce الذي كان هجومه على مفهوم الجنس الأدبي بالذات مقنعاً من جميع النواحي. وقد عملت أفكاره المتعلقة بتفرد كل عمل أدبي عما سواه، ورفضه الوسائل والطرائق والأساليب الفنية ولو كانت موضوعات للتاريخ، على تقويض أساس التطورية برمتها في نظر الكثيرين. انطلق كروتشه في هجومه هذا على مفهوم الجنس الأدبي من نظريته في المعرفة التي تتخذ لديه وجهين رئيسين: الحدسي الذي يتم من خلال الخيال، ويتألف من معرفة الظواهر الفردية، وينتج الصور، والمنطقي الذي يتحقق من خلال الذهن، ويركز على الظواهر العامة الشاملة، وينتج المفاهيم. ولما كان إبداع الفن والاستجابة له فعلين يمثلان المعرفة الحدسية في عرفه، فإن مقولات الأجناس الأدبية، تشوه، كما يرى، استجابات القارئ الذي يسعى إلى تطبيقها على العمل الفني، لأنها تقوده إلى أن ينتقل من الاستجابة الحدسية إلى الاستجابة المنطقية لذلك العمل، ولايمكن للاستجابتين أن تجتمعا معاً. وفضلاً عن ذلك فإن تصنيف الأدب إلى أجناسه المختلفة إنكار لطبيعة الأدب ذاتها، ولاسيما أن كل عمل أدبي جدير بهذه التسمية يعمل على تحطيم قوانين الأجناس الأدبية في مسعاه لتحقيق تفرده.
وقد وجدت تحفظات كروتشه أصداء مختلفة لدى عدد كبير من نقاد القرن العشرين، فرأى بعضهم أن العمل الفني الجدير باسمه يكون فريداً، وقال بعضهم الآخر بعدم «تحديدية» النص indeterminacy ومن هؤلاء جاك ديريدا Jacques Derrida ورولان بارت Roland Barthes الذي بيَّن في كتاباته الأخيرة أن القارئ إذ يواجه بسلسلة غير محدودة من الإشارات ونظم الترميز المتصارعة، يكاد يكون من المستحيل عليه تفسير عمل أدبي بدقة وموضوعية. وأقر بعضهم، من ناحية أخرى، أهمية نظرية الأجناس الأدبية في الآداب القديمة، وزعم أنها لا تقوم بالدور نفسه في الأدب الحديث.
ومع ذلك فإن نظرية الأجناس الأدبية لم تعدم من يدافع عنها في هذا القرن، وربما كان من أبرز هؤلاء ريناتوبوتجولي Renato poggioli الذي أكد في دفاعه عنها أن «الشعرية الحديثة» مثلها مثل نظيرتها القديمة، ما هي إلا نظام من الأجناس الأدبية، وطرح فكرة الشعرية غير المكتوبة unwritten poetics (أو الافتراضات التي تتناقل عن الأدب والتي لم تقنن في بيانات رسمية مكتوبة) التي تتولى عادة نقل المعايير والأعراف الأدبية إلى جانب «الشعرية الرسمية المكتوبة»، ومنهم كذلك الباحث الفرنسي المشهور بول فان تيغم P.V.Tieghem الذي بين في مقالته المعنونة بـ «مسألة الأجناس الأدبية» التي نشرتها له مجلة هليكون Helicon (مع مقالات أخرى لغيره تناصر جميعها فكرة الأجناس الأدبية) أن «فكرة الأجناس ليست ميتة، ولايمكن أن تكون كذلك، لأنها مؤسسة بثبات في النفس الإنسانية»، «فكل ذوق عاطفي، وكل حاجة اجتماعية أو دينية، يؤلف أو تؤلف جذراً لجنس مختلف يزهر على نحو أكثر أو أقل إرضاء».
ويبقى نقاد شيكاغو أو الأرسطيون المحدثون Neo - Aristotelians من أهم المنافحين عن مبدأ الجنس الأدبي في هذا القرن، وأكثرهم تقليدية ومحافظة في مناهجهم وافتراضاتهم. فقد سعوا، على سبيل المثال، إلى التوسع في النظام الأدبي الذي ينطوي عليه كتاب أرسطو «فن الشعر» وإلى تطويره، وذلك «بتصنيف أشكال أدبية لم يقدم أرسطو ذاته تعليقاً مطولاً عنها، أو بإضافة تمييزات أخرى لمقولات لايقيمها هو نفسه». يتحدث إلدر أولسون Elder Olson في مقالته «مخطط لنظرية شعرية» An Outline of poetic Theory عن أربعة أنماط أساسية للعمل: الأعمال التي تقدم شخصية واحدة في وضع مغلق أي في وضع لاتعقد أعمالها أعمال أي فاعل آخر، مثل معظم الشعر الغنائي، والأعمال التي تظهر شخصيتين أو أكثر في وضع مغلق، والأعمال المؤلفة من مجموعة من المشاهد، والأعمال المؤلفة من مجموعة من الحلقات episodes. ويقدم ر.س.كرين R.S.Crane في مقالته «مفهوم الحبكة وحبكة توم جونز» سلسلة من المبادئ لدراسة السرد، يمكن للمرء أن يلاحظ ما وراءها من أشكال النظر لأرسطو في موضوع المحاكاة.
وبمقدار ما كان الأرسطيون المحدثون - الذين صدروا عن فن الشعر لأرسطو - محافظين في موقفهم من نظرية الأجناس الأدبية، كان الشكليون الروس والبنيويون التشيكيون والفرنسيون مجددين في هذا الموقف منطلقين من اللغويات الحديثة لفرديناند دي سوسير وسواه. وقد برز من بينهم خاصة يوري تينيانوف Juri Tynyanov الذي عني بمشكلة تطور الأجناس الأدبية، واقترح «قانون الأضداد» Law of Contrast ناظماً لهذا التطور، ويان موكاروفسكي Jan Mukarjovsky الذي تناول الأجناس الأدبية من وجهة تمييز أقامه بين الحواري dialogic والمناجاتي monologic، ودرس مشكلة التطور الذي تخضع له هذه الأجناس دراسة خاصة، وتزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov الذي قدم دفاعاً مجيداً عن نظرية الأجناس الأدبية من منطلق بنيوي مؤكداً فكرة الصراع في تطور الأجناس الأدبية، ولاسيما عندما يثور العمل الأدبي الجاد على المعايير القائمة للأجناس الأدبية ويعدلها في ثورته هذه على نحو يطول الأجناس ذاتها.
وعلى الرغم من أهمية من تقدم ذكرهم في تاريخ الأجناس في القرن العشرين فإن نورثروب فراي Northrop Frayeوحده الذي ينهض قمة شامخة تطمح إلى هدف لايقل عن متابعة ما بدأه أرسطو نفسه. ذلك أن فراي يعتقد، كما يشير إلى ذلك صراحة في كتابه «تشريح النقد» Anatomy of Criticisim (1957)، أن نظرية الأجناس الأدبية لم تبارح النقطة التي بلغها أرسطو. ومن هنا كان إسهامه في تطوير هذه النظرية أصيلاً وخلافياً إلى درجة لم يبلغها مُنظر آخر منذ أرسطو. وربما كان ذلك أمراً طبيعياً بعد أن أسند إلى الناقد مهمة استكشاف النظام الأدبي وشرحه. فعلى سبيل المثال اقترح فراي تصنيف الأدب تبعاً لأنماطه أو صيغه modes وهذه فكرة مطورة عن فكرة موضوع المحاكاة لدى أرسطو، كما اقترح مقولة أخرى لتصنيف الأدب استعارها من اليونانية، وهي الكلمة نفسها التي استخدمها أرسطو للإشارة إلى العقدة من النمط الأولي وهذه هي الـ «mythos». ورأى أن العقدة من النمط الأولي أوسع وأسبق من الأشكال الأدبية العادية، وميز أربعاً منها يتطابق كل منها مع فصل من فصول السنة. أما ما يعرف بطريقة المحاكاة، فقد عمد فراي إلى إعادة تعريفها وسماها بالجنس genre وبيَّن أن الأجناس بهذا المعنى داخلية intrinsic وأساسية في الأعمال المعنية، فالمسرحية وإن طبعت ولم تمثل، تظل تخلص للجنس ذاته، وكذا الشأن في الملحمة التي تحتفظ بأعراف الإلقاء وإن لم يتم إلقاؤها. والقصة التي تتبع جنس الصفحة المطبوعة. والحقيقة أن عمل فراي، الذي امتد ما يقرب من أربعة عقود، على درجة من التعقيد والدقة والأهمية والتأثير الواسع والغني يصعب معها اختزاله في حيّز محدود، ولاسيما أنه لايزال يشارك على نحو فعال في ميدان النقد ونظرية الأدب حتى اليوم.
والخلاصة أن المنظور التاريخي لنظرية الأجناس الأدبية قد بيّن أنها مقولة باقية بقاء الأدب نفسه، ذلك الفيض المستمر، وإن أي عمل أدبي، مهما كان موقفه من الأجناس القائمة في التقليد الذي ينتمي إليه، لايستطيع أن يقطع صلته بها. ذلك أن الأجناس، على حد تعبير تزفيتان تودوروف، هي بالتحديد نقاط الأبدال relay - points التي يُعاود فيها العمل [الأدبي] الصلة بعالم الأدب.
المصادر
________
1-فن الشعر –ارسطو-185
2- تشريح النقد –نورثروب فراي- محمد عصفور-ص43
3- الادب والدلالة- تزفيتان تودوروف- محمد نديم خشفة-ص54
4- حوار عن الشعر-فريدريش شيلغل-سعيد محمود-ص26
4-الشكلانية الروسية - يوري تينيانوف – ص14





Partager cet article

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans دراسات وأبحاث
commenter cet article

commentaires

وظائف خالية 12/11/2011 12:11



thanx for you



صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية