Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
/ / /

0PICT0139.jpg 

من اوراق المؤتمر العربي الأول للثقافة الرقمية

الأدب والتكنولوجيا: أسئلة ثقافية وتأملات في المفاهيم 
 د. زهور كرام 

مدخل مفتوح

كلما تطور الفكر البشري، وتطورت آليات تفكيره، كلما تغيرت أشكال تعبيره، ومن ثمة تغيرت إدراكاته للأشياء والحياة والعالم. وهو مبدأ يستقيم مع التطور التاريخي المنطقي للمعرفة في علاقتها بالتطور التاريخي للحضارات.

إن انتقال الحضارات من مستوى تواصلي إلى آخر، أكثر استثمارا لتطور الفكر البشري الذي فيما هو يطور أدوات تفكيره، من حيث أنه يسعى إلى حياة أكثر انفتاحا على الخلق والإبداع وتجديد الرؤية، يولد أشكاله التعبيرية التي تعبر عن حالة الوعي بهذا الانتقال.

يشهد الزمن الراهن شكلا جديدا في التجلي، بسبب الثقافة التكنولوجية، التي غيرت إيقاع التعاملات الفردية والجماعية. كما سمحت بفضل وسائطها الإلكترونية والرقمية بجعل الكل منفتحا على بعضه، ضمن شروط الثقافة الموحدة رقميا.

وهذا، ساهم في تحرير الإبداعية الفردية التي وجدت فضاء خصبا لاستثمار رغبة الذات في التعبير تحت فيض الإمكانيات التقنية والمعلوماتية والمعرفية التي تقدمها هذه الثقافة، وكذا ما تقدمه وسائطها من خدمات مبهرة ومدهشة بدون قيد أو رقيب يعطل عملية الانطلاق في البحث والاكتشاف، وفي إمكانية التعبير والإبحار في المعلومة.

ولعل هذا التحول في أدوات التواصل مع المعرفة، بالشكل الخدماتي السريع والفعال، يساهم في تطور أشكال التعبير التي لا شك أنها تعبر عن التحول في رؤيا العالم.

1- ا لأدب والتجلي الرقمي

يشهد الأدب ومختلف أشكال التعبير شكلا جديدا من التجلي الرمزي، باعتماد تقنيات التكنولوجيا الحديثة، والوسائط الإلكترونية. وإذا كانت كل حقبة تاريخية يعبر أفرادها عن علاقتهم بالعالم، وتصورهم للوجود من خلال عدد من الأشكال الرمزية بالخصوص التي تكون ذات علاقة بآليات التفكير والمناهج والتواصل المتاحة، فإن الأدب الرقمي أو التفاعلي الذي يتم في علاقة وظيفية مع التكنولوجية الحديثة، لاشك أنه يقترح رؤى جديدة في إدراك العالم، كما أنه يعبر عن حالة انتقالية لمعنى الوجود، ولمنطق التفكير.

فهل يمكن الحديث عن بداية تشكل مفهوم جديد للأدب ولمنتجه ومتلقيه؟ وهل يمكن القول بأننا على عتبة شكل تعبيري تقني إلكتروني، سيقترح تجليه، باعتباره إمكانية جديدة في التعبير عن العلاقة بين الذات والعالم. وهل حققت الممارسة الإبداعية الرقمية في التجربة العربية، تراكما مهما حتى تصبح متنا مؤهلا للاشتغال النقدي، مادام الهاجس في كل تجربة أدبية هو البحث عن المنطق الذي يشكل نظام التجربة؟

وهل يمكن افتراض ممارسة أدبية بالتنازل عن الذاكرة أو تجاوزها، مادامت الإمكانيات الرقمية تقدم للمشتغل الرقمي كل حاجياته من المعلومة والمعرفة والنصوص؟.

لاشك أنها أسئلة سياقية يطرحها واقع الممارسة التكنولوجية في المشهد المعلوماتي والثقافي العربي. وهي أسئلة نسعى من خلالها إلى التفكير بصوت موضوعي في التجلي الرقمي للممارسة الأدبية العربية من خلال رؤية موضوعية تتوخى البناء المعرفي والفلسفي والأدبي.

لكن استحضار بعض الفرضيات السياقية والمعرفية فيما يخص نظرية الأدب بشكل عام، يعد ضرورة مهمة في عملية تأمل الأدب في علاقته بالرقمي.

1 –1 إن بناء أي تصور معرفي ومفهومي لممارسة أدبية، ينطلق من ذاكرة ثقافية ونصية بما فيها الموروث والحداثي.

1-2 إن أي شكل أدبي لا يولد من العدم، كما أنه لا يتلاشى، وإنما يستمر في أشكال تعبيرية سواء كخلفية نصية، أو يدخل في علاقة جديدة مع البناء الجديد، ليستمر وجوده باعتباره ذاكرة للكتابة والنص والتعبير.

1-3 إن كل شكل جديد للتجلي الأدبي، يطور نظرية الأدب ولا يلغيها.

2 - الأدب الرقمي: مفاهيم في طور التشكل

إذا كانت العملية الإنتاجية في وضعية الأدب المطبوع ورقيا، تتم من خلال المنتج والمتلقي والمنتوج( النص)، فإن نظرية تداول هذه العملية الإنتاجية من خلال الوعي النقدي قد اجتهدت عبر عصور عديدة، وباعتماد مناهج أدبية وأدوات إجرائية في محاولة البحث أو توصبف المنطق الذي تحتكم إليه العملية الإبداعية، وإنتاج إدراك لهذا المستوى العلائقي بين مكونات الفعل الإنتاجي الأدبي، فكانت الإدراكات النقدية تختلف فيما بينها، وتتفاوت في تشخيصها لهذا المستوى العلائقي، وذلك بناء على الفرضية الفلسفية التي تنطلق منها. ولعل رغبة الوعي النقدي في إيجاد تفسيرات للسر الإبداعي وفي السعي إلى بناء ملامح الوعي الممكن للجماعة أو الفرد أو الحضارة من خلال الممارسة الإبداعية هو الذي كان وراء إنتاج هذا التعدد الهائل، والمفتوح باستمرار على فرضية الوعي النقدي فيما يخص آليات القراءة.

ولعلنا قد نفهم هذا التعدد الذي يتوالد مع كل تحول في بنية /تركيبة العملية الإبداعية من خلال سر إنتاج اللحظة الإبداعية، وأهميتها في إنتاج رؤيا العالم. وهي اللحظة الفاصلة بين الواقعي والتخييلي، أو بعبارة أخرى هي الحالة التي يصبح عليها المبدع عندما يبدأ في الانزياح عن الواقعي المعيشي، والانخراط في المتخيل حيث فرصة التجلي الرمزي لوعيه المحتمل، والذي يكون وراء طبيعة بناء النص.

إن التفكير في الأدب الرقمي من خلال استحضار الأبعاد المعرفية والبنائية والنقدية والفلسفية لنظرية الأدب في إطاره الشفهي أو المطبوع ورقيا، مسألة يفرضها التصور الفلسفي للأدب، سواء في بعده الجمالي المعرفي، أو في بعده التقني الأسلوبي المرتبط بالخطاب. كما تفرضها مشروعية مرافقة النقد للتجربة الأدبية وهي تشهد اختلافات في تمظهراتها وتجلياتها.

لهذا، فالحديث عن تجربة الأدب المطبوع ضمن إستراتيجية التفكير في الأدب الرقمي، مسألة مشروعة في إطار محاولة فهم هذا الغنى الذي يتولد عن رغبة إدراك الحالة الإبداعية. والتي معها يشتغل الفكر البشري ويطور أدواته، مادام فعل القراءة في نص أدبي هو فعل التفكير الذي يعتمد أشكالا من الأدوات والمناهج.

أن نقرأ الأدب الرقمي سواء في إطار تحديده النظري، أو من خلال تجليه النصي، يعني أن نمارس التفكير باعتماد وسائل حديثة تنتمي إلى ثقافة النص الرقمي، ولكن في نفس الوقت نفكر من خلال ذاكرتنا النصية والنظرية.

2- 1الأدب بين الرقمي وعبر الرقمي

إن الاقتراب من الأدب في وضعه الرقمي، هو اقتراب من المتغير في الحالة التي تصبح عليها الممارسة الإبداعية، عندما تعتمد دعامة الرقمي. يعني انتقال سياقي وبنيوي وأسلوبي في الظاهرة الأدبية. لهذا، فأول متغير يصادفنا عند تأملنا لهذه التجربة الأدبية هو الرقمي باعتباره وسائط تكنولوجية وإلكترونية، بها يتشكل النص الأدبي وينفتح على زمنه التكويني، بل تتحول بدورها إلى عنصر وظيفي.

تبدأ مجرد وسائط في إطار الخدمات التي تقدمها التكنولوجيا الحديثة لكل مستخدم لها، ولكنها تصبح مكونا وظيفيا بالنسبة لمنتج النص الأدبي، نظرا لكونها تصنع بنائية النص، ومن ثمة تحدد شكله، وشكل قراءته. ولكون النص يتحول بموجبها إلى حالة مغايرة عن النص كما يريد المبدع أن ينتجه.

يحضر الرقمي في هذا الشأن باعتباره وسيطا في العملية الإنتاجية للنص ، لأنه يقدم خدمات للنص ودعما معلوماتيا وتوثيقيا ونصيا ولغويا ورمزيا للكتابة. لكنه يعيش بدوره التحول ويصير وظيفيا. لهذا،يمكن القول بأن الأدب يصبح رقميا عندما يتحول الرقمي إلى عنصر وظيفي، أي يصبح مكونا بنائيا ، ويتحكم في تدبير القراءة وتشكل النص.ولكن النص يبقى عبر رقمي عندما يظل الرقمي مجرد وسيط لبناء النص ليس إلا. والمؤشر على ذلك، أن النص إذا ما تم طبعه ورقيا فإنه قد يفقد بعض بهاراته الجمالية التقنية مثل الصورة المتحركة والصوت وغير ذلك، ولكنه يحافظ على إطاره العام.

هل يكفي أن ننتج نصا باعتماد الوسائط الرقمية حتى يتحقق النص الرقمي؟ ما الذي يمنح للتجربة الجديدة شرعيتها الإبداعية؟ أليس منطقها المختلف هو الذي يمنح للتجربة التعبيرية أصالتها؟

2-2-المنتج الرقمي

إنه الذي ينتج النص الرقمي، مستثمرا وسائط التكنولوجيا الحديثة، ومشتغلا على تقنية النص المترابط hypertexte .وموظفا مختلف أشكال الوسائط المتعددة. هو لا يعتمد فقط فعل الرغبة في الكتابة والإلهام الذي يرافق عادة زمن التخيل في النص المطبوع أو الشفهي ، ولكنه إضافة إلى ذلك إنه كاتب عالم بثقافة المعلوميات، والتقنية الرقمية بل يتقن تطبيقها في علاقتها بفن الكتابة. هذا يعني أننا بصدد كاتب له معرفة بالعلم. وهذا شئ جديد في نظرية الأدب التي لم تكن تنظر إلى المبدع في إطار تكوينه العلمي، بقدر ما كانت تقف عند نضج متخيله و إبداعية نصه.

ينتج الكاتب الرقمي حالة نصية متشعبة وغير تتابعية من حيث أفق التلقي. وذلك بحكم اشتغال النص المترابط الذي يمنح اختيارات متعددة للقراءة، كما يمنح للقارئ أزمنة مختلفة للتواصل مع النص من خلال تقنية الروابط.

لكن هل تكفي إجادة الثقافة الرقمية والمعلوماتية، وامتلاك الدرب على تدبير الفضاء الإلكتروني، لكي يتحقق مفهوم الكاتب/المنتج الرقمي؟

وهل استحضار بعد التكوين العلمي/ التقني فيما يخص زمن تشكل النص الرقمي، بالنسبة للكاتب أو القارئ، يلغي البعد التخييلي في عملية الإنتاج؟ وهل نقول بموت الموهبة أو هذا الحس المنفرد للمبدع، والذي يجعله يرقى دون غيره باللحظة إلى مستوى تعبير جمالي مثلما اشتغلت عليه نظرية الأدب منذ قرون؟ ألا يأخذنا مثل هذا القول إلى الاعتقاد بانتقال العملية الإبداعية من مجال الرمز إلى مجال العلم والتقنية؟

لكن أليس الأدب منذ نشأته هو موقف أو تعبير عن وجود الذات، وهو جمال ضد العبث، وأثر ضد العبور، لأنه الخزان الرمزي لوجدان الشعوب والحضارات؟

وهل يمكن اعتبار التقنية الرقمية التي يشتغل بها وعليها الكاتب الرقمي، عبارة عن تقنيات كتابية ثم نصية فمكونات إبداعية؟

وفي هذه الحالة، هل يتم الاعتماد من حيث وصف إبداعية النص الرقمي، بمدى إجادة الكاتب للممارسة التقنية الرقمية؟ أم يبقى الرهان على نضج العملية الإبداعية، من حيث البناء الإبداعي وقوة التخييل، بالإضافة إلى طبيعة اشتغال العناصر الرقمية وعلاقتها بصنع النص؟.

مع ذلك، وانطلاقا من النصوص الرقمية العربية القليلة، كما في تجربة الكاتب محمد سناجلة، سنلاحظ أن المتخيل حاضر بقوة في تشكيل الحكاية. كما أن وضعية هذا المتخيل تسمح بتحرير الذاكرة (ذاكرة القارئ) من سلطة الواقعي الرقمي. ونجد نفس الشئ في تجارب غربية فرنسية مثلا حيث نلاحظ خاصة في الرواية الرقمية أن السرد ما يزال يحتفظ بقوته، والحكي يتحكم في بناء النص. بل يمكن اعتبار المكونات الرقمية عاملا وظيفيا و فنيا وجماليا أيضا يساهم في الارتقاء باللحظة المتخيلة للنص الحكائي في وضعية النصوص السردية.

ما يلاحظ على طبيعة المنتج الرقمي في علاقته بنصه وبمتلقيه، أنه ينطلق من مبدأ التحرر من وهم النص المكتمل والذي لا ينتمي إلا إلى منتجه. وإذا جربنا التفاعل مع النص الرقمي الأخير لمحمد سناجلة " صقيع" سنلاحظ التصريح بذوات مشاركة في إنتاج النص مثل التصريح باسم المساعد في الإخراج الفني وهو شخصية واقعية، كما أن المنتج / الكاتب يدفع بشكل مباشر بتقنية التفاعل مع نص "صقيع" نحو التحقق عبر مجموعة من الاقتراحات التي يقدمها للقارئ لكي يمارس تفاعله من خلال الإمكانيات المتاحة في الاقتراحات والتي تصل إلى حد تعديل نهاية النص.

وكما لاحظنا من العينة التي تفاعلت مع نص "صقيع" أن حدود التفاعل ما يزال لا يقترب من النص، والاشتغال عليه من حيث إعادة تكوينه عبر ممارسة التفاعل مع النص المترابط، بحيث أن مجمل التفاعلات ما تزال في حدود تسجيل الانطباع حول "صقيع" باعتبارها تجربة جديدة في الكتابة.

وهنا نتساءل: هل طبيعة حضور النص المترابط، هي التي تعمل على تنشيط تقنية التفاعل بشكل إيجابي؟ أم أن التجربة في وضعيتها التجريبية في المشهد العربي في حاجة إلى دربة الممارسة، وإلى ثقافة التفاعل؟.

2-2 المتلقي الرقمي:

نتيجة لطبيعة تشكل النص الرقمي ، فإن قراءته تستلزم امتلاك نفس آليات الثقافة الرقمية. وهذا يفترض على القارئ أن يمتلك هو الآخر، شأنه شأن الكاتب الرقمي، نفس إمكانيات الثقافة الرقمية. مما يعني أن منتج النص الرقمي ومتلقيه يستعملان نفس التقنيات الرقمية، وفي هذا اختلاف بين الرقمي والنصوص الشفهية والمطبوعة ورقيا المفتوحة على الأقل على قراء مختلفين من حيث تناولها شريطة أن تكون لديهم نفس المعرفة باللغة التي يتم بها إرسال النصوص. أما في وضعية النص الرقمي فإن الاقتراب منه لا يتم إلا عبر الوسائط الرقمية إضافة إلى اللغة المرسل بها. غير أن الملاحظ أن القارئ الرقمي يعيش حرية مفتوحة على الخيارات الذاتية في القراءة النصية. إذ تسمح له تقنية النص المترابط (hypertexte) بأن يختار للنص مدخلا للقراءة ، كما يصبح هو المتدبر لأسلوب القراءة ومنهجها. لديه حرية المرور من أي طريق شاء، كما لديه صلاحية القرار من أين يبدأ وأين ينتهي. وهذا ما يجعله منفتحا على قراءات مختلفة، كلما تواصل مع النص وغير طريقة القراءة، ومارس حريته في أن يدخل عالم النص من بدايات مختلفة عن قراءاته السابقة لنفس النص.

ويؤكد منتجو النص الرقمي على ضرورة هذا الحضور للقارئ كما نجد في نص صقيع لمحمد سناجلة حين يدعو قراءه للدخول في تجربة إعادة كتابة النص.

لكن: ألا يمكن أن يؤدي هذا التحرر من سلطة النص الرمزية بالقارئ إلى التشتت، في المداخيل والنصوص والروابط بدعم من مبدأ الإبحار الذي يصبح فعلا ملازما لفعل القراءة؟

ألا يمكن الحديث، في هذا إطار هذا التوجه، عن كون النص الرقمي يظل موجودا بالقوة حتى تتم قراءته التي تفعله وتمنحه الوجود؟

طبعا فعل القراءة كان دائما هو الذي يمنح للنص أو الكتابة قوة الوجود، لكن في وضعية النص الرقمي فإن طبيعة تشكيله تجعله لا يعيش الثبات في وضعه البنائي، مما يجعل من القراءة فعلا مؤسسا بامتياز.

هل النص الرقمي في وضعه الأول، يعد مؤشرا لإعادة إنتاج نص/ نصوص آخر من طرف قارئ "في حالاته المتعددة"؟.

ألا يمكن أن يدفعنا مثل هذا الوضع إلى التفكير في خفوت دور المنتج للنص الذي يتم تجاوز نصه بإعادة الإنتاج؟.

هل أفق النص الرقمي هو أن يصنع كل قارئ نصه المترابط ( son hypertexte)؟ هل معنى هذا أن النص المترابط الذي يشكل النص الرقمي في أكثر تجلياته النصية، هو هذا النص الذي لا يوجد بالفعل إلا عبر قراءته المتجددة والمتحررة من البعد الخطي؟

ألا نشعر بتشتت النص، ليس على الشكل التجريبي الذي تطور مع جنس الرواية المطبوعة، ولكن التشتت في معنى انفلات النص من زمن الاكتمال التكويني؟

هل الكتابة الرقمية داخل الشكل الأدبي هي حالة جديدة، من حالات إدراك الوعي الإنساني الذي بدأ يفقد قيمة الوحدة منذ المجتمع الصناعي؟

ألا يمكن الشعور بفكرة العبور أو التلاشي وعدم ترك الأثر. أو تغييب الذاكرة ذاكرة النص؟

هل البعد الافتراضي لحالة الأدب مع الشكل التكنولوجي، يترجم تصورا يجرد الإنسان من بعده التاريخي والثقافي والتخييلي؟

هي كلها أسئلة مشروعة الطرح في إطار البناء المعرفي والفلسفي والجمالي للتجربة الرقمية. وطرحها لا يعني اتخاذ موقف من هذا التجلي الرقمي للظاهرة الأدبية، بقدر ما هو عبارة عن شكل من أشكال الوعي النقدي والفلسفي التي من المفروض أن ترافق عملية التفكير في بناء تصور معرفي حول تجربة أدبية. وهذا يؤكد على أن القول بأن التكنولوجية ستضعف الإيديولوجية قول فيه نقاش، مادامت الإيديولوجية هي تأويل للفكر والمعرفة بموجب المصالح. والتوظيف التكنولوجي لا يمكن التفكير فيه خارج البعد الفلسفي والمعرفي والإيديولوجي شأنه شأن كل تعبير إنساني.

2-3- النص المترابط أفقا للنص الرقمي

يتضح من خلال الممارسة والتفكير أيضا في الإنتاج الإبداعي الرقمي، أن تقنية النص المترابط تشتغل بقوة في إعطاء النص شرعيته التي لا تكتمل إلا مع كل قراءة، على اعتبار أن هذه التقنية تمنح للقارئ من جهة خيارات في القراءة، وحرية في تدبر طريقة تلقي النص. كما تجعله يحقق فعل الإبحار بالشكل الذي يختاره، بل يمكن لقارئ لنفس النص أن يحقق مع كل قراءة نصا مترابطا قد لا يشبه النص السابق. وهنا يدخل فعل التفاعل باعتباره تقنية وظيفية في القراءة.

هل معنى هذا أن النص المترابط في وضعية قراءته، هو الذي يحقق للنص رقميته، في إطار التفاعل مع القارئ وباقي الوسائط الأخرى؟

في هذا المعنى، يصبح النص الذي ينتجه الكاتب ليس هو الذي يتم تلقيه من طرف القارئ . إنما نص آخر يتشكل في علاقة تفاعلية فوق الشاشة بين القارئ حسب وضعية حالته وبين النص المترابط.

هل يمكن التفكير في كون النص الرقمي، هو حالة بنائية نصية تعيش التشكل باستمرار. وأصالة هذا النص هي في قدرته على تحقيق مبدأ التفاعل، بطريقة وظيفية تجعله يغادر الثبات، وينفتح على الاحتمالات الممكنة، انسجاما مع علاقة القارئ التفاعلية مع النص المترابط؟

هل يمكن الحديث أيضا هنا عن مبدأ الشراكة في إنتاج النص الرقمي؟

إذا كان الوضع كذلك، فهل يمكن الحديث عن النص المترابط باعتباره النص المحتمل الذي ينجزه القارئ في حالات متعددة ومختلفة؟

وهل في هذا، تطوير للرؤية النقدية التي تبحث عن لاوعي القراءة والقارئ، بعدما كان البحث في لاوعي الكاتب والجماعة التي يحكي من خلالها أو يعبر عنها؟.

أم أن الأمر يتعلق بلاوعي العملية الإنتاجية ككل، تلك التي تساهم فيها كل هذه العناصر بما فيها الكاتب والقارئ والتكنولوجيا والوسائط والنص المترابط؟.

استنتاجات مفتوحة

لاشك أننا نعيش لحظة تاريخية نشهد من خلالها تشكل ثقافة جديدة، تعتمد في مرجعيتها والياتها التواصلية على التكنولوجيا الحديثة، التي تعبر عن أرقى مكتسبات تطور مسار الفكر البشري، وهي ثقافة تحدث في إطار استحقاقات حقوقية وعلمية واجتماعية وتنموية، في مناخ يدفع إلى المزيد من إعطاء الفرصة أمام التعبير الذاتي الحر. ولاشك أيضا، أن عملية بناء تصور حول تجربة الممارسة الأدبية الرقمية في المشهد العربي، تتميز بالأهمية والخطورة في ذات الوقت، لأنها بمثابة شمعة وسط ظلام كثيف. وهذا ما يفرض على الأقل التعامل مع زمن بناء التصور حول هذه التجربة الإبداعية الجديدة، باستحضار مجموعة من الأسئلة، سواء المتداولة فيما يخص علاقة الفكر العربي، بكل ما هو جديد وغير مألوف في التفكير والممارسة، أو الجديدة تلك التي تنبثق مع عملية الانخراط في التجربة الجديدة تنظيرا وجرأة.

كما أن الخطورة تأتي من كون التجربة الأولى يتم التعامل معها، عادة، بشئ من الدهشة والانبهار وهي مسألة مشروعة في إطار طموح الفكر البشري إلى الكشف والاكتشاف. غير أنها دهشة في حاجة إلى تحصين فكري وثقافي وفلسفي يدعم عملية البناء من أجل ضمان انخراط إنتاجي في التجربة الجديدة. وعليه، يمكن تعزيز التفكير في وضع تصور حول التجربة باستحضار الفرضيات التالية:

- إن الانتقال إلى الدعامة الرقمية، يعطي فرصة جديدة بل مختلفة أمام التجلي الإبداعي، انطلاقا من كونه تجليا مختلفا عن المألوف في التشكل والتكون عن الشفهي والمطبوع، حيث البنية التركيبية و سياق الإنتاج وكذا الوسائل التعبيرية والبنائية مختلفة عن المتعاقد عليه في الممارسة الإبداعية، وهذا من شأنه أن ينتج معرفة جديدة بوضعية الوعي في الزمن الراهن.

- إن ظهور أي شكل تعبيري جديد ، يعود إلى ظهور قوانينه. وهي قوانين تعبر عن أنماط التفكير والتواصل في المرحلة. وتبقى القراءة مستوى تواصلي تقني ومعرفي وحضاري، من أجل إنتاج معرفة طبيعة اشتغال هذه القوانين، ورصد الوعي المنتج لها ، في سبيل فهم المرحلة بمنطقها وقوانينها. إذ، لا يتعلق الأمر فقط بمجرد تفكيك تجربة تعبيرية إلى عناصرها البنيوية والقول بجدتها أو لامألوفيتها، وإنما القراءة سؤال فلسفي وأسلوب في التفكير في المرحلة التي نعيشها.

- ما يمنح لتجربة النص الرقمي شرعية التداول في المشهد الإبداعي العربي، هو الانخراط في ممارسة هذا التعبير من طرف المبدعين العرب.

- إن تحقيق (إنجاز) متن مهم من النصوص الرقمية الإبداعية العربية، خطوة مهمة لتحقيق تصور مسؤول نقديا وتنظيرا حول طبيعة التجربة. ذلك، لأن بناء تحديدات مفهومية للخطاب الإبداعي الرقمي في التجربة العربية، ما يزال في طور التفكير أمام ضعف الممارسة الإنتاجية. لأن الاشتغال على النصوص الرقمية باعتبارها متنا ونسقا، هو الذي يبلور منطق هذا الأدب، ويسمح بالتالي ببناء تصور حول منطق الممارسة الإبداعية الرقمية.

- التحسيس بالثقافة الرقمية ودورها الحضاري في تطوير علاقة الفكر بالمعرفة بشكل فعال وسريع، لا يجب أن يتحول إلى نظرية نقدية تؤطر عملية الكتابة الرقمية. ذلك، لأن النصوص هي وحدها المؤهلة لتطوير ثقافة قراءة النص الرقمي الأدبي، والتنظير لمنطق هذا الأدب.

- كثيرا ما رافق عملية قراءة النص الإبداعي العربي الشفهي و المطبوع بالخصوص (الرواية ،القصة القصية والشعر) سؤال تطبيق النظريات الغربية النقدية، فهل يمكن أن يضئ هذا السؤال تجربة القراءة في النصوص الرقمية العربية، حتى تطور التجربة العربية شكل قراءتها، وتطور مفاهيم القراءة الرقمية انطلاقا من الممارسة العربية. دون أن يعني هذا، التخلي عن مبدأ التفاعل مع التجارب الغربية السباقة إلى هذه التجربة، ولكن لما لا يتم التعامل مع التجربة الرقمية العربية بنوع من الإصغاء، كما وجدنا مع النقد الفرنسي الذي طور خطابه بتمثل التجارب النقدية الروسية والألمانية وغيرهما، ولكنه لم يقف عند لحظة التمثل والتطبيق، إنما أنتج خطابا نقديا (أي طريقة في التفكير) من صميم الإبداعية الفرنسية. مما أعطى للنقد الفرنسي شرعية تداوله عالميا. وبالتالي ساهم في نشر مفاهيم الفكر الفرنسي؟

- إن التفكير في التجربة الإبداعية الرقمية في المشهد الثقافي العربي، هو تفكير في مستوى من مستويات الحداثة في الممارسة العربية. ذلك، لأن شكل التعامل مع هذه الممارسة يحقق تصورا عن شكل الانخراط في هذا المتغير الحداثي العالمي. وإذا كانت هناك كثير من معيقات الفكر الحداثي ما تزال تعرقل كل عمل انتقالي حقيقي نحو الحداثة باعتبارها ممارسة في الفكر والحياة واليومي في التجربة العربية، ولكون كثير من مفاهيم الحداثة كما ظهرت، وتظهر، في الغرب ما تزال مهيمنة على الخطاب النظري العربي، وتجد صعوبات أجرأتها على الواقع والسلوك والحياة، فلا شك أن هذا الوضع الإكراهي يشتغل معيقا في عملية الانطلاق المرن للمبدع العربي بكل حرية وجرأة في مختلف وسائل التكنولوجية الحديثة، واستثمارها من أجل تعبير يستوعب مختلف التحولات التي يعرفها الوعي. وإذا كان الإبداع مع وضعية الرقمي أصبح مرتبطا بشرط علمي وتقني على المنتج والمتلقي الانخراط التكويني فيهما، فإننا في هذا الصدد نسجل ملاحظة على السياسات الرسمية العربية التي ما تزال تدفع بأدمغتها التكنولوجية للهجرة إلى الغرب الأوروبي و الأمريكي، مما يجعلها تتحول، أي الدول العربية، إلى مراكز للتكوين. ويعيد التاريخ نفسه في هذا الإطار عندما نستحضر عملية جلب الاستعمار الأوربي خاصة الفرنسي لليد العاملة من المغرب العربي إبان الاستعمار،ثم ما بعد استقلال الدول المغاربية من أجل بناء فرنسا.

تلك مجموعة من الفرضيات والرهانات ، أو التساؤلات التي نرى بطرحها، أو حتى بمجرد التفكير فيها، قد نساهم في بناء موضوعي وفعال لعملية التعامل مع تجربة النص الرقمي، بخلفية معرفية وفلسفية واضحة تساهم في عملية التحسيس وأيضا في عملية الإنتاج .

مع ذلك، تبقى القراءة باعتبارها أسلوبا في التفكير، وطريقة إجرائية ومعرفية وفلسفية هي القادرة على إدراك أو على الأقل الاقتراب من معرفة المنطق الذي يشكل النص الرقمي. ويبقى رهان الممارسة التجريبية خير محك للتفكير في هذه التجربة.

وتبقى عملية انخراط كل مبدع ومثقف عربي في رهان هذه الممارسة، إنتاجا أو تنظيرا خطوة حضارية بامتياز.

الدكتورة زهور كرام

روائية وناقدة وأكاديمية مغربية

والنص ورقة قدمت في المؤتمر العربي الاول للثقافة الرقمية في طرابلس (مارس 2007)

 

 

 

Partager cette page

Published by

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية