Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
/ / /

نساء القصيدة الرقمية : قراءة في ديوان  

\"تمزقات عشق رقمي\" للشاعرعبد النور إدريس

بقلم الناقد خليفة ببا هواري 

 

 

ألقيت هذه المحاضرة في الندوة العلمية التي أقامتها وحدة البحث المرأة والكتابة بكلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة المولى إسماعيل بمكناس تحت شعار:

\"الأدب النسائي بين البعد المرجعي والبعد الأدبي\"بتاريخ

10 ماي 2008 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس

والتي نظمت بشراكة مع \"بيت الأدب المغربي\"

 

 

▌ بدأت الكتابة الرقمية في الآونة الأخيرة تحظى باهتمام متزايد لأسباب عدة نذكر منها :

ـ الصعوبات التي واجهت الأجيال السابقة في تحقيق التواصل مع القراء من خلال النشر الورقي ومتاهاته سواء عبر الكتاب أو الصحف والمجلات.

ـ الإمكانيات اللامحدودة للانتشار والتواصل مع القراء المفترضين عبر مسافات شاسعة تتعدى المجالات الجغرافية للأوطان القومية لتصل إلى أبعد مدى في العالم.

ـ التلاقح السريع للأفكار والمبادئ مما يساعد على تطوير التجارب الذاتية الخاصة والجماعية.

ـ سرعة تلقي ردود الفعل حول الإنتاجات الإبداعية والنقدية، من خلال المواقع والمدونات بالحصوص التي تعتمد الأسلوب التواصلي في بناء مضامينها.

وإذا كانت الكتابة الرقمية قد بدأت تحقق تمايزا مهما، فإنها ما زالت لم تصرف النظر ولم تحول اهتمامات القراء عن الإنتاج الورقي.

ورغم هذا، فإن الإبداع الرقمي حاول أن يتأصل كمفهوم جديد ينبني على معطيات تثقف مع ما هو موجود على صعيد الإبداع الورقي أو الصوتي (الأشرطة والأقراص المدمجة)، وأخرى تتجاوز هذا الصعيد من خلال المضامين والأشكال وكذلك طرق التلقي.

وقد بدأ الإنتاج الرقمي يؤسس مساراته من خلال مجموعة من التجارب التي جعلت منه كينونة خاصة لها تميزها وفرادتها. ومن بين التجارب التي أثارت إليها الانتباه على الخارطة الرقمية نجد اسم إدريس عبد النور، هذا الأخير زاوج بين الإنتاج الرقمي والورقي، فبالإضافة إلى حضوره في مجموعة من المنتديات والمواقع الإلكترونية، أصدر عبد النور ادريس ورقيا  الكتب التالية:

ـ الكتابة النسائية .. حفرية في الأنساق الدالة .. الأنوثة .. الجسد.. الهوية.

ـ الرواية النسائية والواقع بين سوسيولوجية الأدب ونظرية التلقي.

ـ ميثولوجيا المحظور وآليات الخطاب الديني ـ المرأة بين السياق والتأويل.

ـ دلالات الجسد الأنثوي في السرد النسائي العربي.

ـ ورثة الانتظار، مجموعة قصصية.

ـ تمزقات عشق رقمي، تشظيات شعرية.

ـ سوسيولوجيا التمايز : ظاهرة الهدر الدراسي بالمغرب،

 وبهذا يكون عبدالنور إدريس قد طرق باب النقد الأدبي والقصة والشعر والسوسيولوجيا، وتميز باهتمامه بالكتابة النسائية، وبقضايا المرأة وامتداد هذه القضايا. ونحاول هنا الاقتراب، من خلال عملية نقدية مركبة من تشظياته الشعرية التي عنونها بـ\"تمزقات عشق رقمي\". ومن خلال هذه المقاربة سنشتغل على العناوين والإهداءات ثم على بنيات الخطاب الرقمي، لنختم بحضور المرأة وأشكال هذا الحضور في الديوان.

1. العناويــن والإهــداءات :

ينقسم الديوان إلى ثلاثة عناوين رئيسية وكأننا أمام ثلاثة أجزاء متباينة الحجم.

ـ تمزقات عشق رقمي.

ـ تمزقات نتية.

ـ صهيل الهذيان الرقمي.

والصلة واضحة بين هذه العناوين الثلاثة حيث يجمع بينها عنصري التمزق والرقمية. ومن خلال مقاربة هذه العناوين يمكن أن نستنتج وجود تطور سنحاول تأكيده من خلال مقاربة النصوص فيما بعد. فالرقمي يتم تعريفه أولا بمرادف هو \"النتي\" وثانيا \"بأل\" التعريف ليتم التأكيد من خلال ذلك على أن المشروع الرقمي هو مشروع قائم الذات وقد تم التعرف عليه والتعريف به.

بينما يمكن أن نعتبر العنوان الثالث محاولة لشرح مفهوم التمزق، حيث يمكن اعتباره \"صهيل هذيان\" فيكون التمزق هنا استعاريا من ناحية، ومن ناحية أخرى نفسيا محضا وهو ما يقترب من العوالم الافتراضية.

قدم الديوان سبعة وعشرين عنوانا، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من العناوين الداخلية. وقد سيطرت الأنوثة على أغلبية هذه العناوين أنه لم يرد أي عنوان بكلمة مفردة كما لو أن هاجس التعريف الذي تحدثنا عنه سابقا قد رافق الشاعر وسكنه لدرجة لم يدع معها مجالا لأي فكرة، واشتملت العناوين على كلمات في صيغة الأنثى سواء كأفعال \"أتدرين، تشبهينني، تغضبني، امرأة، سيدة، قصيدة، أنثى، خريطة، مرايا، كتابة\".

والمثير أن هناك أسماء مذكرة في المفرد ولكنها إذا جمعت في العربية، جمعت على المؤنث : تمزقات، تمزق، تأوهات/تأوه، أقاليم/إقليم، أصفار/صفر، تقاسيم/تقسيم.

والغريب أن العنوان الأول والأخير، إذا استثنينا العنوان الذي جاء بالفرنسية، جاء بصيغة المذكر، وكان المذكر يصر على أن يحاضر التأنيث ويؤطره. ألا يمكن إذن أن نأول ذلك، بان اللاوعي قد فعل فعلته، ودفع بالشاعر المتبني للطروحات النسائية والمعاجم الذكورية والقائل بـ\"خمسة أصفار ملونة في استفحال مادة \"ذكر\" أن يضع هذه الذكورة في المقام الأول والأخير، وتعيدنا الإهداءات إلى تزكية طرح الأنثوية في الديوان، فالهدف الرئيسي يحيلنا على الأنثوية والرقمية معا :

إليك

وأنت

تتلقين العشق

السيليكوني والإيقونات

عند حافة الماسنجر.

وبالنسبة للإهداءت الداخلية وعددها عشرة، فحملت كلها إلا واحد، طابع الأنوثة. وتميز هذا الإهداء المذكر بمجيئه بصيغة الجمع المفرد \"إلى الشعب اللبناني .. ذات صيف ملتهب\" وأكد على أن العلاقة والانتماء القوميين لهما مكانتهما المهمة في مشروع عبد النور ادريس الشعري.

وهناك ملاحظة لطيفة بخصوص هذه الإهداءات حيث أن الشاعر، ولكي يساير إهداءاته النسائية حوَّر الإهداء إلى رواية \"شات\" عوض صاحبها محمد سناجلة، ويكون بذلك قد واصل التأكيد على أهمية الحضور الأنثوي في الديوان وهو ما سنقاربه فيما بعد وقبل ذلك سننتقل للحديث عن الاهتمام الرقمي الذي يؤسس له عبد النور في ديوانه \"تمزقات عشق رقمي\".

2. بنيــات الخطاب الرقمـــي

مند أول صفحة في الديوان، وهي صفحة الغلاف، ظهر الاهتمام بالعالم الرقمي، جاء ذلك من خلال العنوان وصورة الغلاف. فكما أشرنا فالعنوان يحيل مباشرة على هذه الهوية الجديدة ليس فقط للكتابة والإبداع بل أيضا للعشق. فكيف هو هذا العشق الرقمي ؟ ذلك ما سنعود إليه فيما بعد، لأننا سنقف عند المقومات التي تجعل من الخطاب الذي يقدمه ديوان \"تمزقات عشق رقمي\" خطابا رقميا.

كما أشرنا فالغلاف يحمل عنوانا يشير مباشرة إلى الرقمي، وصورة الغلاف تواصل هذه الإشارة حيث تبرز إنسانا ممتطيا فأرة الحاسوب. فبعد بساط الريح في الحكايات القديمة، وبعد الألواح الطائرة التي يمتطيها الأبطال الخارقون في القصص الفانتستيكية الموجهة خصوصا للأطفال، جاء زمان امتطاء الفأرة. وهذا امتطاء مجازي، لأن هذه الدنيا تظهر في أقل من ومضة عين.

بموازاة هذه الأيقونة تم الاعتماد في \"تمزقات عشق رقمي\" على حقل معجمي ودلالي استحدث في اللغة العربية ويضم كلمات من قبيل : الماسنجر، السيليكون، الأيقونة، نتية، النيلون، النسائية الفضية، الفأرة، الياهو، حاسوب، الفيروسات، البريد، السلة.

يضاف إلى العنصرين السابقين (الأيقونة والمعجم) علاقة المبدع مع العوالم الافتراضية، بمعنى، ما يحققه من تواصل مع العديد من الناس، وهنا \"تمزقات عشق رقمي\" مع العديد من النساء. فالعشق هنا ليس عشق عمر بن أبي ربيعة ولا حتى عشق نزار قباني، إنه عشق آخر أقل ما نقول عنه أنه رقمي، أو أنه افتراضي. فالشاعر أهدى نصوصه، خصوصا في الجزء المعنون بـ\"صهيل الهذيان الرقمي\" إلى ثمان نساء، هن على التوالي: المرحومة مليكة مستظرف، ووفاء الحمري، ومليكة مزان، وفاطمة ناعوت، وبريهان قمق، ومالكة عسال، وحنين جبر، وهالة المصراتي، وإذا اعتبرنا أن الإهداء هو صيغة لتوجيه الخطاب فإننا نجد الشاعر يقول لوفاء الحمري :

       لا تغضبي ...

       لن أعاتب الدهر

       فـ

       يـ

       كـ                          (ص. 50)

ويقول لمليكة مزان :

       لــ

ــو

لا

التراتيل في بوحها بُحَّتْ

        لــ

        ــو

        لا

أنك تضاجعين الكون الأعمى

وتشبهين حطام امرأة تصلي

مــا

غرست عشقي في مداك

قمحا موبوءا باليباس

                                    (ص. 53)

ويقول لبريهان قمق :

ربما

لاح لها

                           موؤودة الشوق

                           من فتاة ربة عَمّون

أن تسمي نفسها بريهان

وتفخر شمسنا خجلى من بلاغات الاحتراق

أن ترسم

                  فينا

                           قرار

                                    العبادة

                                              وبلاغات الصلاة

                                                                          (ص. 59)    

ويقول لمالكة عسال :

                           /أيتها الصحراء/

لا تسمعي

                  اتركي لي رشفة منها

                           حتى ترضى عني رجفة الشعر.

                                                                          (ص. 61)

ويقول لحنين جبر :

        ويأتي الحنين إلى الغياب

شفافة أنت

عندما تذرف الكلمات

دموعها الصماء

         في

                   عينيك ..

                            في

                                      الذوق المتلاشي

                                                                  (ص. 63)

ويقول أخيرا لهالة المصراتي :

        دهشة حب مكدسة بين قوسين

        تحترف التوجع خارج المجاز.

                                                                          (ص. 67)

نقول إذا ألا يكون هذا العشق الرقمي عشقا مجازيا كلقاءات النّت والشات ؟

3. حضور المرأة وتجلياته

منذ البداية أشرنا إلى أن \"تمزقات عشق رقمي\" هو من ديوان نسائي إلى أبعد الحدود. وأن للمرأة فيه حضور كبير، يمكن أن نقول إنه تجاوز حضور الشاعر ذاته.

ـ تحضر المرأة كجسد تمتد دلالاته إلى كل المعاني فتبدو المرأة في ثوب الشموخ والكبرياء وتصير عزتها قوة ومناعة.

                  وحين تنتصبين أمامي

                  مصلوبــة الحنـــــان            

                  في شمــوخ .. شجــر

                  في ضـــوء .. قمـــــر

                  في كبريــاء .. عمـــر

                  يعــود لي التعريــف

                                                       (ص. 27)

هذا الشموخ يخدم الشاعر إيجابيا حين نرى أن حضور المرأة يعيد له التعريف، ويساعده على مواصلة إدراك ذاته ومن ثم العالم.

وتبدو المرأة جسدا مغايرا لا هو بالكامل ولا هو بالواضح، يقول الشاعر :

        وقد تزحف الحروف

        في رقة الملــح

        عند ميلاد الإنشاد

        وتكتب شعرا مبتلا بالاعترافات

        كما الشراشف مسكونة بالوهم

        كما أنت ...

        نصف أنثى متشحة بالنتوءات

                                                       (ص. 40)

لماذا المرأة تظهر هذا كنصف أنثى ؟ مع العلم أن هذه القصيدة تبدأ بــ :

                  محوت نصف جملة .. كانت

                  تجلس في كتابي.

هل هي المرأة التي لا تكتمل إلا إذا صارت لغة، نصفها جملة ونصفها الآخر أنثى، لتكون كينونة كلامية توجد فوق الملموس ليكون الجسد بذلك شيئا آخر غير ما تعارف عليه الناس العاديون ؟

ألا يكون هذا الجسد المتشكل هكذا، من نصف جملة ومن نصف أنثى هو تجلي الجسد الرقمي الذي يحضر كصورة وكلمات وحروف على الشاشة السينليكونية ؟

ويحضر الحديث عن نصف الجسد في قصيدة أخرى عن ما يقول الشاعر :

        صفر نصف أعمى في السؤال

        أجبت : غريب الدار معادلة لها متسع في نصف

        أنثى ..

        أجبت : نصفك زائد نصفي يساوي نصفا آخر ...

        نتعزى به عند شحوب ظلينا ..

                                                       (ص. 29)

وكأن الشاعر يؤكد لنا هنا ما وصلنا إليه من استنتاج سابق، إذ أن نصفه زائد نصف الأنثى لا يعطي سوى نصف آخر\" وكأنه فعلا في حاجة إلى غير الجسد المعلوم لكي يكون هناك جسد كامل.

يتجلى الجسد في بعد آخر ضمن سياقات الديوان فنرى الشاعر يركز كثيرة على تيمة العربي التي تكررت بشكل ملفت.

يقول الشاعر :

        استحال نداء منخول المسافة

        اقترفته سيدة تسطو على دوائر النداء ..

        تقف عارية في ألوان اللوحة

                  وتنشطر

                  في طاعتها

                                    حكايا الفصول

                                                       (ص. 10)

يبدو العري هنا اختيارا للمرأة حيث تظهر كفاعلة رمز أنها في \"ألوان اللوحة\" فهي \"تسطو\"، وفي \"طاعتها\"، \"تنتظر حكايا الفصول\". والعري اختيارا يساير منطق الألوان حيث يشكل الجسد العاري لونا خاصا ينضاف إلى الألوان الأخرى.

ثم ما يلبث الحديث عن العري أن يأخذ منحى آخر

                  قادم إليها الشنق والعفو

                  تفسخها غربة تنتسب للدهشة

                  توقظ

                           أسئلة

                                    العري

                  وتستعير غطاءها من يتم الألوان

                                                                 (ص. 10)

يظهر هنا العري وضده \"غطاءها\"، ويأتي الحديث عنه كموضوع للبحث لأنه يأتي محملا بالأسئلة.

هذا التزاوج بين العري وضده يظهر مرة أخرى عندما يقول الشاعر :

                           أطال الله حكيك سيدتي

                           وتشعبي في مروءة الحرف

                           ولا اقول \"النهد\"

                           كي لا تصبح الكلمات ألغاما

                           كي لا تضرب \"الفيروسات\" عنق فأرتي

                           ولا أقول تشعبي في لياليك الوصف

                           كي لا تستلقي في بريدي عارية

                           وأضطر بعدها ..

                           إلى رمي لباسك الأموي في سلتي

                           وأضطر بعدها ..

                           إلى نسج ردائك السلطاني

                           من قبلاتي السيليكونية

                                                                 (ص. 15 ـ 16).

فالشاعر يخبرنا أنه يتجنب وصف الأشياء بمسمياتها \"لاأقول النهد\" ويضع الكلمة بين مزدوجتين ويؤكد \"كي لا تصبح الكلمات ألغاما\".

نفس النفي يحضر عند الإخبار عن العري مباشرة :

        \"ولا أقول تشعبي في لياليك الوصف

        كي لا تستلقي في بريدي عارية\".

وتحضر أيضا علاقة الجسد بالكلمات واللغة كما أشرنا إلى ذلك سابقا.

ويأخذ الحديث عن هذا العري هنا وضده اللباس منحيين اثنين، وأولا يساهم الشاعر في إيجاد هذا العري، فهو مضطر :

                  \"إلى رمي لباسك الأموي في سلتي\"

وثانيا يقوم ضده ويكون مضطرا

        \"إلى نسج ردائك السلطاني\".

ليسجل بذلك موقفين من هذا العري، إلى العلاقة الرقمية حيث الجسد هو الجسد سواء كان عاريا أو مسجى.

وتغير العلاقة بين العري واللباس لتصير علاقته متأزمة، فيقول الشاعر :

                  عندما يستيقظ الدخان

                  في العينين

                  في عري الكائن

                  تلبسين بالصدفة

                  ثياب الوجع

فيصير العري هنا هو الإيجابي والعكس بالنسبة للثياب التي يرافقها الوجع.

وبعيدا عن الجسد، تتجلى المرأة في الديوان كمعشوقة وملهمة للشاعر وتصل في بعض الأحيان إلى درجة المعبودة كما في قول الشاعر :

                  وكنت أنت امرأة تستحضرها ابتهالات فأرتي

                  المرقطة

                  وكنت خدعة بصرية

                  وكنت لي معبودة من سيلكون (ص. 14)

هي امرأة من المستوى الرقمي لكن وضعيتها العاطفية قوية وجامحة معبودة هي، وسيدة أيضا كما يؤكد الشاعر ذلك في قصيدة \"تمزقات نتية\" (ص. 15) حيث يتكرر لفظ سيدتي أربع مرات.

وتصل العلاقة إلى حالة التشظي حيث يغيب الإدراك عن الشاعر بحضور المرأة، يقول :

        دعيني أبحث عن صباح بدون مطر

        دعيني أمر كنسيم البحر

        فالأمسيات لها بعد واحد

        إنها لا تتقن السفر

        وأنا المتشظي في عينيك

        أنسى تفاصيل مدينتي الخريفية (ص. 12)

إنه تشظي يصل إلى حد الموت كما يحيل على ذلك وجود فصل الخريف.

كما أن لهذه العلاقة بعدا إيجابيا، إذ يقول الشاعر :

        ها أنت تشبهين قهوتي

        تحيلين مذاق نهاري ضيفا على الحلاوة

        وتفتحين صمتي على أرصفة محتشدة بالصراخ

ويترنح فيك

        ضيق ليلي .. بابا مشرعا على الشقاوة (ص. 13).

حيث أن حضور المرأة يضفي على نهارات الشاعر شيئا من الحلاوة، ويساهم في حضور الكلام \"يفتح الصمت\" ويساهم أيضا في فتح أبوابه وجعلها مترعة لتحارب \"ضيق ليلة\".

وتستمر سيل البوح في علاقة الشاعر بالمرأة، حيث تصبح وجهته وقبلته، فيقول :

        أتدرين يا جميع الأمكنة

        أنك قبلتي

        في مدقّ المنارات ..

        ...

        أتدرين يا وجهتي

        أن وجهك موعدي (ص"28)

فتصبح المرأة كل شيء، \"كل الأمكنة\"، والقبلة والوجهة بالنسبة للشاعر :

وتحضر المرأة بشكل آخر في الديوان، حيث تتجلى كطفلة أو كامرأة في علاقتها بالطفولة، فقد تكرر استعمال هذه التيمة (أي الطفولة) خمس وعشرين (25) مرة منها ثلاث وعشرون مرة في الجزء الأول\"تمزقات عشق رقمي\"واثنان فقط في الجزء الكلمة بكل مشتقاتها\" : طفل، طفلة، طفولة، أطفال\" وكذا بكلمة \"صغيرة\" التي جاءت دائما مصحوبة بياء النسبة لتأكيد العلاقة الوشيجة بين الأنثى والشاعر.

وتحضر المرأة أخيرا كعلامة تاريخية أو ميتولوجية بأوجه مختلفة، فهي زوجة عزيز مصر كما في قصة يوسف النبي عليه السلام :

                  أركض في داخلي

                  كي أغتال كل المواجع .. فيك

                  وأقصص

                  رؤياي على إخوتي

                  ولا تمهلني امرأة العزيز

                  في لهجة الغنج

                  وأستبيح أنفاس الظهير

                  وأحد من خطوات النساء

                  ..... إلى السؤال

                  ..... إلى المنتهى

                                              (ص. 25)

وهي سندريلا كما في الحكاية العالمية المشهورة حيث تظهر قاسية :

                  وكنت قاسية

                  عندما شربت النعوت

                  وتركت عشقي محنطا

                  كَـ

                  مْ

                  كان دلالك أحجية ..

                  سندريلا ...

                  فراشة إمبراطور

                  تكفر بالربيع

                  ساعة التفقيص

                  تكفر بالتشرنق

                  بعد الطيران ... (ص. 36)

وهي بلقيس ملكة سبأ كما في قصة النبي سليمان عليه السلام :

                  محوت نصف جملة .. كانت

                  تجلس في كتابي .. كانت

                  من بلاغات البلاط

                  كـ

                  ا

                  ن

                  ت

                  تبدو في المرمر كسمكة بلقيس (ص. 40)

وهي أيضا شهرزاد سلطانة الحي والمرافعة عن النساء في الحكاية القديمة والتي تمارس حق الاستجواب :

                  آه لو حضرت يوم زفافك ...

                  لاخترت حريقا فيَّ

                  أطفأني ذات صباح

                  ولأقنعت شهرزاد بوقف الاستجواب

                                                                 (ص. 44)

أو تقف وسط المأساة :

                  جملة بياض أنت

                  من حيث لا تعرفين

                  والحنين أقرب

                  مني إليك ...

                  من فوضاي

                  وجع الأرض

                  مأساة شهرزاد الأميرة

يرحب بالنتوءات

                            (ص. 64)

تعامل عبد النور إدريس في ديوان \"تمزقات عشق رقمي\" مع الموضوع الأنثوي لدرجة دفعتنا للقول أن هذا الديوان هو ديوان نسائي بامتياز.

وقد رأينا من خلال مقاربتنا للديوان كيف ساهمت العناوين والإهداءات في زرع هذه الروح النسائية في \"تمزقات عشق رقمي\"، رغم أننا لاحظنا حضورا لا واعيا للذات الذكورية، وحاولنا أيضا إبراز المقومات التي تجعل من هذا الديوان كتابة رقمية من خلال اشتغاله على مجموعة من التيمات وتبنيه لمعجم سيطرت عليه كلمات وألفاظ العالم الرقمي.

وقد حضرت المرأة في \"تمزقات عشق رقمي\" بكل الأشكال والأسماء والهيئات فكانت الحبيبة والصديقة والمبدعة والطفلة والعلامة التاريخية، كانت الأمل والحياة.

ويحق لنا أن نعتبر هذا الديوان تجربة رقمية بالغة الأهمية خولت لصاحبها المساهمة في التأسيس لهذا الأسلوب من الكتابة الإبداعية.

 

 

Partager cette page

Published by

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية