Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
14 décembre 2012 5 14 /12 /décembre /2012 00:52

العدد 12 الصفحة الاولى

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans شخصية العدد
commenter cet article
19 juillet 2011 2 19 /07 /juillet /2011 13:08

 

أندريه رابلوف 1969:الفن والجمال،والفكرة والمضمون،وكل شيء عن الإنسان


بلال سمير الصدّر
الحوار المتمدن - العدد: 3429 - 2011 / 7 / 17
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 

قام أندريه تاركوفسكي شاعر السينما الشهير بتصوير هذا الفيلم عام 1969 عن حياة رسام الأيقونات (أندريه رابلوف) وتعرض هذا الفيلم للنقد الحاد من قبل الجنة الرسمية لمؤسسة السينما والتي تضم عادة عددا من المسئولين الشيوعيين الحزبيين السينمائيين حيث تم الاعتراض على عرض تاركوفسكي لمسار الأحداث التاريخية وعلى مشاهد العنف فيه فتم حذف المشاهد العديدة منه وهذا الفيلم بالذات لم يرى النور إلا متأخرا بالنسبة لوقت إنتاجه
إذا فيلم أندريه تاركوفسكي الذي يعد الثاني في مسيرته الواقعية بعد طفولة ايفان يحمل في مضمونه وشكليته الكثير من المفاهيم والأفكار التي شكلت سينما تاركوفسكي،مع ابتعاده في المستقبل عن بعض الأفكار التي طرحها في هذا الفيلم،لذلك من الممكن أن يقال أن هذا الفيلم الواقعي هو أهم فيلم لتاركوفسكي على الإطلاق...والأهم من ذلك بأن تاركوفسكي في صراعه مع السلطة كان يتماهى ويظن بأنه يخرج فيلما عن نفسه أثناء تصويره لحياة أندريه رابلوف.
يفتتح الفيلم على مشهد يختصر مضمون الفيلم،ويعطي للمشاهد مفتاحا لأحد الزوايا الرئيسية التي من الممكن النظر إليها في هذا الفيلم،فهناك أحد الفلاحين يتعلق صدفة بأحد البالونات ومع فرصته النادرة هذه للطيران إلا أنه أثناء طيرانه فهو لا يستطيع أن يرى سوى مشاهد العنف المنتشرة بكثرة على الأرض...
أندريه رابلوف- (قام بالدور الممثل- Anatoli Solonitsyn ) الذي سيتعاون مع تاركوفسكي في فيلمين آخرين هما المرآة والمنطقة – ذو شخصية ليست إشكالية أبدا فهو متمسك بالتقاليد والعادات الدينية التقليدية من خلال مسيرته وسيرة حياته في هذا الفيلم سنلقي نظرة اجتماعية على الجهل المنتشر في روسيا في ذلك الوقت ولكن ليس من وجهة نظر معينة أو من وجهة نظر رابلوف بالتحديد وليس من خلال رؤية تاريخية مؤولة أو خاصة فعلى الرغم من أن رابلوف يمتلك صيغة نقدية إلا أن تاركوفسكي يبدو محايدا في تصوير التاريخ ورابلوف ليس سوى حكما-وهو ليس الوحيد-على أحداثه وعلى الزمن الذي كان يعيش فيه...
إذا قلنا عن الفيلم بأنه سيرة ذاتية فهذا صحيح ولكن هذه السيرة ليس المقصود منها فقط الرواية أو السرد،بل التصوير الاجتماعي والتأمل والتعليق على نموذج حياتي مستقيم في تاريخ مليء بالكوارث والجهل والتتار قد يكون الهدف من هذا الفيلم أيضا،لذلك يصح أن نقول بأنه فيلم عن محنة الإنسان الروسي ((الفكرية قبل المادية)) فنحن نعيش في خضم فكرة المقصود منها النقد والتوضيح والإيضاح،فهذه الفكرة مفعمة بالعناصر الشكلية الخاصة بتاركوفسكي في تطبيقه لهذا التيار الذي تحدثنا عنه وقلنا بأن اسمه هو تيار السينما الذاتية الشعرية...
فوقفات التأمل في هذا الفيلم تحمل قدرة ومضمونا للتأمل الداخلي في محاولة للوصول إلى داخل الشخصيات للوصول إلى الهم الذي يؤرقها وهواجسها والتفكر في روحها،بالإضافة إلى العناصر الطبيعية المغرم تاركوفسكي بتصويرها بل على تكثيفها في أسلوب جعل منه تاركوفسكي تيارا منفردا بدأ وانتهى معه.
فمشهد الشتاء سينهي الرحلة الأولى في حياة رابلوف،والعناصر الطبيعية سنشاهدها بتكثيف أكبر وأكثر في أفلامه القادمة عندما يتخلص تاركوفسكي من السمة الواقعية ليسمح لخياله عندها في التعبير عن أفكاره.
إذا قلنا بأن فيلم تاركوفسكي هذا ليس مجانيا بل كل حدث فيه محسوب بدقة وكل حدث فيه يهدف إلى أن يقول وينتقد،وهذه الجملة ربما لن تعجب النقاد لأن النقاد دأبوا على معاملة تاركوفسكي على انه فنان شكلي تأملي ومن النادر جدا أن نرى أو نقرأ لناقد يتعامل مع تاركوفسكي من زاوية النقد الاجتماعي،وعلى الرغم بأن هذا ليس موضوعنا ولكني في نفس الوقت لا أؤطر تاركوفسكي في هذا الفيلم ضمن المذهب الواقعي فقط.
تاركوفسكي في هذا الفيلم يقرأ التاريخ الروسي بلسان فنان وعيني مبدع،فهو يلقي نظرة مكثفة على واقع روسي مرير مع بدايات القرن الخامس عشر الميلادي مليء بمشاهد الإعدام والتعذيب ويأس الإنسان الروسي ومن الطبيعي إذا أن تتكاثر مصطلحات في الفيلم مثل الحقيقة والإخلاص والإيمان فالفيلم هو سيرة حياة شخص متدين يعيش حياة الرهبان وطبعا سيعامل وينتقد المجتمع ضمن خلفياته الدينية وليس من الغريب أيضا أن يكون أحد همومه هو النفاذ إلى الحقيقة،وكشخصية إيجابية غير منغلقة سينتقد مشاهد الإعدام ضد الخطاة بل وسيتهم الفاعلين بعدم الخوف من الرب،ولن نختصر الفيلم بكلمة واحدة بأن نقول عنه بأنه فيلم ديني ـولكن الحوارات الطويلة للفيلم ترتكز على المصطلحات الدينية بشكل أساسي...ولكن أليس الدين هو الموضوع الأثير لأي فنان يعالج تخلف القرون الوسطي...؟
سيبدأ رابلوف رحلة إلى أحد الكنائس في موسكو لأنه تلقى عرضا للرسم هناك ويبدو بأنه يمتلك شهرة واسعة في روسيا...وعندما يمشي في رحلته إلى موسكو متأملا مفكرا ضمن مناظر طبيعية شديدة التكثيف والعمق المشهدي،فتاركوفسكي هنا ينجح أن يثبت التكامل بين الشكل والمضمون وتنبع الأهمية الخاصة لهذا الفيلم من خلال قدرة المخرج على خلق هذا التكامل،وربما من أجل ذلك رابلوف هو أحد أهم أفلام تاركوفسكي على الإطلاق...
كل جملة في هذا الفيلم لها حكاية...فالفنان اليوناني الذي سيشاركه رابلوف في الرسم على جدار الكنيسة المذكورة يمتلك أفكارا تشاؤمية سوداء تتعلق بالجهل المحيط بالعالم،ورابلوف يستغرب قائلا:كيف ترسم وانت تحمل أفكارا كهذه؟!!
تأملات في صلب المسيح،وانتقاد حاد للفريسيين مع نعتهم بالثقافة،كما أن صلب المسيح بالنسبة لرابلوف هو أكبر تبرير على جهل هذا العالم،ويصاحب كل هذا مشهد تمثيلي تأملي لأحد الأشخاص وهم يحاولون تقليد مسيرة المسيح الأخيرة ووضعه على الصليب،في موسيقى تصويرية تدفع للتأمل باستمرار.
ومع تتابع مسيرة رابلوف هناك توضيح أكثر لمعالم تلك الحقبة السوداء من تاريخ روسيا،حيث سيصادف رابلوف في طريقه أحد الطوائف التي من الممكن تسميتها (بالخليستية) التي تؤمن بالخلاعة والمشايعة الجنسية كطقوس مقدسة لها وربما تمارس السحر الأسود،وعادة ما تقوم هذه الطوائف بهذه النشاطات في الغابات مكان رحلة رابلوف.
ومن الجدير ذكره أن تسمية الخليستية ظهرت في القرن السابع عشر ولكن وإن كانت هذه التسمية قد ظهرت متأخرة ولكن هذا لا يمنع أن للخليستية أصول في روسيا قبل ظهور هذه التسمية لهم.
عندما يصل رابلوف إلى الكنيسة يكون حكمه الأخير هو عدم الرسم على جدران هذه الكنيسة،لأنه لا يريد أن يطرح أفكار ويرسمها وهي مقررة مسبقا من رجال الكنيسة وهو بصورة أخرى يطالب بشيء مشترك مع تاركوفسكي ألا وهو حرية التعبير ثم يعرج تاركوفسكي طويلا على معاناة الشعب الروسي من التتار.
حتى الآن يصطبغ الفيلم بالصبغة الواقعية الحادة جدا،من واقع اجتماعي مرير إلى محاولة لتعريف الإيمان الحقيقي وتعريف الخطيئة وهكذا نرى المشهد الواحد ممتزج بعدد غير قليل من الموضوعات منها الديني ومنها الاجتماعي ومنها النقدي ومنها الجمالي ولكنها تجتمع مع بعضها في خلاصة واحدة ألا وهي الإنسان...الفيلم هو عن الإنسان كاختصار وكسيرة مجردة والدين يعتبر أحد المرجعيات لتشكيل وحكم هذا الإنسان ضمن نظرة تاريخية غير مؤولة على الإطلاق...
فيلم أندريه رابلوف هو فيلم استثنائي في مسيرة هذا المبدع الكبير،لأن الفردية أو الذاتية لا تتمحور حول رابلوف فقط،وهو أمر مقرر عند كل أبطال تاركوفسكي،ولكن المصير يخص كل الشخصيات حتى الهامشية منها ويصح أن نقول عن الفيلم بأنه فيلم عن الإنسان ومصيره وتضارب أفكاره وعلاقته بالمجتمع من حوله وقيوده الاجتماعية والدينية،وعن فكرة التدين نفسها، في فيلم للحوار فيه دور كبير ولكنه حوار غير متكلف ويتميز بالهدفيه فكل كلمة في هذا الفيلم لها دور في التعبير عما يريد أن يقوله هذا المخرج،من قصة وعظية إلى قصة تأملية،أو ربما قصة ملحمية مدموجة بعناصر تاركوفسكي الشكلية وهو بحق عبارة عن تحفة تستحق الوقوف عندها دائما.
فيلم أندريه رابلوف 1969 سهل الاستيعاب وقريب إلى النفس إذا أحب المشاهد موضوعه ويشترك في ذلك فقط مع فيلم طفولة إيفان،وهما الفيلمان اللذان دعوناهما بفيلمي المرحلة الواقعية،وعلى الرغم من كل شيء فالفيلم يتميز بالإطالة التي من الصعب الحكم عليها إن كانت ضرورية أم لا،خاصة بأن للمكان والزمان دور مهم في هذا الفيلم...نعم إن تاركوفسكي في هذا الفيلم ينحت في الزمن ويتمسك بصيغة واقعية في الطرح لن نراها بعد الآن-بهذه الصيغة على الأقل –في أفلامه القادمة حيث سيعمد إلى الكناية والرمز مع اعتراض مخرجنا الكبير على هذا الوصف حيث رفض أحكام النقاد عليه بأنه لجأ إلى الكناية والرمز،ولكن هذا صحيح-مع احترامي الشديد لرأي واعتراض المخرج- ففيلم مثل المرآة لا يمكن أن يصنف إلا في خانة أقوى الأفلام الرمزية في التاريخ السينمائي.




Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans شخصية العدد
commenter cet article
2 juin 2011 4 02 /06 /juin /2011 08:31

تكريم لابد منه

 

 

حوار شامل مع الناقد المغربي سعيد يقطين

 

 

 

الدكتورسعيد يقطين ــ إعداد :كمال الرياحي 

 

 

 

 

 

1 . لو تحدّثنا في بداية هذا الحوار عن الظروف التي جعلتك نزيلا على السرديات. كيف كانت مغامرة البدايات ؟ لماذا السرديات بالذات في زمن كان الشعر رأس الأجناس وسيّدها ؟
-  في البداية أود أن أشكرك على هذا الحوار الذي سيمكننا من تجاذب أطراف الحديث حول قضايا تتصل بواقع النقد العربي ومشاكله وآفاقه في علاقاته بباقي المعارف والقضايا الاجتماعية . يعود سبب اختياري للسرديات كمجال للبحث في الخطاب النقدي إلى أني منذ أن بدأت أشتغل بالبحث والمقالة الأدبية تبين لي غياب إدراكنا لقيمة البحث العلمي ، وتركيزنا الكبير على ما يتصل بالإيديولوجيا لأننا كنا منخرطين في الجو الثقافي والسياسي العام . كان هذا التغييب وليد ظروف خاصة ترتبط بوعي المثقفين بواجبهم الاجتماعي ، وكان ذلك يتم على حساب خصوصية العمل الأدبي . وحتى عندما كنت منخرطا في هذا المجال من خلال كتابة بعض المقالات أو المشاركة في السجالات الشفاهية ، كنت أرى أن فهمنا قاصر عن خصوصية الأدب .  ووقتها ( أواخر السبعينيات ) بدأت تظهر البنيوية التكوينية ، وظهر لي أن الوعي بتصور الأدب عند غولدمان كان ناقصا , فالذين اشتغلوا بآرائه لم يكونوا مطلعين على كتبه كلها . كان الاختزال والتسرع هو ما يطبع علاقاتنا بالأفكار التي تنتج خارج مجالنا العربي . ولما كان تكويني أدبيا وفلسفيا إلى حد ما ، فقد ظهر لي مع جيل من النقاد الشباب أن الرواية أكثر ازدهارا من الشعر الذي بدأ يفقد بريقه لاتصاله بشكل كبير ب » القضية  » والتعبير عنها بشكل مباشر في أحيان عديدة . وكان اكتشاف عالم الرواية وخاصة مع التجديد الذي مارسه كتاب من مختلف الأقطار العربية ، بدءا من مصر ، مشجعا على التفاعل مع الرواية ، والخضوع لسحر عوالمها . وعندما بدأ الروائيون الجدد في المغرب في المشاركة أثارت كتاباتهم مناقشات عدة حول خصوصيتها . في هذه الآونة وفي زخم الاهتمام بالسرد ، تم اكتشاف التجديد النظري في أدوات التحليل بالقياس إلى البنيوية التكوينية . كان العالم البنيوي من منظوري أفق انتظاري المعرفي لأنه يستجيب لما كنت أطرحه من أسئلة عن علاقة الشكل والمضمون التي كانت تبدو لي ملتبسة في النقد العربي . وتبين لي من خلال الاطلاع على المظان البنيوية أن هناك اتجاهات مختلفة في تناول الظاهرة الأدبية عموما والسردية خاصة . فكان أن اخترت  » البويطيقا  » كنظرية عامة للخطاب الأدبي و » السرديات  » كفرع منها . وبدأت أعمق تكويني فيها ، لأنه ظهر لي أن الذين اشتغلوا بالبنيوية في المغرب أو العالم العربي عموما لم يدركوا الفروق التي كانت تتكون داخلها ، وكان أن استنتجت أن درس الشكلانيين الروس حول ضرورة دراسة الأدب دراسة علمية هو ما نحن في أمس الحاجة إليه ، وإلا بقينا كلما ظهرت نظرية جديدة سرنا نلهث وراءها . وهذا هو واقع الحال . أما عندما نؤسس لممارسة علمية فإننا نقتنع بضرورة تكوين تصور محدد ، ونعمل على تطويره . وهذا ما حاولت القيام به في مختلف أعمالي ، ومن هنا لم أكن نزيلا على السرديات ، لأن طموحي كان منشدا إلى ضرورة العمل على تأسيس تصور علمي (ممارسة علمية ) لدراسة الأدب . ولم أكن أتوقع أن السرديات سيكون لها هذا التأثير في نقدنا العربي . أما الاتجاهات الأخرى ، فللأسف لم يتم تشكيلها في مناخنا العربي ولذلك ظلت محدودة التأثير رغم أن العديد منها كتب فيه الشيء الكثير . وأنا الآن بصدد تطوير السرديات لمعالجة الشعر ، والنص الإلكتروني وأنواع أخرى من النصوص تتجاوز الكلمة إلى الصورة ،،،. ويبدو لي من خلال ما أواكب من تطويرات للسرديات حالية أن المسار الذي اختطته منذ البدية يتصل ببعض هذه الاجتهادات وينفصل عن بعضها الآخر . 
 
(2)    اختلف النّقّاد حول نشأة الرواية المغربية. فمن أين نؤرّخ لها. من رواية « الزاوية » للتّهامي الوزاني أم من « في الطفولة » لعبد المجيد بن جلّون ؟!
- واضح أن سؤالك يتصل بالرواية المغربية . ويعود السبب في هذا الاختلاف إلى عوامل عديدة  أحاول تركيزها على النحو التالي :  هو أننا نريد كيفما كان الحال أن نتحدث عن نشأة رواية مغربية ، ولذلك يحاول كل من الدارسين البحث عن النص الذي يمكن اعتباره الأول . فهناك من يعتبر الزاوية ، وآخر في الطفولة ، وهناك من يذهب أبعد من ذلك إلى الرحلة المراكشية لاين المؤقت ، وهلم جرا . بالنسبة إلي أولا لايهمني هذا السؤال ، لأني الآن لا أعنى بتاريخ الرواية ، وإذا ما طلب مني التأريخ لها ، فإني سأؤرخ لها من أول رواية عربية ، لأني ببساطة أعتبر الرواية المغربية سليلة الرواية العربية ، وجزءا لا يتجزأ منها . وإني لأتعجب من النقاد  » الوطنيين  » الذين يودون صنع تاريخ خاص ل » الوطن  » ، وكأن كل أوطانهم حققت ثورة صناعية فذة تمخض عنها ما ننعم به الآن من تحولات نوعية . كلا ؟ أرى أن الرواية في الأقطار التي تأخر فيها ظهورها هي امتداد للرواية العربية ، ونفس الشيئ أقوله عن الشعر الحر والمسرح ،،،
(3)   وفد بعض الروائيين المغاربة على الجنس الروائي من حقول معرفيّة أخرى مثل عبد الله العروي (الفلسفة والتاريخ) بنسالم حميش (الفلسفة) حسن نجمي (الشعر)، إلى جانب تلك المزاوجة بين النقد والإبداع عند المديني والتازي… هل ساهمت اختصاصات هؤلاء في تلوين نصوصهم الإبداعية بألوان خاصّة ؟ 
- من الطبيعي أن تتلون نصوص الكاتب بمميزات ثقافته وتكوينه . لكن كل هذا غير كاف لأن الرواية تعبير عن وعي الكاتب وتجربته الخاصة ورؤيته للآشياء ، وإذا ما برزت ثقافة الكاتب ، وغطت على خصوصية التجربة ولم تتفاعل معها بالهيئة الملائمة ، فإننا نصبح أمام التكلف .
(4)   هل توافق صدّوق نور الدين في قوله :  » إنّ الرواية في المغرب خلقت القارئ المنتمي إلى النخبة ولم تستطع إيجاد القارئ العام. وأظنّ أن تجربة محمد شكري أو محمد زفزاف لا يمكن أن تتكرّر « . (مجلة المدى السورية، العدد 21 (3) 1998، ص 5)
- أتفق معه إلى حد ما ، لأن قارئ الرواية منذ الستينيات إلى الآن هو قارئ الأدب ، وقارئ الأدب هو المثقف المنشغل بقضايا الوطن وهمومه . هذا المثقف هو نتاج تكوين اجتماعي وثقافي خاص تكون خلال مرحلة الاستقلال أو قبلها بقليل ولم تلعب فيه المؤسسة التربوية غير دور محدود . لذلك تجد ضمن هذا المثقف صاحب التكوين الأدبي ، أو الحقوقي ، أو الاقتصادي أو العلمي . أما القارئ العام الذي نتحدث عنه فهو ما يزال غير موجود في العالم العربي بكامله لظروف عديدة ، وهو مختلف عن القارئ حين نريد المقارنة مع الغرب لعوامل مختلفة يضيق المجال عن الخوض فيها . فالإنتاج الأدبي ( الكتاب ) في كل العالم العربي لايطبع منه أكثر من ثلاثة آلاف نسخة ، وكذا عدد ما ينشر سنويا في كل الوطن العربي ما يزال هزيلا . هذا هو القارئ عندنا . أما صورة شكري أو زفزاف فليست نموذجية فلا يمكن القياس عليها لاعتبارات غير أدبية . فلا أحد من القراء المتحدث عنهم يعرفون شكري الكاتب في كل تجربته الروائية ، وإنما يعرفون الخبز الحافي .
  (5)   المؤسسة التربوية المغربية كيف تتعامل مع الرواية المغربيّة ؟

- باستحياء وخجل كبيرين ، والآن حصل تطور في اقتراح النصوص المغربية في مقررات الثانوي ، وفي الجامعة . لكن تعترضها صعوبة جمة لتحقق التواصل المطلوب معها . فمناهج تدريسها غير ملائمة ، كما أن النصوص المقترحة في أغلب الأحيان تتدخل فيها عوامل ذاتية . ولما كان القارئ المغربي معودا على النصوص المشرقية التي تكونت من خلالها ذائقته السردية فإنها يجد صعوبات في التعامل مع النصوص المغربية . 

 

(6)   يرى أحمد المديني في مؤلفه « الكتابة السرديّة في الأدب المغربي الحديث » أنّ الطرز السير ذاتي كان الانطلاقة الحقيقية للرواية المغربية التي يمكن دراستها إجمالا من المنظور الخصوصي للكتابة الأوتوبيوغرافية. كيف يقيم يقطين مدونة السيرة الذاتية في المغرب ابتداء من « الزاوية » وصولا إلى « وجوه » محمد شكري مرورا بـ »في الطفولة  » و »الخبز الحافي » و »الشطّار » ؟
- سبق أن سئلت مثل هذا السؤال عن كثرة نصوص السيرة الذاتية في المغرب ، فكان جوابي: إننا ما نزال في حاجة إلى الكتابة عن الذات ، لأننا من جهة لا نعرف ذواتنا ، ولا نريد معرفتها. إن هناك عوائق تاريخية واجتماعية في الثقافة التي نحمل ضد الصدق وضد الحقيقة . فالمجتمع ما يزال ينظر إلى البدوي نظرة احتقار ، وإلى البادية نظرة دونية ، ونفس الشيئ يمكن قوله عن الفقر ، والعدم ،،، وهنا تكمن خصوصية تجربة شكري . والروائي حين يحاول الكتابة عن الذات فهو في رأيي يرمي إلى الارتقاء بالذات حتى تبرز ليس كما نريدها أن تكون ، ولكن في صورة أقرب على الواقع . ومن ثمة فكل سيرة ذاتية لشخص هي سيرة كل الأشخاص . هذا المدلول هو ما يمكن تحقيقه من خلال اتخاذ الذات الفردية أو الجماعية موضوعا للكتابة ، وليس ضروريا تحديد النوع أهو سيرة أم رواية .
 (7)   في مقال له بعنوان « الرواية المغربية وجهة نظر حول النشأة والامتداد » فتح الحبيب الدائم ربّي النار على الروائيين المغاربة واعتبر أنّ بعضهم مارس عقوقا قبل سن الرشد حين تنكّروا لكتابات أهل الشرق وانخدعوا بفتوحات « الرواية الجديدة » بفرنسا (ألان روب غرييه، نتالي سراوت، ميشال بيتور…) ورأى أنّ بعض الكتّاب بالمغرب أمعنوا في تخريب عروض الرواية المغربية الذي لم يتقنوه يوما في مستواه الديداكتيكي المدرسي والاستعاضة عنه بمصفوفات نثريّة بلا طعم ولا رائحة موجّهين سهام التعريض والسخرية إلى من ظلّ وفيّا لعمود الرواية القديم (عبد الكريم غلاب) وأنهى مقاله بنداء ملحّ للرهان على الآتي « الذي من الأمس بدأ » (انظر مجلة المدى السورية، العدد 23 (1) 1999). كيف نقرأ هذا الموقف. هل ترى فيه تحاملا على بعض التجارب الروائية وخاصة موجة التجريب ؟!

- لا أشاطر الزميل الحبيب رأيه كاملا في الموضوع ولا الطريقة التي صاغ بها ملاحظاته لاعتبارات عديدة : أولاها أن الروائي المغربي لم يمارس العقوق ؟على نموذج روائي عربي ، ولكنه وعى حدود هذا النموذج كما وعاها زملاؤه في المشرق العربي ، ومارس رغبته في إنتاج نص جديد على غرار نظرائه في مصر والشام . ثانيا الروائي العربي لم ينخدع ؟ بفتوحات الرواية الفرنسية لآن الصيرورة الإبداعية والوعي الذي صاحبها في مرحلة السبعينيات أديا إلى ذلك . والتفسير الإرادي للتاريخ لامعنى له ، فالتجارب الثقافية تتفاعل ، وكل واحدة منها في زمان معين مؤهلة للاستجابة للتطور ومواكبة نظيراتها التي تسبقها . ثالثا لاعروض ؟ مطلق للرواية ، وإلا لما عرفت التطور الذي حققته حتى في الغرب إلى الآن . هذا االعروض ( الرواية المحكمة البناء ) كان محل نقد في الغرب بعيد الحرب الثانية من الزاويتين الجمالية والمعرفية . إن الروائي الذي يشيد منطقا للعالم وفق عروض خاض يوهم بشكل أو بآخر بصورة العالم التي يمثلها . والرواية الجديدة في الغرب وفي العالم العربي ، وضمنه المغرب ، جاءت لتقوض تلك الصورة وتبين لانسجامها ولا واقعيتها حتى وهي مزدهاة بتكوينها تقدم الواقع كما هو ؟ لذلك قدمت في هذه النماذج هناك وهناك المصفوفات النثرية التي لاطعم لها يشابه طعم الرواية السابقة ، وهي تلك الرائحة الجديدة التي لاتعجب الذين تعودوا على نموذجية الرواية التقليدية . والصراع بين القديم والجديد صراع أزلي ، ولا يمكن الحسم فيه بتبني الأطروحات الجاهزة ، لابد من تحليل الأسباب الكامنة وراءه ، والرؤيات التي تتحكم في توجيهه . 

 

 (8)   كيف ينظر الناقد سعيد يقطين إلى مقولة التجريب ؟ ما هي مقوّمات الرواية التجريبية؟
- التجريب في الرواية المغربية طريقة في الكتابة تنهض على أساس تجاوز التقنيات القديمة في الكتابة . ولقد سبق لي أن أصدرت سنة 1985 كناب القراءة والتجربة حول فيه الوقوف على ملامح التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب . أما أهم مقوماتها فتتمثل في أولا بناء النص السردي على شذرات تنتمي إلى صيغ خطابية متعددة تتجاور فيها بنيات سردية ولاسردية ، وبناء على ذلك يتم تغييب المادة الحكائية أو وضعها في مرتبة ثانية . وعندما لاتنهض الرواية على أساس  » قصة  » قابلة للحكي تتدخل عناصر جديدة في تشكيل العوالم الروائية من خلال استحضار بنيات خطابية متعددة . ثاني الأسس التي تنهض عليها هذه الرواية تكسير خطية السرد إما لغياب القصة ، أو العمل على تقديمها بطريقة لاتضمن بناءها كما نجد في الرواية التقليدية . ويعتبر هذا من العوامل التي ساهمت في صعوبة التعامل مع هذه الرواية لأن القارئ يصعب عليه متابعة القراءة عندما ينفلت منه في كل مرة خيط السرد والحكي معا ، فلا يعرف إلى أين تتوجه الرواية . ومعنى ذلك أن القارئ المستعجل لايمكنه التواصل مع هذا النوع من الخطابات لأنها فعلا تستدعي مشاركة فعالة من لدن القارئ .أما ثالث المقومات التي أحب إليها هنا فيتعلق بكون الراوي في الخطاب التجريبي ليس راويا محاديا أو له وجهة نظر كالتي نجده عند الروائي التقليدي فهو يرمي إلى التفكير في النص الذي يقدم ، وينتقده ، وهذا الوعي الذي يتجسد منه خلاله الحكي يبين موقف الروائي من الرواية ، وهو يمكن تسميته بالميتاحكي . هذه جملة من المقومات وهي ننضافر مع أخريات لوسم هذه التجربة بسمات فارقة ومميزة 
(9)   ما هي الاختلافات بين الرواية التجريبيّة المغاربية والرواية التجريبية المشرقية ؟!
- هناك أولا الكثير من السمات التي تلتقي فيها التجربة على صعيد العالم العربي ، وهي تشترك أيضا مع الرواية الجديدة أو اللاروية في أوربا في مرحلة ، ومع الميتارواية في أمريكا في مرحلة لاحقة ، سواء على مستوى التقنيات أو المحتويات . لكن أهم سمة تتميز بها الرواية المغاربية وهي تقتحم هذا المجال هو أنها بالغت في القطيعة مع القصة أو المادة الحكائية وخاصة في المغرب وكانت تجسد رؤية خاصة إلى الواقع ، ولم تحاول الانطلاق من الواقع لتقدم هذه الرؤية . ومن هنا صعوبتها المضاعفة وخاصة على مستوى تلقيها , ولقد ناقشت هذه القضية في علاقتها بالقارئ ، وبينت أن رهان أو آفاق التجربة يتصل في قدرتها على خلق قارئها .هل يمثل التجريب في المغرب العربي لوحة متناغمة ؟ هل تتباين تجارب هؤلاء أم تتشابه (أحمد المديني، ميلود شغموم، واسيني الأعرج، الحبيب السائح، صلاح الدين بوجاه، إبراهيم درغوثي، فرج لحوار…) ؟!- بطبيعة الحال هناك الكثير من نقط الالتقاء على مستوى التقنيات على مستوى العموم ، لكن كل واحد يوظفها بطريقته الخاصة ، ورؤيته للأشياء . ومن هنا خصوصية تجربة كل واحد ، فحين يمارس أحدهما التجريب وهو يقطع أبدا مع المادة الحكائية ( المديني ) ونسبيا شغموم ، نجد الأسماء الأخرى التي نوهت بها في الجزائر أو تونس تشتغل على مادة حكائية ، وإذا كان البعض ينفتح أكثر على التراث ويحاول الانطلاق من عوالمه بصورة كبيرة (درغوثي ) ، نجد الآخر يقلل من ذلك (السائح / المديني)، أو يشتغل به في نصوص وفي أخرى يتعامل مع مواد مستقاة من الواقع ( الآخرون ) أو يحاول المزج . وفي الآونة الأخيرة ( أواخر التسعينيات حدثت تحولات كبيرة في رسم نصوص هؤلاء بسمات جديدة للأسف لما يتم التوقف عندها بعد ) .
 (10)       قرنتَ في إحدى مداخلاتك بين حداثة الرواية وسرديّتها. فكلّما « تحقّقت هذه السردية كلّما وجدنا أنفسنا أمام رواية حداثيّة » ثم رأيت أن مصطلحات مثل الحداثة وما بعد الحداثة هي « مفاهيم جنسيّة Génériqueذات حمولة إيديولوجيّة أكثر منها علميّة » (الرواية المغربية : أسئلة الحداثة) مزيدا من التوضيح. فهذه المفاهيم أصبحت وجبة رئيسية على موائدنا الثقافية.
- أنا فعلا لاأوظف مثل هذه المصطلحات أنها ذات حمولات تختلف باختلاف مستعمليها ، ولا يمكن أبدا الاتفاق بشأنها . وعندما أستعملها أحيانا فإني أبين كيفية تحديدي لها وطريقة نعاملي معها . وفي الدراسة التي أومأت إليها كان هناك الموضوع المحدد من قبل منظمي الندوة ، لذلك وتبعا للتصور المشتغل به حاولت ربط  » الحداثة » بالسردية بالطريقة التي أحددها في الوقت الذي استعملتها فيه ، وهي تعني هنا تقنية خاصة في تطور الكتابة تراهن على تجديد الخطاب السردي ومن زوايا متعددة . هذا التجديد يعطي للرواية مع التطور إمكانية خلق تصورات جديدة للقراءة والوعي لدى القارئ بالعالم الذي يحيط به . وإذا كانت  » الحداثة  » بأحد معانيها تصورا يسعى إلى تجديد النظر إلى الأشياء لغايات ملموسة فهي تتحدد من منظوري من خلال هذه السردية  » الجديدة  » . أما طريقة حديثنا عن الحداثة ومابعد الحداثة وأضف إليها حاليا المجتمع المدني وما شاكلها فهي مصطلحات بالنسبة لمجتمعاتنا غير ذات معنى .
(11)       استنادا إلى تقنيات الفنون البصرية (كولاج، مونتاج…) تحوّلت بعض الروايات إلى مصبّ لخطابات مختلفة، بعضها أدبي وبعضها غير أدبي (أخبار، قصاصات صحفية، خطابات سياسية…) حتى طغت أحيانا، هذه المواد الغريبة و »التهمت » النص الإبداعي. كيف تقيّم رحلة تقنيات الفنون البصرية في الرواية العربيّة ؟!
- ولماذا تصر على أنها  » تلتهم  » النص الإبداعي وهي جزء أساسي منه ؟ هذا طبعا إذا كانت موظفة توظيفا ملائما وبقصد مناسب ، وإلا فلا علاقة لها بالإبداع . أما عن علاقة الرواية بغيرها من الفنون فهو قدرها لتكون الفن السردي الأمثل . وهذا رهان أي فن . إنها ترمي إلى أن تتطور أبدا ، وهي في تطورها تسعى أبدا للانفتاح على سائر الفنون والاستفادة منها . لقد استفاد الروائيون في القرن التاسع عشر من منهجية البحث التجريبي وكان الواقعيون والطبيعيون وكتاب الرواية التاريخية مهندسين للخيال الجماعي من خلال تشكيل صورة الواقع أو إعادة صنع التاريخ . ومع ازدهار الصحافة ووسائل الإعلام حاول الروائيون الاستفادة من تقنياتها وصاروا محققين في تفاصيل الحياة وخصوصيات القضايا المعالجة فكانت أن ظهرت التسجيلية والرواية البوليسية ورواية الخيال العلمي ، واستفادت في كل ذلك وبموازاته أيضا بالسينما والتشكيل والدراما فظهر ذلك في تقنيات السرد ، وكان لها دوره الإيجابي في تقارب الرواية من هذه الفنون ، فصارت الرواية مادة السينما بامتياز ،،، وقس على ذلك . والآن ومع تطور وسائل الاتصال واستخدام الحاسوب صارت  » الرواية التفاعلية » متجاوزة للبعد اللفظي وهي قابلة لاستيعاب البعد البصري والحركي وغيره .
 (12)       يعتقد بعض الممارسين للنقد الروائي أنّ حضور هذه التقنيات في الرواية يؤهلها لدخول عوالم الحداثة متجاهلا أن هذه التقنيات استفاد منها الشاعر « أبولينير » منذ بداية القرن العشرين ووظّفها الروائي الأمريكي « دوس باسوس » في العشرينات… فهل نقحم نصوص هؤلاء ضمن خانة النصوص الحداثية ؟!

- أنا لا أتحدث عن الحداثة ، وإذا كان بعض الشعراء أو الروائيين قد وظفوا هذه التقنيات فلأنهم أدركوا أهميتها في تقديم أشياء يعجز اللفظ عن تقديمها على النحو الذي تصوروا . ومادام توظيف هذه التقنيات يعطي للعمل الإبداعي خصوصية ويحقق له « إبداعية  » تتوفر فيها المقومات الحقيقية لإبداع جدير بهذه الصفة فأنا أرحب بها وأعتبرها  » إبداعا  » رائعا ، أو سردية متجددة ، يستوي فيها النص القديم أو الجديد ولا عبرة عندي بالزمن ، ولك أن تراها حداثية أو ما بعد ما بعد الحداثة .

 

(13)       لماذا ظلّت السينما المغاربيّة بعيدة عن الرواية المغاربية على عكس ما تعرفه السينما المصريّة ؟!
- لقد تأخر ظهور الرواية والسينما في المغرب العربي ، بالقياس إلى مصر . وهذا العامل لا يفسر وحده هذا البعد . فهناك عامل آخر هو التباعد بين المشتغلين بالفنون عندنا فهم لا يطلعون على أعمال بعضهم البعض ، ولا يعرفون بعضهم أيضا . هذا التباعد هو كذلك وليد ثقافة المشتغلين بالفنيين من حيث اللغة ، فالتكوين الفرنسي لأغلب السينمائيين يجعلهم يجعلهم لايلتفتون إلى ما يكتب بالعربية ، كما أن الروائيين  المغاربييين لا يتواصلون مع الأعمال السينمائية المغاربية ، وهذا يجعل المسافة أبعد . عندما نرى كيف عمل محفوظ إلى جانب السينمائيين ، وتعلم منهم ، ندرك الفارق الكبير بين التجارب . ولا يخفى كذلك أن الرواية المغاربية حينما بدأت تفرض نفسها كانت على طرف نقيض مع السلطة . وهذا العامل يؤثر طبعا على التعامل معها بالصورة المقبولة . والآن بدأت محاولات التواصل بين السينما والرواية ، ولا يمكنها مع الزمان إلا أن تتطور .
 (14)       بماذا تفسّر عنف الخطاب وعنف المتخيّل في الرواية المغاربيّة. هل نرجع عنف اللغة والحدث الروائي إلى عنف الطبيعة أم عنف الإنسان أم عنف ما يعيشه ؟!!
- هذا العنف الذي تتساءل عنه نسبي في تقديري ، وهو يرجع بالأساس في بعض تجلياته إلى طريقة تعبير الكاتب حين تكون منفعلة مع الواقع الذي تعيش فيه ، ولا ترى لها من سبيل غير الإجهاز عليه من خلال الانطلاق من بعض عوالمه ، أو تضخيم التعبير عن بعض الأشياء التي تتناولها . صحيح عالمنا العربي يزخر بها يغذي هذا العنف ، والروائي الحقيقي لايعكس عنف الواقع على النحو الذي يوجد عليه ، ولكنه يقوم بقراءة له ويحاول رصده من أدق تفاصيله ويجعلنا ندرك هذا العنف دون أن تعرف اللغة الصخب الخارجي ، أو يظهر ذلك على صعيد ما أسميته  » المتخيل  » . بعض روايات صنع الله إبراهيم عنيفة ، لكن عنفها يبدو لك كقارئ ، وتستنتجه من بناء الرواية و » صخبها  » الداخلي . لكن القارئ العادي لا يمكن أن يلمس هذا  » العنف  » . وبعض العنف الذي نجده في روايات المديني ودرغوثي مثلا نجده ما يعيشه الإنسان ويحسه ويحاول التعبير عنه .
(15)       أصدرت كتابا حول الرواية والتراث وسميته بـ »الرواية والتراث السردي : من أجل وعي جديد بالتراث » (1992) تناولت فيه بالدرس جملة من الروايات العربية ومنها رواية « نوّار اللوز » لواسيني الأعرج. هل تشارك هذا الأخير في كون إضافة الرواية العربية للرواية العالمية رهين التفات الأولى إلى تراثنا الشفوي والمكتوب ؟!!
- لاشك أن التراث الشفوي والمكتوب يشكل المتخيل العربي والإسلامي ، ووعي الكاتب به ، وإحساسه به وتمثله والقدرة على تجسيده من خلال الكتابة السردية قمين بمنح التجربة الرواية مسحة خاصة تميزها . وفعلا عندما صدرت أولى روايات أحمد التوفيق  » جارات أبي موسى  » وهي رواية تمتح من التراث المغربي في خصوصيته ، كان عنوان تقديمي لها في إحدى الندوات  » جارات أبي موسى : رواية مغربية « . بعض الزملاء الروائيين الذين أعتز بصداقتهم علق وهل رواياتنا ليست مغربية ؟ كنت قبل ذلك في الجلسات النقدية أدافع عن أطروحة  » مغربية  » الرواية المغربية ، والمقصود بذلك عثور القارئ المغربي وغيره على خصوصية المغرب واقعا ولغة وتاريخا وهموما ،،، ورأيت في رواية  » الجارات  » التي تحولت إلى السينما لخصوصيتها ، وكنت قد عبرت في ختام قراءتي للرواية عن رغبتي في أن أراها شريطا سينمائيا . أستنتج مما تقدم أن الالتفات إلى التراث هام إذا أحسن توظيفه . أما إضافة الرواية العربية إلى الرواية العالمية فليس محكوما بالتراث ، فهم يعرفون تراثنا أحسن من العديد منا ، وهناك العديد من الكتاب الغربيين الذين استفادوا منه في تجاربهم الإبداعية وقدموا أعمالا إنسانية . بالنسبة إلينا ماتزال الرواية ضيقة الرؤية ، وليست لها فلسفة تدعمها ، وهذه الفلسفة فلسفة الكاتب نفسه ما تزال منعدمة عند العديدين ، وعندما تنفتح رؤية الروائي على العالم المحيط بنا ، ويتم تقديم تلك الرؤية بخصوصية التراث السردي العربي آنذاك يمكن أن يكون للرواية العربية وضع مخالف بالنسبة لقرائها العرب أولا ، أي أن تصبح  » عالمية  » لقرائها الأصليين قبل القارئ الأجنبي ، ولا أقول إضافة إلى الرواية العالمية ! 
(16)       بعض الروائيين العرب التفتوا إلى تراث غير عربي ولكنّهم استطاعوا أن يقدّموا أعمالا استثنائية ونذكر خاصة تجربة الليبي إبراهيم الكوني ( نزيف الحجر، التبر، المجوس…) والتي وظّف فيها التراث الصحراوي أو الطّوارقي، ما رأيك الشخصي في هذه التجربة ؟!
- المسألة ليست مسألة تراث عربي أو غير عربي ولكن كيف يمكن للكاتب أن يتفاعل مع تراث له خصوصيته ويقدمه بطريقة ملائمة . ما قدمه الكوني عن الصحراء يمكن أن يقدمه كاتب آخر عن البادية العربية في أي قطر عربي , فهل هناك كاتب عربي نجح في ذلك ؟ مجرد سؤال . صحيح للصحراء كما قدمها الكوني سحرها ، ولغاتها التي تختلف شيئا ما عما اعتدناه في الرواية العربية ، ولا يمكن لعالم الكوني إلا أن يجذب القارئ العربي وغيره ، ولقد أعجبت كثيرا بتجربته . لكن قراءة بضعة أعمال له في رأيي كافية لتأمل العوالم التي يقدم ، ويمكن للقارئ بعد إزالة الدهشة أن يحس ببعض الملل ، وتفقد هذه العوالم جاذبتها ما لم يجدد الكاتب أدوات سرده ، ويتجاوز الطريقة التي يكتب بها دائما .
(17)       تتعالق الكثير من النصوص الروائية العربية اليوم مع التاريخ لتستثمره حدثا أو خطابا. كيف تفسّر هذه الالتفاتة إلى الماضي، هل هي عودة قصد امتلاك أقنعة لمواجهة واقع مأزوم يرشح بفنون الرقابة ؟ أم هي عودة الهـارب إلى الأمس الجميل ؟!
- لا يقنعني تفسير الظواهر بالرجم بالغيب . التاريخ جزء منا ، ولايمكن تجاوزه ، وإعادة قراءته والكتابة عنه أو بالتفاعال معه بالأشكال التي نجدها الآن تحقق الكثير من المكتسبات . لقد كان هناك في فترة من تاريخنا الحديث ، وخاصة بعد الخمسينيات نفور من الماضي ، واتخاذ مواقف جاهزة منه . لقد اعتبر دائما مجالا للرجعية والسلفية . هذا المنظور أحدث قطيعة مع تاريخ الذات . وحتى عندما تم الالتفات إليها مع المشاريع والرؤيات والمداخل الجديدة ( تيزيني / مروة ،،، ) نظر إليها من زاوية خاصة . لكن المبدع التفت إلى التاريخ من منظور مختلف ، فكان استلهامه إياه فنيا ودلاليا على درجة عليا من العمق . في قراءتي للزيني بركات حاولت الكشف عن هذه الخصوصية ، ونفس الشيء نجده في الوقائع الغريبة وفي أعمال أخرى . وفي ما يطالعنا حاليا من نصوص نجد التفاتات إلى زوايا هامة من تراثنا وتاريخنا . 
(18)       كيف ترى واقع الرواية العربية ومستقبلها ؟!
- واقع الرواية هو واقع الروائي والقارئ . وعندما ينسد أفق  » الإبداع  » أمام الكاتب وهو « يرى  » المجتمع ، ينغلق عليه باب  » سرد  » . ونفس الشيء نقوله عن القارئ . الروائي الحقيقي لاينتظر من السياسي أو الإيديولوجي أن يقدم إليه رؤية عن العالم ليقدمها هو بطريقته التي تناسبه في التعبير . يمكنه أن يقوم بهذا العمل ، إذا أحسن الإنصات إلى نبض الواقع ، ولم يبق عبد  » الأحداث  » السياسية المتلاحقة . مايقع في عالمنا العربي إذا تتبعناه بعين من لا يرى بعيدا ، ولايتأمل خلف ما يجري لايمكنه إلا أن يستسلم ويحس بالعبث ، والعجز . وهذا هو الواقع ، ولذا أرى أن الرواية العربية بدأت تفقد بريقها العام . الرواية التي لاتفتح أمامي شعاعا للأمل ، وتدفعني إلى التفكير بطريقة تختلف عما تقدمه لي وسائل الإعلام  ، ليست جديرة بهذا الاسم . وأرى أن مستقبل الروتية العربية رهين بإعادة التفكير في الواقع وبطريقة جمالية فيها الكثير من الدقة والعمق . 
(19)       لم نقرأ لك عملا حول الرواية النسائية. هل صحيح أن يقطين يحمل حسّا ذكوريا في انتقاء نصوصه التي يروم مقاربتها ؟!
- كما قلت سابقا بصدد الحداثة أقول بصدد النسائية . وأنا لا أحمل حسا ذكوريا وأنفر من هذه الاستعمالات لأنه ببساطة غير دقيقة . أتمنى أن أكون حاملا لحس جمالي يؤهلني للتفاعل مع الإبداع الجيد ، فأكتب عنه بما يعبر عن هذا الحس ويجليه . ولقد سبق لي أن كتبت عن تجربة الروائية السعودية رجاء عالم ، وكتبت مقدمة رواية ومجموعة قصصية لكاتبتين من المغرب ، وأنا الآن بصدد الكتابة عن سميحة خريس . هل الحس اللاذكوري هو الكتابة عن روايات كتبها نساء ؟ لا أعتقد . الإبداع لاعلاقة له بالجنس ، والنص لاعلاقة له بالذكورة أوالأنوثة . بعض الكلمات في كل اللغات تتعالى عن الجنس .
(20)       روايات الخيال العلمي في الوطن العربي لماذا – حسب رأيك – لم تحقّق مقروئيتها. ألأنّ القارئ العربي لم يتخلّ عن الصورة القديمة للرواية، التي من وظائفها أن تجعله يصدّق ؟! أم أن المبدع الذي يعيش في فضاء « ماضوي » لا يمكن أن ينجح في قول المستقبل لأنّه أول الجاهلين به ؟!!
- لايمكن أن تكون عندنا رواية الخيال العلمي ، ببساطة لأن لا علم لنا . فمن أين نأتي بالخيال. نحن ضد العلم ، فأنى لنا التفكير في العلم أو الإنتاج من خلال الخيال ذي الطبيعة العلمية . هل عندنا كاتب رواية الخيال العلمي ؟ ماهي صلاتهم بالثقافة العلمية ؟ أي ثقافة علمية يتصلون بها ؟ نحن ما زلنا غاطسين حتى الركب في الإيديولوجيا لأسباب عديدة ، وما لم نفكر فيها بطريقة علمية لا يمكن الانتقال إلى مرحلة أخرى من إدراك العالم وتأويله . وعلينا أن نتساءل إلى جانب السؤال عن رواية الخيال العلمي ، عن روايات الأطفال ، والرواية المصورة ، والرواية الفانطاستيكية ، والرواية التفاعلية ،،،لماذا لم توجد ولم تتطور بعض هذه الأنواع الروائية في مناخنا الإبداعي ؟ إنها الإشكالية نفسها التي حاولنا الإيماء إليها ونحن نتحدث عن رواية الخيال العلمي .
(21)       قرأنا لك بعض المقاربات في الرواية التونسية (حول أعمال طرشونة وأعمال درغوثي…) كيف وجدت هذه الرواية ؟!

- في تلك المقاربات بينت وجهتي نظري ، وطريقة قراءتي للنصوص . إنها نصوص تبين عن إمكانيات هامة لدى الكاتب العربي أيا كان القطر الذي ينتمي إليه في التعبير بواسطة الرواية . لقد تأخر كثيرا ظهور الرواية في المغرب العربي ، لكن التجربة الجديدة تكشف عن قدرات جديدة تختلف عن الأعمال المبكرة ، وهي تعد بالشيء الكثير . شخصيا لم أتفاعل مع تجربة المسعدي وغلاب رغم أن لهما نصوصا رائدة ولعل ذلك يعود إلى الوقت الذي قرأت فيه هذه النصوص . لكن الانطباع الذي تركته لدي منذ قراءتي لأعمالهما في السبعينيات ما يزال يحول دون ذلك . لقد كتب عن تجربة المسعدي الشيء الكثير في تونس ، لكن ذلك لم يقنعني . أما تجربة الروائيين الجدد فهي متميزة فهناك لغة حية ، وامتلاك لناصية الموضوع نجدها واضحة في أعمال بوجاه وطرشونة ودرغوثي والحوار وبوعثمان وروائيين آخرين مثل العش الذي حللت إحدى رواياته ووجدت فيها ذكاء في التناول وقدرة على بناء نص متكامل . وهناك إمكانات واعدة .

 

(22)       تقول مارت روبر « لا ديمقراطية دون رواية ولا رواية بدون ديمقراطية » فلا يمكن للرواية أن تعيش في فضاء يسوده الحكم التيوقراطي. هل هذا يعني أنّ انتظار الرواية العربية مثل انتظار الديمقراطيّة ؟
- علاقة أي إبداع بالمناخ العام قوية . والجو السياسي العام يؤثر فعلا على حرية التعبير ، ويقلل كذلك من إمكانات تصرف الكاتب . وإذا كان من الممكن الانتظار في عالمنا العربي فما أخشاه هو أن يطول كثيرا . لذلك لا أربط بين الديموقراطية والرواية ، ونفهمها سياسيا فقط ، فالفهم الاجتماعي أساسي للديموقراطية . ولعلك تتفق معي أن المجتمع العربي له سلطته أيضا ، وهي لاتقل عنفا عن السلطة : فالروايات التي صودرت ، والأفلام التي تمنع من العرض ، تدخلت فيها سلطات اجتماعية لاعلاقة لها بالسلطة وهذه الأخيرة لا يمكنها سوى الرضوخ لقرارات ترى أن لها شرعيتها . لكن مع ذلك فالروائي يمكنه أن يكتب ، وإلا طال انتظاره .
(23)       ما هو موقع القارئ من العمليّة الإبداعية اليوم، هل فعلا أصبح قارئا فاعلا وغادر تابوته ليشارك في إنتاج النصّ. أم مازال يرضى بدور المنفعل والمغفّل الذي تخدعه ألعاب الروائي ؟! 
- علينا ألا نتصور أن القراءة تزجية للوقت ، وبحث عن متعة خاصة . إنها سلوك حضاري وتحقيق لإنسانية الإنسان . نحن لم نرق إلى هذا المستوى ، المجتمع التقليدي ما يزال يعتبر القراءة مرتبطة بالدراسة وبالامتحان . وعندما تخرج عن هذين النطاقين فهي لجلب النوم . لذلك لا يمكن في العالم العربي بكامله الحديث عن  » جمهور القراء » . ويكفي أن ننظر كم يطبع من الكتاب العربي ليظهر لنا ذلك . هذا على وجه الإجمال ، لكن العربي الذي يقرأ ذكي لأنه يقرأ ، وما هو الذي يؤهله ل » التفاعل  » مع الجيد والمفيد . وهذا لقارئ للأسف قليل بالقياس على باقي أفراد المجتمع . وما يزال بنتظرنا الشيء الكثير لتحويل المجتمع ، وما لا يهتم به المقفون عندنا ، الذين ما تزال همومهم سياسية بالدرجة الأولى . مجال المثقف الحقيقي هو المجتمع وليس السلطة . لكن طموحات المثقفين عندنا سياسية لأنهم يرون أنفسهم أهلا لتسيير المجتمع ، وهذا هو الفرق بين العرب والعجم ؟
(24)       اهتممت بالسير الشعبية فأصدرت « ذخيرة العجائب العربية : سيف بن ذي يزن » و »الكلام والخبر » و »قال الراوي » كيف وجدت هذا الحقل ؟ هل استفادت منه السردية العربية المعاصرة ؟! 
- إنه بحر لاساحل له . وهو مفيد من نواح عديدة في الإبداع ، والدراسة في مختلف التخصصات اامتصلة بالعلوم الإنسانية . والعديد من الروائيين العرب بدأوا يتفاعلون مع هذا التراث في ملاحمه الخاصة التي أراها غتية بما تزخر به من معطيات تتصل بالمتخيل العربي الإسلامي . 
(25)       قدمت وحققت كتاب « سيرة سيف التيجان » وأحسب أنّه مازال لم يظهر بعدُ في الأسواق. كيف تقدّم هذا المؤلف إلى القارئ ؟ 
- سيرة تعرفت عليها عندما كنت أشتغل بالسيرة الشعبية العربية ، وهي غير معروفة لدى القراء العرب لأنها ببساطة غير موجودة بالعربية ، ترجمت إلى الفرنسية في القرن التاسع عشر ، وعثرت على ثلاث مخطوطات منها في الكتبة الوطنية الفرنسية ، ومخطوطة بمكتبة كلية الآداب بالرباط تحت اسم مغاير وغير صحيح . طبعت في تونس في أوائل القرن العشرين ، وعثرت على هذه النسخة ، وعندما سألت عليها بعض الزملاء ( طرشونة ) وعدني أن يبحث عن الناشر ، وبعد مدة أخبرني أن لاوجود لها في أي دليل للكتب أو المخطوطات . النسخة المطبوعة لحسن الحظ عندي ، وعندما لاتوجد في البلد الذي طبعت فيه فهذا دليل على تطور الكتاب عندنا . كلما اشتغلت فيها وقع لي عائق ، ولكني سأكرس لها هذا الصيف لأنهيها إن شاء الله
(26)       هل « معجم السرديات » قادر على توحيد المصطلح النقدي العربي الذي ظلّ متلوّنا من قلم إلى آخر ومن كتاب إلى كتاب ؟!
- المعجم لا يوحد . ولكنه سيوحد إذا تطورت السرديات ، وواكبت المستجدات ، وتجاوز المشتغلون بها المسبقات .
(27)       أعتقد أنّ مصطلح التناص Intertextualitéومشتقاته وأنواعه من أهمّ هذه المصطلحات التي عرفت جدالا ونقاشا ؟! 
- هذا جزء من مشاكل اللغة العربية ، والمعرفة العربية . والتطورات التي حصلت الآن في مجال نظريات النص ، وخاضة مع التكنولوجيا يبين من كان يستعمل المصطلح ومشتقاته بدقة ووعي وبمنظور بعيد ، ومن كان يتعاطى مع المصطلحات بعفوبة وبساطة .
(28)       ما ينفكّ المغرب الأقصى يهدي إلى العالم العربي نقّادا على درجة كبيرة من العلميّة والحرفيّة خاصة في ميدان السرديات مما جعل البحوث التي تنجز مغربا ومشرقا لا يمكن أن تخلو حواشيها من أسماء : حسن بحراوي، سعيد يقطين، حميد لحميداني، نجيب العوفي، حسن نجمي، محمد برادة، محمد عزالدين التازي، أحمد المديني، عبد الفتاح الحجمري…ما سرّ هذا الإشعاع ؟ هل هو نتاج لعمل تأسيسي فعلا ؟!البعض يقول إنّ كل السرّ في ما قدّمته دور النشر اللبنانية لهؤلاء النقاد عندما نشرت بحوثهم الجامعية وعملت على ترويجها فروّجت معها أسماء أصحابها، بينما بحوث عربية أخرى لباحثين عرب تركن مخطوطة في رفوف الكليات فيصعب تداولها ويهمّش أصحابها. كيف ترى واقع المسألة ؟! 
- ما قدم في المغرب كان نتاج تطور طبيعي . فالمغرب الذي كان في السبعينيات يحتل الرقم الأول على مستوى القراءة كما كان يصرح بذلك كل الناشرين العرب ، جاء زمان ليلعبوا دور الكاتب دون أن يتخلوا على دورهم كقراء . ولا أعتقد أن الفرق هو بين المنشور والمخطوط . فحتى في المغرب لا تطبع كل المخطوطات . وأرى أن هناك نوعا من الجدية في التعامل مع القضايا في المغرب ، وهذا هو مصدر الإشعاع الذي اومأت إليه .
(29)       تحدّثت عما سمّيته بالحذلقة Bricolage. ما هي نسبة المتحذلقين بين المشتغلين في حقل النقد الأدبي؟ ما هي أسباب تكاثرهم ؟!هل نعيش عصر « المقاربة السندويتش » ؟! 
- لا يمكن للعدد إلا أن يتزايد ، ولا سيما عندما يتم الاستسهال ، ويتقهقر دور الجامعة في الارتقاء بالبحث الأدبي إلى المستوى الملائم .
(30)       هل تصنع الجامعة نقادا ومبدعين ؟! لماذا يظلّ المبدع الأكاديمي متهما بانتمائه للجامعة ويبقى العصامي متهما بعصاميته : واحد تهمته علمه والآخر تهمته جهله ؟!!
- هذه التمييزات تبسيطية . فالجدية هي الأساس ، وليس هناك فرق بين الجامعي وغير الجامعي ، فليست الجامعة هي التي تكون الناقد ، قد تمكنه من تكوين معين ، قد تحفزه على العمل لإنجاز أطروحة . لكن النقد ليس أطروحة فقط ، فهو عمل متواصل ، وتطور دائم .
31 . قرأنا لك في السرديات وخاصة في الرواية والسيرة الشعبية. هل كتب يقطين في نقد الشعر ؟
ـ لا يمكن للمرء أن يكتب في كل شيء ، ولكني أهيء دراسة منذ زمان ، ولم أنهها بعد حول علاقة الشعر والسرد ، وسأتناول العلاقة من منظور سردي  
32 . وضع جيرار جينيت الحوار في خانة النصوص المصاحبة Paratextesواعتبره عتبة مهمّة للتعامل مع النصوص الأدبية في علاقتها بالمتلقّي/الجمهور. كيف تتعامل مع الحوار الأدبي من خلال علاقتك بالصحف والدوريّات ومن خلال تجربة هذا الحوار ؟!
+ أشكرك على هذا الحوار ، لقد كان مهما ، وأثيرت فيه الكثير من القضايا ، والحوار فعلا قد يكون مولدا للأفكار ، وباعثا على النقاش . لقد وفرت لي هذين الجانبين ، وآمل أن يثير هذا الحوار المطلوب منه ، وهو أن يكون مفيدا ، ودافعا للنقاش .
Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans شخصية العدد
commenter cet article
7 janvier 2010 4 07 /01 /janvier /2010 17:07

http://blogs-static.maktoob.com/userFiles/n/a/nassiralaoui/images/1213388817.jpgمحمد بنيس

ينكئ التحكم السياسي في الشعر المغربي

انتظرت سنة كاملة، قبل أن أوجه لك هذه الرسالة المفتوحة. أقصد سنة على تعيينك رئيساً لـ"بيت الشعر في المغرب"، خلال اجتماع للهيئة جرى في تاريخ 22 نوفمبر 2008، وأعلنت عنه جريدة "العلم" (التابعة لحزب الاستقلال) على صفحتها الأولى، في تاريخ 25 نوفمبر 2008. إعلان سياسي، يعني أن أحد أعضاء الحزب أصبح رئيساً لمؤسسة ثقافية، وهي تبارك هذا التعيين وتتبناه.
سنة مضت، إذن، على تعيينك، بصفتك الحزبية، رئيساً لهذه المؤسسة، التي ما أزال أتذكر أنني كنت أحد المعلنين عن تأسيسها ورئيسها لثلاث دورات من 1996 حتى 2003، وأتذكر أنني نجحت، بفضل أصدقائي من الأعضاء، الذين ظلوا إلى جانبي أوفياء، في إعطائها معنى التأسيس، بعيداً عن كل وصاية. لا بد أن أفرح بذاكرتي، التي لا تنسى حدثاً له علو الألـق، في مسار الثقافة المغربية الحديثة. فليس بمقدور أحد أن يسرق مني هذا الفرح، في وقت أشاهد فيه كيف أنك وأصدقاؤك أول من ينسون هذا الحدث، وأتتبع فيه كيف تعملون الآن على محوه من الذاكرة الثقافية.
سنة، إذن، قبلها كان حسن نجمي قرر الاستيلاء على "بيت الشعر في المغرب"، بمؤازرة أعضاء سياسييـن، وقد رأى في هذه المؤسسة غنيمة لا توازيها غنيمة أخرى، بعد أن كنت عملت، مع جماعة من الأعضاء، من أهل الكرم والنبل، على أن تصبح هذه المؤسسة، في فترة محدودة من الزمن، منارة دولية للشعر والشعراء المغاربة، بل منارة يمكن للمغرب أن يفتخر بها. رئيس في جمع لا يحترم تقاليد "بيت الشعر في المغرب".
هي عودة السياسي لإخضاع الشعر والشاعر لتبعيته، وقد كانا تحررا من تلك التبعية على مدى سنوات. وبهذا كان لحسن نجمي ما أراد بكل يسر، بعد أن أصر، كما أصر الرئيس الأسبق، على عدم احترام توفر شروط عقد الجمع العام. فالمسألة الثقافية ليست بعد من الشأن العمومي، في مجتمع تسوده حداثة معطوبة، كما أن السلطة التي توفر عليها سياسيون تقدميون، في حكومة التناوب والحكومة الحالية، وضعت بين يدي حسن نجمي نفوذاً استغله لبلوغ غايته.
كان هذا الاستيلاء على "بيت الشعر في المغرب" يعني خيانة فكرة "البيت"، بما هي فكرة حرة من أعباء لا شأن للشعراء بها، تهدف إلى حفظ كرامة الشعر والشعراء المغاربة، بعد أن كان اليتم مصير كل منهما. ذلك ما كان أكد عليه كل من "بيان التأسيس" و"الميثاق".
وتتمثل خيانة الفكرة في بث روح العداء بين الأعضاء بدلا من روح الصداقة والأخوة، وتحويل "البيت" إلى مكان مغلق على المكيدة والإلغاء، بعد أن كان مكاناً للقاء والتضامن، مفتوحاً من دون أبواب على علاقة السلام من الإنسان إلى الإنسان، أو علاقة يصاحب فيها الإنسان الكون، كما تقول ذلك أبيات الشاعر أبو الشمقمق (القرن الثاني للهجرة)، التي كنا اخترناها، أصدقائي في المسؤولية وأنا، شعاراً لفكرة جديدة عن مؤسسة شعرية في المغرب.
عى أن خيانة الفكرة تجسيد لما أسميه اليوم "الخوف من المعنى". تسمية تدل على أن من واجب الشاعر أن يفكر في الألم الجماعي، ويحتضن الفكرة ويربط بينها وبين مسلكه في الكتابة والحياة والمقاومة. فمعنى "بيت الشعر في المغرب"، ومعنى الشعر والشاعر، يقوم على التعدد والاختلاف واللانهائي.
من هنا أصبح هذا المعنى شبحاً يخيف كل من يرغم الآخرين على الاستسلام لانغلاق حقيقة السياسي، عندما تكون امتداداً لحقيقة الديني، لحقيقة المعنى الواحد، الذي لا يتعدد. بين المعنى المتعدد والمعنى الذي لا يتعدد حفرة تظل حفرة على الدوام. توضيح من الضروري أن نعود كل مرة إليه. وهو يفيد أن المشكل، حسب هذه الرؤية، لا يوجد مع السياسي مطلقاً، بل مع من يفرضون الرقابة على حقيقة السياسي فيجعلونها لا تقبل التعدد، الاختلاف، اللانهائي، من يحصرون السياسي في استحواذهم على الحق في التقاسم، من يستغلون السياسي لهيمنتهم واستبدادهم.
فيما الضرورة تفترض أن العلاقة يجب أن تكون عكسية، أي أن يستنـير السياسي بالشعري، الذي فضاؤه هو تعدد المعنى واختلافه ولا نهائيته. إنها الوديعة التي نستقيها من تاريخ الشعر العربي والشعر الإنساني، وهما يتآخيان في كسر طوق كل انغلاق يلغي الشعر ويمحق الشعراء، أو يغذي الحقد والكراهية. والخوف من المعنى خوف من حرية هي تعدد المعنى، ومن مغامرة هي إبداع الذات والمصير. لأن معنى "بيت الشعر في المغرب" ومعنى الشعر ومعنى الشاعر، رحيل إلى زمن شعري مغاير، عنوانه الأكبر هو التحرر من المغلق، الواحد، الذي يصد الشعراء المغاربة عن إبداع حوار شعري مع مجتمعهم ومع العالم.
كانت النتيجة الفورية، للخوف من المعنى، هي تنفيذ الإعدام المدني في حقي، بمباركة من الرئيس الأسبق وأعضاء كانوا، كغيرهم، من أقرب الناس إلى نفسي، لكنهم نفذوا الأمر بعد بيع حريتهم مقابل مناصب وعطايا أصبح بعضهم يتمتع بها والآخر ينتظرها.
نفذوا الحكم، خوفاً من المعنى الذي كنت أقاوم، مع غيري، من أجل المحافظة عليه. شطبوا على اسمي في أنشطة وخطابات ومنشورات "بيت الشعر في المغرب". وضعوا كل ما قمت به وما أنجزته (وأنجزه) في مزبلة وأحرقوه، حتى لا يبقى أثر. وفي محافلهم اختاروا الكذب، كل مرة، على من يسأل عني. لا تغيب عن ذهني أسماء شعراء وكتاب أحرار كان لهم المصير نفسه، عبر التاريخ، كما لا يغيب عن ذهني ما عانيت منه في "اتحاد كتاب المغرب" بسبب رفضي (وفضحي) تبعية الثقافي للسياسي.
السبب المباشر لانتقام كهذا هو إبداء رأيي، كعادتي، بحرية وصراحة، أثناء اجتماع للهيئة، تحفظت فيه على التسرع في اختيار حسن نجمي مرشحاً لرئاسة "بيت الشعر في المغرب".
فهو كان، من جهة، يبحث عن عمل ولا يعرف أين سيستقر به العمل الجديد؛ وكان "البيت"، من جهة ثانية، يعاني من بُعد الرئيس الأسبق في فاس عن مدينة الدارالبيضاء، التي هي المقر الرسمي والمدينة الرمزية.
وإعادة الحيوية إلى "البيت" كانت تتطلب، من بين ما تتطلب، اقتراح اسم نضمن إقامته قريباً من المقر، بين الدار البيضاء والرباط. أيدني، ظاهرياً، جميع الأعضاء الحاضرين (وأحتفظ بالبقية للوقت المناسب). لكن الاجتماع القانوني لم يعد هو مكان الرأي والاختيار.
كان مجرد إبداء رأيي (وتحفظي) في اجتماع لم يحضره حسن نجمي، مثلما لم يحضر اجتماعات سابقة، كافياً لأن يعثر فيه على الذريعة المباشرة لإصدار حكم الإعدام المدني علي، من دون محاكمة، تجسيداً للخوف من المعنى.
يضحكني ويبكيني هذا الانتقام. فما توقعته، وما نبهت الهيئة عليه هو ما حصل. أصبح حسن نجمي، بعد شهور قليلة، موظفاً يتحمل مسؤولية اعترف معها للهيئة، في اجتماع 22 نونبر 2008، عن عجزه عن تسيير شؤون "بيت الشعر في المغرب". ثم تصرف بصفة "البيت" إقطاعاً وبصفته هو سيد هذا الإقطاع. لا قانون ولا تقاليد. الراعي والرعية. ولا تفكر، بعد هذا، لا في "البيت" ولا في الشعر ولا في الشاعر ولا في التاريخ ولا في المعنى. كل ذلك من اختلاق حمقى مكانهم القبو وهم في الأغلال. للسيد المزيد من السيادة. وكلامك الطاعة أو لا تكون.
أنا شاعر. وأفترض أني وهبت حياتي للشعر والحرية. مزقت ثوب الطاعة وصاحبت الأمكنة التي لا عودة منها. ومن هناك، من الشعر والحرية، أتوجه إليك اليوم أنت، نجيب خداري، بعد مرور سنة كاملة، بأسئلة: ما السبب الذي يدفعك وأصدقاءك إلى الاستمرار في التشطيب على اسمي وأعمالي من أنشطة وخطابات ومنشورات "بيت الشعر في المغرب"؟ ألا ترى أن هذا التشطيب تأبيد للحكم علي بالإعدام المدني، الذي أصدره بحقي حسن نجمي؟ بل ما السند القانوني، أو الأخلاقي، الذي يؤدي بك وبأعضاء الهيئة إلى أن تمارسوا بحقي هذا الحكم، أنا الذي أعطيت، صحبة جماعة من الأوفياء للفكرة، كل شيء، لمدة تزيد عن سبع سنوات، من أجل أن يكون "بيت الشعر في المغرب" مؤسسة حديثة، حرة، تفتح للشعر والشعراء المغاربة عالماً جديداً؟ ألديك وثيقة رسمية بخط يدي أو بإمضائي تثبت أنني سحبت عضويتي من "بيت الشعر في المغرب"؟ ولنفترض أنني سحبت العضوية، فما الموجب الذي يمنعك ويمنع غيرك حتى من ذكر اسمي؟ هل صدر عني موجب لهذا النكران، كأن أكون شتمتك (أو شتمت غيرك) مثلما شتمني بعضهم ولم أمنعه من أي نوع من أنواع الحضور في أنشطة وخطابات ومنشورات "بيت الشعر في المغرب"؟ كيف يمكنك أن تتحمل مسؤولية في مؤسسة لا توجه لي، وأنا عضو مؤسس ورئيس سابق لثلاث دورات، ولا حتى دعوة واحدة لحضور نشاط من الأنشطة، وفي مقدمتها إحياء الذكرى الأولى لرحيل صديقي الفقيد محمود درويش؟
قل لي، أنت الرئيس باسم حزب يرفع شعار الدفاع عن مغرب حر، بأي لسان يمكنني أن أحكي هذا الذي يلحقني باسمك وفي ظل مسؤوليتك؟ بأي أمل يمكن أن أتكلم عن مستقبل الثقافة المغربية؟ عن أي شعر وشعراء؟ أو أي أخلاق للمثقفين وأي سلوك؟ وهل بوسعي أن أتجنب الريبة من كل ناطق باسم الحداثة والشعر والديمقراطية؟ هل تعتقد أننا يمكن، بمثل هذا السلوك المنافي للقيم التي دافع "بيت الشعر في المغرب" من قبل عنها، أن نكون أوفياء لما جاء في "بيان التأسيس" و"الميثاق" أو نبني مستقبلا حراً للثقافة المغربية؟ كيف يمكنك بهذا السلوك مقاومة التاريخ القاسي لإلغاء الشعر والشاعر المغربيـين؟ أليس هذا دليلا على خوفك أنت الآخر من المعنى؟
أسألك أنت، على نحو مباشر، ولا أسأل غيرك من الذين عملوا على خيانة فكرة "البيت"، وهم ممن أعطيتهم في حياتي أغلى ما يمكنهم الحصول عليه، منه ما هو واجب علي، كأستاذ في الجامعة، ومنه ما ليس واجباً، علماً وتكويناً ونشراً ومكانة وحضوراً في الحياة الثقافية. أعطيتهم من دون تقسيط، ولا أندم على ما أعطيت.
تلك عقيدتي في الحياة، بها استضأت وأستضيء في علاقتي بالآخرين من أجل مغرب ثقافي، حر، كريم ومبدع. أسألك، إذن، عما يتعلق بي، وأتجنب، مؤقتاً، كل ما يخص التوجه والأنشطة والخطابات والمنشورات.
أريد (كما تريد أسئلتي) من الرئيس فيك أن يجيب، إن رغب، بلغة المسؤول، الذي يتذكر في الوقت نفسه أنه مسؤول، قبل كل شيء. ثمة أسرار بيننا، لا يعلمها إلا القليل من الناس، من بينهم الرئيس الأسبق وحسن نجمي. فأنت الذي كنت أخبرتني بفوزي بجائزة الأركانة، متحدثاً عني بعبارات التمجيد والإجلال. قبلت الجائزة في البداية ثم رفضتها لاحقاً لأسباب ليس هنا ذكرها. وبعد رفضي، اجتمعت اللجنة للمرة الثانية وأعلنت عن فوز الشاعر محمد السرغيني. سر كهذا له دلالة. أليس كذلك؟
سنة وأنا أنتظر. كنت أقول ربما تتصفح "بيان التأسيس" أو "الميثاق" وتقرأهما قراءة عاشقة، فتهبّ عليك عاصفة من الأخوة، أو ربما يفاجئك تذكر ما كنت كتبت، أنت، ذات يوم عني، فتفتح هاتفك وتكلمني، أو تقل القطار وتدق على باب البيت في المحمدية، أو، أسهل من ذلك كله، تقف أمامي في الكلية. تأتي وتخبرني بنفسك. بإرادة منك وباختيار. كنت أنتظر. لم أكن أتعجل في شيء. وما كنت أتوصل به، في المقابل، من أصدقائي لم يكن يستفزني. انتظرت. ثم بعد مضي سنة تأكد يأسي من الشاعر فيك ومن السياسيين مثلك.
ويأسي هو سبب كتابتي، اليوم، هذه الرسالة المفتوحة حتى يتوقف نزيف من الكذب والبهتان تنطقون به ولا تتجرأون على كتابته، وحتى يعلم الأصدقاء وضعيتي علانية وبشكل مباشر، ويدركوا أن ما بينكم وبيني هو خيانتكم للفكرة كما جرت صياغتها في كل من "بيان التأسيس" و"الميثاق"، وبالتالي خوفكم من المعنى.
كنت أتوصل، منذ بداية محنتي مع "بيت الشعر في المغرب"، بمراسلات وأخبار من أصدقاء من خارج المغرب يبلغونني فيها بما لا علم لي به مما يقال عني. أقرأ وأنصت فأستغرب. وهو إما كذب علي أو تبرير خادع أو تهرب من الإدلاء بالحقائق. أصدقاء يسألون عني. هذا من حقهم. لكن ما يقدم لهم من أجوبة هو ما يترك وضعيتي في "بيت الشعر في المغرب" لديهم ملتبسة.
وأحتفظ بالمراسلات، المكتوبة بلغة أصحابها. لذلك فغايتي، اليوم، هي إزالة الالتباس، من طرفي على الأقل، بل إزالة الالتباس حتى بالنسبة لأصدقائي الأعضاء، الذين ما يزالون بدورهم يتذكرون أنني كنت ذات مدة من الزمن رئيس هذا "البيت"، ولا يفهمون تحديدا ما الذي جرى ويجري من طرفكم بحقي.
هي رسالة مفتوحة موجهة لك أنت، نجيب خداري، بصفتك رئيس "بيت الشعر في المغرب"، أي شخصاً ملزماً باحترام "بيان التأسيس" و"الميثاق"، وملزماً بتطبيق القانون، الذي في ضوئه تمارس مسؤولية الرئاسة وتحمي الأعضاء وأهداف وتقاليد المؤسسة من أي عبث أو استغلال نفوذ، وبموجبه إما أنك رئيس أو لست الرئيس، إما أنك تقاوم من أجل المعنى أو تخاف من المعنى. فما أعبر عنه في هذه الرسالة المفتوحة هو ما يمثل رأيي، وبه أتوجه إليك، بلا واسطة.
مرت سنة على إعلان أنك تتحمل مسؤولية الرئيس. ومن حق "بيان التأسيس" و"الميثاق" عليك، ومن حقي، وحق أصدقائي، بعد هذه المدة، أن تجيب عما أنا فيه، حتى لا يضطر أي شخص لاحقاً للكذب علي. هذا وحده ما أتمنى، ولا أريد شيئاً، كيفما كان، خارج جواب علني من طرفك على سلسة الأسئلة. ولك بطبيعة الحال ألا تجيب.
أما بلاغة إخفاء ما لا يخفى، فلا حاجة بها. أن تعترف أنت وبقية أعضاء الهيئة أو لا تعترفوا بما قدمت، أن تذكروا أو لا تذكروا ما أنجزت وأنجز، فلا يهمني كلية. ومن الأفضل تجنبه. تجنب الكذب، باختصار.
هي رسالة مباشرة، مفتوحة. فأنا، من جهتي، لا أرغب في أن أكون مجبراً على تصريحات شفوية تنشر بصيغ محرفة أو بعبارات هي من اختلاق طالب التصريح ولست مسؤولاً عنها. كما أن حياتي الشعرية والثقافية تحميني من الجنوح إلى ممارسة أي نوع من أنواع المكيدة، التي لم يشف من دائها بعض شعرائنا السياسيين الذين لا ينصتون إلى فكرة "بيت الشعر في المغرب"، أو يدعون إيمانهم بالديمقراطية فيما هم يخافون من المعنى ثم يحكمون بالإعدام المدني، ومن دون أي محاكمة، على كل من يقاوم من أجل المعنى، على كل من يعبر بحرية عما يرونه مزعجاً لاستمرارهم في إجبار الآخرين على الاستسلام لانغلاق حقيقة السياسي.
وأتـنازل، في الوقت نفسه، عن استعمال أي حق قانوني تضمنه لي قوانين "بيت الشعر في المغرب"، أو قانون الجمعيات في المغرب، مثلما أتخلى عن اللجوء إلى القضاء، وعن النداء على أصدقائي للتضامن معي، بل إنني لا أفرض عليك حتى الجواب عن أسئلة هذه الرسالة.
لكنني في الكتابة والمقاومة أقـيم. مرت سنة. وبعد الانتظار واليأس، أوجه لك هذه الرسالة المفتوحة.
لعلك تقرأ.

 

 

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans شخصية العدد
commenter cet article
26 septembre 2009 6 26 /09 /septembre /2009 14:05

الخطاب الغير مسبوق للقذافي في الجمعية العامة

 

السويد/26/09/2009

انها المرة الاولى التي يقف فيها زعيم من زعماء دول العالم وفي الجمعية العامة للامم المتحدة ويمزق ومن على منصة الخطابة ميثاق الامم المتحدة بعد تفنيده لهذا الميثاق ، ومعها فانها هي المرة الاولى ايضا التي يقف فيها زعيم من دول العالم الثالث ليوبخ النظام العالمي وعصابته في مجلس الامن والذي صادر حرية الشعوب واصبح هذا المجلس قرصانا ينقض على الامم الضعيفة هنا وهناك وبسلاح مجلس الامن العالمي .

انها المرة الاولى التي يقف فيها رئيس دولة من دول العالم الثالث الذي يسخر من الامم الكبرى والتي تقود عمليات الضحك على شعوب العالم ، وهي المرة الاولى التي يقف فيها زعيم من دول العالم الثالث رافضا ان تكون الامم الصغرى حيوانات في زريبة الرجل الابيض الامريكي والاوروبي .

نعم وانها المرة الاولى التي يقف فيها زعيم عربي ينتمي الى القارة الافريقية السمراء والتي ينظر اليها السيد الاوروبي الابيض والمستبد على انها خزان العبودية ، يقف ويفند الانتهاكات الدولية التي تقودها تلك الدول ساردا التاريخ الاستعماري ومطالبا بالتعويض عن تلك السنوات السوداء من عمر الكرة الارضية ومستعرضا الحروب الامريكية الظالمة على دول العالم الضعيفة .

انها المرة الاولى التي يتجرأ فيها زعيم عالمي بانتقاد دولة الشر الامريكية والتي وصفها بانها الاكثر اجراما في العالم ومعددا الكثير من اعمالها القذرة وانتهاكاتها في بنما وغرينادا وفيتنام وليبيا والعراق والصومال وافغانستان ، ومطالبا بتحقيق دولي في هذه الجرائم والتي لاتنته .

وانها المرة الاولى التي يفند فيها زعيم من الدول الافريقية الاعمال الشائنة والساقطة لجيوش الولايات المتحدة الجرارة ومحددا جريمتها اللااخلاقية والتي كشفت الوجه القبيح جدا لاخلاقيات اقوى دول العالم وما تحمله من شرور وحقد اسود على شعوبنا وخاصة تلك الجرائم التي عرفت في سجن ابو غريب في الوقت الذي ينافق فيه العالم وزعمائه اصحاب هذه الجرائم الساقطة .

وانها المرة الاولى التي يقف فيها زعيم افريقي ومن دولة يقل عدد سكانها عن سكاك حي في نيويورك ويخاطب العالم عن المدى الذي وصل اليه الاجرام الصهيوني والذي طال رئيس دولة امريكي هو الرئيس كيندي وعن مدى الخنوع الامريكي والذي عجز حتى عن محاسبة هذا الكيان ، هذه الجريمة التي راح ضحيتها رئيس امريكي طالب بالكشف عن اسرار مفاعل ديمونا الصهيوني ، والذي لم يدخل ابدا في اي اتفاقيات دولية في الوقت الذي تلوح فيه تلك القوى العظمى بابادة دول بعينها لأنها سارت في طريق تقوية دولها بنفس الاسلوب الصهيوني النووي ومنها كوريا الشمالية والباكستان وسوريا وايران .

انها المرة الاولى التي يطالب فيها زعيم دولة افريقي وعربي بالتحقيق في قتل زعماء عالميين منهم لومومبا والقائد التاريخي للعراق صدام حسين، وانها المرة الاولى التي ينتقد فيها زعيم افريقي وعربي غزو العراق واعدام رئيسه من قبل الاحتلال وكانهم عصابات شريرة تختبيء وراء اقنعتها.

انها المرة الاولى التي يفند فيها زعيم افريقي وعربي ان احتلال افغانستان هو احتلال ذو طبيعة اجرامية تجاوزت كل المواثيق الدولية وانها حرب من نوع خاص على الاسلام لامة ضعيفة استقوت عليها الامم ، وان الغرب له الف معيار في تقييمه للاشياء ، وان رفض النظام الغربي قيام دولة اسلامية ارادها واختارها الشعب الافغاني وقبوله لدولة دينية في الفاتيكان والدولة الصهيونية في تل ابيب هو نوع من انواع الكيل باكثر من مكيال لصنف واحد، وان هذا القتل المستمر في الشعب الافغاني والعراقي والفلسطيني يجب ان يتوقف .

وانها المرة الاولى التي يطالب فيها رئيس دولة صغرى وفي الجمعية العمومية بنقل تلك الهيئة الى مكان اخر بعيدا عن العبث الامريكي ، وبعيدا عن الاستغلال والصلف والجبروت والانتقائية في استقبال عناصر البعثات الديبلوماسية واهانة البعض منهم عن قصد .

انها المرة الاولى التي يصف فيها زعيم افريقي وعربي اجتماعات قادة العالم في الجمعية العمومية وخطاباتهم بهؤلاء الذين يلقون بكلماتهم في الهايد بارك البريطانية كالمجانين ثم يذهبوا ومعهم يمشي خطابهم المعتوه الاجوف او يجري ورائهم يلعنهم كلعنات الشياطين او يتبخر في الهواء وسط ضحكات واستغراب السامعين في الوقت الذي يستبد مجلس الامن ويتقاسم العالم على هواه .

وانها المرة الاولى التي يقف فيها زعيم افريقي وعربي امام هذا الحشد الاممي من القادة واعضاء الوفود ليشرح الازمة الفلسطينية بهذه القوة, كما انها المرة الاولى التي يشرح فيها رئيس افريقي وعربي الازمة الصومالية كما هي وان القرصنة كانت نتيجة جوع ابناء الصومال والذين حرموا من الصيد في مياههم الاقليمة , والقيت اليهم النفايات السامة لتقتل بالتسمم من لم يقتله النزاع الطائفي في غفلة من زعماء وقادة عرب ومسلمين ادعوا انهم من هذه الامة .

وانها المرة الاولى التي يقف فيها زعيم افريقي وعربي ومعه كل هذه النقاط الهامة والكثير والمحورية في الصراع العالمي فيلقيها ويفندها وبقوة امام عيون العالم وانظاره وخلال وقت قياسي .

نعم لقد كان خطاب القذافي فلتة غير مسبوقة في تاريخ الخطاب السياسي في الجمعية العمومية ، وكان خطابا غير مسبوق اعاد الى منصات الخطاب السياسي دفقات من روح الخطاب الارتجالي والذي يحتاجه العالم بعد ان اصبح الخطاب السياسي والديني وحتى دعاء العبد لربه من المفروض والواجب ان يمر على اجهزة مخابرات محلية ودولية وعالمية ثم يعاد الى صاحب الدعاء وقد شطب اغلبه واضيف اليه كل مايسخط الرب .

خطاب القذافي والذي جاء كالصواعق والذي كان خطابا عالميا بامتياز، خطاب قضى على نجومية كل من اتى بعده او قبله من المتحدثين والمتكلمين ، وكان خطابا امميا بامتياز لامكان فيه للاقليمة او المحلية وكأن العقيد القذافي اراد ان يعطي للآخرين درسا وعظة ان من اراد الصعود الى تلك المنصة العالمية فان عليه ارتداء ثوب العالمية .

ومع ان الخطاب لم يكمله القذافي عن الحقوق الانسانية العالمية الفردية ، والذي غفل اهم قضية تواجه البشرية بعد الاهمية الاقتصادية وهي التجارة باعضاء البشر العالمية والتي تقودها الصهيونية العالمية ، الا انه كان خطابا واسع المحتوى اتسع له ذلك الوقت القصير ، وكان خطابا على شكل لكمات وضربات قوية على رأس هذا النظام العالمي الظالم والذي بدا للمستمع والمشاهد وكأن القذافي يمزق هذا النظام العالمي بيده ويلامس بذلك احلام الشعوب الضعيفة والمقهورة, خطاب لاقى احترام الشعوب الضعيفة اجمع واستهجان صحف العالم وفضائياته العنصرية والذين عجزوا عن السخرية بهذا الخطاب كعادتهم والذي حبك بيد ماهرة .

والنقد الذي انصب على خطاب القذافي من بعض القنوات العربية وخاصة منها قناة الجزيرة الفضائية والتي تناولت هذا الخطاب بالكثير من السخرية من مذيعيها ومعلقيها  ، هو نقد يشبه تماما التعامل الامريكي مع الكثير من القضايا في الكيل بمكاييل متعددة ، وكم تمنيت من مذيعي ومعلقي تلك القنوات ان ينصرفوا الى التعليق على الخطابات الاخرى والتي عقبت خطاب القذافي ، والتي كان اصحابها يتلون خطابهم وكأنهم يتلون اسعار لائحة الخضار لزبائن مفلسة  وباسلوب ركيك للغاية ولغة لم يتقدم اصحابها درسا واحدا الى الامام في دروس محو الامية وما زالوا حتى اليوم عاجزين عن التمييز بين المرفوع والمجرور  والتي يستحق كاتبوها تعليقهم على برج دبي ليتعظ غيرهم بهم، وفي نوعيات من الخطاب البائس والذي لايصلح الا لتلاوته مساء الى جانب الاطفال كقصص خرافية مملة تساعد على النوم مللا وقرفا من تلك الروايات البائسة, وتفسر والى حد كبير عقدة نقص في اعلامنا المدفوع الاجر والذي يعيش على الربحية والنفاق ويعجز عن قول الحق بشكل ابلج وواضح.

 

د.محمد رحال.السويد

globalrahhal@hotmail .com

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans شخصية العدد
commenter cet article
5 juillet 2009 7 05 /07 /juillet /2009 09:08

من ملف العدد الثاني:

 

نساء نابليون بونابرت

 

مقدمة:

أثار نابليون بونابرت اهتمام كل من عايشه أو كتب و قرأ عنه، فحياته اتسمت بمواقف وظروف متناقضة جداً، بدءاً من اعتلاءه عرش الإمبراطورية الفرنسية، مروراً بمعاركه العسكرية و مغامراته النسائية، وصولاً إلى نفيه إلى جزيرة "سانت هيلين" وموته فيها. كان جوته على حق عندما تلفظ عام 1808 ، بجملته الشهيرة: "ستكبر عظمة نابليون، كلما زادت معرفتنا به".

نص المقال:

مَن كان يعتقد، أنه على الرغم من انهماك هذا الإمبراطور في كسب المعارك ووضع القوانين و التحايل على مكايد الأعداء، كان يجد وقتاً للاهتمام بأدق تفاصيل حياته اليومية، من الأزياء والديكور وشراء الهدايا الثمينة لحبيبته الأولى وربما الوحيدة "جوزفين"، من دون أن ننسى بالطبع الرسائل التي كان يكتبها بوفرة وغزارة .

لقد تمتع نابليون بحس مرهف و بذوق راق، فعرف كيف يستميل قلوب النساء من حوله، لاسيما "جوزفين" حبيبة قلبه الأبدية، التي أسرته وهو لا يزال ضابطا صغيراً. "وماري لويز" الأميرة النمساوية التي تزوجها لاحقا وأنجبت له وريثا تولى العرش من بعده، ناهيك عن النساء الأخريات اللواتي ملكن قلبه فترات و جيزة، نذكر منهن "ماري فاليسكا" الكونتيسة البولندية ، التي أثبتت لنابليون أنه قادر على الإنجاب، إذ أنجبت منه ولدا غير شرعي!! وهذا ما دفعه إلى تطليق "جوزفين" والاقتران "بماري لويز". ولا ننسى "ديزيره كلارية" ملكة السويد لاحقا، التي ارتبطت رسميا بشقيق نابليون قبل أن تغرم بهذا الأخير. وبالطبع هناك "بولين فوريس"، التي وصفت بكليوباترا نظراً إلى وجودها مع نابليون طيلة مدة مكوثه في مصر. وهناك أيضاً الممثلة رائعة الجمال "جورجينا" الملقبة "بمادموازيل جورج" التي أغرم بها نابليون فترة قصيرة أهداها خلالها بروش على شكل سهم من الألماس الملون باللون الوردي المرصع بالأحجار الكريمة التي شكلت اسمها.

لقد تزوجت جوزفين من نابليون عام 1798 عقب لقاء سريع في منزل باريسي تولدت معه حرارة الحب، عشق نابليون النبيلة وريثة النبلاء، ذات الجسد الرشيق والثقافة العالية، لم يكن إمبراطور فرنسا وقائدها العظيم جسداً يأخذ لب النساء، كان قصير القامة نحيل القد، انطلق نابليون في فتوحاته في قارات العالم، وانطلقت معها أقاويل خيانة زوجته له، وصلت أسماعه فازداد ألمه، اهتزت سمعته وسمعة العرش، طلقها بعد عدة سنوات من الألم بحجة عدم الإنجاب، ثم تزوج النمساوية ماري لويس، التي أنجبت له ابنا ثم ماتت أثناء نفيه.

يقول مؤلف كتاب "عشيقات الرؤساء والملوك:"نابليون بونابرت؛ إنه غزا العالم إرضاء لعشيقاته وزوجته الخائنة!". ورغم آراء نابليون السلبية ضد النساء وإخضاعهن لتبعية الرجل، إلا أنه كان له رأي آخر في النساء فيُنسب له القول الشهير "إن المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها"، وهناك من يعتقد أنه غزا العالم للتعويض عن حبيبته الضائعة جوزفين.

كانت جوزفين المولودة عام 1765 في عائلة نبيلة رائعة الجمال. سُجنت بعد انتصار الثورة، وبعد خروجها من السجن تخلت عن وقارها، وعاشرت الكثير من الرجال. وكانت نهاية مطافها عشيقة للقائد العام للثورة الفرنسية. وكان نابليون يعمل تحت إمرة هذا القائد واسمه "بارا". واستطاع نابليون- عن طريق رتبته العسكرية- الوصول إلى صالونات القيادات العسكرية، وشاهد جوزفين وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأعجب كلاهما بالآخر وتعاشقا حتى تزوجا، ولم يدم شهر العسل أكثر من يومين، حيث تم استدعاء نابليون لقيادة الجيش في إيطاليا. لقد سحقت جوزفين عظمة نابليون، إذ رغم إنها كانت تخدع زوجها إلا أنه يحبها ويشاطرها العلاقة الزوجية، وبعد زواجهما يرسل لها رسالة يقول فيها: "إن خطاباتك يا جوزفين، باردة جداً، كأن زواجنا مر عليه 15 عاماً، أنا لم أعد أحبك مطلقاً. أنا أمقتك، أنت إنسانة خسيسة، وقحة، فماذا تفعلين طوال اليوم بما أنك لا تكتبين إلا تلك الرسائل الباردة". 

ولكي يتخلص نابليون من زوجته وذكراها اتخذ لنفسه عشيقة أخرى في مصر هي"بولين مورنس" زوجة أحد الضباط؛ وقد أطلق عليها الجنود اسم كيلوباترا الشرق، وكانت تسكن في بيت مجاور لمقر القيادة العسكرية بالقاهرة‏. وكانت ترتدي قبعة من الريش الذهبي وبنطلونات سوداء،‏ وكانت إذا غضبت منه ارتدت فستانا، وإذا رضيت عنه ارتدت زيا عسكريا في الفراش. ‏وقد أرسل نابليون زوج "بولين" إلى الإسكندرية ليخلو له الجو، ولما عاد زوجها من رحلته علم بالأمر، ونشب صراع بينه وبين نابليون، حيث طلق الزوج زوجته الخائنة، إلا أن نابليون لم يتزوجها لأنه لم يكن يريد تطليق جوزفين، كما أنه كان خائفاً من أن تنجب له طفلاً.

عاد نابليون إلى فرنسا عام 1799 تاركاً الحملة بقيادة الجنرال كليبر، وقد صور لنا الوضع وقتها المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه "مصر المجاهدة في العصر الحديث": ".. إن فرنسا قد تحرج مركزها، وتضعضعت هيبتها في البلاد التي فتحتها من قبل، فشبت الثورة في البيمونت، وفقدت أملاكها في ألمانيا وايطاليا، واشتد السخط في فرنسا علي الحكومة الفرنسية وألقي الشعب علي عاتقها تبعة هذه الهزائم المتوالية، وأخذت انجلترا تشن الغارة في البحار علي أملاك فرنسا، وتمد حلفاءها بالعون المساعدة، فكانت فرنسا مهددة من الخارج والداخل، كان الحلفاء يتوعدونها من الخارج، والاضطراب الداخلي يهدد كيانها من الداخل".

في الحقيقة؛ لم يجد نابليون عند عودته إلى فرنسا محبوبته جوزفين، فأصرت عليه أسرته توقيع العقاب على زوجته الخائنة، فقرر أن يطلقها رغم اعتذارها، وتدخل ابناهما وأذعن نابليون وعاد لزوجته، إلا أنه طلقها في أكتوبر 1809 وتزوج من "ماري لويز" ابنة إمبراطور النمسا.

أما عشيقته "فوداي" فكانت إحدى وصيفات جوزفين، ولقد ارتبط بها نابليون غرامياً ولما كثرت طلباتها المالية نتيجة إدمانها على القمار تركها نابليون وابتعد عنها. أما "جورجينا" وكانت ممثلة دعاها نابليون إلى مقره الرسمي وأصبحت بينهما علاقة، لم يتزوجها قبل تتويجه بل عرض عليها أن تتزوج أحد جنرالاته حفاظاً على سمعته، لكنها ردت عليه بعبارة شهيرة تقول:" لا.. صحيح أنني ممثلة وفنانة، لكني أرفض تمثيل هذا الدور، فمن الذي يرضى لنفسه القيام بهذا الدور الخال من الشرف والرجولة والكرامة".

وتمضي الأيام، وكما عرف نابليون الانتصارات عرف الهزائم، فقد سقطت باريس في مارس 1814 وبعدها نفي نابليون إلي جزيرة "ألبا"، وعادت "ماري لويز" إلي النمسا. يقول الباحث أحمد الشنواني في كتابه "فاتنات وأفاعي": "ومن ضربات القدر، ألا تعيش جوزفين لتري بعينيها عودة نابليون من جزيرة ألبا، ومحاولته استرجاع عرشه، وهزيمته في ووترلو واستسلامه للانجليز، وإرساله سجينا إلي جزيرة 'سانت هيلين" 

فقد ماتت قبل أن يغادر الإمبراطور جزيرة ألبا، وعندما بلغه الخبر حزن وبكي، وبعد عودته إلي فرنسا، في خلال حكم المائة يوم التي انتهت بهزيمة ووترلو كان يسأل جميع الذين أحاطوا به يوم وفاتها، عن المرض الذي شكت منه، وعن ساعتها الأخيرة. وقبل أن يسلم نفسه للإنجليز، قال لرفاقه: "لو كانت جوزفين باقية علي قيد الحياة لتألمت كثيرا.. لم نتشاجر في حياتنا إلا علي مسألة واحدة.. ديونها الكثيرة، إن قلب جوزفين أطيب قلب عرفته".

وأخيراً؛ يُنسب إلى نابليون عدة مقولات منها:"وراء كل رجل عظيم امرأة"،"في الحرب أعرف بالضبط ما الذي سوف أعمله‏...‏ في الحب لا أعرف شيئا"‏، "‏ لو تفرغت للحب كما تفرغت للحرب‏..‏ ما أبقيت امرأة في حضن زوجها‏"، وجاء في موسوعة أقوال الفلاسفة والحكماء في عالم النساء أن سيدة حسناء ابتسمت لنابليون وكانت تدس له مسدساً بين ثديها، فأطفأت في صدره نار الانتقام واكتفى بقوله:"لقد أردت الفتك بالإمبراطور..فأخفيت سلاحك في مكان أحسده عليه..فمغفرة لكِ أيتها الفتاة الجميلة".

ـــــــــــــــــــــــ

بقلم:أشرف صالح

عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب

عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية

 

Published by دفاتر الاختلاف الالكترونية - dans شخصية العدد
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية