Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
19 juillet 2011 2 19 /07 /juillet /2011 11:47
القاتلُ لا يقرأُ الشِّعرَ

 

 

 

حوارمع الشاعرمحمَّد حلمي الرَّيشة (شِعريار)

 

الشَّاعرُ الحقيقيُّ يدركُ أَثرَ رقصةِ الفراشةِ حولَ الضَّوءِ بِما يتجاوزهُ إِلى الاحتراقِ
شاعر جميل، ومميز في لغته التي تصيبك بمتعة قريبة إلى الانبهار.. إنه شعريار القصيدة التي تكتبه قبل أن يكتبها، وتبوح بأسراره قبل أن يبوح بأسرارها، حيث تصبح لقصائده طعم الدهشة والفرح والحزن والفقد والحنين.. في هذا الحوار الخاص، يتحدث الشاعر الجميل محمد حلمي الريشة عن الكتابة، عن القصيدة، عن الحلم تمامًا كما يقول على لسان (لويز جيليك): « لَم أَكُنْ يومًا ممَّن يشعرونَ بضرورةِ توسيعِ قاعدةِ قرَّاءِ الشَّعرِ، فأَنا أَشعرُ أَنَّ مَن يحتاجونَ الشِّعرَ يجدُونهُ »…

 

* لو طلبت منك أن تقدم محمد حلمي الريشة للقارئ، ماذا ستقول عنه؟
-  توقَّفتُ طويلاً أَمامَ هذَا السُّؤالِ! أَقرأُهُ ثمَّ أَعبرهُ تاركًا إِيَّاهُ فارغًا! جملٌ كثيرةٌ تمرُّ فِي اتِّجاهاتٍ أَكثرَ لدرجةِ الاحتكاكِ فِيما بَينها! أَذهبُ إِلى مرآةٍ فأَرى شخصًا آخرَ يطلبُ منِّي أَن أُخرجَهُ منْ أَسرِ ماءِ الفضَّةِ، فأَبتعدُ عَنهما إِلى لاَ أَعرفُ! أَتمشَّى بخطواتٍ حرَّةٍ، لكنَّها فِي قفصٍ كبيرٍ! ثمَّ أَصرخُ في داخلِي المرهَقِ/ المرهِقِ: كيفَ لَو كانَ الإِنسانُ بلاَ مخيلةٍ ولاَ ذاكرةٍ! وأَسأَلُني: هلْ لَو فقدتُ الحواسَّ كلَّها، أَكانَتا تَكفيانَني؟ أَصحُو منْ غفلةِ سؤَالي علَى صوتٍ مُواربٍ قادمٍ منْ جهةِ المرآةِ: أَنا حواسُّ متأَجِّجةٌ بأَكثرَ منْ عددِها، ومخيلةٌ سماويَّةٌ دائمةُ الإِبراقِ تخترقُ سوادَ تلبُّدِ الحياةِ، وذاكرةٌ جشعةٌ لاَ تمتلئُ ولا تغلقُ البابَ حتَّى علَى كَنزِها! أَنا شاعرٌ؛ حاولتُ منذُ مَا بعدَ مطلِعي الشِّعريِّ بقليلٍ أَن أَكتبَ الشِّعرَ بالشِّعرِ؛ بدمهِ، وقلبهِ، وروحهِ، وجسدهِ، وبأَن أَفتحَ حتَّى مَا بعدَ الحواسِّ علَى كلِّ شيءٍ، حتَّى أُغيَّرَ مَا بِنَفْسي فيتغيَّرُ مَا بشعرِي؛ تفرُّدًا خاصَّا، ومغايَرةً عنِ الآخرينَ، كضرورةِ اختلافِ إِبداعٍ، ورفضٍ لمعظمِ السَّائدِ الشِّعريِّ (الفِلسطينيِّ خصوصًا آنذاكَ)، لذَا عوقِبتُ بنُكرانِ معظمِ السَّائِدينَ طويلاً، لكنِّي بَقيتُ، ومَا زلتُ، فِي قاربِي الشِّعريِّ الَّذي صنعتُهُ بعيونِي، فَلمْ أَجنحْ لشاطئٍ، ولاَ حتَّى لوَّحتُ لمنارةٍ أَغوتني بأَيدِيها الضَّوئيَّةِ، كمَا فعلتْ معَ كثيرينَ، ثمَّ أَطفأَتهمْ لسببٍ أَعلَمهُ!
* القصيدة، تلك السيدة الاستثنائية كما وصفها نزار قباني.. ماذا تعني بالنسبة إلى محمد حلمي الريشة؟
- كلُّ قصيدةٍ هيَ حالةُ حبٍّ باعتبارِها الأُنثى الاستثنائيَّةَ، وليسَ السَّيِّدةَ، إِذِ الأُنوثةُ تكمنُ فِي أَشياءِ الحياةِ الكثيرةِ كفعلِ حياةٍ يُصرُّ علَيْها، والَّتي تأْتي شاعرَها بِكرًا دائمًا، ومكسوًّا قلبُها بزغبِ الحنينِ البريءِ، معَ فورانِ نبضٍ متأَجِّجٍ، وارتعاشِ بدنٍ لذيذٍ. لذَا؛ لاَ بدَّ منْ حدوثِ علاقةِ حبٍّ باذخةٍ بينَهما، كأَساسٍ أَوَّليٍّ لإِنشائِهما؛ القصيدةِ والشَّاعرِ، لأَنَّ فِي إِنشاءِ أَيَّةِ قصيدةٍ إِنشاءٌ لشاعرِها، بِمعَنى أَنَّهما ينشآنِ معًا/ يُنشئُ أَحدُهما الآخرَ. هكذَا يَفترضُ الإِبداعُ الشِّعريُّ؛ وجودَ شاعرٍ متعدِّدٍ لأَنَّ قصائدَهُ متعدِّدةٌ. وإِذا لمْ تَقمْ علاقةُ الحبِّ الباذخةُ بينَهما، ولمْ يكنِ الشَّاعرُ شاعرًا متعدِّدًا، فإِنَّ كلَّ قصائدِ الشَّاعرِ قصيدةٌ واحدةٌ بصياغةٍ تناسخيَّةٍ!
منْ رُؤيتي هذهِ، فإِنَّ القصيدةَ عنتْ لِي الأُنثى المحبوبةَ العاليةَ فِي كلِّ حالاتِها/ أَشكالِها/ كينونتِها/ وجودِها/ …، مهمَا كانَ موضوعُ حضورِها، والَّذي قدْ تراهُ فِي امرأَةٍ تحبُّها كمَا تراهُ فِي رجلٍ لاَ تطيقهُ، وقدْ تراهُ فِي ابتسامةٍ ماكرةٍ كمَا تراهُ فِي جرحٍ جميلٍ، وقدْ تراهُ فِي وردةٍ جافَّةٍ كما تراهُ فِي خريفٍ خفيفٍ، وقدْ تراهُ فِي وطنِكَ المسلوبِ كمَا تراهُ فِي جنَّةٍ داخلَ النِّسيانِ/ …، وهكذَا يفعلُ فعلُ التَّأْنيثِ خصوصيةً وتفرُّدًا وامتيازًا فِي الشَّاعرِ فيَّ، وهكذَا عنتِ القصيدةُ بالنِّسبةِ إِليَّ، أَيضًا، ملاذًا غيرَ آمنٍ منْ سطوةِ النَّجاةِ منَ النَّجاةِ!
* داخلَ هاجس الخوف على الرغيف وعلى الحياة، كيف يمكن بناء قصيدة وجعلها سببًا للأمل وقائدة لفكر يتأسس على التفاؤل؟
- لمْ يَزلْ معظمُ الشُّعراءِ العربِ، وغيرِ العربِ، يعيشونَ هذَا الهاجسَ! هلْ هذَا منْ طبيعةِ تكوينِ الشَّاعرِ، أَم ماذَا؟ أَم أَنَّ هذَا منْ طبيعةِ الآخرِ المعروشِ فوقَ سلطتهِ، أَيًّا كانتْ تلكَ السُّلطة، أَم ماذَا؟ تَقتلُ باشتهاءٍ الأَسئلةُ فِي أَحايينَ كثيرةٍ، علَى الرَّغمِ منْ طبيعةِ الشِّعرِ أَن يطرحَ الأَسئلةَ.
يركضُ الشَّاعرُ، وغيرُ الشَّاعرِ، علَى منحدرٍ، خلفَ رغيفٍ مدوَّرٍ بمهارةِ القسوةِ/ مسوَّرٍ بيدِها المانعةِ، حيثُ يَسعى الآخرُ منكَ إِلى إِشغالِكَ بِهذا « الماراثونِ » الَّذي لاَ يَنتهي، خوفًا منْ رونقِ الوعيِ الَّذي فيكَ، والَّذي يشكِّلُ عَدوى جيِّدةً، وضرورةَ حرِّيَّةٍ، ونشيدَ أَنشادِ الخلاصِ، لمنْ تُنادي عليهمْ/ توجِّهُ لهمْ خطابَكَ؛ هذَا النِّداءُ/ الخطابُ يهزُّ الضَّميرَ الجمعيَّ، وقدْ يهزُّ عروشًا، هيَ فِي أَعلاَها أَقفاصُ الآخرِ النَّقيضِ مقامةً لآخرِنا منَّا.
هلْ نظلُّ خلفَ ذاكَ الرَّغيفِ الدَّائريِّ يتأَبَّطنُا هاجسٌ مرٌّ وقاسٍ؟ لاَ.. لاَ بدَّ منْ أَن ننشُرَ وعيَ الرُّوحِ، وفكرَ الأَملِ، وجمالَ الإِبداعِ، حتَّى ونحنُ فِي عدْوِنا الَّذي لاَ يَنتهي، والَّذي يَبدو أَنَّ مسارَهُ دائريٌّ أَيضًا.
* لعل ما أعنيه هو، هل تستطيع القصيدة أن تحمي ضحية من القتل؟ أن تحمي شارعًا من البشاعة؟ أن تحمي كائنًا من الضغينة؟
- بالتَّأْكيدِ لاَ.. ربَّما لأَنَّ القاتلَ لاَ يقرأُ الشِّعرَ! هلْ تتخيَّلُ أَن أَقفَ أَمامَ المحتلِّ/ محتلِّي؛ المُدجَّجِ بالرُّعبِ، والملفوفِ بالخوفِ، والـمُكتسِي بـ »الأَمانِ الـمُمعْدنِ »، كمَا وصفتُهُ فِي إِحدى قصائدِي، أَن أَتلوَ عليهِ قصيدةً، فيتراجعُ مترًا، أَو يؤخِّرُ تصويبَ بندقيَّتهُ نَحوي، أَو…، كذلكَ الحالُ فِي البشاعةِ، والضَّغينةِ، و….!
« ليسَ بِوسعِ قصيدةٍ أَنْ تُوقِفَ حربًا، هذَا مَا يُفترَضُ أَن تفعلَهُ الدُّبلوماسيَّةُ، أَمَّا الشِّعرُ فهوَ سفيرٌ مُستقلٌّ يُمثِّلُ الضَّميرَ، وهوَ لاَ يَستجيبُ لأَحدٍ، وهوَ يعبرُ الحدودَ بلاَ جوازِ سَفرٍ، ولاَ يقولُ إِلاَّ الحقَّ، وهذَا هوَ السِّرُ فِي أَنَّهُ- ودَعْكمْ مَّما يُقالُ عنْ هامِشيَّتهِ- واحدٌ منْ أَكثرِ الفُنونِ قُوَّةً » (إِلينْ هِينْسِي).
القصيدةُ تعملُ/ تَسعى/ تتأَمَّلُ/ تُنشئُ الجمالَ فِي عرسِ الأَسى، ولَو أَنَّها لاَ تستطيعُ محوَهُ. علَيْها- بمحضِ إِرادتِها- أَن تنتصرَ للحياةِ/ للحريَّةِ/ للعدالةِ/ للإِنسانِ، بأَن تقولَ كلَّ شيءٍ بجدلٍ فنِّيٍّ ضمنَ شعريَّةٍ عاليةٍ.
* قبل عقود، كان الشاعر أشبه بكتيبة تقود جيلاً إلى الوعي، كيف تفسر أن يبتعد أغلب الشعراء عن هذا الدور في وقتنا الراهن؟
- إِذا وجَّهنا نَظرةً نحوَ الماضِي، فإِنَّنا نَرى الواقعَ غيرَ الواقعِ الآنَ؛ نعرِفُ أَنَّه كانَ فيهِ منْ كلِّ شيءٍ، لكنَّ الأَشياءَ لمْ تكنْ بِهذا الحجمِ منَ الضَّراوةِ، والقسوةِ، والكراهيةِ، والخيانةِ، والعبوديَّةِ، والقتلِ، و…! إِضافةً إِلى المعاناةِ، والقهرِ، واليأْسِ، والاستلابِ، والجنونِ، و…!
الآنَ؛ ثَمَّ مَا يمسخُ الإِنسانَ أَكثرَ إِلَى مَا دونَ ذلكَ، والشَّاعرُ يَستشعرُ هذَا، بلْ يعيشهُ، ولكنَّهُ لاَ يستطيعُ أَن يتعايشُ معهُ، وهُنا تكمنُ أَزمتُهُ الدَّائمةُ، وحساسيتهُ الشَّديدةُ، وصدمتهُ القاهرةُ، إِلى درجةِ أَنَّه بَدا/ يَبدو مبتعدًا عنْ الواقعِ الآنيِّ، وكأَنَّه لاَ يشاركُ فيهِ! « الشَّاعرُ الحقُّ لاَ يتوقَّفُ عنِ الرُّؤيا، ومهمَا كانَ بينَ النَّاسِ والأَصحابِ، يَبقى وحيدًا، وحدةَ رجلٍ علَى فراشِ الموتِ ». (شاعرٌ لمْ أَجدْ اسمَهُ علَى هذهِ المقولةِ).
لمْ يبتعدِ الشُّعراءُ الحقيقيُّونَ عنْ دورِهمُ الخاصُّ والعامُّ، بلِ الآخرونَ همْ مَنِ افتعلُوا/ فعلُوا هذَا الابتعادِ/ الهروبِ لأَكثرَ منْ سببٍ؛ مِنها مَا هوَ منْ صنيعِ أَيديهمْ، ومِنها مَا هوَ منْ صنيعِ الآخرينَ؛ نعرِفُ أَنَّ الشِّعرَ الإِبداعيَّ الجديدَ ارتقَى بلُغتهِ ومخيلتهِ وتأْويلهِ، ولكنَّ القارئَ العربيَّ لمْ يَبذلْ جهدًا للارتقاءِ إِلى هذَا المُستوى منَ القراءةِ، وظلَّ حاسرًا ذاتهُ فِي خانةِ المتلقِّي (القراءةُ تختلفُ اختلافًا كبيرًا عنِ التَّلقِّي) كمَا تعوَّدَ علَى هذَا منذُ زمنٍ بعيدٍ. مَا يتعلَّقُ بالشُّعراءِ؛ منهمْ مَن استسلمَ لحالَتينِ: الاستسلامُ للسُّلطةِ الثَّقافيَّةِ السَّائدةِ، أَوِ الاستسلامُ للغيابِ/ الصَّمتِ/ التَّماوتِ. ومنهمْ، وهمْ قلَّةٌ، مَن آثرَ البقاءَ فِي حُرقةِ الشِّعرِ المختلِفِ إِخلاصًا لهذَا الإِبداعِ الجميلِ علَى الرَّغمِ منْ قبحِ/ قسوةِ مَا يتعرَّضُ لهُ مِن تهميشٍ/ نفيٍ/ إقصاءٍ. الشَّاعرُ/ المبدعُ الحقيقيُّ يدركُ أَثرَ رقصةِ الفراشةِ حولَ الضَّوءِ بِما يتجاوزهُ إِلى الاحتراقِ الماديِّ والمعنويِّ.
* وأنا أقرأ نصوصك الشعرية، كان يخيّل إلي في كثير من الأحيان أن القصيدة هي التي تكتبك، هل تشعر أنك « متورط » في الشعر إلى هذا الحد؟
- هذَا مَا قلتهُ/ أَقولهُ، ومَا تبيَّنَ لِي خلالَ سَيْري الشِّعريِّ؛ إِنَّ القصيدةَ الإِبداعيَّةَ هيَ الَّتي تكتبُ شاعرَها! ليسَ هذَا مِن بابِ المجازِ/ التَّهويمِ الفانتازيِّ/ السِّباحةِ فِي بحيرةٍ جافَّةٍ!
تصِلُ الحالةُ إِلى مَا هوَ « استبدادُ » القصيدةِ بِي، لكنَّهُ « استبدادٌ » جميلٌ، وتماهٍ عذبٍ فِي بعضِنا البعضِ لدرجةِ أَن لاَ تعرِفَ الشِّعرَ منَ الشَّاعرِ (« كيفَ نعرِفُ الرَّقصَ منَ الرَّاقصِ؟! » و. ب. ييتس)، علَى الرَّغمِ منْ معاناتِها الَّتي كأَنَّها خروجُ الرُّوحِ ببطءٍ كلَّ قصيدةٍ (« خلعُ ضرسٍ أَهونُ منْ كتابةِ بيتٍ منَ الشِّعرِ » الفرزدق).
كلُّ قصيدةٍ جديدةِ، وتكتبُ شاعرَها، لاَ تقدِّمُ نفسَها هديَّةً مجانيَّةً، ولاَ تُسلِّمُ نفسَها بسهولةٍ؛ لاَ تَسترخِي علَى البياضِ كامرأَةٍ مُجرِّبةٍ حتَّى لَو كانَ الشَّاعرُ متمرِّسًا علَى دربتِها، لأَنَّ كلَّ قصيدةٍ تَستسلمُ سريعًا، لاَ أَقولُ إِنَّها قصيدةٌ ميِّتةٌ، بلْ تظلُّ تُعاني سكراتِ الموتِ أَمامَ شاعرٍ يظلُّ فِي حالةِ احتضارٍ!
نعمْ.. أَنا « متورِّطٌ » شعريًّا إِلى حدٍّ بعيدٍ جدًّا؛ ليسَ هذَا اعترافًا معَ سبقِ الإِصرارِ، وليسَ تَباهٍ أُجلُّهُ لغرضٍ فِي نفسِ (يَعقوبي)، وليسَ جنونًا مريضًا حدَّ أَنَّ (زَوجتي) لمْ تَزلْ تشفِقُ عليَّ منهُ بِشَفقِها الورديِّ علَى عرقِ جَبينِي المُنهَكِ، لأَنَّ مَا قرأْتَهُ/ مَا خيِّلَ إِليكَ، يَا صديقِي هناكَ/ هُنا، هوَ حقيقةٌ مشبَعةٌ داخلَ أَتونِ المخيلةِ/ مخيلتِكَ.
* تعتمد أحيانًا على الرمزية، وأحيانًا تتكئ على الإرث التراثي العربي، كيف تختزل في قصيدة واحدة كل هذه الحالات؟
- لعلَّ الرَّمزيَّةَ جزءٌ منَ التَّكوينِ الكلِّي للقصيدةِ لديَّ ضمنَ الاحتضانِ الفنِّيٍّ. أَشتغلُ علَى القصيدةِ بالحواسِّ ومَا بعدَها جميعًا، وأَكتبُها بلغةِ التَّشكيلِ؛ الرَّسمِ- التَّصويرِ المُركَّبِ، لتكونَ مَا سمَّيتهُ « الشِّعرَ التَّشكيليَّ/ القصيدةَ التَّشكيليَّةَ ».
رُؤيتي هذهِ للإِبداعِ الشِّعريِّ تشكَّلتْ منْ موهبةٍ تشعشتْ فيَّ، فعمِلتُ جاهدًا جدًّ علَى تَنْمِيتها، وتَنْقِيتها، وتَقْنِينها، بِما هوَ الشِّعرُ كمَا فهِمتُ/ أَدركتُ أَن يكونَ. أَيضًا، منْ قراءاتٍ عميقةٍ/ عميمةٍ/ عارمةٍ فِي الإِرثِ الأَدبيِّ العربيِّ والإِرثِ العالميِّ شعرًا ونثرًا، مَا استطعتُ إِلى هذَا سبيلاً. كلُّ هذَا، إِضافةً إِلى تثقيفٍ ذاتيٍّ عامٍّ، لأَنَّ القصيدةَ لاَ تتغذَّى ذاتيًّا فقطْ، بلْ تحتاجُ إِلى تغذيةٍ خارجيَّةٍ، شرطَ أَن تذوِّبها وتهضمَها، ولاَ تعملُ فِيها سوَى جيناتِها الخاصَّةِ بِها. بِهكذَا، وربَّما بغيرِ هذَا أَيضًا، استطعتُ أَن أَختزلَ أَيَّ/ كلَّ شيءٍ فِي قصيدةٍ واحدةٍ لِي/ معظمِ قصائدِي.
هذَا قادَني إِلى أَن أَعرفَ كيفَ أَكونُ/ تكونُ شاعرًا: كيْ تكونَ شاعرًا؛ عليكَ أَن تعيشَهُ خمسًا وعشرينَ ساعةً فِي اليومِ، وأَن تشعرَ أَنَّكَ وحدَكَ بينَ كلِّ النَّاسِ، وأَنَّكَ كلُّ النَّاسِ وأَنتَ وحدَكَ، وأَن تصحوهُ حتَّى وأَنتَ نائمٌ، وحتَّى لَو كُنتَ تحتَ عمليَّةٍ جراحيَّةٍ، وأَن يكونَ حاضرًا فيكَ حتَّى وأَنتَ تأْكلُ وتشربُ وتغتسلُ و…، وأَن تقرأَهُ حتَّى وأَنتَ تنتظرُ الضَّوءَ الأَخضرَ للعبورِ إِلى الرَّصيفِ الآخرِ. كيْ تكونَ شاعرًا، عليكَ أَن تكونَ شاعرًا. هلْ أَقولُ أَكثرَ؟!
* هذا يقودني إلى سؤالك كيف تولد القصيدة لدى محمد حلمي الريشة؟
- إِذا اتَّفقنا أَنَّ القصيدةَ تكتبُ شاعرَها، فهذَا يقودُ إِلى أَنَّ القصيدةَ تلدُ شاعرَها أَيضًا، إِذ القصيدةُ تلدُ/ تكتبُ نفسَها بنفسِها! السُّؤالُ الآنَ: أَينَ دورُ الشَّاعرِ فِي هذهِ الولادةِ/ العمليَّةِ الإِبداعيَّةِ؟ تحيَّرتُ كثيرًا وطويلاً فِي معرفةِ/ تحديدِ هذَا الدَّورِ إِلى أَن توصَّلتُ، فِي الماضِي، إِلى افتراضٍ، لمْ يُقنعْني بعدُ؛ أَنَّ الشَّاعرَ لهُ دورُ القابلةِ. مَا أَشعرُهُ، كشاعرٍ وبافتراضِ أَنَّ الشُّعورَ أَقوى منَ الفكرةِ، أَنَّ الشَّاعرَ هوَ رحمُ القصيدةِ؛ تتكوَّنُ بهِ، وتتغذَّى منْ/ علَى مكوِّناتِهِ المختلِفةِ (الشَّاعر) الَّتي ذكَرتُها فِي الإِجابةِ السَّابقةِ. أَميلُ كثيرًا إِلى « نظريَّتي » هذهِ حدَّ الاقتناعِ الأَوَّليِّ بِها إِلى أَن يَثبُتَ عكسُها/ بُطلانُها.    
لستُ أَهربُ منْ سؤالِكَ بِما قلتُهُ أَعلاهُ، لكنَّ حصرَ الحالةِ فِي شيءٍ منَ الكلماتِ غيرُ ممكنٍ، حيثُ القصيدةُ تعتملُ فِي الرَّحمِ/ اللاَّوعي لدَى الشَّاعرِ/ لديَّ، وهيَ تنشِئُ تكوينَها الكلِّيَ. كمْ صحوتُ لأَرى فِي مهدِ مكتبِي مولودَ/ أَوراقَ قصيدةٍ بعددِ طبقاتِ الكينونةِ، فأُقلِّبُها بعينيَّ، وأَقرؤها بيديَّ (!)، لأَجدَ فمِي يصرخُ فِي داخلِي: مَن ولدَ/ كتبَ هذَا؟ متَى؟ وكيفَ؟ وأَينَ؟ بلْ وكلُّ أَسماءِ/ أَفعالِ/ حروفِ الاستفهامِ!             
الشَّيءُ الَّذي يُمكِنني تذكُّرهُ، قبلَ الدُّخولِ فِي اللاَّوعيِ، هوَ لحظةُ بذرتِها/ برقتِها/ إِشراقتِها/ خضَّتِها/ هزَّتِها (كمَا انتفضَ العصفورُ بلَّلهُ القطرُ). كتبتُ عنْ هذهِ فِي شهادةٍ بعنوانٍ « تأْتي إِليَّ  كأَنَّها الأُولى »- أَي تأْتي كلُّ قصيدةٍ كأَنَّها أَوَّلُ قصيدةٍ-، محاولاً تحويلَ تلكَ اللَّحظةِ إِلى تصويرٍ بالكلماتِ، ولستُ أَدري إِنْ كنتُ استطعتُها أَم لاَ: « مَن ذا الَّذي يَسْتَطِيعُ تَفْكِيكَ صُوَرِ الإِقَامَةِ المُرَكَّبَةِ، بَعْدَ الخُرُوجِ بِجُهْدٍ مُضَاعَفٍ مِن بَابِ حَدِيقَتِها الشَّبَحِيِّ، وَقَد كَانَ في غَيْبُوبَةٍ لِحِينٍ مَا؟
بَل أَيُّ ذَاكِرَةٍ لَهَا القُدْرَةُ عَلَى تَقْشِيرِ ثَمَرَةِ تِلْكَ الغَيْبُوبَةِ بِإتْقَانٍ؟ والَّتي هِيَ أَيْضًا، لَيْسَتْ كَتَوأَمِ حَبَّةِ البَصَلِ الجَارِحَةِ. وَلكِنْ، كُلُّ مَا أَذْكُرُهُ، أَنَّني في بِدَايَةِ الحَمْلِ الشَّعْرِيِّ وَقَبْلَ الوَضْعِ- الكِتَابَةِ، أُصَابُ بِـ(وَحَمٍ) شَدِيدِ التَّأْثِيرِ عَلى لَحَظَاتي وَسُلوكِي الحَيَاتِيّ، وَيَنْعَكِسُ هذَا سَلْبِيًّا عَلى آخَرينَ مِمَّن أَوَدُّهُم يُقِيمُونَ حَوْلي، خُصُوصًا في سَاعَاتِ النَّهارِ المُرْبَكَةِ – المُرْبِكَةِ، وَالُمرَتَّبَةِ بِفَوْضَاها إِلى مَا بَعْدَ حَافَّةِ المَلَل.
أَنَا لَستُ أَنَا الَّذي يَعْرِفُون؛ فَهُناكَ شَيْءٌ يُحَاوِلُ تَفْجِيرَ (إِنَائِي) الهَادِئِ، كَأَنَّ (الهَدِيَّةَ) قُنْبُلَةٌ مَوْقُوتَةٌ بِإرَادَتِها، وَكَمْ أُصَابُ بِالنَّدَمِ إِذَا لَمْ أَسْتَطِعِ احْتِضَانَها كأَنَّها طَائِرٌ بَرِّيٌّ، وَمَا أَكْثَرَ الطُّيُور الَّتي كَانَتْ، وَلا تَزَالُ تَبْرُزُ لي لِلَحَظَاتٍ دُونَ أَنْ تَتَمكَّنَ يَدِي مِنْ عِنَاقِ يَرَاعٍ، بِسَبَبِ انْشِغَالي بِحَالةٍ حَياتِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، إِذْ عَليَّ أَنْ أُطَارِدَهَا طَويلاً وَهِيَ تَعْبُرُ مُناخَاتٍ وجُغرَافِيَّاتٍ تُجَدَّدُ في كُلِّ مُحَاوَلَةٍ: كُنْ شَاعِرًا واقْبِضْ عَلَيَّ.
هكَذَا يَقُولُ عَطْفُ الإِبْدَاعِ الشِّعْرِيِّ فِيهَا، بِدَايَةً، لِفَقيرٍ لَمْ يَقْتَنِعْ بَعْدُ بِكَرَمِ العَطْفِ الكَثيرِ= القَلِيلِ.
لاهِثًا، أُطَارِدُ القَصِيدَةَ الَّتي تَشْرَئِبُّ لي مُطَارَدَةً طَوِيلَةً؛ هِيَ لا تَتْعَبُ وَلا تَسْتَسْلِمُ بِسُهولَةٍ، رَغْمَ رَغْبَتِها في شَاعِرِهَا. وَأََنا أَفْقِدُ الْكَثيَرَ مِنْ حَرارَةِ شَهْوَتي، إِنْ شَعَرْتُ بِعَبَثِيَّةِ الُمطارَدَةِ، لأَنَّ الْقَبْضَ الُمفْتَعَلَ سَيَكُونَ نَيِّئًا، أَوْ خُدَاجًا، فَيَعْلُو صَوْتُ فَضيحَةِ الشَّاعِرِ ».
* يقول الشاعر الفرنسي برنارد مازو إن لكل شاعر قصيدته التي تتحين فرصة قتله ولو مجازًا.. مع ذلك ثمة شعراء قتلهم شعرهم فعلاً.. أَليس كذلك؟
- وتحضرُني مقولةُ الشَّاعرِ (هِنْري مِيشُو): « إِنَّ مجرَّدَ التَّفكيرِ بِقصيدةٍ يكفِي لِقتلِها »! إِذًا: هلْ هيَ عمليَّةُ قتلٍ متبادلةٍ بينَ الشَّاعرِ والقصيدةِ؟! علَى الرَّغمِ منْ أَنَّ هذهِ المقولةَ غايةٌ فِي درجةِ الإِحساس الشَّفيفِ الشِّعريِّ لدَى الشَّاعرِ القائلِ، ومثاليةٌ عُظمى، كأَنَّهُ رفضٌ لِلَمسِ جناحِ الفراشةِ كيْ لاَ تعلقَ أَلوانُها بالأَصابعِ، ومنْ ثمَّ انعدامُ إِمكانيَّةِ إِعادةِ الأَلوانِ للجناحِ، كمَا وصفتُه فِي إِحدى قصائدِي.
فعلُ/ كلمةُ/ القتلِ، وإِنْ كانَ/تْ مجازًا، شيءٌ بشعٌ جدًّا فِي المعجمِ الشِّعريِّ مقارنةً بدورِ الشِّعرِ الإِنسانيِّ/ الحياتيِّ/ الجماليِّ.
مَا يقولهُ التَّاريخُ إِنَّ هناكَ شعراءَ قتلهمْ شعرُهمْ، هيَ مقولةٌ مشتبَهٌ بِها بالنِّسبةِ إِليَّ، حيثُ القصدُ فِيها هوَ القتلُ الفعليُّ/الفيزيائيُّ، لأَسبابٍ قدْ تبدُو شعريَّةً فِي ظاهرِها؛ مثلاً (المُتنبِّي) فِي هجائهِ اللاَّذعِ جدًّا لآخرينَ ومدحهِ المثاليِّ لذَاتهِ، قيلَ إِنَّه سببُ قَتْلهِ، فهلْ هذَا ما عنيتَهُ أَنتَ؟ هل كانتْ قصيدتهُ/ قصائدهُ سببًا أَم أَداةً؟
أَنا أَرفضُ بشدَّةٍ جعلَ القصيدةِ أَداةَ هجاءٍ/مدْحٍ/ …، لأَنَّها لنْ تكونَ قصيدةً بِهذا المعجمِ غيرِ الشِّعريِّ، عدَا عنْ كونِها تقفُ على منبرِ النَّظمِ فِي قاعةِ قدْ تعجُّ، فقطْ، بصوتِ اصطكاكِ الأَكفِّ، لاَ رنينِ الشِّعرِ الَّذي يتغلغلُ فِي شهواتِ الحواسِّ القارئةِ.  
القصيدةُ النَّقيَّةُ لمْ تُمارِسْ ذاتَ يومٍ قتلَ شاعرِها وغيرِ شاعرِها مطلقًا، بلْ تلِدهُ وتُحْييهِ كلَّ مرَّةِ قصيدةٍ، لأَنَّها نقيَّةٌ/ صافيةٌ/ عذبةٌ/ صادقةٌ/ مخلِصةٌ/ إِنسانيَّةٌ/ حرَّةٌ حريَّةَ جنينٍ فِي الرَّحمِ، أَو دُوريٍّ بعدَ السَّماءِ الصِّفرِ.. أَليسَ كذلكَ؟!
* هل تشعر أن الشعر لا يزال حميمًا كما السابق، وأن له قراء كثيرين؟
- مرَّ ويمرُّ الشِّعرُ، كأَيِّ كائنٍ، فِي حالاتٍ عدَّةٍ؛ فمِنْ عافيةٍ إِلى مرضٍ، ومنْ ربيعٍ إِلى خريفٍ، ومنْ واحةٍ إِلى صحراءَ، ومنْ … إِلى …، وبالعكسِ أَيضًا. هذَا طبيعيٌّ جدًّا فِي ظروفٍ متقلِّبةٍ، ومناخاتٍ متغيِّرةٍ، وسطوةِ شيءٍ علَى شيءٍ آخر. الأَهمُّ فِي هذَا وذاكَ أَوَّلاً هوَ الشَّاعرُ ذاتهُ: هلْ يكونُ رحمًا حيويًّا/ محتويًا للقصيدةِ الشِّعرِ، أَم كائنًا متطفِّلاً علَيْها؟
إِذًا، حميمةُ الشِّعرِ، منْ قبلُ/ الآنَ/ ومنْ بعدُ، مسأَلةٌ نسبيَّةٌ قطعًا، وأَنَّ مسأَلةَ القراءِ هيَ أَيضًا كذلكَ.
لمناسبةِ سؤالِكَ المهمِّ، فأَنا أَجدَ أَن أُثبتَ هذَا المقطَعَ منْ شهادةٍ/ كلمةٍ لِي، خلالَ حفلِ تكريمٍ لِي أَقامَهُ (بيتُ الشِّعرِ فِي فِلسطينَ) بعنوانِ « كشمسٍ عموديَّةٍ علَى خطِّ الارتواءِ »: « ثَمَّ مسأَلةٌ مهمَّةٌ ضمنَ الإِدراكاتِ القديمةِ والمُتجدِّدةِ دائمًا بالنِّسبةِ إِليَّ، هيَ مسأَلةُ جماهيريَّةِ الشِّعرِ، أَوِ انتشارهِ بينَ النَّاسِ علَى اختلافِ مستوياتِهم الثَّقافيَّةِ، بصفتهِ أَسرعَ وسيلةٍ للتَّعبيرِ عنْ كثيرٍ من قَضايا الإِنسانِ.. أَفهمُ أَنَّه وسيلةُ تعبيرٍ، لكنِّي لمْ أُؤمنْ، يومًا مَا، بضرورةِ الانحدارِ باللُّغةِ إِلى مَا دونَ مُستوى الشِّعريَّةِ الَّتي هيَ أُوكسجينُ دمِ القصيدةِ، وإِنَّني أَعتنقُ قولةَ (لويز جيليك): « لَم أَكُنْ يومًا ممَّن يشعرونَ بضرورةِ توسيعِ قاعدةِ قرَّاءِ الشَّعرِ، فأَنا أَشعرُ أَنَّ مَن يحتاجونَ الشِّعرَ يجدُونهُ ».
* بعض النقاد يسوّقون للرواية، قائلين إنه زمن الرواية، بدليل ذهاب الكثير من الشعراء نحو كتابة الرواية. ما رأيك؟
- زمنُ الرّوايةِ.. زمنُ الشِّعرِ.. زمنُ العولمةِ.. زمنُ الإِنترنت.. زمنُ … كلُّها وغيرُها هيَ مسمَّياتُ أَزمانٍ افتراضيَّةٍ فِي زمنٍ واحدٍ.
أَن يكونَ هذَا الزَّمنُ « زمنَ الرّوايةِ »، حسبَ أَحدِ النُّقَّادِ (جابر عصفور)، وتبنِّي هذهِ المقولةَ مِن بعضِ نقَّادٍ آخرينَ وغيرِهم، هيَ مقولةٌ بعينٍ واحدةٍ؛ إِذا كانتْ هذهِ المقولةُ بُنِيتْ علَى إِحصاءٍ عددِيٍّ للإِصداراتِ الرّوائيَّةِ مقارنةً بالمجموعاتِ الشِّعريَّةِ، فإِنَّ الواقعَ الإِصداريَّ يبيِّنُ أَن لاَ تفاوتَ فِي هذَا. وإِذا كانتْ علَى أَعدادِ قرَّاءٍ، فإِنَّ العددَ ليسَ مقياسَا لأَنَّ قرَّاءَ الشِّعرِ الحديثِ/ المُغايرِ/ النَّوعيِّ همْ قرَّاءُ نوعيُّونَ، معَ كاملِ الاحترامِ والتَّقديرِ لكلِّ القرَّاءِ، حيثُ لغةُ الشِّعرِ الحديثِ/ الحداثةِ، تختلِفُ اختلافًا نوعيًّا عنْ لغةِ الرّوايةِ؛ لغةُ الشِّعرِ تكثيفيَّةٌ، ولغةُ الرّوايةِ إِسهابيَّةٌ، والبشرُ يميلُونَ إِلى الحكايةِ/ السَّردِ السَّهلِ، أَكثرَ منْ ميلِهمْ إِلى التَّأْويلِ بتفعيلِ المخيلةِ.  
لاَ أُريدُ الخوضَ أَكثرَ فِي هذهِ القضيَّةِ الزَّمنيَّةِ، ليسَ لأَنَّني شاعرٌ أُدافعُ عنْ/ أَغارُ علَى الشِّعرِ، بلْ لأَنَّ هناكَ قرَّاءَ للشِّعرِ وللرّوايةِ فِي كلِّ آنٍ، والمسأَلةُ مَيلٌ تذوُّقيٌّ فِي أَبسطِ تحليلِها. يقولُ (رُوبرتْ لُولْ): « الشِّعرُ حدثٌ، لاَ سجلَّ حدثٍ »؛ هذَا هوَ الفارقُ الأَهمُّ بينَ الشِّعرِ والرّوايةِ.
مسأَلةُ كتابةِ كثيرٍ منَ الشُّعراءِ الرّوايةَ، لاَ أَعتقدُ أَنَّهمْ كثيرونَ مقارنةً حتَّى بعددِ الشُّعراءِ الحقيقيِّينَ.. أَليسَ كذلكَ؟ ثمَّ وجدتُ مِنها مَا هوَ خارجَ مفهومِ الرّوايةِ، أَو يدورُ حولَها عبثًا أَن يُدركَها. أَعرفُ أَنَّ الإِنسانَ يولدُ بتعددِ الموهبةِ، لكنْ بالتَّأْكيدِ تتمكَّنُ منهُ موهبةٌ أَكثرَ منْ غيرِها مهمَا حاولَ أَن « يعدِلَ » بينَها.
يَبقى فِي هذَا السِّياقِ سؤالانِ: هلْ فشلَ شاعرٌ مَا بإِدراكِ الشِّعرِ، فاتَّجهَ إِلى الحقلِ الأَسهبِِ، أَمِ التحاقًا بـ »زمنِ الرَّوايةِ » (الموضةِ) مهمَا كانتْ روايتهُ على اعتبارِ أَنَّه قدْ يكونُ شاعرًا رسخَّ اسمَهُ نوعًا مَا، وبالتَّالي تكونُ درجةُ استقبالِ روايتهِ عاليةً؟ السُّؤالُ الآخرُ: لِمَ لمْ يذهبْ روائيُّونَ إِلى الشِّعرِ/ القصيدةِ؟! أَتركُ الإِجابةَ لمَنْ يعنيهِ الأَمرُ.
* لكن الرواية هي الأكثر قراءة في العالم العربي، وقارئ عادي يشتري في معرض الكتاب كذا رواية مقابل مجموعة شعرية في الغالب، ما رأيك؟
- أُحيلُ سؤالكَ يَا صديقِي إِلى الإِجابةِ السَّابقةِ. أَمَّا بخصوصِ القارئِ العاديِّ الَّذي يَشتري أَكثرَ منْ روايةٍ مقابلَ مجموعةٍ شعريَّةٍ، فأَتركُ (كِينِيثْ رُوكْسروتْ) يعلِّقُ علَى هذَا: « عِندي مشكلةٌ معَ أَولادِ الـ … أُولئكَ الَّذينَ يزعمونُ أَنَّهمْ يحبُّونَ الشِّعرَ ثمَّ لا يشترونَ ديوانًا واحدًا ». الأَكثرُ أَهمِّيةً هوَ فِي مقولةِ (دُونْ مَاركِيز): « نشرُ كتابٍ منَ الشِّعرِ أَشبَهُ بإِلقاءِ بتلةِ زهرةٍ فِي المحيطِ وانتظارِ صدَى الصَّوتِ ». أَعتقدُ أَنَّ هاتَينِ المقولتينِ تُسعفاني كثيرًا فِي الإِجابةِ.
* هل فكرت في دخول مغامرة الرواية؟ لماذا؟
- لاَ.. لاَ.. علَى الرَّغمِ منْ أَنَّني أَعتبرُ نفسِي قارئَ روايةٍ جيِّدًا، ونحنُ نعرِفُ أَنَّ القراءةَ تثقِّفُ، لكنَّها لاَ تخلِقُ موهبةً. لمْ أُفكِّرْ فِي دخولِ مغامرةِ الرِّوايةِ لسبَبينِ: الأَوَّلُ أُحِيلهُ إِلى الآيةِ القرآنيَّةِ الكريمةِ {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لهُ}، أَي ليستْ لديَّ موهبةُ كتابةِ الرّوايةِ. الثَّاني هوَ أَنَّني أَستطيعُ أَن أَقولَ أَيَّ/ كلَّ شيءٍ شعرًا، علَى الرَّغمِ منْ أَنَّ « كتابةَ الشِّعرِ الحرِّ مثلَ لعبِ كرةِ المضربِ بلاَ شبكةٍ » (رُوبرتْ فرُستْ).
* دعني أسألك كيف تقرأ المشهد الأدبي العربي الراهن؟
- المشهدُ الأَدبيُّ العربيُّ الرَّاهنُ أَشبَهُ بلوحةِ فُسيفساءٍ حيثُ درجةُ حضورِ اللَّونِ لهَا قوَّتُها الحضوريَّةُ فِي شتَّى أَركانِ/ زوايَا الأَدبِ العربيِّ، وإِن كانَ الحضورُ الشِّعريُّ والرّوائيُّ والقصصيُّ هوُ الأَكثرُ بروزًا علَى حسابِ الفنونِ الكتابيَّةِ الأُخرى.
هذهِ اللَّوحةُ لاَ تقتصِرُ علَى الأَعمالِ الجماليَّةِ/ الإِبداعيَّةِ فقطْ، بلِ استطاعتْ كتاباتٌ باهتةٌ، بأَنصافِ مواهبٍ، أَو عدمِها، أَن تأْخذَ مكانًا، لاَ مكانةً طبعًا، فِي تلكَ اللَّوحةِ، بسببِ سُوءِ استخدامِ وسائلِ التَّواصلِ لتَمريرِ نصوصٍ قاتلةٍ منْ لُغتِها الخطَّاءَةِ بجهلِها اللُّغةِ أَوَّلاً، وليسَ انتهاءً بعبثيَّةِ كثيرٍ منَ المنابرِ الثقافيَّةِ؛ ورقيَّةً وإِلكترونيَّةً ودورَ نشرٍ، وعبثِ الجالسينَ علَيْها كالسَّلاطينِ العَرب. لاَ أَسعى بهذَا إِلى تحويلِ النَّظرِ إِلى الجانبِ الباهتِ منَ اللَّوحةِ كالنَّظرِ إِلى الجزءِ الفارغِ منَ الكوبِ، (الفراغُ ليسَ البياضَ الجميلَ)، بلْ لِلَفتِ الانتباهِ إِلى هذهِ الحالةِ المشوَّهةِ لِلعملِ علَى علاجِها مَا أَمكنَ. « وظيفةُ الشِّعرِ أَن ينظِّفَ واقعَنا الَّذي تخثَّرتْ فيهِ الكلماتُ بأَن يوجِدَ صمتًا يحيطُ بهِ كلُّ شيءٍ » (ستيفن مالارميه). هذَا الصَّمتُ/ البياضُ النَّقيَّ الَّذي نريدهُ ونحتاجهُ فِي عالمِنا/ حياتِنا/ وجودِنا، كيْ نكتبَ تاريخنَا الجديدَ؛، صنيعَنا نحنُ، وبأَيدينَا المُبدِعةِ.
نعرِفُ أَن لاَ كمالَ فِي الأَشياءِ المخلوقةِ، لكنَّ الضَّميرَ الإِبداعيَّ لاَ يَتعبُ منْ قرعِ الجرسِ باستمرارٍ، ونعرِفُ أَيضًا أَنَّ الإِبداعَ، وإِن أَقامَ فِي أَدراجٍ معتمةٍ، وليسَ فِي أَبراجٍ مضيئةٍ، فهوَ ذاتيُّ الإِضاءةِ والتَّنويرِ، حتَّى أَنَّ ظلَّهُ مضيءٌ، كمَا هوَ ظلُّ معشوقةِ الشَّاعرِ الجميلِ (أُوكتافيُو باثْ).
* وكيف تقرأ زملاءك في وطنك وفي الوطن العربي؟
- أَقرأُ، هنَا وفِي الوطنِ العربيِّ، حالةَ إِبداعٍ شعريٍّ مشعٍّ/ مغايرٍ/ حداثيٍّ، لاَ بأْسَ بهِ، يحاولُ المرورَ منْ بينِ الرُّكاماتِ المريضةِ/ الرَّسميَّةِ/ المدجَّنةِ/ …، كيْ يُقِيمَ/ يوسِّعَ دائرةَ النُّورِ/ التَّنويرِ/ التَّحديثِ/ الحرِّيَّةِ/ الجمالِ/ الإِنسانيَّةِ، علَى الرَّغمِ منْ هذهِ الرُّكاماتِ الفاحشةِ الَّتي كأَنَّها سِيقانُ العثراتِ منَ الرَّصيفِ إِلى الرَّصيفِ، لأَنَّ الشِّعرَ الإِبداعيَّ لاَ يستسلمُ حتَّى للنَّجاةِ، ولاَ يجنحُ لغوايةِ الدِّعَةِ، ولاَ يدخلُ إِلى الحدائقِ المزيَّفةِ، ولاَ يمِيلُ معَ الرِّيحِ، ولاَ يحنِي رأْسَ قامتِهُ إِلاَّ تقديرًا للفرحِ/ الحبِّ/ الثَّورةِ/ الحقيقةِ/ الإِنسانيَّةِ/ لشاعرِهِ الإِنسانِ، ومنْ حُسنِ حظِّهِ أَنَّهُ يستطيعُ المشيَ والسَّباحةَ والتَّحليقَ.
ثَمَّ مَن يحفرونَ فِي أَغوارَ عميقةٍ لتَنقيةِ جذورِ الحياةِ، وثَمَّ مَن يغوصُونَ عميقًا لإِيقاظِ لؤلؤِ الأَملِ، وثَمَّ مَن يَمنحُونَ أَجنحتَهمْ لطُيورِ الصَّباحِ. وعلَى الرَّغمِ مِن هذَا، فإِنَّ ثَمَّ مَن يكرَهُ بحبٍّ، ويحبُّ بكرهٍ!
* ماذا تقرأ الآن؟
- أَقرأُ منذُ بضعةِ أَيَّامٍ مختاراتٍ مِن شعرِ الـ(تَانْكَا) للشَّاعرةِ اليابانيَّةِ (مَارِيكُو كيتاكُبُو)، وهوَ شعرٌ قريبٌ مِن/ شبيهٌ بشعرِ الـ(هَايكُو)، إِلاَّ أَنَّه يتشكَّلُ مِن خمسةِ أَسطرٍ، فِي حينِ أَنَّ الـ(هَايكُو) يتشكَّلُ مِن ثلاثةِ أَسطرٍ، وهوَ سابقٌ لهُ مِن حيثُ القِدَمِ.
قِراءتي هذهِ تمهيدٌ لقِيامي بترجمةِ تلكَ المختاراتِ إِلى اللُّغةِ العربيَّةِ، وأَعتقدُ أَنَّها ستكونُ المرَّةَ الأُولى الَّتي يترجمُ فِيها هذَا النَّوعُ مِن الشِّعرِ اليابانيِّ إِلى العربيَّةِ. الآتي ثلاثةٌ مختارةٌ مِنها:
« أَتمنَّى
أَن أُولدَ مِن جديدٍ
شجرةَ إِسكَدنيا –
بعدَها لاَ أَودُّ
أَن أُحبَّكَ كثيرًا »
*
ظلاَّنا
يمتدَّانِ –
يَا اللهُ
لماذَا أَنَا الَحمَلُ،
ولماذَا هوَ الذِّئبُ؟
*
ربَّما تكونُ هناكَ فقطْ
القصائدُ الَّتي
يُمكِنني أَن أَكتبَها –
أُفضِّلُ أَزهارَ الكرزِ
بعدَ إِزهارِها »
* ماذا تكتب؟
- أُحاولُ إِيقاعَ بعضِ وقْتي المليءِ بالأَشغالِ قرابةَ عشرينَ ساعة فِي اليومِ فِي شباكِ عملِي علَى كتابةِ سيرَتي الشِّعريَّة، والَّتي اخترتُ لهَا مقترحَ اسمٍ هوَ « شِعريار- قلبُ العقربِ ».
* كلمة ترغب في قولها في ختام الحوار؟
- قالَ الشَّاعرُ (آرثر رامبو): « لقدْ قلتُ مَا كنتُ أُريدهُ ». هلْ هذهِ حالةٌ نادرةٌ، أَم مقولةٌ مجازيَّةٌ؟ بالنِّسبة إِليَّ لاَ أَعرفُ، ولمْ أَعرِفْ،بعدُ، إِن كنتُ كتبتُهُ!              
حاوره: محمَّد نور الدَّين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن مجلة كتاب الإنترنت المغاربة
               
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans حوار العدد
commenter cet article
9 mai 2011 1 09 /05 /mai /2011 00:57

المجلة الثقافية الجزائرية تحاور القاص والروائي سمير الفيل

 http://thakafamag.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1847:2011-05-05-02-27-

34&catid=2:2010-05-31-17-34-19&Itemid=20 0

 أيحدث أن نجري حوارا ما مع كاتب شاعرو قاص أو روائي، ولا نعرف كيف سيكون شكل الحوار النهائي، مثلما يحدث عندما نقرأ الحوار بعد تجهيزه للنشر، فنصاب بتلك الدهشة الجميلة التي تجعلنا نقرأ الأجوبة بإحساس من المتعة، فنزداد اقترابا من الكاتب، ومن عوالمه، كلما قال أكثر كلما بدا أقرب إلينا، أكثر مما يتصور، وأننا كنا هناك، في تلك الزاوية لحظة حزنه، مثلما كنا هناك، لحظة كانت الفرحة تصنع يومه، بلون ما، لا يقبل الكآبة.. ولعله الشعور الذي انتابني وأنا أجهز هذا الحوار للنشر، مع الأديب القاص والروائي المصري سمير الفيل، الذي فتح لنا قلبه بصدق الإنسان الجميل، ووعي الكاتب الذي يعي أنه في الأول والأخير جزء من قارئ تربطه معه علاقة لن تنتهي. فقط أريد أن أهمس للأستاذ سمير أن الستين هي أجمل الأعمار، وأنه كلما جلس على كرسي يتأمل سنواته، سوف يكتشف أنها كانت تكفي ليكون كاتبا يستحق تقديرنا جميعا.. المجلة الثقافية: لو طلبت منك أن تقدم لنا سمير الفيل، ماذا تقول عنه؟ سمير الفيل: بكل بساطة هو كاتب، ينتمي للشرائح الشعبية في مصر، ويصطف بجانبهم عند الشدائد ووقت الملمات. وجد في الكتابة خلاصا من عثرات كثيرة في حياته، فهي تمنحه الكثير من السلوى، ومن خلالها يمكنه أن يفهم الحياة بكل تشابكاتها الملغزة. يعتقد أن الكون له حكمة، استخلصها مبكرا حين نزل للشغل في الخامسة من عمره، وهي: أن الحياة هبة ربانية، علينا أن نعيشها بفرح إنساني، وبكثير من الإشراق. واجب الإنسان أن يجمل الكون وأن يتناغم مع عناصره لأن ذلك هو السبيل الوحيد للارتقاء بالروح، وتخليصها من الشوائب. المجلة الثقافية: لعل ما لفت انتباهي وأنا أطلع على تاريخك الأدبي هو أنك انطلقت إلى العالم الأدبي شاعرا، قبل أن تتحول إلى القصة القصيرة ومن ثم إلى الرواية.. كيف حدث هذا التحوّل في حياتك؟ سمير الفيل: كانت لي خربشات طفولية مع صديقي الشاعر محمد علوش حين كنا في الصف الرابع الابتدائي، وقتها ذهبنا لمطبعة " نصار "، وطلبنا نشر قصائدنا، فخرج الرجل الطيب من وراء مكتبه وطيب خاطرنا، ونصحنا بالعودة عندما نكبر ونطول " البنك". بدأت شاعرا فور مقابلتي للعم محمد النبوي سلامة شيخ أدباء دمياط الذي قدمني للجمهور في مقهى شعبي، اسمه "مقهى دعدور". كانت مصر خارجة من هزيمة سنة 1967، لذلك أنشدت قصيدتي بوجع حقيقي خاصة أن زجاج المقهى كان مطلي باللون الأسود حسب تعليمات الدفاع المدني حتى لا تمنح طائرات إسرائيل الرؤية الكاملة للبلدة الساحلية. بعدها بأسابيع قليلة التقيت بالشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي الذي قدمني لكتيبة مقاتلة كانت تعسكر في جرن قمح بقرية "كفر البطيخ"، وأنشدت قصيدة " المطبعة ". كان عمري وقتها 18 سنة. هكذا وجدتني شاعرا في مقتبل العمر والنص يولد في تلك الأجواء الحماسية التي كانت تطالب بالحرب، والمقاومة. وأذكر أن هذه الفترة شهدت حرب الاستنزاف، وقد سمعت بنفسي إبراهيم رجب ملحن أغنية " يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي.. أستشهد تحتك وتعيشي أنت" وكان يدندن بعوده في نفس الندوة. حين حدثت معركة أكتوبر 1973 كتبت نصا قصصيا اعتمدت فيه على فقرات من برديات فرعونية ترجمها العلامة سليم حسن وكان عنوان القصة " في البدء كانت طيبة "، حدث أن حصدت هذه القصة الجائزة الأولى وتم تكريمي في نادي الضباط بالزمالك، بعدها بعام واحد كتبت قصة " كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟" والقصة تؤكد على أن النصر الذي تحقق بالسلاح في أكتوبر قد تم سلبه على يد دعاة الانفتاح الاقتصادي، وحصدت القصة على نفس المركز، ولقد اعتمدني الوسط الأدبي قاصا يتعامل مع فكرة الحرب من منظور اجتماعي، ولكن الشيء الغريب أن أغلب الأصدقاء استناموا للتصنيف الجاهز كوني بدأت شاعرا. بعدها بسنوات قلائل كتبت روايتي الأولى "رجال وشظايا " عن فكرة الحرب معتمدا على رواية الأصدقاء المقاتلين وأقربهم لي الشاعر مصطفى العايدي الذي كان من الأنساق الأولى للعبور، وحازت الرواية التي كتبت سنة 1985 شهرة واسعة. كانت تحكي قصة طاقم هاون اشترك في الحرب، والشخصيات واقعية وزاملتها خلال مدة الخدمة العسكرية في الفترة من سنة 1974 حتى سنة 1976. أعتقد أن تلك الفترة صقلتني وجعلتني قادرا على رؤية المشهد الحربي من داخله. لم تعد تجذبني أصوات القذائف وارتطامات القنابل بأرض المعركة بل أن خطتي كانت تعتمد على التسلل لمدن وقرى المحاربين ومعرفتها والتساؤل عن معنى الشهادة في لحظة حاسمة، يجد الشخص فيها مهيئا للصعود من أجل هدف أسمى أو فكرة طوباوية لكن هذا لا يمنع من تحسس ما قد يستشعره المقاتل حين تنفض الحرب، ويعود لحقله أو مصنعه فيكتوي بنار الفقروالاغتراب، وقد تذهب روحه في حادث عبثي عندما يتسلل بعيدا عن مقاعد القطار ليتسلق سطحه ـ حيث لا يمتلك ثمن التذكرة ـ فيلقى مصرعه كما في قصة " النحيب". هذه الالتفاتة من رحاب الشعر القائم على التخيل إلى منطقة واقعية صرفة غيرت قناعاتي، فقد تمكنت بصعوبة وبعد نشر خمس دواوين شعرية أن أصل لقناعات جمالية تخص تجربتي السردية، وقد عالجها نقاد متخصصون، ورأوا أن عجينة السرد كانت أكثر حرارة من طبقات الشعر رغم أنني كنت قد حققت نجاحا معقولا بمصاحبتي لسيد حجاب وصلاح جاهين ومحمد كشيك ومحمد بغدادي في أمسيات معرض القاهرة للكتاب. الآن طردني الشعراء من جنتهم، ووجدتني في جحيم السرد أقف مع نظرة ارتياب غير معلنة علي أن أسقطها من حسابي عبر نصوصي السردية. المجلة الثقافية: مع ذلك ليس من السهل أن يتحول الشاعر إلى قاص دون أن "يخون" (أحيانا) تجربة من تجاربه ليبرز بأخرى.. هل تشعر أن القصة منحتك ما لم تمنحك إياه القصيدة، أم أن المسألة تدخل ضمن وعي الكتابة في تلك المرحلة؟ سمير الفيل: سأحدثكم عن تجربة مررت بها، ربما لها دلالاتها، فحين عقد مؤتمر أدباء مصر الأول في محافظة المنيا سنة 1984، تم اختياري للمشاركة في الندوة الرئيسية، ومن ضمن ديوان " الخيول " ألقيت قصيدة " النول "، ولاحظ صديق من مدينتي أن الراحل الدكتور سمير سرحان يهمس في أذن صديق يجاوره في الجلسة، بما معناه أن النص قصة قصيرة مكتملة الأركان. هذا حدث وبصورة عملية حينما حول الكاتب المسرحي الديوان كله إلى عرض مسرحي بعنوان "غنوة للكاكي" من إخراج شوقي بكر وألحان توفيق فودة، لقد وجد الشربيني خيطا سرديا يمسك بأطراف القصائد وينضدها في عقد درامي متماسك. حققت المسرحية مشاهدة كثيفة وفازت بجائزة الألحان، حوالي سنة 1990. هذا الشيء لم أتبينه بوضوح إلا بعد أن دخلت شبكة الأنترنت، وحدث أن ماتت ابنة خالتي، فمشيت في الجنازة، وعدت متأثرا، لا أخاطب أحدا، لقد أغلقت على نفسي الباب وفي دقائق وجدتني أنهي نصا شجيا هو "مشيرة"، ما أن نشرته حتى وجدت ردود أفعال مشجعة للغاية، وخاطبني الأصدقاء كأستاذ للسرد بينما كانت هذه هي بداية الانتباه الحقيقي لوجود سارد ماهر يسكن الشاعر، وهو ما أتبعته بنصوص أخرى اشتهرت بعد ذلك مثل "نرجس" و" تمرحنة " و"مجرد تغيير" و" ألحان علي"، و"المأمورية "، وغيرها. لم تعد تزورني إذن تلك الرجفات التي تسبق كتابة النص الشعري، ومنذ وعيت أهمية أن يكتب الأديب عما يعرف بدأت تجوالي في محطات القطار والشوارع والحدائق والمستشفيات والمصحات والأسواق، بحثا عن مشهد أو لقطة أو لمحة أو رائحة لينطلق تيار السرد وأجدني في المعمعة أكتشف طريقي بسهولة وأضبط إيقاع السرد مرة بخبرتي ومرة بحدسي. لحظة الكتابة عندي ممتعة، واللحظة التي أشعر فيها أنني أفكر فيما أكتب أتوقف وأحصل على قسط من الراحة، وعندما أكتب فقرة تعجبني أنزل الشارع وابتاع قطعة شيكولاتة" أيكا" مكافأة لي على حسن صنيعي، فتضحك زوجتي في كمها حين تراني، وتعرف أن "ربنا فرجها عليّ" . المجلة الثقافية: وهل دخولك إلى عالم الرواية فيما بعد كان مرتبطا بوعي الكتابة الروائية وما شكلته وتشكله في وجدان القارئ في العشرين سنة الأخيرة على الأقل؟ سمير الفيل: لم أقصد كتابة رواية، لقد كنت بحاجة إلى تثبيت لحظة الحرب خاصة أنني زاملت محاربين حقيقيين في الكتيبة 16 مشاة، وجلست إليهم في نوبات الراحة في المنطقة المطلة على قناة السويس، فحكوا لي أسرارهم. دونتها في وريقات صغيرة، وبعد خروجي من الخدمة وجدت أنه من اللائق أن أكتب عنهم بأسمائهم، وأن أتعرف على الحرب التي لم أخضها عبر حكاياتهم، فكانت روايتي "رجال وشظايا "، بعدها بسنوات عديدة كتبت روايتي الثالثة "وميض تلك الجبهة " وكنت قد استفدت من خبرتي فتعقدت التكنيك، وبين الروايتين كانت "ظل الحجرة" وهي مرثية جيل حارب وهزمته رياح الانفتاح والصلح مع الأعداء، فانكسر قلب الشاب عبد العزيز. المجلة الثقافية: دعني أسألك عن ماهية الكتابة لدى سمير الفيل..؟ سمير الفيل: سؤال صعب. لا أعرف الإجابة عنه. في بعض الأحيان اعتبرها محاولة لفك شفرة العالم بغرض أن يصبح من المناسب الحياة فيها، وفي أحيان أخرى أجد الكتابة خلاصا من مكابدات عشتها؛ فأصبح لزاما علي أن أنطلق وأتحرر بفعل الكتابة التي تشبه إلى حد كبير فعل الخلق. ربما صادفتني أحزان ما، فأدخل معترك الكتابة كي تنقذني من الاكتئاب. في كل الأحوال هناك نداء خفي يدفعني دائما للإمساك بالقلم والتعبير عن حالة ما، قلاقل روحية، ترديدات، همسات خفية، ومع الوقت أعثر على شيء من ذاتي في النص. لذلك أستغرب من أصدقائي الكتاب حين يتحدثون عن تمزيق أوراقهم لنصوص لم تعجبهم. لو أنني شعرت أن نصا ما ضعيفا أو ركيكا فما علي إلا أن أدفنه وسط كتاب بعيد عن يدي، وأتناسى الأمر تماما. كم من مرة عثرت على "خبيئة أدبية " كنت قد نسيتها وربما أجد فيها شيئا ملفتا فأنشرها مع بعض الترميمات البسيطة. المجلة الثقافية: لعلي أقصد بشكل خاص أن تكون كاتبا عربيا في ظروف يعيش فيها الكاتب أبشع أنواع التهميش والإقصاء مثلا، على الرغم من خصوصيته ومن عطاءاته، يظل "إنسانا بائسا" في نظر النظم الشمولية.. سمير الفيل: لا أظن أن هذا الإحساس طاردني، فعندي إحساس يقوى مع الزمن، رويدا رويدا أن الكاتب نبي، أو ملهم، أو كائن فذ، خارج نطاق السيطرة. بالرغم من كل ألوان الإحباطات والهزائم والانكسارات التي طالت وطني، ومعها انهارت نظم التعليم والاقتصاد والفنون بفعل رأس المال الشرس ومافيا السماسرة إلا أنني ظللت فرحا بالحياة، مستبشرا بالنسغ الحي للناس الفقراء في سعيهم لجلب لقمة العيش. إن هؤلاء الناس الذين أعرفهم عن قرب، يعيشون يومهم بالكاد، ويتعبون تعبا لا مثيل له، لكنهم يصرون على البهجة والخروج للتنزه في الأعياد، وحتى في زياراتهم للمقابر يأخذون معهم سعف النخيل الأخضر كي يرطب الظل رؤوس الموتى من عشرات السنين. هذه الروح أعتقد أنها تسللت إلى نصوصي، فلم أعرف معنى الابتئاس، لكنه الحزن كان يسكنني فأفتح الراديو وأسمع صوت نجاة الصغيرة أو ناظم الغزالي أو نور الهدى أو نازك؛ فيطرب قلبي، وأدرك أن الحياة جديرة بالبقاء، ومن ثم الكفاح اليومي، خاصة أنني عشت طوال عمري في دمياط على بعد 200 كيلومترا عن العاصمة، وملاصقا لشريط ساحلي يطل على المتوسط أقصى الشمال . المجلة الثقافية: وهل تشعر أن الكاتب العربي أدى الدور الذي يفترض أن يؤديه إزاء وطنه وقضاياه وإنسانيته أيضا، في غياب الحرية، والرغيف، والكرامة، وأسباب البهجة؟ سمير الفيل: لا يمكنني الحكم على الآخرين. لكنني أتأمل بكثير من العرفان تجارب أساتذة وأصدقاء لي، فأجد بعضهم قد نجح في أن تكون كتاباته متوازية مع سلوكه الشخصي في دعم قضايا العدل والخير والجمال، بدءا من يوسف إدريس ومرورا ببهاء طاهر وصنع الله ابراهيم وليس انتهاء بمحمد المخزنجي وجيل الفيس بوك المتمرد بطبعه على كل تقنيات مغلقة. لقد صار الكاتب العربي واقعا بين سندان الأنظمة القامعة بكل ديكتاتوريتها وبين مطرقة المجتمع الذي يرفض أي خروج على النمط. كل كتابة ناصعة فيها خروج بشكل أو بآخر، والكاتب ليس مطالبا بلعب دور السياسي أو الحزبي لكن لابد له أن يحدد موقفه بوضح عبر كتاباته مع أي المعسكرين هو : الناس أم السلطة ؟ إنني أنظر بإجلال لكتاب كانوا دائما في حالة صدام مع الناجز والمستقر مثلما نجد في أعمال عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وسعدالله ونوس، وهذا لا يمنعني من محبة كتاب لم يعرف عنهم الصدام مع السلطة مثل الطيب صالح ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم. الضابط هنا هو النص ولا شيء غيره. المجلة الثقافية: هذا يقودني إلى سؤالك عن الثورات الشعبية العربية الراهنة، لماذا صنع المواطن البسيط ثورته الشعبية في ميادين التحرير العربية، أكثر مما صنعها المثقف أو النخب الثقافية في الدول العربية؟ سمير الفيل: حين هبت ثورة 25 يناير في مصر، شاركت فيها بمقدار ما لدي من صحة وجهد، وحين كللت بالنجاح ليلة التنحي 11 فبراير 2011 رفعت السماعة واتصلت بصديق عزيز عليّ. قلت له: لقد نجح الشباب فيما فشلنا فيه، وحققوا الشيء الذي لم نتمكن من صنعه؟ فجاءت إجابته العفوية، التي أقنعتني: لكن كتابتنا ساهمت في نشر روح الغضب والرفض والتمرد. قلت لنفسي: هذا صحيح. فكل نص جميل وأصيل ساهم بدون شك في تحفيز الوعي الجمعي، وهو ما اقتنعت به تماما. ربما أضيف شيئا آخر استنتجته عبر تأملي للمسألة، هو أن المثقف العربي بحكم مرجعيته التاريخية يبدو مترددا وغير قادر على الحسم لأنه " يحسبها " كثيرا، في حين أن المواطن العادي يقدم على ما يعتقد أنه صواب، بلا تردد. ولا يمكن أن ننسى ما ساهمت فيه الأنظمة العربية من تدجين بعض المثقفين بالسفريات والجوائز والمنح والهدايا، وأحيانا بالقهر والشرطي الذي يحمل عصاه الكهربية. المجلة الثقافية: مع هذا يقال أن المثقف لم يكن حاضرا وقت الثورة، جاء فيما بعد، انبهر، كتب وأيد، ولكنه لم يكن جزءا منها أثناء حراكها، ألا يعكس هذا تراجعا خطيرا لدور المثقف في الحراك الشعبي الراهن عربيا؟ سمير الفيل: هذا ليس صحيحا، ففي التجربة المصرية التي عشتها وجدت الشارع المصري يموج بأطياف سياسية تضم في تيارها المثقف. لكن دعنا نتأمل وضعية المثقف ككائن يقرأ كثيرا، ويرتاد ندوات داخل غرف مغلقة، ويزن عباراته قبل التفوه بها، ناهيك عن الرقيب الداخلي الذي تربى داخل كل كاتب على مدار السنوات. هذا المثقف مسكين، وطلوعه في المظاهرات بالفعل لم يكن في الصدارة بل على الهامش أو بالمؤخرة. ذلك أن السياسي أو الحزبي تمرس في مواقف مواجهة مماثلة عكس المثقف الذي يقرأ عن شنق سيد قطب وسجن جمال الغيطاني ونفي إسماعيل المهداوي وجنون نجيب سرور وانتحار أحمد عبيدة وأروى صالح. ان المتن الأدبي مخترق منذ سنوات طويلة مع التغيير النسبي في شكل هذا الاختراق، لذلك كان خروج المثقف حذرا، يشبه الشخص الذي حبسته دهورا في الظلمات ثم أخرجته ليواجه النور. أنا شخصيا كنت أغبط من يتصدر المظاهرة ويخترق صوته الصمت، فأردد مع المجموع ما يقال. لكن حين يضمني مقهى مع هؤلاء الشباب كنت أشعر بنوع من التكافؤ. هذا لا يمنعني من تقديم الشكر من قلبي لهذا الجيل العظيم الذي انتشلنا من قبضة الإحباط واليأس والخنوع. فمنهم تلامذتي وأبنائي. المجلة الثقافية: سأنتقل إليك: وأنا أطالع قصصك القصيرة، شدني كثيرا ثيمة المكان داخل النص السردي الذي تكتبه، هل لأن المكان مرتبط بمخيلة الكاتب أكثر من ارتباطه بالزمان؟ سمير الفيل: آه. أنت لماح. لقد عالجت الدكتورة وجدان الصائغ وهي ناقدة عراقية مجيدة ثيمة المكان في روايتي "ظل الحجرة"، وانتبه إليها الناقد المصري إبراهيم جادالله، وتكاد الدكتورة الناقدة السورية شهلا العجيلي أن تكون من أكثر النقاد الذين اهتموا بالمكان في مجموعتي "صندل أحمر"، كذلك فعل إبراهيم حمزة في " هوا بحري". يبدو أن مزاج الكاتب يفرض عليه معالجاته الفنية، فأنا شخص دائم الحنين للأمكنة التي عشت فيها، وكثيرا ما أعود لطفولتي لالتقط شخصياتي من أماكن أعرفها بل أن شخصيات مجموعتي القصصية "شمال .. يمين" تحمل نفس البصمة فالوقائع يتم تسجيلها في مواقع قتالية في منطقة سرابيوم والدفراسوار. أنا أكثر التفاتا للمكان لأنه بتقديري يساهم في رسم ملامح الشخصيات ويطبع بالتالي ردود أفعالهم تجاه الأحداث. كما أنني أخشى الموت، منذ خطف أبي وعمري عامان، فالموت يكمن في الزمان الذي يخترق كل شيء ثابت أما المكان فيبعث في نفسي المتألمة بعض الطمأنينة والسكن. المجلة الثقافية: يقول الروائي الفرنسي"فرانسوا بيجو" أنه عندما يتكلم عن البيئة لا يقصد المكان، وعندما يتكلم عن المكان لا يقصد البيئة.. كيف يختزل سمير الفيل هذه الإشكالية داخل نصه الأدبي بحيث تبدو لنا البيئة جزءا لا يتجزأ من المكان، والعكس صحيح؟ سمير الفيل: لم أفكر في هذه الإشكالية، لكن لأعطيكم لمحة عن طريقة تشكيل النص القصصي عندي. لا توجد خطة مكتملة. يكفيني فقط إحساس قوي بالفقد أو الحزن أو الحيرة، ثم أتخيل شخص ما، هو بطلي، وأضعه في مكان لابد أن أكون قد عرفته تماما بسماته وأبعاده وظلاله ومساراته، ثم ينمو الحدث وفي ذهني تصور كامل لحركة الشخصية في هذا المكان الذي أعرفه. مرة كان يزورني الشاعر السعودي أحمد السيد عطيف، ومررنا بشارع التجاري بمدينة دمياط، توقفت أمام محل للأحذية، وقلت له وكأنني أكشف عن أسراري. هنا دارت أحداث قصص "صندل أحمر"، وكان هذا صحيحا. مع المكان تتشكل ملامح البيئة، وغبرة الأشياء، ورائحة الأقبية، وملمس الشبابيك، وارتفاع الأبواب، ولون الجدران: كابية أو مشرقة. أنا ابن مدينة حرفية، وفي الصنعة شيء من الإتقان والمهارة وإحكام الشكل، أعتقد أنني قد استفدت من ذلك في نصوصي السردية. قيل لي أن أبي كان يعمل صانعا للأحذية في "شارع البدري". ذهبت هناك متأملا المحل. وجدت المقاعد والبنك الذي كان يعمل عليه وفاترينة العرض، لكن الشخص اختفى. المكان له الخلود أما الزمان فهو مراوغ، مخادع، خاطف للأرواح. المجلة الثقافية: هنالك أيضا التفاصيل الصغيرة التي يخيّل إلي أنك تكتبها بطريقتك الخاصة.. هل تشعر أنك معني بالتفاصيل داخل النص الأدبي؟ سمير الفيل: قال نقاد كثيرون مسألة الاهتمام بالتفصيلات، ويبدو لي أن هذه عادة تنمى مع الوقت. سأحكي لك حكاية صغيرة. في طفولتي كنت أعمل وتقلبت في عدة مهن كصبي ورشة موبليات، وكصنايعي أحذية، وكبائع خردوات، وهكذا. كنت أنتهز كل يوم جمعة وهو يوم الراحة الأسبوعية، كي استل كراسة صغيرة، وأندس بين لوحين من الصلب صنعا لي ملجأ صغيرا لا يعرفه غيري. ماذا تراني أفعل؟ أدون ما أراه أمامي، فأكتب مثلا: بنت صغيرة بفستان أحمر ووردة حمراء، وتنتعل صندلا بنيا، تضحك. ثم أترك سطر وأكتب: عصفور أبوفصادة، هزيل، له عينان كالخرز، حط الآن على شاطئ النيل إنه جوعان، يبكي ولا أرى دموعه. بعدها بسطر أكتب: فلاح حافي القدين يعرج، ويضرب زوجته بقبضة يده، ويقول لها بصوت عال: روحي منك لله. وجدت الكراسة حين صرت مشروع كاتب، واعتبرت أن هذه التفصيلات تدخل فيما لا يعنيني على المستوى الحياتي لكنه كنز للكاتب. الحياة تنبثق من هذه التفاصيل. إن يد رقيقة تمتد لتمسح شعر فتاة غاضبة أفضل من مقال كامل عن ضرورة الحب، وهكذا. هذا حدث معي صدفة ويبدو أنه راق لكثيرين، قرأوا أعمالي. المجلة الثقافية: هذا يقودني إلى سؤالك عن: كيف تكتب؟ هل لك طقوسك الخاصة قبل وبعد الكتابة مثلا؟ سمير الفيل: بص ياسيدي. لا توجد أي طقوس غير أن أتهيأ للكتابة، فأصنع كوب شاي وأحمله ساخنا والبخار يتصاعد منه، لأشعر أنني في حضرة الكتابة. ممنوع مرور طفل أو سيدة أو حتى قط بالقرب مني فذلك يشتت انتباهي ويخرجني عن تركيزي. الورق يكون مسطر ولا أعرف كيف أكتب على ورقة بيضاء بلا سطور، هنا قد تنحرف الشخصيات أو تسقط مني؟! أفضل أن أكتب وحيدا، ولا يوجد شخص واحد "زعلان مني"، والعكس صحيح. الكتابة معناها أنك مقدم على شيء جليل، مقدس، نوراني. لذلك فأغلب قصصي الأخيرة فاشلة لأن الموبايل اللعين، يقتحم خصوصيتي بثرثرة بلهاء. أفضل الكتابة في الليل حيث لا طارق ولا طلب تغيير أنبوبة بوتجاز، ولا محصل كهرباء يقتحم الشقة. السكون منحة ربانية مثله مثل الزوجة الوفية التي تجيد الطبخ أكثر من كونها تستطيع تسريح شعرها. أكتب وأنا مستريح ماديا نوعا ما، فقط يكون معي عشرة جنيهات أو مضاعفاتها، فهذا يقوي قلبي فأكتب بقوة وعنفوان. أستغرب أن يكتب إنسان ما وهو مهدد بالجوع أو العطش. في طفولتي اكتشفت طريقة للحصول على المال ودخول السينما، كنت اجمع في جوال قطع الزجاج و"كل ملوة بقرش"، عن طريق هذه الحيلة رأيت جريتا جاربو وبرت لانكستر وشين كونري، كما رأيت فريد شوقي ومحمود المليجي وفاتن حمامة. كانت طفولتي فقيرة لكنها لطيفة، ومبهجة. يكفي أن أقوم من النوم لأفتح الشباك فأجد عصفورا يشقشق فتغمر السعادة قلبي، وأنزل إلى المدرسة أو إلى الورشة شديد الابتهاج. المجلة الثقافية: طيب، حدثنا ولو بشكل مختصر عن الحراك الثقافي في مصر في ظل التغيير القائم حاليا؟ سمير الفيل: بعد ثورة 25 يناير تغيرت مصر كثيرا. سقط هذا الوهم بأننا أمة ميتة، وشق الشباب طريقهم نحو الشهادة أو النصر، وحدثت تغيرات سريعة لا يمكن للقلم ملاحقتها. كتبت مقالات عن تجربة الثورة كتقارير للنشر في مجلات أدبية متخصصة لكنني لم أكتب نصا واحدا عن الثورة. باستثناء عودتي للشعر فكتبت قصيدة بعد نجاح ثورة تونس وقصيدة أخرى خلال مظاهرات مصر قبل التنحي. هناك جيل عظيم، أعتقد أنه يحافظ على الكتابة الراقية بكل تفرعاتها، وهناك موسيقى، ومعارض فن تشكيلي وسينما ناهضة، لكن المشروع الثقافي الضخم لم يتشكل بعد. مصر كدولة مركزية متماسكة تعيش حاليا في حالة سيولة، وفوضي بعد جريمة الانفلات الأمني. هناك تعثر اقتصادي لوجود شراذم الحزب الوطني وغلاة السلفيين. بصراحة أخشى اختطاف الثورة، وأن يؤول الحكم لعناصر متشددة. أتمنى أن يحدث نوع من الوعي بحيث تصطف كل القوى المتنافسة لإرساء معنى الدولة المدنية ، وإرساء قواعد الديمقراطية بعد سنوات طويلة من التغييب والتزوير ومحو الإرادة. بطبيعتي سأعود للتفاؤل فأقول أنه مهما كانت المخاطر والأخطاء فهذا أفضل من الموت جمودا وتباعية بدعوى الاستقرار. لم تتشكل حالة ثقافية مختلفة، وحتى في انتخابات اتحاد الكتاب يوم 29/4 أسفرت النتيجة على تجديد 45% فقط. لكن فيما يبدو فالجميع قد استوعب الدرس، ولن تقوم في مصر سلطة قامعة، تابعة للاستعمار أ موالية للعدو التاريخي إسرائيل. المجلة الثقافية: سأسألك كيف يقرأ سمير الفيل زملائه الأدباء في مصر من جيله ومن الجيل الجديد، من الجنسين؟ سمير الفيل: بحكم السن قلت قراءاتي، لكنني مدين لجيل من الرواد تتلمذت على أيديهم وربما بدت بعض الأسماء غير معروفة بشكل كبير، فهناك صبري موسى، وعبدالحكيم قاسم، وعبد الفتاح الجمل، وجمال الغيطاني، وإبراهيم عبدالمجيد، وتعجبني تجارب محمد المخزنجي، ومنتصر القفاش ونجوى شعبان ومحسن يونس، ثم الجيل الجديد الذي يتمرد على كل القوالب السابقة ويجترح أفقا جماليا غير مسبوق. من حقهم أن يجربوا. من واجبهم أن يثوروا على الأشكال التقليدية. المجلة الثقافية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟ سمير الفيل: في بداياتي قرأت من الأدب الجزائري لكاتب ياسين ومالك حداد، ومحمد ديب وهؤلاء كتاب كبار جدا تعلمنا على أيديهم. ثم تعرفنا على الجيل التالي وفي مقدمتهم الطاهر وطار، ومرزاق بقطاش، وواسيني الأعرج ، وقد التقيت بهذا الكاتب الرائع في دمشق مرة وفي القاهرة مرات، كما التقيت في الرقة بالكاتبة آسيا موساي . قرأت لكتاب آخرين منهم: أحلام مستغانمي، وحميد عبدالقادر، وسهيلة بورزق، التي أرسلت لي مجموعاتها من مقر إقامتها في أمريكا، وهناك يوسف بوذن، ونصوصه لها حس شاعري أخاذ، وهناك أسماء أخرى تعرفنا عليها في موقع القصة العربية، منها: ياسمينة صالح، بوفاتح سبقاق، عز الدين جلاوجي، عبدالرازق بادي، سهيلة عزوني، قادري عبدالخالق، شرف الدين شكري، السعيد موفقي، جميلة طلباوي، وغيرهم، كما تغيب عن ذهني الآن أسماء أخرى . ما يلفت البال في تجربة الأدب الجزائري هو وجود تيار الكتابة بالفرنسية ووجود التيار الكتابة بالعربية وكلاهما يحمل قدرا كبيرا من الإجادة. المجلة الثقافية: ماذا تقرأ الآن؟ سمير الفيل: أقرا رواية "ملكة الصمت" لماري نيميه، وهي روائية فرنسية، ورواية "القلعة البيضاء "لأورهان باموق، الكاتب التركي الشهير، وكلاهما عن سلسلة "الجوائز" التي تصدر بإشراف الدكتورة سهير المصادفة عن الهيئة المصرية للكتاب. وقد قطعت شوطا في قراءة كتاب "الله والوجود والإنسان" لعماد الدين الجبوري، وهو منشور في بيروت سنة 1986. الكتاب له ملمح فلسفي يفيدني في تقليب أفكاري حول الوجود. وأعيد قراءة مجموعة عاشرة لي تحت النشر بعنوان "منامات الدمام"، لا أجد ناشرا لها. أقرأها كأنني شخص غريب حتى يمكنني أن أراها من مسافة بعيدة فتقع عيني على الأخطاء! المجلة الثقافية: ماذا تكتب؟ سمير الفيل: حاليا ومنذ الثورة لا أكتب شيئا. أعتبر كل كتابة نوع من الأثم الفني. وحتى قصة "أن تعذب الكلب" كتبت نصفها ثم تعثرت في كتابتها فور نشوب الثورة. هناك أشياء في الوجود تجعلك تقف حائرا منها الحرب، والحب، والثورات. المجلة الثقافية: كلمة ترغب في قولها عبر مجلتنا؟ سمير الفيل: جاءت ردودي بلا ترتيب وفي ظل إرهاق جسمي شديد، فقد بلغت الستين يوم 16يناير 2011، وأترقب موتي الوشيك فقد مات أبي في نصف عمري. وأهيئ نفسي لألحق به كي أبتهج بوجوده في الأعالي. ربما أنتهز فرصة إجراء تلك المقابلة كي أشكر الأصدقاء في منتدى القصة العربية ـ وفي مقدمتهم القاص جبير المليحان ـ الذين نشروا شهاداتهم حول تجربتي البسيطة، وقد جمعها الصديق الناقد إبراهيم حمزة تحت عنوان "أنشودة نورس وحيد"، وصدرت منذ أيام عن دار سندباد بالقاهرة .

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans حوار العدد
commenter cet article
28 mars 2010 7 28 /03 /mars /2010 10:22

المرأة والكتابة إلى أين؟

- حوار مع الناقد و المبدع الفلسطيني زكي العيلة

حاوره وناقشه الباحث المغربي عبد النور إدريس 

 تدخل: عبد النور إدريس

إن ما تعيشه المرأة من أزمة هي قبل كل شيء أزمة فكر قبل أن تكون أزمة واقع..

لهذا فأزمة المرأة الدائمة تكمن في الميتافيزيقا..

لنُشرك الأستاذ زكي العيلة في إعادة طرح السؤال من جديد على عولمة قيمنا الاجتماعية.

فلو توقف التعامل بالإنترنيت نهائيا هل تعود العلاقات الإنسانية 

إلى حرارتها كما كانت سابقا؟ 

 

تدخل:الأستاذ زكي العيلة

رغم هروبنا الدائم إلى موضوعة ( الماضي الجميل )التي يحلو لنا ترديدها في محاولة لتجميل أزمنةٍ حلمنا بها ليس أكثر ، مما منحنَا بعضَ التعويض و لو بامتطاء موضوعات قد تكون وهمية عن ماضٍ آفل ، إلا أن الحاضر له ضروراته الحيوية التي لا بد لنا أن نتعامل معها و مع أدواتها ، شئنا أو أبينا ، فالعجلة دائرة و ستظل تدور بشروطنا تارة و بشروطها تارات ..و سيبقى الإنسان هو الإنسان ، بنقائه و قبحه ، بقوته و ضعفه ، بأحاسيسه و انكفائه ،

بحرارته و صقيعه ، تعددت مظاهر التواصل و الأنترنيتات و العولمة في النهاية واحدة .

معك أخي عبد النور في تشخيصك لأزمة المرأة في مجتمعاتنا التي

هي قبل كل شيء أزمة فكر قبل أن تكون أزمة واقع(..)

وهذا يتساوق مع خلاصة دراستي الأكاديمية التي تناولت خمساً و أربعين رواية فلسطينية(http://www.zakiaila.com/za/maraa.htm لم يظهر فيها أي تغيُّر واضح على المستوى الاجتماعي بالنسبة لقضايا المرأة الخاصة ، رغم مشاركات المرأة الواضحة الفاعلة في فعاليات الانتفاضة حيث ما زالت صورة المرأة التابعة السلبية الضعيفة ، غير القادرة على بناء ذاتها تشكل هاجس الروائي الفلسطيني.

 

تدخل: عبد النور إدريس

فعلا الأستاذ زكي من يتطرق بالتحليل لموضوع المرأة يستخلص أنها حبيسة كل الخطابات الرمزية المتمثلة في قوة احتواء الخطاب الذكوري الثاوي في القانون والميتافيزيقا والأسطورة والدين والحكايات ..الخ

لقد أثار تدخلكم الكثير من الأسئلة والتي تحتاج في الاجابة عليها صفحات وصفحات من حيث أنه لا يستطيع أي رجل ديموقراطي إلاّ أن يتواجد في صف مارينا ياغيلّو في تساؤلها التأكيدي بإحراق القواميس، ويعِدُ الأنثى، بحرية لا تنتهي بالبَوح في لغة الجنس والكتابة ولا يؤسس للصمت في لغة لا تعرف أن تُعلّم قول "نعم" دون أن تفتح الجملة على قولة "لا" وليست "اللاّءات" التي مصدرها مدرسة حضارة الرجل.

علامات هي تلك الأشكال التي تنتج الغموض والتساؤل حول تجدّر ما هو أسطوري، على الفضاءات الفكرية العذراء.

لنُحدث إذن قطيعة مع النظرة الدونية للمرأة فحريتها السياسية والمجتمعية أصبحت رهانا كونيا... فالبنية التحتية لتنمية المرأة يستوجب بالأساس خلخلة أصل الاستبداد وتطقيس الزمن العربي نحو الانفتاح على إمكاناته عوض الانخراط في تفكيك ماهية ما يُحيل على نُسخة ممجوجة للأصل. فلا يمكن أن نُنَمِّي المرأة وفضاءها وقضيتها إن لم نقلق الميتافيزيقا وننسف الأصنام والطابوهات المحْمومة، وذلك بتلغيم الثنائيات المُهترئة، ذكورة / حضارة، ذكورة / إنسانية إذ " ليس الرجل هو الإنسان، وليست الذكورة مرادفة للإنسانية، وليست المرأة جنسا آخر أو نوعية أدنى من البشر" 

ليس هناك داخل أصل المعنى اختلاف بين الرجل والمرأة " فالذين يتحدّثون عن الاختلاف يشعرون فعلا بأنهم متفوّقون على الآخرين "كما قال جان جينيه.

فلا يمكن أن نضع المبررات لعجز الماضي عن احتواء الاختلاف والتعدد فالماضي " الآن" و"هنا" يبيع نفسه كما كان الرجل في السابق يبيع حصّته من الفردوس مقابل الاستمرار في التعرية المادية لجسد المرأة، فهناك دوما خسارة تؤكد العنف الرمزي للتُّربة الميتافيزيقية تجعل الكائن عبدا لنفسه.

فالخطاب المتداول حول المرأة "هنا" و"الآن" من قِبَل الرجال تعتريه نواقص التستر والمغالطة فهو لا يعكس تفتًّح الداخل اللا شعوري، هذه السيكولوجية العرجاء تندرج عقيمة ضمن الإحياء المُزمن لأزمنة الرق الغابرة..فما زالت المرأة المعاصرة داخل الخطاب الذكوري رهينة الممارسات المُخاتلة..التي تؤسس لامتلاك الرجل للجسد الأنثوي، هذا الجسد وبدون وعيه لذاته قابل لأن يُهان إلى الأبد.

إن ضغط المرحلة يجب أن يواكب التطور ذهني للعقلية الذكورية التي تستمتع بنرجسيتها حتّى الثّمالة كي ينتشل المرأة من تشييء الرجل لجسدها... الجسد المرتبط بهويتها والذي يلهث كورقة تعريف.. كإعلان لشخصيتها وكينونتها،" فما الذي يجعل" رجلنا" يُشَيّْءُ المرأة فيمارس الجنس مع نفسه من خلالها، كأنها ليست ذاتا مشتهية، مستقلة، باحثة عن مجال رغبة مشتركة؟"(

) إن هناك مكانا شاغرا للديموقراطية المعرفية والمجتمعية والجنسية يجب أن يتنافس حوله الرجال حتّى كسب رهان التحديث... حتّى تتخلّص القيم الذكورية من أعراض التوحش ومظاهر الاسترقاق في زمن ما بعد الحداثة.

يمكن بذلك للمنطق الذكوري أن يتفاوض مع ذاته ويشحذ ذاكرته للقيام بنقد ذاتي فيعطي لشهرزاد أوراق اعتمادها لتمثل رسميا النساء في بلاط شهريار... في واضحة النهار ولتعيد صياغة حكاية ألف ليلة وليلة وتستيقظ من غَفوة عُرْيِها على وقع الجنون والفرجة المشتركة والإحساس بالعدل العام للسلطة، وهي تستمتع كذلك بجسدها لذاته وتخرج من ليل الحكي لتحُل داخل اليقضة الوجودية للمصالحة مع الذات وتكسير الصمت..صمت الوجود والموجود.

الأستاذ الناقد زكي العيلة حينما تكتب المرأة الفلسطينية هل تستحضر ذاتها في وعي الانتفاضة..؟

ما هي حقيقة انتقال المرأة الفلسطينية من الإطار المنكسر الهامشي إلى نموذج فاعل ..متمرد يطالب بالتغيير على جميع الأصعدة ؟

 

تدخل:الأستاذ زكي العيلة

لقد سجلت المرأة الفلسطينية حضوراً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي إثر الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من أرض فلسطين – الضفة الغربية وقطاع غزة – في يونيو (حزيران) 1967. 

وبعد تفجر الانتفاضة الفلسطينية في التاسع من ديسمبر 1987 انخرط كثير من النساء في فعالياتها و نسيج حياتها اليومية ، بحيث أثبتت دورها الريادي في فترة وجيزة من عمر الانتفاضة ، فلم يعد همُّها الجانب الخدماتي أو الإغاثي فقط ، بل أصبحت مشاركة في الحياة السياسية اليومية ، مما ساهم في ارتقاء وعيها لذاتها ، ولقضاياها الاجتماعية .

لقد تنبهت الرواية الفلسطينية المعاصرة للدور الذي تمثله المرأة الفلسطينية في مجتمعها ، وإن لم يتخط تناول ذلك الدور في أغلب الأوقات الصور النمطية التقليدية للمرأة .

ولعل هذا كان حافزي في رصد الروايات الفلسطينية التي تعرضت لصور المرأة في ظل إغفال معظم الدراسات للدلالات الفكرية الشمولية لصور المرأة ، وعلاقتها بالواقع المعيش ، خاصة في ظل المتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية التي واكبت الانتفاضة و مدى تأثيراتها على نموذج المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة .

 

و لعل السؤال الرئيس الذي حاولت الدراسة البحث عن إجابة له هو: هل تخطت الروايات الصادرة في هذه المرحلة 1987 – 2000 الصور التقليدية ذات القوالب المحددة للمرأة الفلسطينية السلبية ، المقهورة ، العاجزة عن التغيير ، والتي غالباً ما ترد خارج دائرة الفعل؟

 

في البدء تبرز ملاحظة ذات دلالة تحتاج إلى دراسة حيث لا توجد أية روائية أو كاتبة قصصية بين أعضاء الاتحاد العام للكتَّاب الفلسطينيين فرع قطاع غزة ( 120) كاتباً و كاتبة ، في حين لا تزيد كاتبات القصة و الرواية في فرع الضفة الغربية ( 280) كاتباً و كاتبة عن عدد أصابع اليد في الوقت الذي تكثر فيه أصوات الشاعرات .

 

لقد تناولت دراستي ، " المرأة في الرواية الفلسطينية " خمساً و أربعين رواية لواحد وثلاثين روائياً ، إلى جانب ثلاث روائيات فقط سحر خليفة ( أربع روايات : الصبَّار ـ عباد الشمس ـ باب الساحة ـ الميراث ) و ليانة بدر (رواية : بوصلة من أجل عبَّاد الشمس ) و ديمة السمان (رواية: جناح ضاقت به السماء).

شخوص روائية كثيرة ، حاول البحث من خلالها أن يجد في شخص المرأة الراوية أو المروي عنها ، على وجه التحديد نافذة لواقع المرأة الفلسطينية ذاتها على الأرض ، خارج الورق ، و خارج الرمزية الغامضة أو الواضحة أو المضطربة .

لا جدال في أن الروائي حين يصنع شخوص روايته، لا ينقل الواقع بالضرورة بل يتخيله ، لكن المخيلة ـ مهما كانت لعبتها الإبداعية ـ هي جزء من الواقع ، و وفق هذا الإدراك يصبح الباحث أمام واقعين يمكن أن يسمي الأول " الواقع الواقعي " والثاني " الواقع المتخيل " و هما يتماهيان معاً في الإبداع الروائي ، لا واقع و لا خيال ، بل هي الرواية فحسب .

لقد حاولت الدراسة " المرأة في الرواية الفلسطينية " أن توائم الواقع الواقعي مع الواقع المتخيل ، فالمرأة في الرواية هي المرأة في الحياة ، بقدر ما هي ذاتها ، و ربما بتجليات أشد كثافة و أبعد عمقاً .

الملاحظ أن معظم النماذج النسوية في الروايات (مجتمع البحث ) قد شغل بمفهوم الحرية الفردية و العلاقة بين الجنسين حيث ترفع تلك النماذج ـ في روايات سحر خليفة و ليانة بدر تحديداً ـ كثيراً من الشعارات الرافضة للضوابط التقليدية انطلاقاً من إيمانهن بأن معركتهن موجهة ضد الرجل و المجتمع القامع ، فالفتاة ( رفيف ) مثلاً في رواية (عباد الشمس) لسحر خليفة تبدو المسائل مشوشة في ذهنهـا وهي تدين الرجال كافة: فالجنس في نظرها طبقة ، والمرأة تعاني من استلاب مضاعف ، لأنه استلاب قومي ووطني وجنسي… لذا لا بد من ثورة المرأة ضد نظام اجتماعي، اقتصادي ، ديني أخلاقي ، وأضف إليها ما شئت من مسميات بلا عدد ) غير آخذة بعين الاعتبار القضايا الاجتماعية والسياسية في شموليتها فالتحرر كما يقول الناقد فيصل درّاج لا يبدأ بالرجل وينتهي بالمرأة ، بل يتحقق في تحرر المجتمع ككل ، أو يتحقق في سيرورة النضال الوطني الديمقراطي الذي يساهم فيها الرجل المرأة ، ومع ذلك ، فالكاتبة لا تبدأ من المجتمع بل من تعارض الذكورة والأنوثة ، وتقابل سيطرة الرجل مع النزعة النسوية ، ذكورة ونسوية، انغلاق مقابل انغلاق ، أو عنصرية تطرد أخرى ، بحيث يتحول تحرر المرأة في الرواية إلى خطاب أيدلوجي مفتوح . حتى أن (رفيفاً) لا تأخذ في اعتبارها الوظائف البيولوجية الخاصة بالمرأة ، وكأن الحمل والإنجاب لعنة ، لا نعمة : ( طبخت فأكلتم ، زرعت فقطفتم ، حملت بذوركم في بطني ، وسقيتها غذاء عيني ، وأسناني ، واشتداد عقلي ، وحين تتلقف أيديكم المولود ، يحمل اسمكم بدل اسمي ، والأب نفسه يحمل اسم مولوده الذكر ، ولا يحمل اسمي ، وأنا نفسي أسلخ عن اسمي واسمكم ، وأفقد هويتي ، وشخصيتي في مطابخكم ومعابدكم .

في المقابل تُطل علينا في الرواية نفسها شخصية (سعدية) المرأة التي تقرر أن تباطح الحياة بعد أن لم تفلح شهور من النواح والبكاء ، وارتداء الأسود في إطعام أولادها – إثر استشهاد زوجها (زهدي) – متحملة افتراءات ومنغصات نسوة الحارة وبعض رجالها لخروجها عن المألوف في تنقلها وتحركها بحثاً عن عمل ، ويتحقق حلم (سعدية) بشراء أرض في الجبل المشمس ، تظن أنها ستريحها من الحارة التي جعلت من خروجها للعمل مصدراً للتقولات ، كما ستمكنها من النجاة بأولادها من بطش الاحتلال وغراماته بسبب مشاركتهم – خاصة رشاد – في التصدي للجنود ، إلا أن بحثها عن خلاص فردي يواجه بالرفض من أولادها المتشبثين بالحارة وأهلها ، لتدهمها ضربة لم تحسب حسابها ، فالأرض التي اشترتها بعرقها وسهرها وشقائها وتحملها المشاوير والأقاويل ، يصادرها اليهود لصالح إحدى المستوطنات ، فتضطر (سعدية) إلى العودة لحضن حارتها في نابلس القديمة ، تتواصل مع المجموع، يصبح همها مقارعة العدو الذي قتل رجلها وصادر أرضها، كما صادر الأراضي المجاورة . 

فبعد اغتصاب حلمها تصل لقناعة مؤادها : أن كل الأحلام الفردية ستظل عُرضة للانهيار والسلب ما دام الاحتلال قائماً ، لتتقدم (سعدية) النسوة صوب المدرسة التي يُحاصر فيها رجال الحارة وفتيانها – بمن فيهم ابنها رشاد – مستمدة وعيها بضرورة مقاومة الاحتلال – الذي هو سبب كل الآفات – من واقع تجربتها .

 

تدخل : عبد النور إدريس

بالطبع الأستاذ زكي العيلة إن الروائي يصنع شخوصه الروائية عبر لقاء إبداعي بين الواقع والمتخيل ،وقد تطرق أرسطو في كتابه فن الشعر إلى انفتاح النص الروائي على مستقبل الاحتمالات الممكنة ، فوضع للمخيال إمكانية التهجيس بالمحتمل من خلال الوقائع الحيّة.

فالرواية بهذا المعنى أصبحت مختبرا للزمن الآتي وكما قال محمد شوقي الزين في كتابه(" تأويلات وتفكيكات..)" السرد وثيق الارتباط بالخيال بحكم تمثله لواقع زائل ينبغي حكايته أو روايته لإعادة تشكيله وفق نماذج ومعالم وتثبيته كخطاب يحتفظ بدلالته ويضمن له السيرورة عبر القراءة والتأويل".

أن نثور هو أن نفكك النماذج المعطاة فهل استطاعت المرأة الفلسطينية الكاتبة أن تتجاوز ثيمة الحرية إلى استثمار ثيمات أخرى كبحث عن نموذج لثورة المستقبل؟

هل تحضر ثيمة الجسد في الكتابة السردية النسائية وكيف تناسلت هذه الثيمة عند المتلقي و في جسد المجتمع مشبع بالمنطق الذكوري؟

 

تدخل الأستاذ زكي العيلة

للإجابة على التساؤلات التي يطرحها الأديب المبدع إدريس عبد النور، يمكن العودة للنماذج النسوية في الكتابة السردية للمرأة الفلسطينية الكاتبة حيث احتلت قضية الحرية الفردية للمرأة في علاقتها بالرجل حيزاً لا بأس به في الرواية ، و يُلاحَظ هنا أن بعض الشخصيات النسائية قد خلطت بيــن التـحرر بمعناه الإيجابي الذي يعني صقل الذات بالإرادة والمعرفة والممارسة الاجتماعية الواعية الواثقة ، والتحرر بمعناه السلبي الذي يعني السقوط والانحلال وتجاوز أخلاقيات المجتمع ، مما أدى إلى ضياع كثير من تلك الشخصيات التي بدت بتصرفاتها المنفلتة ، كأنها مقحمة على المجتمع الفلسطيني ، حيث لا تزال تسود جملة من التقاليد المتوارثة التي لا تخفي تحفظها من المرأة العابثة ، الخارجة عن الضوابط ، مما دفع أغلب تلك الشخصيات إلى البحث عن خلاص ينتشلهن من حالة التخبط والضياع والاغتراب و الخواء العاطفي بعد أن اكتشفن – ولو متأخراً- أنهن كنَّ أسيرات وهم شاركت في صنعه بعض النماذج الذكورية التي تخفي الخديعة خلف شعار تحرير المرأة الذي ترفعه ، بحيث جاء رصد الرواية التي خطَّتها الكاتبة الفلسطينية لتلك النماذج – الأنثوية والذكورية- هادفاً إلى كشفها ، وتخطيها ، والاستفادة من دلالاتها . 

ففي رواية (بوصلة من أجل الشمس) لليانة بدر نطالع طالبة المعهد ذات الأنثوية الجامحة (جنان) الراغبة في تجاوز وصاية المجتمع نحو تأسيس مفاهيم جديدة ، لذا نجدها ترفض القوانين التي تحد من قدراتها ، وتُعَامل الجميعَ بطلاقة دون حذر أو حرص رغم علمها بانتقاداتهم ، حيث يعتبرون تصرفاتها خرقاء متطرفة ، لكنها لا تأبه بذلك متناسية أن ما تطالب به من تحرر مرهون بتحرر المجتمع كله بجنسيه من موروثات أصبحت هي القانون السائد ، كما في حديث مدير المعهد معها : "نحن في مجتمع متخلف نطمح فيه لجذب أكثر ما يمكن من الفتيات إلى معهدنا ، فكري في تطرف البنات المتحررات اللواتي ينسين أية سمعة سوف تطلق على المعهد" ، لكنها لا تلقى بالاً لنصائح المدير حيث اختطت لنفسها – وهي ابنة العامل البسيط- التعامل مع مستقبلها بطريقة تؤكد من خلالها انعتاقها ، بمعزل عن نصح الآخرين أو تهديدهم ، بحيث لا تشكل ردة فعل الآخرين أية قيمة ، فعندما تسألها الصحفيـة الأجنبية وسـط

لفيف من الطلبة والطالبات "هل تهتمين بالعذرية ؟ كان جوابها صاعقاً لا ، إنها لا تهمني ".

ولعل هذا التطرف يؤكد على أزمة مفهوم الحرية الفردية الذي اقتبس سلوك الغرب في العلاقة بين الجنسين ، دون تمييز ، فرغم الأحاديث الكثيرة التي تدور حول (جنان) عن التقدمية ، ومجتمع الثورة الجديد ، وتحرير المرأة ، تظل النظرة التقليدية المتوارثة التي لا ترى فيها إلا الأنثى العابثة في مجتمع ما زال يحافظ على جذوره وقيمه ، كما في حديث جنان "الجميع يتحدثون عن الثورة ، وعن تحرير المرأة ، وعن انقلاب الموازين الطبقية في المجتمع القادم ، وأنا مثل الجميع أؤمن بما يطرحونه وأناقش الأفكار المنطقية ، ثم بدأت النظرات تبني حاجزاً بلورياً ، أعجز من أن يتبينه الحدس المباشر ، وارتعشت التماعة الشهوة على شفاه جدية عديدة، ومججت نظرات رفاقي ورفيقاتي حين شابهت تقطيبات أساتذتنا العجائز ، ليس التحرر إن زاد عن حده مقنعاً ، يقولون : تصادق علناً ولا تخاف أو تستحي".

أما (شهد) في الرواية نفسها فتتعرض لموقف مشابه ، فقد سحرت بمدرسها في المعهد (ماجد) الذي يشكل بالنسبة لها مثال المثقف ، العصري الذكي ، لتلبي بطيبة وحسن طوية ، دعوته لزيارة بيته ، لتكتشف خديعتها بمدرسها الذي تنحصر نظرته إليها في إطار الرغبة والشهوة ، فهو يحب المتحررات المجربات ، المنفتحات على الجميع ، اللواتي ينسجمن مع أية نوعية من الناس يقابلنها ، ويعرف نكهتهن الحريفة ، ليشدها إلى صدره ، مما يصيبها بصدمة تهزها ، وتحولها إلى صرخات متتابعة مختنقة، أعقبت فكاكها من يديه وفرارها محملة بالخيبة . 

و في رواية (عباد الشمس) لسحر خليفة تلتقي (سعدية) ـ التي تكد و تكدح بعد استشهاد زوجها ـ أثناء توقفها في أحد مقاهي تل أبيب ، انتظاراً لقبض أجرتها بخضرة المرأة التي جربت مرارة العيش والتشرد ، لتدور بعد فقدان الأرض والأم من خيمة إلى خيمة ، ومن دار لدار ، تعمل خادمة في البيوت في ظل أب لا يرحم ، يزوجها من رجل طاعن في السن يذيقها ألواناً من الضرب ، ويشاركه في ضربها أولاده ، لتهرب إلى زوج آخر بعمر أبيها ، يسمعها – رغم مرضه- الكلمات الحانية التي تجد قبولاً لديها : " صرت أطعمه ، وأسقيه ، واشتري له الدواء ، مسكين ، حنون، ولسانه حلو ، وما يناديني إلا خضرة يا ست الكل ، سمعني كلام عمري ما سمعته ، خضرة يا ست البنات ، خضرة يا مليحة ، يا حمالة الحمال، كلامه بينزل على قلبي مثل السكر ، وأتمنى لو أسحب من دمي وأعطيه". 

تضطر (خضرة) التي لم يعد لديها ما تخاف على فقده إلى بيع جسدها كي تشتري الدواء لزوجها الذي احترم إنسانيتها ومشاعرها ، دون أن تقيم وزناً للأعراف الاجتماعية كما في حديثها لسعدية : " والله أنا ما بخاف ولا من الله ، تل أبيب بطبلها وزمرها بحطها في قاعي وبقول ما شفت حدا". 

وعندما تُقتاد مع (سعدية) إلى مخفر الشرطة في (تل أبيب) بتهمة المشاركة في سرقة الباص تتصدى خضرة للجندي ، ترفسه بين رجليه معرضة نفسها للأذى ، حيث علمتها الحياة أن لا حل إلا بالعنف والضرب : " الأب يضرب ، والزوج يضرب ، واليهود تضرب ، ضرب في ضرب ، لا والله ضرب اليهود أحسن ، على الأقل الواحد يحس أنه محترم ، بكرة أخرج ، وأقول اعتقلوني ، السجن للنسوان ، ولاد الكلب تشاطروا عليَّ ، وأنا واحدة ، وهم ثلاثة وأنا واحدة "

غير أن كل ما تتعرض له من ضرب وإهانات ، وتحرشات لا يؤثر في معنوياتها ، كل ما تخشاه أن يعلم زوجها – الذي يحبها- أنها في السجن .

"دمعت عينا خضرة وأنَّت :

- إذا عرف المسكين أني في الحبس تيجيه نوبة يروح فيها ، وما يظل إلي في الدنيا بني آدم يحبني ويسمعني كلمة حلوة .. الدنيا كلها شقا بشقا ، الدنيا باعتنا ، وما حدا اشترانا ، حتى أبوي باعني ، قبض المهر واشترى حنطور ، وأنا ببيع حالي ، وبشتري للمسكين دواء ، دنيا ما عليها أسف ، قتل وبهدلة ، وسرقة وتعريص" 

ورغم واقع خضرة المأساوي ، وشراستها المظهرية ، وانغماسها في مستنقع الرذيلة، ومتاجرتها بجسدها وعدم مبالاتها بالقيم ، إلا أنها ما تزال تحتفظ في قلبها بجوانب من الطيبة التي تبدو في أكثر من موقف ، فهي ترفض الهرب من مخفر اليهود بمفردها عندما تتاح لها الفرصة، كي لا تترك (سعدية) وحدها التي تلكأت في الهرب فأضاعت الفرصة، كذلك نراها تبدي تعاطفاً واضحاً مع مجموعة الفدائيين هاتفة في انفعال أمامهم : "روحي فداكم ، وأبوس تراب رجليكم " كذلك نجدها تخفي معرفتها بسعدية التي تجاهلتها في حمام البلد ، فلا تحكي قصة توقيفهما في المخفر أمام النسوة كي لا تعرضها للقيل والقال .

 

تدخل : عبد النور إدريس

الناقد المبدع زكي العيلة

لعل من بين الخصائص الجوهرية في الرواية النسائية وجود الكتابة بالجسد كأحد الثيمات الاساسية.

كتابة الجسد écrire le corps هي فعلا أحد المفاهيم الجديدة التي أصبحت تنافس الجسد-النصي le corps textuel .

فالمعجم الخاص بالجسد الانثوي ليس سوى تحديدات جسد رومانسي حالم..أما الاعلان عن خاصية فيزيائية للجسد فتهذف بالاساس الى بناء الشخصية وقد تؤثر على سلوك المتلقي أيضا بالتفاعل معها بشكل من الاشكال ،منها : اعتبار اي منتوج الروائي لكاتبة ما .. سيرة ذاتية..ومنها ايضا بروز واضح لآلية الدفاع الذكورية.

يمكن القول ان اي عضو من الجسد الرومانسي الحالم ومن خلال تكراره روائيا يصبح له وجودا نصيا ..وهي بذلك تكون وحدة سردية unité narrative تدخل في علاقة بنائية مع باقي وحدات العمل الروائي، وهي كما قال عنها تزيفيتان تودوروف تعلن عن " التطور الدرامي".

الاستاذ المبدع زكي العيلة، لا شك ان السرد النسائي العربي قد استغل حضور الجسد الانثوي في عملية التلقي..البداية كانت مع ليلى بعلبكي (أنا أحيى) و ليلى العثمان (الحب له صور) ومليكة مستظرف (جراح الروح والجسد) ..والقائمة طويلة..

ماهو تقييمك لهذه المرحلة في الحياة الابداعية العربية والتي أسميتها في كتابي (الكتابة النسائية) بمرحلة الاستريبتيز الادبي والتي تشهد التعري الادبي أمام المتلقي؟

تدخل : الأستاذ زكي العيلة

التعرف على الجسد ، و محاولات اكتشافه ليست جديدة ، بل قديمة قِدم الإنسان ، غير أن الرؤية الذكورية هي التي تسلطت على جوانب هذه الثقافة ، و أخضعتها لقوانينها ، حيث حضرت المرأة في النص المتوارث رديفاً للنقص والخطيئة و المحظورات و ما إلى ذلك ، إضافة إلى تعامل تلك النصوص معها كسلعة تابعة للرجل ينتقي من المعروض منها ما يشاء ، و يستثني ما يشاء .

أما في الخطاب الإبداعي الأدبي المعاصر فقد أضحى الجسد بؤرة الاهتمام ، من حيث اعتباره عند البعض وسيلة إخضاعٍ لسلطة المجتمع و قوانينه و هذا شكَّل أعباءً أخرى هدفت إلى مزيدٍ من التكبيل للجسد ، في الوقت الذي حضر الجسد في بعض الكتابات كدرعٍ و حِصنٍ في مواجهة قهر الرجل ، مما أحال العديد من كتابات الجسد النسوية إلى نوع من العلاقة التصادمية مع الرجل ، و هذا ما تنوء به روايات العزيزة ( سحر خليفة ) خاصة في رواية ( عباد الشمس ) التي غدت صفحاتها نوعاً من الخطاب الأيدلوجي حين تقف المرأة نقيضاً للرجل ، نفي يقابله نفي ، و انغلاق يقابله انغلاق ، بدل أن يكون حضور الجسد الأنثوي شهادة امرأة تكتب بجسدها ، لها ، و لوجودها ، و لوعيها ، و لنا .

و إذا كان الجسد كما يقول جوناثان ميلر ( هو العلامة على كينونتنا ، فيه و من خلاله نتعرف وجودنا في العالم ) فإن هذا يتطلب أن تُبنى كتابة الجسد على علاقة معرفية تنفتح على الوجود ، كما تنفتح في اللحظة نفسها على الذات الإنسانية ، و على عوالم المعرفة الداعمة لانعتاقها و تحررها الواعي ، دون الاحتماء بالاستريبتيز الأدبي أو العري ، من أجل الاستريبتيز أو التصادمية مع الآخر فقط .

 

شكرا الأستاذ زكي العيلة. 

 

 

ناقشه في هذا الحوار / الندوة

عبد النور إدريس

قاص وباحث من المغرب.

مدير مجلة دفاتر الاختلاف(شهرية ثقافية فكرية). 

18-9-2005

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans حوار العدد
commenter cet article
5 mars 2010 5 05 /03 /mars /2010 23:33

------------------.jpgدة زهور كرام
الأدب الرقمي حقيقة أدبية تميّز العصر التكنولوجي

ضعف تجربة الأدب الرقمي في التجربة العربية، تعكس علاقتنا كمجتمعات عربية بالتكنولوجيا

الناقد مطالب بامتلاك ثقافة التقنية ومعرفة التكنولوجيا

حاورها: رامز رمضان النويصري

أعادني كتابها، الذي وصلني حديثاً، إلى لقائنا الأول بطرابلس فترة انعقاد المؤتمر العربي الأول للثقافة الرقمية (مارس 2007)، حيث النقاش كان منصباً على حقيقة الثقافة الرقمية وإشكالياتها والمساهمة العربية، العديد من الأوراق ألقيت، والعديد من النقاشات والحوارات دارت. لكن الدكتورة “زهور كرام” الناقدة والباحثة، دعمت رؤيتها وقراءتها في المنتج الرقمي من خلال بحثٍ متخصص، نشر العام الماضي بعنوان (الأدب الرقمي- أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية)، والذي قرر ضمن المناهج الدراسية الجامعية بالمغرب. هنا نلتقي الدكتورة “زهور” في حديث عن الأدب الرقمي.

هل يمكننا القول بحقيقة الأدب الرقمي حقيقةً؟

إنّ التعبيرات التّعيينية (المصطلحات، التسميات، التوصيفات…) لأي ظاهرة، تعبّر عن وجود الموضوع. عندما ظهر مصطلح   ”الأدب النسائي”في  بداية الأمر،  رفضه البعض  لكونه يجزئ الأدب إلى  أنثوي وذكوري، و  دافع عنه البعض الآخر  لكونه يمنح للمرأة اعتبارا رمزيا، في الموقفين معا  كانت المقاربة لمصطلح ” أدب نسائي” تتم – في غالب الأمر-  من خارج النص النسائي ، النقد الأدبي بقي بعيدا – بعض الشئ- أمام هيمنة التعاقدات المألوفة من الذاكرة حول المرأة، لكن، مصطلح الأدب النسائي عاد إلى وضعيته المعرفية الموضوعية عندما اشتغل النقد الأدبي على النص النسائي، ووقف عند المتغيرات التي يطرحها النص الأدبي الذي تنتجه المرأة، والذي يقترح  دلالات مغايرة لمفاهيم متداولة. هذا المثال يشبه – إلى حد ما – النص الرقمي وعلاقته بهذا التجاذب بين الرفض والقبول حسب العلاقة مع التكنولوجيا أولا، ثم حسب إمكانية المتلقي لهذا الجديد الذي يدفعه إلى تغيير نظرته للنص الأدبي.  إنها مسألة تتعلق أكثر بمدى قدرة الشعوب على التعامل مع الجديد أي غير المألوف، واعتبار المألوف وضعية إنتاجية تاريخية أي تعيش التحول والتطور والتجاوز.

لهذا، فلا يمكن أن نتحدث عن شئ هو غير موجود. الأدب الرقمي حقيقة أدبية تميّز العصر التكنولوجي في أمريكا وأوروبا، وعربيا ما يزال يخطو باحتشام كبير وهذا له علاقة بمدى انخراطنا في حالة التطور، ومدى توفرنا على مناخ  يسمح بمثل هذا الإبداع، كما يتعلق أيضا بوضعية النقد الأدبي وقدرته على متابعة تطورات حالة النص الأدبي .

ما هو الأدب الرقمي أو النص الرقمي؟

التفكير لا ينبني إلا على وجود موضوعه. الأدب الرقمي هو التعبير الرقمي عن تطور النص الأدبي.

الأدب  لا يعيش الثبات من حيث نظامه وبنائه، نظرا لكونه يعرف تحولات في شكله ولغته تبعا لتغير وسائطه مما يؤثر على مختلف مكوناته من جهة، ونظام ترتيب تلك المكونات من جهة ثانية. الأدب الرقمي هو محقق الآن في التجربة الغربية وهذا راجع لتطور وسائطه التي تساعد على الانخراط فيه بسرعة، أما في التجربة العربية فهو ما يزال يعرف تعثرا كبيرا في تحقيقه، لأن ثقافة الوسائط التكنولوجية التي يعتمدها الأدب الرقمي في إنجازه وتحققه ما تزال لم تتشرّبها بعد الذهنية العربية باعتبارها ثقافة الإنتاج وليس فقط ثقافة الاستهلاك.

ضعف تجربة الأدب الرقمي في التجربة العربية تعكس علاقتنا كمجتمعات عربية بالتكنولوجيا التي أصبحت المحرك الجوهري للزمن الراهن. ولا يمكن ضمان الانخراط في هذا الزمن إلا من خلال ضمان استثمار وسائط الزمن التكنولوجي. في نظرة سريعة حول المجال الذي يتحقق فيه النص الرقمي في التجربة الغربية سنلاحظ أن الجامعة   هي أرضية خصبة للتحفيز  أكثر على التفاعل مع هذه التجربة. ونحن ندرك جيدا أن تطور البحث العلمي  يضمن روح المغامرة والإبداع وتجديد الاكتشاف. البحث العلمي لدينا ما يزال مرتبطا بمنظومة تقليدية  ولهذا فهو لا يخلق الشروط الموضوعية لتبني  فكر المغامرة والإبداع. لكن، مع ذلك هناك بقع ضوء بدأت تظهر وتحفز على التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة في الأدب كما نجد في تجربة البحث العلمي بالمغرب من خلال تكوينات علمية في الماستر وأيضا بداية اختيار الطلبة الباحثين لمواضيع أطروحاتهم الاشتغال على مواضيع مثل النص التفاعلي والأدب الرقمي إلى غير ذلك مما له علاقة بمجالات الأدب والتكنولوجيا.

مفاهيم الأدب الرقمي ما تزال ملتبسة بعض الشيء، ليس فقط في التجربة العربية، وذلك لكونها حديثة العهد وتحتاج إلى تأملات نقدية تدعم وضوحها الذي لا يعني  بالضرورة ضبط المفاهيم بشكل قاطع، ولكن على الأقل خلق مجال نقدي موضوعي لبلورة مختلف المفاهيم التي تؤطر الأدب الرقمي. وحسب طبيعة اشتغالي على الموضوع  يمكن التعامل مع مفهوم الأدب الرقمي باعتباره مفهوما عاما تنضوي تحته كل التعبيرات الأدبية التي يتم إنتاجها رقميا. وبهذا، تصبح باقي المفاهيم التي تحيط بالرقمي مفاهيم تحدد الحالة النصية الرقمية، مثل الترابطي باعتباره مفهوما يعيّن الحالة الأجناسية لهذا الأدب، والتفاعلي باعتباره إجراء رقميا عبره تتحقق رقمية النص. لكنها تأويلات لدلالات مفاهيم قابلة للتحول وفق  مستجدات تجربة النصوص المنجزة رقميا.

أشرت في معرض إجابتك السابقة، إلى ضعف مستوى الأدب الرقمي المقدم.. فأين ترين المشكلة؟

لا أعني بالضعف المستوى الفني والجمالي للتجربة العربية ، ولكن أقصد  ضعف التراكم. لأن التقييم الفني والإبداعي يحتاج أولا إلى متن موضوعي يسمح بقراءة  التجربة  في إطار تصور عام لمخاض التجربة. صحيح نحن نمتلك رؤية نقدية ومعرفية حول المنجز الغربي في هذا المضمار، لكننا نحترم أيضا شروط تكوّن التجربة الإبداعية سياقيا أي احترام مناخ التأسيس، والذي أعني به الشروط الثقافية والعلمية العربية. لهذا اعتبر أن كل محاولة لإنجاز النص الرقمي في التجربة العربية تعد رائدة بالقياس إلى وضعية الوعي النقدي والإبداعي بهذا الأدب الجديد. وأرى أيضا أن كل الذين يحاولون  ويغامرون في التجربة  يؤسسون لذاكرة النص الرقمي العربي، هذه الذاكرة التي ستشكل محطة جوهرية في مسار تاريخ تشكل النص الأدبي الرقمي العربي. هذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها. أما عن مشكل ضعف تراكم التجربة عربيا، فهذا يعود إلى علاقتنا بالتكنولوجيا ، وهي علاقة ما تزال تعتمد الاستهلاك أكثر من الإنتاج، إلى جانب كون  الانخراط في الأدب الرقمي إنتاجا وتفكيرا وأسئلة يحتاج إلى تفكير مرن ومغامر ، تفكير حر يتعامل مع الجديد بنوع من الاكتشاف، وليس النفور فقط بسبب الجهل. كما أن هذا الأدب يأتي في إطار تطور حالة النص الأدبي الذي يتغير بتغير الوسائط والأسئلة، والسؤال المطروح الآن هل النقد العربي يساير تطور الأدب من خلال مختلف تجلياته، أم أنه نقد يعتمد فقط مسايرة الراهن من حيث التلقي المنسجم مع المألوف، ذلك لأن الأدب الرقمي هو تجلي أدبي غير مألوف بالنسبة للتلقي، ولهذا فالتعامل معه في غياب خلق شروط معرفية نقدية واعية قد تخل بمنطق تلقيه، ومن ثمة تدفع نحو رفضه. ألا يتطلب الأمر من النقد العربي أن يناقش الأدب الرقمي  في إطار تحولات نظرية الأدب، ومسايرة تطور الأدب مع تجدد وسائط تجلياته؟. أضف إلى ذلك، أن المؤسسات الثقافية العربية والتي لها سلطة تدبير الشأن الثقافي ما تزال لم تقترب بعد من هذا الأدب، وهو ابتعاد يعبر عن طبيعة هذه المؤسسات. إلى جانب أن الجامعات العربية لابد أن تدخل مجال هذا الأدب من خلال تكوينات علمية أكاديمية، وشخصيا أعتبر أن الضمانة الأساسية لتحصين الأدب الرقمي من كل انفلات معرفي هو البحث العلمي، ذلك لأن الظواهر المعرفية والقضايا الأدبية الجديدة غالبا ما يتم النفور منها، ومعاداتها لكونها غير مألوفة، ولهذا يأتي البحث العلمي لتحصينها علميا. وهذا ما نجده اليوم في الجامعات الأمريكية والأوربية وهذا الاهتمام الكبير بالنص الأدبي والتكنولوجيا، لأننا عبر الجامعة نشجع التفكير المستقبل لهذه الظاهرة الجديدة، ونكوّن جيلا جديدا يتقبل الظاهرة بحس علمي ومعرفي. أظن أن الأمر يحتاج إلى اهتمام متعدد الجوانب، النظري والتجريبي مع لقاءات كثيرة تعرّف بالأدب الرقمي، وتنظيم ورشات تكوينية في الموضوع، وانفتاح المبدعين والنقاد على ثقافة التكنولوجيا.

وهل يمكن اعتبار ما يقدم من خلال الشبكة، أدباً رقميا؟

طبعا ليس كل ما ينشر على الشبكة هو أدب رقمي. لأن الأدب الرقمي  ليس أن ننجز نصا ورقيا مثلا ثم نحوله إلكترونيا في الشبكة لكي نقول إنه رقمي. في الشبكة نتعامل مع مختلف الوثائق والنصوص التي تم تحويلها إلكترونيا والتي يمكن طبعها على الورق. الأدب الرقمي لا يمكن إنجازه خارج المجال الإلكتروني، لأنه يتحقق بواسطة البرامج المعلوماتية، ولا يقرأ إلا من خلال شاشة الكومبيوتر وعبر تشغيل البرامج، ولذلك يصعب طبعه باعتباره نصا أي وحدة إبداعية.

أين تقف تجربتنا الرقمية؟

عربيا من خلال نصوص الكاتب الأردني محمد سناجلة الذي أتمنى ألا يتخلى عن الإبداع في هذا المجال، وأيضا الشاعر العراقي مشتاق معن من خلال إنتاجه قصائد رقمية، ثم تجربة الكاتب المغربي محمد شويكة في القصة الترابطية وأيضا تجارب المسرح الرقمي بالعراق على الخصوص، بالإضافة إلى محاولات أخرى متفرقة يسعى أصاحبها إلى دخول التجربة إبداعا، ثم تتجلى تجربتنا الرقمية عربيا من خلال النقد والتفكير في الثقافة الرقمية كما نجد مع الكاتب المغربي سعيد يقطين وأيضا الناقدة الإماراتية فاطمة البريكي والكتاب  السيد نجم وأحمد فضل شبلول  وعبير سلامة وعبد القادر حسام من مصر و العديد من الباحثين والنقاد الذين نشروا مقالات ودراسات حول الأدب الرقمي والنص التفاعلي خاصة في موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب الذي يعد – بالفعل – واجهة لنشر الثقافة الرقمية. لا تنحصر تجارب الاهتمام بهذه الثقافة فقط في هذه الأسماء ولكن هناك الكثيرين الذين يحفزون على التعامل مع هذه الثقافة بوعي موضوعي من خلال دراساتهم. إلى جانب المؤتمرات والندوات والورشات التكوينية الخاصة بهذه الثقافة، وأذكر هنا على سبيل المثال أول مؤتمر حول الثقافة الرقمية والذي عرفته عاصمة ليبيا بطرابلس منذ سنوات، وأيضا الندوات التي انعقدت بالأردن ودول عربية أخرى. مع الإشارة إلى بداية انخراط البحث العلمي في هذه الثقافة كما نجد في الجامعة المغربية من خلال انفتاح الدراسات العليا( الماستر) على تكوينات علمية حول الموضوع، وأنا شخصيا كنت قد درّست مادة الأدب الرقمي قي ماستر الآداب المقارن بجامعة محمد الخامس بالرباط.إضافة إلى بداية اهتمام طلبتنا بهذا الموضوع واتخاذه موضوعا للبحث في أطروحاتهم الجامعية.

ما هي أهم سمات هذا الأدب؟

أهم مظهر يعين طبيعة هذا الأدب باعتباره حالة تطورية لمسار الأدب هو علاقته بالوسيط التكنولوجي، الذي يغيّر مادته اللغوية. فإذا كانت اللغة المعجمية هي الأساس في تجربة النص الأدبي، فإن موقعها في النص الرقمي يتغير، وتصبح اللغة المعلوماتية ذات وجود جوهري في إنجاز النص الرقمي. النص الرقمي بتحققه فهو يحقق اختلافات جوهرية في إنجاز النص الأدبي بدءا من شاشة الكومبيوتر إلى البرامج المعلوماتية إلى مكونات الإنتاج التي تؤدي إلى تغير في مفاهيم منتج النص (المؤلف) وقارئه ولغته ونظامه، وكذا الحالة الأجناسية للنص نفسه.  كل شئ يتغير في نظام النص الرقمي لأن الوسائط مختلفة ، وبالتالي فإن نظام البناء يؤسس لشكل أدبي مغاير، تبعا لطبيعة اللغة الجديدة والتي تأتي بلغة المعلوميات وتنجز مساحة مفتوحة للنص، معها يتحرر القارئ من التعاقد المألوف في الكتاب الورقي( بداية ونهاية)، فالقارئ عبر تقنية الرابط يمتلك سلطة تدبير النص ، من خلال خياراته في تشغيل الروابط أو تركها، أو التعامل مع بعضها فقط.

تنتج هذه الوضعية الجديدة للقارئ مفهوما جديدا للنص الأدبي الذي لا يوجد إلا من خلال القراءة المختارة(وليس المنتهية)، لأن في الأدب الرقمي ليس هناك قراءة منتهية. كل قراءة مفتوحة على أخرى حسب مزاج القارئ وقدرته على الترحال بين الروابط، ولهذا، فحتى مفهوم منتج النص يتغير.

يمكن القول بأن النص الرقمي هو امتداد لتجربة التجريب في النص الأدبي الحديث خاصة السردي حيث تتلاشى الحكاية ويصبح للقارئ الدور الأهم  في إعادة بناء الحكاية من جديد. الأدب الرقمي لا يخرج عن حالات تطور الأدب المكتوب ورقيا،ولهذا فوعينا به لا يجب أن يتم في إطار اقتطاعه من تاريخ الأدب الحديث، والتعامل معه على أساس أنه ظاهرة بدون ذاكرة ثقافية.

الأدب الرقمي حالة تطورية للأدب في صيغته التكنولوجية، واستجابة لأسئلة الإنسان في هذا الزمن.

ومن ثمة، فإن التعامل مع هذا الأدب هو تعامل مع تطور التعبير البشري.

إذن، كيف تعرفين: الكاتب أو المؤلف الرقمي، الناقد الرقمي، القارئ الرقمي؟

المؤلف الرقمي هو الذي يؤلف النص، مستثمرا وسائط التكنولوجيا الحديثة، ومشتغلا على تقنية النص المترابط، وموظفا مختلف أشكال الوسائط المتعددة. هو لا يعتمد فقط على الرغبة الإلهامية والمحفزة على الكتابة، ولكنه إلى جانب ذلك إنه  على دراية بثقافة المعلوميات، لكونه يستعمل في إنجاز نصه اللغة المعلوماتية، وإذا لم تكن له ثقافة بالأمر فإمكانه أن يستعين بتقني أو مبرمج. وهذا شئ جديد في نظرية الأدب التي لم تكن تنظر إلى منتج الأدب في إطار تكونه العلمي. طبيعة الأدب الرقمي تتطلب هذه الخبرات أو على الأقل إدراك وظيفيتها في حال الاستعانة بشخص آخر.المؤلف هو الذي يؤلف بين مجموعة من المواد( اللغة، الصوت، الصورة، الوثائق، لغة البرامج المعلوماتية..) لينتج حالة نصية متخيلة غير خطية لا يتحقق جنسها أو نوعها إلا مع القارئ الرقمي الذي من المفروض أن يكون هو أيضا له علاقة بثقافة التكنولوجيا وإلا فإنه لن يتمكن من قراءة النص الرقمي قراءة رقمية. القارئ الرقمي يتغير وضعه  في الأدب الرقمي مثل المؤلف. تصبح له حرية كبيرة ذات علاقة بمستوى تفاعله مع النص الرقمي، وبطبيعة اختياره للروابط. فالقارئ الرقمي ينتج النص الرقمي من جديد حين يختار له بداية مع رابط دون آخر، وحين ينهي قراءته للنص مع رابط دون آخر. بداية القراءة مع رابط تحدد نوعية القراءة ومن ثمة تعيّن نوعية النص.القارئ الرقمي أصبح له دورا مهما لأن قراءته لا تعني تلقي النص الذي أمامه، وإنما إعادة كتابته من خلال طبيعة تشغيله للروابط. فبداية قارئ قد تختلف مع بداية قارئ آخر مما يعني أننا لم نعد أمام نفس النص. النص الرقمي إذن مع هذا التحول في مفهومي المؤلف والقارئ يتغير منطقه ونظامه، وهذا ينعكس على شكل التلقي وعلى نظرية القراءة. القارئ الرقمي هو شريك في إنتاج النص.

في كتابك (الأدب الرقمي) تناولت بالتحليل الرواية الرقمية كنموذج. هل الرواية هي الجنس الأدبي الوحيد القابل لأن يكون نصا رقمياً؟ وهل يمكن تحويل أي نص أدبي إلى نص رقمي؟

اختياري لرواية سناجلة ” شات” لم يكن وراءه اختيار الجنس الأدبي (الرواية)، ولكن منطلقي كان الاشتغال على أكثر النصوص الرقمية العربية نضجا، والتي تسمح مساحتها البنائية والفنية بالتفكير في معنى النص الأدبي الرقمي. ” شات” تعد رواية رقمية عربية، تتوفر على مكونات مهمة تسمح لها بالانتماء داخل الأدب الرقمي. وبالفعل فقراءتي لها جعلتني أقف عند تحولات النص الروائي في بعده الرقمي. أما النص الثاني الذي اشتغلت عليه نقديا ” صقيع ” لسناجلة أيضا فلم أعتبره رواية لاعتبارات تخص منطقه  وشكل بنائه، ولهذا فقد جنّسته ب” محكي- ذاتي مترابط/ hyper- auto-récit    لأنه نص يأتي بمتغيرات بنائية وسردية وتقني- رقمية مست على الخصوص البعد التجنيسي لنص “صقيع”، أو ما يصطلح عليه ” جون ماري شيفر” بالهوية النصية.دور النقد هو الإصغاء إلى التحولات التي يعرفها منطق النص وهو يتشكّل لغويا، وهنا في وضعية النص الرقمي، وهو يتشكل رقميا.

إذن، ليس الجنس الأدبي هو محور الاشتغال على التجربة الأدبية الرقمية، وإنما في الدرجة الأولى النص الأدبي وهو يخرج عن منطقه المألوف إلى وضعية جديدة، ثم بعد ذلك نشتغل على التجنيس إذا طرحه  النص. كنت أتمنى – وأنا أشتغل على هذا الموضوع في كتابي- أن يكون أمامي مجموعة من النصوص الرقمية السردية المحقّقة عربيا، حتى أستطيع أن أكتشف التجربة العربية في أبعادها وتمظهراتها المتعددة.

عندما نقول إن النص الرقمي لا يتحقق إلا باعتماد أرضيته الرقمية والمعلوماتية، إلى جانب اللغة المعجمية المألوفة إضافة إلى استثمار الوسائط المتعددة الحديثة ، ونؤكد على وضعية النص الرقمي في كونه لا يمكن قراءته إلا بواسطة إمكانيات إنتاجه، أي يقرأ على شاشة الحاسوب  مع تنشيط الروابط وامتلاك قدرة قراءة الوسائط ، لهذا، فإمكانية تحويل نص أدبي ورقي مثلا إلى نص رقمي غير ممكنة، لأننا لا نكتب النص الإبداعي إلا مرة واحدة، إن حدث ذلك فمعنى هذا أننا غادرنا النص الأول في وضعيته الورقية وأنتجنا نصا آخر رقميا مختلفا كل الاختلاف. النص الإبداعي تجربة مخاض لغوي وحالة ذاتية، وهذه الوضعية هي التي تحدد عناصر بناء النص، وشكل البناء هو الذي يشخّص الوعي الإبداعي للنص.  الروايات المكتوبة التي تم تحويلها إلى السينما  لم تبق  هي نفسها، رواية الكاتب الفرنسي فلوبير” مدام بوفاري” التي تحولت إلى السينما وفي عدة تجارب، مع ذلك بقيت الرواية المكتوبة هي الأكثر تبليغا لأثر اللحظة الإبداعية- حسب رؤيتي ومقارنتي بين قراءتي للرواية ومشاهدتي للفيلم- ، وهناك نصوصا أخرى عندما تم تحويلها سينمائيا جاءت أكثر بلاغة من النص المكتوب، هذا مؤشر على كون اللحظة الإبداعية لا يمكن أن تتحقق بنفس الشكل والرؤية في شكلين مختلفين، لأن اللحظة الإبداعية تتم برؤية، وعندما يختلف الوسيط تأخذ الرؤية شكلا مغايرا.

على أي أساس يمكننا نقد النص الرقمي؟ إبداعياً أم تقنياً؟

النقد يتطور مع تطور شكل النص الإبداعي. تاريخ النقد هو تاريخ الإصغاء إلى تحولات النص الأدبي.

وشرعية النقد في قدرته على امتلاك قدرة تدبير القراءة من منطلق إمكانيات النص التي تتجدد بتجدد مفهوم النص الأدبي. ولهذا، فالنص الأدبي الرقمي شأنه شأن النص الأدبي في مختلف مراحله هو بناء ولغة رمزية وعناصر بنائية ومعرفة وفن وجمال وكلها عناصر يصهرها المنطق التخييلي لتشخّص رؤية ما، النقد لا يتعامل مع جانب دون آخر، لأن النص الأدبي هو وحدة منسجمة بمنطقها التخييلي. النقد الرقمي يشتغل على مختلف مكونات النص الرقمي من لغات متعددة ومختلفة( لغة معجمية، لغة البرامج المعلوماتية، الوسائط السمعية البصرية…)، والمدخل إلى إبداعية النص تبدأ من الإشتغال على عناصره التكوينية أي التي تكوّنه.

أليس من الضروري أن يكون مثلث النص (الكاتب- القارئ- الناقد) على ذات المستوى من الثقافة الرقمية واستخدام هذه التقنية؟

قراءة النص بشكل عام تتطلب وعيا بنوعية اللغة التي يكتب بها النص، وبماهية النص في إطار نظرية الأدب. فقارئ النص المكتوب ورقيا مثلا، لا يمكن أن يقارب نصا ويحلله، إذا لم تكن له دراية بمفهوم اللغة الإبداعية، وإذا لم تكن له خلفية ثقافية بالنظرية الأدبية ومناهجها وبمختلف الحيثيات التي تصنع تجربة النص الإبداعي، وإلا فإنه لن يكون إلا قارئا مستهلكا للمضمون أو الحكاية، و لن يستطيع أن يقترب من النص باعتباره خطابا أي يشتغل على طريقة صوغ النص إبداعيا.

فالقراءة تختلف من قراءة انطباعية تعتمد على حس الذوق والآراء العامة، وهذا مستوى بسيط في القراءة يلتقي فيه القراء العاديون، إلى قراءة نقدية معرفية تتم بواسطة قارئ ممتلك  لخلفية أدبية.        ولهذا فحتى مع النص الرقمي فالقارئ الناقد مطالب بامتلاك ثقافة التقنية ومعرفة التكنولوجيا لكي يحسن التواصل مع النص، القارئ العادي الآن قد يحصل له بعض النفور من النص الرقمي، لأنه لا يمتلك ثقافة تقنية ومعرفية بالموضوع، لكن الناقد المنخرط في الدرس الأدبي فهو مسؤول على مرافقة حالات تطور النص الأدبي في الواجهة الرقمية، وهذا يتطلب منه أن يبذل جهدا كبيرا لكي يعقد التواصل معه، لأنه هو المسؤول على توصيل هذه التجربة إلى القارئ العادي، وتفسيرها وشرحها بأدوات نقدية مفهومة وقابلة للأخذ بها. غير أن الأمر لا يعني أن الناقد مطالب بأن يكون مهندسا معلوماتيا لأن في  وضعية النص الورقي الناقد غير مجبر بأن تكون لغته لغة الإبداع، لأن لغة الناقد هي لغة واصفة تعتمد المناهج والأدوات وأساليب المقاربة المتعددة، بل حتى منتج النص الرقمي غير مطالب بأن يكون متخصصا في البرامج المعلوماتية،  لأن بإمكانه أن يعتمد- تقنيا- على مهندسين، وهذا ما جعل النص الرقمي تجربة   تتجاوز الكاتب / المفرد إلى الكاتب/ الجمع مما يجعل النص منفتحا على تعددية في القراءة.

ألا ترين أن تدخل التقنية الرقمية يسلب النص الكثير من غوايته؟ وأنه يوجه القارئ في اتجاه واحد؟

بالفعل، أحيانا عندما أقرأ بعض النصوص الرقمية الأجنبية  مثلا، ينتابني هذا الشعور، الشعور بانفلات النص من روحه، إذ تصبح التقنية هي المهيمنة ، فتضيع المتعة. ولهذا فالنص الرقمي لكي يحقق إبداعيته ويدخل في إطار نظرية الإبداع فلابد أن يحقق أدبيته. مسألة أدبية النص الرقمي مسألة ضرورية وهي التي تمنح الشرعية الأدبية للنص الرقمي، وإلا فهو نص رقمي تقني خارج زمن الأدب. لا يمكن أن نضحي بجوهر الأدب في سبيل التقنية.ولا ينبغي أن نفقد المتعة الفنية والجمالية في الأدب بسبب  التقنية، لأن الأدب يبقى في مختلف العصور مرتبطا أكثر بالوجدان، ويفعل في الإنسان من خلال أبعاده الإنسانية والجمالية والفنية.

ما هي حظوظ التجربة العربية في هذا المجال؟

كما قلت في جواب سابق، ما يزال الاقتراب من النص الرقمي في التجربة العربية باهتا، ما عدا تجربة الكاتب الأردني محمد سناجلة وبعض الكتاب العرب  فإن التجربة لم تحقق تراكما بعد، لكي تخلق المناخ الذي من خلاله يتطور ما يسمى بالنص الأدبي الرقمي.   المسألة ستتطلب وقتا ربما طويلا، مع الأسف يعبر هذا الوضع عن علاقتنا بالتكنولوجية وأيضا علاقتنا بمفهوم مسايرة التطور الذي يستوجب سرعة الانخراط حتى لا نبقى خارج الزمن. أظن أن اتحاد كتاب الانترنت العرب ساهم بشكل كبير في التحسيس بهذا الأدب وبالثقافة الرقمية بشكل عام، وحتى مبادرة الجائزة التي كان قد أطلقها حفزت الكثيرين على المغامرة في إنتاج النص الرقمي،   أتمنى أن تعود هذه المبادرة  من جديد، وأن يتم تفعيل هذه الثقافة الرقمية بتنظيم ورشات كتابة النص الرقمي من خلال عقد الشراكة مع مكونين عرب وأجانب أيضا ممن يمتلكون منهجية التكوين في هذا الموضوع، لأن مثل هذه الثقافة تحتاج إلى التحفيز والتكوين.

أعتبر أن كل منشغل بثقافة هذا الأدب الرقمي في المشهد العربي فإنه يساهم – على قدر المستطاع- في   خلق شروط موضوعية للانخراط في منظومة الزمن التكنولوجي.

_________________

* نشر بصحيفة القدس العربي

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans حوار العدد
commenter cet article
15 février 2010 1 15 /02 /février /2010 20:53


قاسم توفيق: اللغة هي واحد من أبواب الجذب للقارئ   
روائي يميل لجمال اللغة الممزوجة بالسرد والوصف
 
حاورته: عزيزة علي
 
 عمان -
http://t3.gstatic.com/images?q=tbn:Z-SjlezL1v__VM:http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/4/4e/Qasem_tawfeeq_(Small).jpg"تحتل عمان حيزا كبيرا في نصوص ونفس الروائي والقاص قاسم توفيق، التي ارتبط فيها، فهي مكانه الأول وهي التي احتوت عمري كله".
 توفيق الذي كتب العديد من القصص والروائيات، يرى أن المكان لا "يعني الواقع المحسوس، فحسب بل هو "بيئة وجودك والتي قد تكون متخيلة أو حتى تأتيك بالحلم"، كما يقول في حواره مع "الغد".
ويؤكد توفيق أن "الأدب والفن والإبداع هما فعل استمراري كيفما تشكل"، مبيِّنا أنه يميلُ إلى "اللغة الشعرية التي يمزجُ فيها جمال السرد بالوصف".
يذكر أن قاسم توفيق أصدر في مجال الرواية "ماري روز تعبر مدينة الشمس" في العام 1985، "أرض أكثر جمالاً" في العام 1987، "عمان ورد أخير" في العام 1992، "ورقة التوت" في العام 2000، "الشندغة" في العام 2006، "حكاية اسمها الحب" في العام 2010.
وفي مجال القصة القصيرة صدر له في العام 1977 مجموعة بعنوان "آن لنا أن نفرح"، "مقدمات لزمن الحرب" في العام 1980، "سلاماً يا عمان سلاماً أيتها النجمة" في العام 1982، "العاشق" في العام 1987، "ذو القرنين" في العام 2010.
*المكان الأول كيف تصف علاقتك به الآن، وماذا يعني لك؟
- المكان عندي هو الحال التي تحتوي كل عناصر الكون، هو الثابت وهو المتحول، فلا أتذكر أبدا المكان الأول لأنه أماكن وحالات وقد يكون خيالات أو حتى أحلاما، المكان الأول كان رحم أمي الذي سكنته تسعة شهور، وهو المهد ألذي انتقلت إليه بعد هذه الشهور حتى استطعت أن أنطلق وأمشي في البيت، وهو الحارة التي شاهدت فيها عالماً جديداً مختلفاً غير بيتنا.
المكان الأول إن جاز لنا أن لا نفقد نكهته، هو الحلم الواعي الأول الذي حلمت، الموسيقى التي هزتني أول مرة، والمرأة التي صارت حبيبتي بعد أمي.
أما المكان الذي يفترض أن يعالجه الناقد إن هو عالج كتاباتي، فهو بلا شك عمان، هذه المدينة التي لي كل ما فيها وكل ما مضى عليها وما سيجيء، لن أفقد روعة التصاقي بها على الرغم من كم المدن الهائل الذي زرت والذي عرفت حتى الآن، هذا المكان الذي أحسب بفخر أني أول من كتب عنه منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي.
* وأين أثر عمان بتفاصيلها اليومية في كتابتك؟
- بصراحة عمان هي وجعي اللامتناهي، وهي أفراحي القليلة، الحكاية ابتدأت معها منذ الطفولة عندما كان من السهل على أولاد لم يتجاوزوا العاشرة أن يتجمعوا، ويخططوا، ويذهبوا للسينما، ويمثلوا الأفلام التي يشاهدونها، ويحفظوا طعام بيت مؤذن الجامع هو ذات طعام بيت الوزير، الأمنيات نفسها، الأغنيات نفسها، هل تصدقي أنه لم يكن هناك ما يسمى تكفير، هل صدف وسمعت عبارة "كل من على دينه الله يعينه"، لماذا كانت تقال؟ لأن لا أحد في ذلك الزمان كان ينصب نفسه قيماً على الأديان.
الأولاد الذين عاشوا طفولتهم بهذا اليسر وهذا الأمان في كل أنواعه كيف يمكن أن تكون علاقتهم مع عمان؟ أنا واحد منهم، والفرق أني أرد بعض ما أعطتني تلك السنون وهذه المدينة من قيم بالكلمات.
أعشق عمان وأحفظ تفاصيلها، وأحرص على تخليدها، فهي أمي ومدينتي فإنها تكون حاضرة فيً وفيما أكتب، هذه هي حكايتي معها.
* يلعب المكان دورا محوريا في بناء النص الروائي لديك. برأيك هل تثقل الأمكنة وتفاصيلها الكثيرة كاهل روايتك وتبطئ - من حيث لا تعلم- صعودها إلى الأعلى..؛ أم لك قول آخر؟
- القارئ يعشق المكان، ولا يحب اللامكان، هو يريد أن يكون جزءا من العمل، حتى عندما يشاهد فيلما أميركيا عن حرب النجوم، صيغة المكان ضرورة، المكان لا يعني الواقع المحسوس، فحسب هو بيئة وجودك والتي قد تكون متخيلة أو حتى تأتيك بالحلم.
أعشق دائماً أنْ يحددني الكاتب بالمكان، حتى لو كان هذا المكان هو كوكب الأرض.
* تكتب القصة القصيرة والرواية، أيهما أقرب إلى نفسك؟
ـ كل منهما جميل، أو فلنقل كل ما هو قادر على إسقاط همّ الكلمات المتربع فوق ظهري بالنسبة لي هو الأقرب لنفسي، تذكري حكاية الجني الضخم الذي تلبّس رجلاً صغيراً، ضئيل الحجم، وظل يسوسه، ويحركه بلكزه من رجله إن هو أبطأ، أي فرح ممكن أجمل من أن يلقي هذا الصغير هذا الجني عن ظهره؟
الأفكار والكلمات تتربع على ظهري كأنها هذا الجني، حتى إنها تضغط عليّ إمعانا بالقهر حتى تأتي اللحظة وأرميها بعيداً عني إلى الورق.
قمت بتجربة أن اقتطع أجزاء من رواياتي وجعلت منها قصصاً قصيرة ووجدت أنها قد قُبلت على أنها قصص، وأنا صرت مقتنعاً أنها كذلك، وكثير من الأفكار ابتدأت معي فكرة لقصة قصيرة ثم نمت وحدها حتى صارت رواية، هذا ينطبق على روايتي الأخيرة "حكاية اسمها الحب".
لا تقودنا موضة المواسم في الأدب، الأدب والفن والإبداع إجمالا في كافة صوره لا يكون لوقت أو لحالة، هو استمرارية الفعل الإبداعي كيفما تشكل. أحب القصة وخاصة الموغلة في القصر، وأحب الرواية كثيراً.
* توصف كتاباتك بالكتابة الشعرية، برأيك ماذا تضيف هذه اللغة للكتابة الإبداعية؟
ـ اللغة إجمالا يحكمها النص، واللغة هي واحد من أبواب الجذب للقارئ، لا أدري إن كان هذا الوصف من باب الاتهام، لأني لن أقبله، العمل يحاكم بجميع عناصره مجتمعة بفهم جدلي، اللغة الشعرية في قصائد أدونيس ليست سهلة وناعمة وغنائية، وفي قصائد نزار قباني هي كل ذلك، اعتماداً على توليفة السؤال، أفهمها بهذه الصورة. فهل في لغتي "الشعرية" وزن وتفعيلة وتقفية، لغتي دائماً هي لغة النص.
أنا أميل لجمال اللغة والذي بالضرورة ممتزج بجمال السرد والوصف.
 في آخر الأمر القول إن لغتي شعرية مسألة مفرحة، أرى فيها نوعاً من المديح لأن العمل عندي بمجمله يفترض أن يكون جمالياً حتى في وصفه للقبح.

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans حوار العدد
commenter cet article
10 décembre 2009 4 10 /12 /décembre /2009 12:49

كانت مجلة (Autrement) الفرنسية (العدد 102) سنة 1988 قد أجرت حوارا عميقا، مضمونا وأفقا، مع الفيلسوف الألماني ي. هابرماس. وكنت قد ترجمته ونشرته بجريدة العلم المغربية يوم الإثنين 7 يونيو 1993، وعند مراجعتي له، قبل أيام، وجدته ما زال واردا. ويسعدني أن أعيد نشره على نطاق واسع في هذه المدونة. وقد صححت بعض أخطاء الرقن التي وردت فيه حين نشر أول مرة. وعنوان الحوار من اقتراحي.

سؤال: إن مشروعكم الرامي إلى استعادة روح الحداثة، وإعادة بناء نظرية موحدة عن العقل، قادكم إلى انتقاد أولئك الذين سموا بما بعد الحداثيين، أي أولئك الذين يظنون أنه من غير الممكن بتاتا أن يكون المرء حديثا اليوم (وأعني هنا ليوطار وديريدا وفوكو... أو ما يمكن أن يسمى عموما بالفلسفة الفرنسية). هل يمكنكم أن تحددوا بالضبط ما يفصلكم عن هؤلاء المفكرين؟

هابرماس: لا أحب أن أحشر أناسا مختلفين في علبة واحدة، كما بعد الحداثة، التي تبقى في نهاية المطاف علبة سوداء. ما قمت به في كتابي خطاب الحداثة الفلسفي ينحصر في رواية قصة تشرح الموقف الذي وقفه الفلاسفة (الفلاسفة الألمان خاصة) منذ نهاية القرن 18 مما أدركوه هم أنفسهم بوصفه حداثة. فهذه الحركة انطلقت بكيفية من الكيفيات مع كانط. وغدت أمرا ملحا بوجه خاص مع هيجل والهيجليين الشباب، بمن فيهم ماركس. وجاء نيتشه لينخرط بدوره في أحداث هذه القصة عن طريق نقده الجذري للعقلانية. ثم تبلور، منذ نيتشه، اتجاهان نقديان في القرن 20: أحدهما تمثل في نظرية السلطة، انتهت إلى فوكو عن طريق باطاي، والثاني تمثل في نقد الميتافيزيقا، قاده كل من هايدجر وديريدا.

وقد كان قصدي من رواية هذه القصة تذكير أولئك الذين التزموا في هذه الأيام بنقد شمولي للعقل بجذور هذا الخطاب حول الحداثة. وبالفعل، فمنذ أن ظهر التمييز بين العقل (vernunft) والفهم (verstand)، وجدنا نقدا يتجه إلى التصور الذاتي المحض للعقل، ونقدا يتجه إلى العقل الأداتي والعقل التوضيعي على حد سواء. وهذا يعني أنه كان هناك نضج مبكر في نقد الأوجه القمعية للعقل عندما يكون هذا الأخير مشدودا إلى بعد واحد، سواء أتعلق الأمر بالبعد التوضيعي أم بالبعد القاضي بالسيطرة الأداتية على الطبيعة أو على ذواتنا. فهذا النقد الذاتي للعقل أو هذا النقد المتجه إلى الذاتية، والذي فُهم منذ نيتشه بوصفه شيئا جديدا كل الجدة، كان حاضرا منذ البداية عند كانط. وحاول هيجل أن ينتقد ما أسماه بفكر الفهم (verstandesdenken)، وكان يقصد به نمطا من الاستدلال الخطابي لا يعي حدوده الخاصة. فهيجل كان يلوم فلسفة الفهم كما خصصها ديكارت وكانط (وهذا الأخير هو ممثل هذا التيار الحقيقي) وفيخته، على كونها فلسفة أو فكرا يضفي الإطلاق (العقل) على شيء ضارب في النسبية (الفهم). وقد ظلت النظرية النقدية مع هوركايمر وأدورنو وبينيامين أسيرة هذا المحور الهيجيلي، على الرغم من أن هؤلاء المفكرين انتقدوا غير ما مرة النزعة الإطلاقية عند هيجل. ففكرتهم عن العقل الأداتي ظلت تُفهم بوصفها اغتصابا للمكانة التي كان يحتلها عقل جامع بواسطة أحد عناصره المقدم بوصفه شيئا مطلقا. بل إن استعمالهم فكرةَ العقل الأداتي كان بدوره استعمالا تهكميا؛ لأنهم كانوا يعتقدون (خصوصا أدورنو) أن العقل الأداتي ليس عقلا بالمرة بل هو فهم يخادع نفسه عندما يتوهم أنه عقل.

زد على هذا أن أدورنو في كتابه الجدل السلبي، كان متأثرا بنيتشه أشد ما يكون التأثر. فقد كان في هذه المرحلة من فكره فاقدا كل ثقة في مفهوم إثباتي عن العقل. وكونه استطاع أن يذهب إلى أن العقل شيء قد ضاع، وأنه في مقابل ذلك كان أيضا يعي تمام الوعي عدم قدرته على مواصلة نقده للعقل الأداتي (واستلزاماته في سياق مجتمع سادته البيروقراطية وأطبقت عليه)، يقتضي أنه ظل يذكر على الأقل ما كان يرمي إليه هيجل بواسطة مفهوم "العقل". فقد كان يعرف تمام المعرفة أننا لا نستطيع امتلاك جدل إيجابي يخول لنا الحديث عن كل شيء. فما نقدر عليه هو أن نتحدث بكيفية غير مباشرة (كما اعتقد كيركجارد الذي يستوحيه أدورنو أحيانا)، أو على نحو سلبي (كما يتحدث اللاهوت السلبي عن الإله) لكي نتمسك بما كان يفهم، في وقت من الأوقات، من هذا المفهوم الملتبس للعقل.

إن فوكو وديريدا واصلا معا مشروع نيتشه على نحو أكثر جذرية مما فعل أدورنو. فقد بلغ بهما الأمر مبلغا أنكرا فيه، ولو أن ذلك كان بطريقة غير مباشرة، إمكان تحديد فضاء للعقل يمكن فيه انتقاد العقل الأداتي أو السلطة أو الذاتية. أدورنو كان يحافظ على هذا الإمكان في فكرته عن الجدل السلبي. ولهذا السبب ففوكو وديريدا مورطان، بمعنى من المعاني، فيما سأسميه بـ"التناقض الإنجازي"، لأنهما بنيا مشروعهما ( المتصل بتحليل بنى السلطة بالنسبة إلى فوكو، وذاك المتعلق بنقد الميتافيزيقا الذي واصله ديريدا بعد هايدجر) على أساس موقف نقدي مبهم؛ لكونه يرمي إلى الشمولية السلبية للحقبة الراهنة وللحداثة ولذاتية الأفراد ولنظام السلطة وإمبرياليته. لكن موقفا كهذا لا يمكنه أن يسوغ مقاييسه أو معاييره الخاصة. فالعقل بالنسبة إليهما محصور بصفة قطعية في بعد يتعارض تماما مع فكرهما. إنهما بكل بساطة يبدعان اصطلاحات جديدة لصيغتهما الخاصة في الاستدلال (وهذا يصدق أكثر على ديريدا أو على هايدجر كذلك). فهايدجر يستبدل بالاصطلاح (Denken) اصطلاح (Andenken)، لكن الأمر لا يعدو أن يكون لفظا جديدا. فهذا الإبداع للاصطلاحات الجديدة يؤدي، حسب رأيي، وظيفة تكمن في إخفاء الدوران الذي ينقلب به نقدهما الخاص ضدا حتى على مشروعية المسلمات التي يستند إليها.

وهكذا ترون أنني أروي فقط قصة تبين، في حال الإنصات إليها كلها، أن نقد ميتافيزيقا الذاتية مظهر قديم جدا، حرك أول نقاش حول الحداثة وظل، منذ نيتشه، مسكونا بهذا التناقض الإنجازي ومهددا به.

سؤال: مهما يكن اعتقاد أولئك الذين يكتبون عن الحداثة، نجدهم يذهبون إلى أننا الآن مفصولون جذريا عن الأقدمين. وهناك آخرون مثل ليو شتروس (Leo Strauss) حاولوا أن يفكروا في كيفية الاهتداء بالقدامى ضدا على الحداثة. ما رأيكم في إمكان الرجوع إلى أرسطو مثلا، أو إلى الميتافيزيقا القديمة، للبحث عن أدوات للتفكير؟ وإذا كانت الهوة الفاصلة بين الحداثة والقدماء سحيقة لا تقبل الردم، فكيف يمكن تجنب تهمة التاريخانية؟

جواب: إن أناسا مثل ليو شتروس بحثوا في أفق إحياء لحظة الفكر الميتافيزيقي. والعمل الذي قدمه ليو شتروس لا يعبر إلا عن مهارة مؤول كبير ساهم، بكيفية غير حجاجية، في بعث نصوص قديمة لأرسطو وأفلاطون. وأحسب أن المشاكل التي وضعها الأقدمون تعد بمعنى من المعاني مشاكل خالدة. غير أنه لا يبدو لي أن بإمكاننا، بعد هيجل، التفكير استنادا إلى مسلمات أفلاطون أو أرسطو أو أتباعهما.

فالميتافيزيقا تقوم على مفاهيم رئيسة كالكون (cosmos) والمادة (physis) والغاية (telos) والكمال (entelecheia)...الخ. وقد قُوضَت هذه المفاهيم منذ ديكارت وليبنيتس وهيوم؛ أي منذ أن أصبحنا ملزمين بالتمييز بين المفاهيم الوصفية والمعيارية والتقويمية. فالمفاهيم الأساس التي تنهض عليها الميتافيزيقا لا تسمح بإقامة هذه الفروق التي نحن ملزمون بإقامتها اليوم. لا يمكننا باختصار أن نعيد استثمار صيغة ميتافيزيقية في التفسير تحيل على غائية موضوعية أو على شمولية أو على مطلق...الخ. كما أنني من جانب آخر لا أومن بالاستمراريات التي يقترحها هايدجر في دروسه عن التراث الميتافيزيقي، كما لو أن المرحلة الفاصلة بين أفلاطون ونيتشه لم تشهد إلا الطريقة التشييئية نفسها التي تضع الموجود محل الوجود.

وأنا لا أعود البتة إلى تفكير أصلي، كما لا أدعو إلى استمرارية قسرية بين الفكر الميتافيزيقي الخالص والفكر الحديث. فهذا الأخير يمكن أن يوصف بأنه نمط من فلسفة الذاتية؛ ولا أظن أن هناك ضرورة تدعونا إلى الالتفات إلى التاريخانية. فنحن كلنا، والفلاسفة الفرنسيون كذلك (باشلار أو باطاي أو فوكو أو ديريدا) أو أدورنو أو أنا بدوري، نفكر كلنا استنادا إلى مسلمات بعد هيجيلية؛ أي استنادا إلى مسلمات بعد ميتافيزيقية. بيد أن هذا لا يعني أننا مسجونون في سياق تاريخي عارض أو طارئ أو محلي أو إقليمي. لماذا يجب أن نكون كذلك؟ لأنه لم يعد لدينا أي أساس ميتافيزيقي بعد أن تهاوت تلك المفاهيم الميتافيزيقية وانهارت. لم يعد لدينا أي منهج فلسفي مفضل، كما كان الحال عليه سابقا حين كان الجدل أو الحدس الفينومينولوجي منهجا متبعا. غير أننا اليوم محظوظون لامتلاكنا القدرة على الوقوف موقفا تبصريا ازاء كل أشكال الاستدلال الخطابي. فلا يمكننا باختصار أن نغض الطرف ونتخلى عن هذا الاستدلال الخطابي. ونحن، من حيث إننا فلاسفة، نعد كذلك أعضاء في المجموعة العلمية تماما كغيرنا من العلماء؛ ويتعين علينا أن نحافظ على وجودنا إزاء المباحث الأخرى حتى لا تبتلعنا، من دون أن يكون لدينا الحظ أو الحق في ادعاء أي امتياز في بلوغ الحقيقة وحدنا، بغض النظر عن الطريقة التي قد نفهم بها هذه الحقيقة. فالعلماء يحتاجون إلى نوع من الموضوعية، كما يحتاجون أيضا إلى نوع من تناسي المسلمات، وإلا فإنهم لن يحققوا أي تقدم يذكر. فلماذا لا يتعين علينا نحن الفلاسفة أن نواصل البحث الحديث في الصور والشروط الأكثر عمومية للكلام والفعل والتفكير؟ ألسنا من يملك ميزة الدفع بالتأمل أبعد مما يحتاجه العلماء عادة؟

سؤال: كيف تفهمون إذن علاقتنا بالفلسفة الكلاسيكية؟ فبإمكاننا أن لا نعيد استثمار مقولات أرسطو عندما يتعلق الأمر بتفسير ميتافيزيقي للعالم. لكن هل يصح هذا عندما يكون الأمر متصلا بالتفكير السياسي والأخلاقي ومشاكل الفعل..؟

جواب: إذا قرأتم حنا آرنت وليو شتروس وسلكتم الطريق التي تقود إلى الأخلاق النيقوماخية مثلا، أي إلى مفاهيم السياسة والممارسة (praxis) والتيخني (techne)...الخ فإنكم ستفعلون ذلك، إذا كنتم نزيهين، انطلاقا من مسلمات مختلفة عن المسلمات الخاصة بأرسطو. فهو كان يعرف ما هي بنية المدينة (polis) وما هي الأخلاق (ethos)، وكان لا يشك لحظة في قدرته على أن يفسر لأي كان وبالنسبة إلى أي زمان ما هي القوة الوحيدة للحياة الاجتماعية أو السياسية التي يمكن فيها لكل فرد يريد أن يصبح كائنا بشريا أن يحقق ذلك. أما أنتم فليس بإمكانكم أن تفعلوا ذلك. وإذا حصل أن توقفتم عن ادعاء المعرفة بالصورة الوحيدة للمدينة أو الأخلاق، تعين عليكم ابتكار تمثيل مختلف عن المفاهيم الأرسطية. ففي كتاب دروس في فلسفة كانط السياسية، تقترح علينا حنا آرنت الفرونيسيس (الروية) صيغة استدلالية في المسائل العملية. وتحدد هذه الصيغة بأنها الاعتناق الدوري لمنظور كل واحد من أولئك الذين يمكنهم أن يتأثروا بالاقترانات العملية لفعل من الأفعال. وهذا ـ لعمري ـ ليس إلا طريقة مختلفة لتفسير التأويل الحديث للمسألة الأخلاقية، ولا يتعلق الأمر بأرسطو أبدا. فاللجوء إلى أرسطو أو أفلاطون لا يعني البتة أننا نتملكهما تملكا كليا كما كانا، بل نتملكهما بالمعنى الجاداميري (نسبة إلى جادامير)، انطلاقا من وضعنا الهيرمينوطيقي ونحن نعلم علم اليقين أن مقدماتنا تختلف كثيرا عن مقدماتهما.

سؤال: لكن هل يصح في نظركم تملك أرسطو، حتى بالمعنى الذي حددتموه؟

جواب: لقد أحلت في كتابي الأول عن الفضاء العمومي على حنا آرنت التي كانت تعنيني كثيرا آنذاك. فاهتمامي الأول في مطلع الستينات كان منصبا على معرفة الكيفية التي يمكن أن نخلص بها المنظور الأرسطي حول الطبيعة العملية من سياق تشاخصي واجتماعي، ونجعله يقف في مستوى واحد مع الخطاب السياسي الحديث. وأعني هنا خطاب ماكيافللي وهوبز وروسو. فكيف يمكن عقد الصلح، ليس فقط بين الطريقة العلمية الحديثة، بل بين الواقع الاجتماعي المعاصر (الذي يندرج بالنسبة إلى الحداثة في السوق تماما كاندراجه في النسق القانوني التعاقدي الحديث) وبين الرؤى الكلاسيكية حول الطبيعة العملية التي تتميز بها شؤون البشر؟

فأنا لا أتغاضى عن التأويل، لكنني أظن أننا لن نسمح لأنفسنا بأن نكون سُذَّجا فنقفز على شرطنا الحديث لنجد أنفسنا في مستوى واحد مع القدماء. يجب إذن أن نتحلى بالنزاهة ونعلن أننا لا يمكننا التظاهر بتبني مسلمات لا نستطيع الاعتقاد فيها ولا العيش بها.

لقد كانت حنا آرنت واقعة بين أمرين: فمن جهة كانت تتوق إلى العودة إلى النظرية السياسية التقليدية، لكنها كانت، من جهة أخرى، واعية المشاكل الحديثة. وفي رأيي كانت حنا في كتابها عن الثورتين (الفرنسية والأمريكية) منقادة شيئا ما بتعاطفها الأحادي مع سياسة القدماء، ومعارضتها للمجتمع الحديث. وقد تبنت هنا في هذا الكتاب اختيارا لم يكن، حقيقة، في متناولها. فنحن لا نستطيع الخروج من المجتمع الحديث سواء أكنا نحبه أم لا. لا يمكننا غض الطرف عن رؤى الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، منذ آدم سميث، التي تدور حول الفكرة القاضية بأن المجتمعات الحديثة ترتبط في مجموعها (على نحو جزئي وأساسي، وإن لم يكن ذلك بكيفية حصرية) بعلاقات يمكن نعتها بأنها نسقية: علاقات السوق والإدارة والأوضاع التي ينظمها القانون. فلا يمكن، والحالة هذه، أن نعثر في البنية الحديثة على صورة مؤمثلة للمدينة (polis). ولكن، للأسف، هذا ما فعلته جزئيا حنا آرنت حينما قارنت الثورة الأمريكية بالثورة الفرنسية. فالثورة الأمريكية جرت قبل كل شيء في بلد المزارعين الصغار الرأسماليين والتجار الصغار. وبلد كهذا لا يمكن رده بسهولة إلى نموذج المدينة القديم. وأعتقد أن حنا لم تقدر هذه النقطة حق قدرها. فقد كان هيجل أشد وضوحا منها؛ ففكرته عن المجتمع المدني أكثر حداثة من الفهم الذي تقدمه هي.

فامتلاك نظرية جيدة يعني كذلك امتلاك نظرية "مطلعة" من جهة الوصف؛ إذ لا فائدة ترجى من صوغ نظرية معيارية ومواجهتها بواقع مختلف كليا. فعلينا أن نربط التوجهات المعيارية بما ينجم عن هذا الواقع نفسه دون أن نفترض نهائيا أن هناك مادة وحيدة للتاريخ. ويمكننا أن نحلل النزعات المتناقضة في الوضع الراهن وفي المجتمعات المعاصرة بحيث نشجع بكيفية عملية المجتمعات التي نعتقد أن بإمكانها ومن حقها أن تُشَجَّع دون تعسف. ويمكن في الواقع أن نسوغ ذلك بالوقوف في وجه الهيمنة المتوسعة للبيروقراطية، والتوحيد الكبير للحياة وتكثيفها، والأوامر النسقية للاقتصاد الرأسمالي. وإذا شئت استعمال اصطلاحاتي الخاصة قلت: يجب أن نشجع بقوة عوالم الحياة المهيكلة بكيفية تواصلية.

سؤال: لقد سعيتم في نظريتكم عن الفعل التواصلي بين الموقف المعياري والموقف الوصفي، إلى الاتكاء على البنية الأنثروبولوجية (حين أحلتم على بياجيه ودوركايم). فكيف يمكن للباحث أن يولد نظرية معيارية انطلاقا من وصف؟

جواب: ألسنا هنا أمام المغالطة التطبيعية؟ إن هذه الصعوبة تمثل بالضبط السبب الذي يدفعني إلى البحث عن متابعة التحليل المتعالي ولو على نحو يختلف قليلا عما هو متعارف عليه؛ أي أن الأمر لا يتعلق بتحليل شروط إمكان المعرفة بالمعنى الكانطي أو الهوسيرلي، بل بتحليل للشروط الضرورية للفهم. فإذا نظرنا عن كثب إلى الشروط التي تكون ضرورية لكي نتفاهم عن شيء في العالم، فإننا نكتشف شيئا مثيرا للغاية، أي نكتشف افتراضات تداولية ذات محتوى معياري لا يمكن تلافيها أو التغاضي عنها.

فبمجرد ما نقبل الانخراط في الكلام، وقبل الدخول في أي صورة من صور الحجاج، يتعين علينا أن نفترض بكيفية متبادلة أننا مسؤولون. وهذا يصدق أيضا على الخطاب اليومي. وحتى لا نستطرد في ذكر أمثلة، يمكن أن نكتفي بواحد فقط. فإذا أنت قلت شيئا غامضا أو قمت بفعل يميل شيئا ما إلى الغرابة، فإن من حقي أن أسألك: "ماذا فعلت؟"، أو "ماذا قلت؟"، وأنا أفترض أن بمقدورك منحي تفسيرا صادقا يبين ما إذا كنت على صواب أو على خطأ. فهذا الافتراض القاضي بأنك لست غشاشا ولا ممسوسا بالذُهان ولا سكرانا لا يمكنك أن لا تأخذه في الحسبان. فتكون هنا متأكدا من أنني لن أعاملك بوصفك موضوعا أو شيئا يمكن التلاعب به، أو أنني عالم نفس يريد أن يلاحظ، بل سأعاملك بوصفك مسؤولا. يمكنني بالتأكيد أن أغير رأيي وأقف موقفا آخر أكثر حذرا واستراتيجية على نحو خفي أو ظاهر. لكن الموقف الأول يكون أساسيا أكثر من غيره، ويتطابق مع استعمال خاص باللغة. لماذا يتعلق الأمر هنا باستعمال خاص باللغة؟ لأن وسيلة اللغة وغاية (telos) الفهم تترابطان من الداخل لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى كما نفصل عادة بين الوسائل والغايات. فلا يمكنكم أن تفسروا ما اللغة من دون اللجوء إلى فكرة الفهم. وقد أوضح فيتجنشتاين هذه الحجة. ويتعلق الأمر هنا بضرورة متعالية ضعيفة، أي أنكم لا تستطيعون رفض الصدور عن بعض الافتراضات.

فالفعل التواصلي يقوم على الربط بين خطط مختلف الفاعلين باستعمال القوة المحفزة عقلانيا التي تستلزمها أفعال اللغة الإنجازية. زد على ذلك أن الفعل التواصلي لا يقبل أن يعوض بممارسات من جنس آخر مهما يكن السياق. فإذا كنا نربي على سبيل المثال أبناءنا أو ندرس طلابنا، أو كنا نسعى إلى إنعاش الروابط الاجتماعية بكيفية مشتركة، فإننا لا نستطيع رفض الانخراط في هذه الممارسة التواصلية. وهذا يعني أن إجراء الإدماج الاجتماعي وتحقيق الاتصال الثقافي والتكييف الاجتماعي أمور لا تتم إلا استنادا إلى الفعل التواصلي.

سؤال: هل توافقون على أن الديمقراطيات المعاصرة في حاجة إلى حد أدنى من الاختلاف (وليس إلى الإجماع فقط)، وأن سمة الديمقراطية قائمة في إقرار الاختلاف أكثر مما هي قائمة في نجاح الإجماع؟

جواب: بالطبع، فإذا كان هناك من امتياز أنثروبولوجي فإنه قائم في القدرة على قول: لا. وقد بين كل من هيردير وهيجل وفرويد، وأكتفي هنا بنماذج من ألمانيا، أن الحصول على إجماع معين لا يتم إلا استنادا إلى هذه القدرة على قول: لا. فالإجماع ليس شيئا إثباتيا، بل إنه نفي مزدوج. فقط ينبغي لنا أن نفترض أن العوالم المعيشة التي نتحرك فيها تتراكب، جزئيا على الأقل، بكيفية يكون فيها بمستطاعنا الانطلاق من افتراضات ضمنية متقاسمة على نحو تذاوتي. فالفعل التواصلي لا يمكنه أن يتحرك حرا طليقا في الفراغ. إنه يحتاج إلى عالم معيش يكون خلفية له (وهذا ما بينتُه في المجلد الثاني من كتابي نظرية الفعل التواصلي). فإذا كان هذا الضمني غائبا بصفة كلية، فإننا لن نلاقي إلا أفعالا استراتيجية. لكننا في المجتمعات الحديثة، وهذا أمر محمود في نظري، لدينا حشد من العوالم المعيشة المختلفة، وكل كينونة فردية تعد فريدة في مشروعها. والفردانية والكونية وجهان لعملة واحدة. وهذا أمر يعرفه كل واحد منذ هيجل. فلا يمكن أن تكون لديكم فردانية دون كونية معيارية. الشرط الوحيد هو أن لا نخلط الكونية المعيارية بمسلسل التسوية على النحو الذي يفهمه فوكو. فيجب أن لا نضع الكونية الأخلاقية في السلة نفسها مع الإمبريالية؛ ذلكم لأن الإمبريالية أو المركزية الإثنية تؤشر على الرفض أو العجز عن اتخاذ منظور أخلاقي. فليس هناك أبدا إفراط في الكونية، ولكن ليس هناك ما يكفي منها.

----

* مدونة mustafa haddad

 

 

 

  حوار مع المفكر الألماني ي. هابرماس

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans حوار العدد
commenter cet article
20 septembre 2009 7 20 /09 /septembre /2009 14:11

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans حوار العدد
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية