Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
3 février 2011 4 03 /02 /février /2011 19:41

الغربة في الشعر الأمازيغي بالأطلس المتوسط

د.سعيدي المولودي

لا يهدف هذا العرض* في موضوع الغربة في الشعر الأمازيغي بالأطلس المتوسط إلا إلى طرق خفيف لموضوع يبدو أنه يشكل مظهرا لمعاناة الإنسان الأمازيغي وفضاء خصبا لإنجازاته الإبداعية ، وهو ما يجعله مجرد خطوة أولى في ملا مسة الموضوع، وإضاءة السبيل إليه. ولذلك فإن كل الاستنتاجات أو التقييمات التي قد يطرحها ليس لها أي بعد شمولي أو إطلاقي ، فهي نسبية ومحكومة بسياقات محددة قد تضيق معها احتمالات التأويل أو الذهاب في مجراه بعيدا، وذلك عائد بالدرجة الأولى إلى أن المجال الذي اشتغل عليه العرض واستثمر بعض المعطيات المرتبطة به، مجال محدود من الوجهة الجغرافية أولا، و من حيث المادة الخام أو النصوص التي نهض بمحاولة قراءتها أو استقراء بعض دلالاتها.
ونستعرض عناصره من خلال النقط التالية:
1 ـ في حد الغربة والاغتراب:
ليس بوسعنا الذهاب بعيدا في مجال الإحاطة أو استقراء كلي لمفهوم الغربة أو الاغتراب وجوهر دلالاتهما، إذ يبدو أن ذلك مهمة شاقة، تستدعي الالتجاء إلى حقول معرفية عديدة بمقدورها أن تضيء كثيرا من مناطق الظل في مسار هذه الدلالات.
ولذلك بدا لنا أن نشير فقط إلى التحديدات التي رسم معالمها أبو حيان التوحيدي في إشاراته، فهي قد تغنينا عن كثير من الإحالات. فقد كان موضوع الغربة هو محور رسالة ( يا ) من الإشارات، وذهب فيها إلى أن الغريب ليس من " نأى عن وطن بني بالماء والطين وبعد عن ألاف له عهدهم الخشونة واللين" وإنما هو من "طالت غربته في وطنه وقل حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه" ويضيف" وقد قيل الغريب من جفاه الحبيب، وأنا أقول: بل الغريب من صار غريبا في وطنه" بل ويتقدم في هذا السياق ليعلن أن "الغريب من هو في غربته غريب" (1).وهي إشارات تتوغل في السمو بالدلالة إلى حدودها القصوى، وتضفي عليها سياقا من المفارقات أو التناقضات التي تغذي طاقتها بأبعاد جديدة.
أما الدلالة الشائعة للغربة والاغتراب، كما هو معروف فتعني: البعد والنوى والذهاب والتنحي عن الناس، والنزوح عن الأوطان والترحال والهجر وما يتصل بمدارات هذه الدلالة ، وهو ما يحملنا للقول بوجه عام إن بؤرة الدلالة تتمحور حول ثنائية الانتماء واللانتماء، والاتصال والانفصال والألفة والانفصام..
وتعتبر الغربة ظاهرة إنسانية عريقة مشدودة إلى سيرورة الوجود الإنساني وعلاقات الإنسان بواقعه وبالعالم الموضوعي، وتكتسب ملامحها وصورها المادية والمعنوية في كل الحقب أو اللحظات التاريخية الاجتماعية الثقافية التي تنشأ فيها اختلالات في التوازنات التي توجه حركة نمو وتطور سياق العلاقات المختلفة التي تخضع لها أية سيرورة اجتماعية، وقد تكتسب مظهر شعور بتصدع أو انهيار مظاهر الانسجام أو التواؤم مع الواقع والذات، وقد لا تكون لها شروط وجود قارة بالقدر الذي تكتسب معالمها وخصائصها وسماتها في كل مرحلة.
2 ـ الاغتراب المكاني:
يحضر عنصر الانتماء بشكل أو آخر في دورة الاغتراب، إذ إن انعدامه أو الإحساس بفقدانه هو ما يقود إليه، والانتماء غالبا يحيل إلى الارتباط بالأرض، العنصر العظيم في تكوين الكون. وربما على هذا الأساس تتقاطع رمزية الأرض وحقيقتها أيضا في الثقافة الأمازيغية مع دلالة الأم باعتبارهما معا المصدر الدائم للحياة وللبقاء والوجود الذى لا ينضب، وباعتبارهما كذلك القوة العظيمة التي تمنح هذا الوجود فورة الحياة والتجدد والاستمرارية. وثمة كثير من الإشارات التي تحيل إلى معالم هذا التداخل، والعلاقات الحميمية التي تؤالف بينهما " ثامزيرث يون مايس آي ثكا " فالأرض التي ترعى النسل مثلما تنتج الصخور والينابيع والأشجار والأعشاب، هي أم، إنها ليست المكان الذي تبدأ فيه الحياة وتحقق انبعاثاتها واستمرارها فحسب ، ولكنها كذلك الفاعل الأول في ترسيخ أواصر القرابات واستغراق نمط من الوجود معين أي بمعنى ما تلك القوة الخالقة التي حضنت الإنسان وتولت استعباده بالقدر الذي منحت له حريته أو أسهمت على الأقل في تحريره. هذا التطابق والتماثل بين الأرض والأم وما يحمله من دلالات رمزية نعثر عليها دائما في الثقافات الزراعية هو ما يكشف عن بعد الانتماء الكوني للإنسان.وفي الشعر الأمازيغي ما يضعنا دائما أمام هذه الصورة المتداخلة والمتعانقة:
( إيمانو آيث كيذ آثامازيرث، إيسورذيكم أول شحال إيموراك آيث سموترذ. )
ورغم نبرة العتاب التي تهيمن على السياق هنا فإن العمق الدلالي ينبني على التطابق بين القطبين الأرض والأم، بشكل ينفث في الأرض حياتها الداخلية والشكل الأمومي والإنساني، وهو مدعاة الاستغراب من قوة تحمل هذه الأرض على ضوء ما راكمته من أوصاب وآلام وأشواق.
وإيقاع هذه العلاقة الحميمية هو ما يجعل الأرض أقرب إلى الكينونة الخاصة، حيث توظف صورتها بكل حمولات الأمومة جزءا من كيان الإنسان الأمازيغي والشاعر الأمازيغي على وجه التدقيق، الذي يتوجه صوب الأرض و يستدعي كائناتها ليمنحها أنسها ويبثها أحاسيسه وعواطفه حتى لتبدو هذه الكائنات، وكأن لها حياة خاصة، وفيها روح تموج وتتحرك، فالأحجار والأشجار والحقول والمزارع والجبال والروابي والأطيار تحيا حياتها كجزء من كينونته وتنبض بفيض من المعاناة أو أشكال وجود يتقاسمها الجميع. واعتبارا لهذا الطابع الروحاني الذي يتعامل عبره الشاعر الأمازيغي مع الطبيعة، يبدو وكأن كل شيء فيها جزء منه، وتترسخ خيوط علاقات خفية بينه وبين أي شيء في هذه الأرض، تصغي الصخرة لوحدته ولآلامه وانكساراته، وتعانق الجبال الراسيات همومه وهكذا، وتستشري هذه الصيغة من الحلول في كثير من النماذج الشعرية التي يبدو أنها أسيرة الشعور العريق بالانتماء للأرض وربما هذا ما يجعل الانفصال عن الطبيعة ـ الأرض وكأنه فقدان لجزء من الحياة أو عناصر الوجود، إذ أن الشاعر لا يكتشف نفسه إلا من خلال هذه الكائنات التي تعمر الأرض وتصنع الوجود.
في الوقت ذاته فإن هذا الحلول يرتبط في تقديرنا بمنحى قديم في علاقة الإنسان بالأرض وطبيعة الكون، وهي ذات جذور أسطورية واضحة،إن دلالات الحلول في الكون في تقديرنا ما زالت تسكن على سبيل المثال مقدمات القصائد ( ثيفرين ) بالأطلس المتوسط، والتي لا يطرق الشاعر فضاءاتها إلا عبر استعادة قصة الخلق الأولى، واعتبار الكون بأجرامه ومظاهره وظواهره دليلا على قوة الوجود، وإذا كانت اتخذت في ما بعد طابعا دينيا أو تستلهم مرجعيات ثقافة دينية معينة فإنها تتضمن في العمق أوجها متباينة تحيل إلى المراحل العريقة للاتحاد بجوهر الأرض والكائنات. ويبدو وكأن الشاعرالأمازيغي لا يتعامل مع الأرض إلا على أساس أنها تميط اللثام عن سياق أسطوري يوجه سياق ميلاد الكون ووجود الإنسان.
والتغني بالأرض على هذا الصعيد يحمل كشفا عن كينونة ما للأشياء المقدسة الضائعة في مقامات الوجود، ولذلك تحمل في كل مرة أكثر من دلالة وإيحاءات أوغل في عمق الكون توقظ آثار الوجود الممكن الراسخ فيه، في قصيدة له بعنوان "ثمازيرث" يضعنا الشاعر عمر الطاوس ( 3 )أمام شكل من أشكال هذا الحلول، حيث الأرض مثواها القلب والأعماق:
( ثامازيرثينو، ثامازيرثينو
ثليذ كولينو ، ثليذ ك ثاسانو )
والعودة إلى وعاء القلب والكبد لهما بعدهما الرمزي الكثيف بالنظر إلى ما يحمله توظيفهما في الشعر الأمازيغي من أبعاد دلالية إذ أنهما منبع الحنان والعطف والود والمحبة وما يجري مجراها. و تمضي القصيدة على إيقاع طقس إنشادي فريد يحمل في طياته ظلال تلك العلاقات الراسبة في أزمنة الذكرى وتقترب من تلك الصورة التي تعيدنا إلى طقوس الخلق والميلاد الأول.
وبقدر ما تشكل هذه الصيغة حركة تنطلق في اتجاه محور الانتماء، فإن حالة الانفصال تتجسد على طول محور ردود أفعال وانفعالات و إحساسات يمكن إجمالها عبر هذه المستويات:
أ ـ التذكر أو الاسترجاع:
إحدى الدلالات التي لها علاقة عضوية متينة ب"تامازيرت" لفظة " أمازير" وهو دال يحمل معنى الانفصال عن الأرض، والخروج من دائرة رحم الذكرى،ويعني بقايا الرسوم والآثار التي يخلفها الظاعنون أو الراحلون حين يهجرون مواقع استقرارهم، ويشهد بهذا الشكل أو ذاك على لحظات مضيئة تستدرجها هوادة النسيان، توقد لوعة الحنين والعودة إلى الجذور التي تتصل بمدى الأزمنة المضيئة في الغالب، تظل ذكرى موشومة ترسم الخيط الواصل بين المكان والزمن البائدين، والراهن المكاني والزماني الذي يحضن دورة الحياة:
"هاش آنسيون، هاش آينا ك نتغيما، سول أور خسير ث كام آييميزار لمراوث "
والتغني بإيميزار أو الوقوف عليها وتذكرها والحسرة أو البكاء عليها هو صورة عن العلاقات الفريدة التي تحكمها طبيعة المجتمعات الزراعية والرعوية القائمة على الانتجاع والارتحال المتجدد، بحثا عن الأرض الطيبة التي تنبت الكلأ والعشب والعز، ويعكس التعلق بها وجها للصراع بين زمنين ومكانين يرشحان معا بمتعة حياة دافقة، لكنها تتوزع بين لحظات هاربة تحضر أعباؤها لتثقل كاهل اللحظة الراهنة وتراكم أحداثها وبقدر ما تحمل الدلالات هنا تقابلا ممكنا بين الماضي والراهن بين الفناء والتجدد والدمار والانبعاث والحياة والموت ، ترسم بصورة أعمق وأوضح مأزق الانفصال وفقدان عامل الانتماء، وآلام البعاد والفراق، فراق لحظات المجد واللهو السعيد، حيث يتصارع في ظلها الشعور الراسخ بوطأة الحضور والغياب، من خلال وجود الرسم أو الطلل وحضوره وغياب لحظاته المشرقة، وفي نفس الوقت يمكن اعتباره لحظة استعادة روح الحلول في صيرورة المكان ـ الأرض.
وترتبط دلالات "إيميزار" عادة بالروابي الصخرية ( ثيقشميرين )، والأودية ( إيغزران ) والظلال ( إيمولا ) .. باعتبارها منابت الذكرى التي يوقظ الشاعر أوارها لتغذي مظاهر إقامة التوازن بين الذات وتقلبات المكان والزمن، فهي تبدو وكأنها طقس عبور إلى الفردوس المفقود الذي لا سبيل إليه غير طريق هذا الترابط الذي يؤسسه الشاعر لحظة التذكر، وفعل التذكر هو بمعنى ما اغتراب عن المكان الخلاق المكان الأول بالقدر الذي هو اغتراب عن المكان البديل أو القائم:
( مايريخ الليسي آبابا أولا شان ثغوري، ريح ثيقشميرين نا ك إيتغيما أوسمون)
وهذه الصرخة لا تعبر إلا عن لحظة يأس من قوة اللحظة الراهنة، ورفض لتداعياتها، وفعل استعادة لفعالية حضور الزمن الماضي، الذي تنام في غاياباته الذكريات، ويعلن الشاعر إصراره بالانتماء إلى فضاءاتها اليانعة.
ترتبط دلالة "أمازير" وبعدها الاغترابي بالمحبوب، أي بتلك الآصرة التي تجمع الشاعر وخلانه وأترابه وأحبابه الدائرة الأكثر تميزا في تحقيق بعد الانتماء إلى الجماعة، إلى الأرض التي تؤوي هذه الجماعة، وتمنح طاقة الإحساس الدائم بالأمان.
إن التعلق بالحديث عن إيميزار في النهاية يعكس في العمق علاقات التوتر ومظاهر الاغتراب الطاريء عن حقل الانتماء، ومحاولة خلق صيرورة تجاوب أو تواصل وتواشج بين ما هو بائد أو دارس وما هو متجدد على صعيد قيم الوجود داخل دورة المكان والزمن.
ب ـ الحنين والتوق:
تستعيد الأرض هنا صورتها في الانتماء واستغراق بعد الوطن كله، يبدأ المأزق هنا من لحظة الابتعاد عن الوطن حيث تنقطع أواصر المودة عن الجذور، وتستعر عاطفة الارتباط والتعلق المطلق بالأرض، لتحرك هواجس الاغتراب والإحساس بالرغبة الجارفة للاحتماء بأحضان الأرض ـ الأم التي تتبدى مهدا لذكريات تطل من زمن بعيد سعيد، وتجسد كثير من الصور الشعرية هذا الاختلال في الوجود، وطغيان حلقات اليأس والضيق والتبرم جراء الابتعاد عن الأرض:
( آوا ميلان ثيغرمينا ك دوكيخ ميلان ثامزيرثا ك ساراخ آفاذنم آثينو )
هكذا تتصاعد قوة السؤال لمن هذه المنازل الطارئة العابرة، وكل هذه البلاد التي لا تحقق لحظة الامتلاء والإشباع العاطفي الذي لا يتحقق إلا عبر الحنين والعودة إلى حضن الأرض الأولى التي تجسد حقيقة الوجود، وتمنحه معنى يحمل فيه بذرة الحياة، وتعميق هذا الشعور يولد إحساسا جارفا بالاغتراب والرهبة والخوف الذي لا ينتهي:
( نكين ذابراني ك ثمازيرث ميدن، آيا مارك تراخش الحرم ألاوضخ ثينو )
ولا يجد الشاعر في هذه الحال غير الاستغاثة بموج الأشواق لترأف بوجوده وتمنحه الأمان أو الحصانة حتى يبلغ حماه، ويعانق هواء الأرض التي يغريها صوتها.
يتكرر الشعور بالرعب والخوف في كثير من النماذج الشعرية، كنبرة إحساس بانعدام الأمان، وبالضياع وفقدان إمكانات الاندماج واحتمالات التلاؤم والانسجام، والإحساس المضاعف بالعزلة والوحشة المدمرة، وافتقاد الشعور الصحيح بالذات وقدراتها على التوافق:
( كيخ أبراني ك ثمازيرث ميدن أورسينخ أساكا أوبريذ إيتصناون )
يغدو الآخرون في هذه الصورة أعداء يحاصرون وجود الذات ويقذف بها وضع الغربة لحافة صدع لا يلتئم، وتحتشد أسباب التوتر ليتعثر الوجود بأسباب الحيرة والرغبة في الخلاص وأي السبل يمكن أن يشكل معبرا إلى برية الأمان.والذات المغتربة هنا متصدعة ولا يحوطها غير أفق الاختناق ومحاولة الخروج من دائرة الضغط وشروط الاغتراب.
وتتكثف رهبة الخوف أحيانا لتصبح رهابا خشية النهاية المؤلمة وتكون الغربة بابا للموت ولأتفه الأسباب ، فالغريب لا حرمة له، وكل العيون ترميه شرا ، ولا غرو فقد تكون مجرد نظرة طائشة منه مدعاة للهلاك، فليس في وجود الغربة غير الشر المستطير:
( نك ذا براني ك ثمازيرث ميدن لا توكذخ آذيينغ شا خف أوهزا ن ثيط إينيناس الحب أخف إيتونغ )
كأن الوجود يتلاشى تحت وطأة الهلع الذي يحيق بالذات، ويستغرقه الحذر الجاثم من السقوط في أية لحظة في هاوية الإخلال بتوازنات الوجود المغترب، حتى فكرة الخلاص عن طريق خيار التكيف أو الانفلات من الوضع عن طريق البحث عن الألفة بواسطة الحب مثلا ، لن يكون إلا طريقا للهلاك، ولا تكاد تتمثل لحظة أمل لتجاوز الوضع، حتى تنتفض سيول الأشواق والذكريات الثاوية لتصرخ في الأعماق وتتولى الحض على السير قدما نحو الأرض البعيدة:
( ديخذ ك بريذ آويخ أبرم قيمخ، إيثابعيذ أومارك إينايي كر ماذ إيسثقيمذ )
هذه الرهبة وهذا التوثب والإحساس بفقدان الأرض ـ الأم في كل لحظة اغتراب تزداد اشتعالا وترتفع معه حدة التوتر، ليتصاعد منها أنين هذا الحنين الكامن إلى دفء الوجود والفردوس المفقود.
3 ـ الاغتراب العاطفي:
يمكن القول إن الشعر الأمازيغي بالأطلس المتوسط في بعض مستوياته يحقق وفرة من الغنائية التي تمنحه الكثير من جمالياته واستواء بنياته الدلالية، ويحتفي بالذروة العاطفية التي يتحول فيها الحب إلى فضاء متشابك من الدلالات مشحون بفائض من الرموز الشاسعة التي تفتح أمام القصيدة طاقة التعبير عن مظاهر متجددة للحب والألفة والمودة والعشق. والتلاحم أو الترابط الرمزي أو الأسطوري القائم بين المرأة والأرض كمكونين ثابتين في الثقافة الأمازيغية، جعل المرأة ينبوعا ثرا لمختلف التصورات والتلوينات التي يسبح فيها شعر الغزليات وإيقاعاته المتعددة، والمادة التي توفرها الأغاني والأشعار غزيرة في هذا الباب، ويبدو من العسير حصر امتداداتها الدلالية.
وكثير من عناصر الاغتراب العاطفي متصلة بسياق علاقة التوحد التي تتخلخل أو تنهار أو تفسد من خلال الانفصال في مجال الحب التي تتمثل في الفراق أو البعاد والهجر وما يوازيهما.
وكما أشرنا فإن بعضا من عناصر الاغتراب العاطفي ترتبط بالحبيبة التي غالبا ما يكون الطلل ( أمازير ) مثيرا لها، أو باعثا لذكراها، وهذا الترابط يتولد عمليا من صلب العلاقات الثاوية التي تجمع الأرض بالأم كمنبع للحياة، حيث يكون الوقوف أو البكاء أو الحسرة على فقدان المكان والزمن والألفة بين الأحباب والأصحاب الذين كانوا مصدر أنس فيها:
( ديخذ ك بريذ آويخ آبرم آنايخ إيغرم أوسمون توتين زيكي إيمطاون )
وهذا مشهد قد نجد له أصداء في كثير من النصوص، فمنزل الحبيب الدارس أو الماثل تتصل رمزيته بقوة ومعاني الألفة والمودة، وهذا الحنين الهادر الذي يؤجج اللوعة ويحمل على النواح والبكاء، وكأن الأمر يتعلق بطقس من طقوس الفناء أو الموت.
البكاء جزء من سيرة الاغتراب العاطفي، إذ يتمثل نافذة للخلاص وطريقا للمواجهة ومقاومة حرقة البعاد وآلام الفراق، حتى كائنات الطبيعة يتم استدعاؤها لتقاسم الغريب نحيبه وبكاءه:
( آطيكوك رو عاونخاش دجاس إوغريب آتنكاث سين
شكين آتروذ إ يعاري نك آذاسروخ إيوسمون )
هكذا يغدو البكاء قاسما مشتركا بين طائر الوقواق الذي يبكي الأعالي بينما الشاعر يبكي حبيبه الغائب، وتضيء الذكرى عتمات الألفة البائدة فتتفجر الرغبة في الخلاص والعودة بأقصى السرعة لأحضان الحبيب، مهما كانت الأهوال محدقة:
( شثيخد إيخامن شثيخد وايذريخ آرورزوخ أبريذ آذدوخ كيظ )
وعلى صعيد الأغاني يتم توظيف لازمات ترشح بهذا الوجه من الغربة:
( آسي الرحيلنش آوا آسيخ وينو ظاراش ماخ إيس ذاترحال آي تيدوكلا آوناريخ )
وهو رفض واضح للرحيل أو فك الارتباط مع أرض المحبة، لأن من يحيا بنور الألفة لا ينبغي أن يرحل، فلمن سيترك ينابيع الذكريات ومراتع الود. وأحيان تبدو هذه الغربة المأساة العاطفية مسؤولية هؤلاء الذين عانوا أو اجتازوا التجربة واختبروا حرقة الفراق، فهم يستحقون اللوم كله لغضهم الطرف على رحيل الأحبة:
( إيدا أوسمون إيرحل ييوي ثاذكات ماخ أورتوميزم آوينا جربنين )
على أن هذه الغربة العاطفية أحيانا تكون أمرا مرغوبا فيه ، ويكافح من أجلها الأحبة، ولكن خارج منطقة الهجر والبعاد، حيث تبدو الرغبة في الاستئثار بالمحبوب والابتعاد أو الهروب به عن نطاق الألفة العام إلى نطاق أضيق ، مستند إلى دواعي الوحشة والعزلة والاعتزال:
( آوا ك إيكشمن آعاري آذيك آسمون إي لوحوش )
آذي مون ذوناثيران آلاينا كورثي تانيي شا )
فالاحتماء بالغاب ومصاحبة الوحوش واعتزال الآخرين يعني إمعانا في طريق العبور إلى اغتراب من لون خاص يكشف بعض أوجه الإحساس بضرورة تغريب الألفة:
( آوا ك بضان آبريذينو ذي نجذا آتيتكا غاس نكين ذ وايذريخ )
إنها الرغبة في الخروج من حيز الانتماء الجمعي إلى انتماء يحاصر جدواه في لحظة تفرد وتوحد مع الحبيب وتغريبه والاغتراب به، وفيه.
وتبلغ صورة هذه الغربة ذروتها على مستوى آخر ذروتها حين يحتد البعاد وتنقطع أواصر الألفة أو الأنس أو اللقاء بمعنى من المعاني، حيث الحبيب في أرض بعيدة لا تطأها الأقدام ولا يرتادها العابرون أو تبلغها قوافل السائرين، ولا يبقى غير الاستسلام وإعلان الخضوع لمشيئة الاغتراب والاكتواء بناره:
( إيلان أوسمون ك ثمازيرث نا أور إيتك أوظار أولا كين إيمازان ثامانس )
على كل ينبغي القول إن الغربة العاطفية تتشكل عبر صور ومواقف عديدة وأشتات من التمثلات التي ترسم تضاريس تجربة الحب وما تكتنزه من ثراء ، وملامح لا تحصى، ولذاك يمكن اعتبارها جزءا من مظاهر امتلاك الشاعر الأمازيغي لعلاقاته بوجوده الخاص وعلاقاته مع الآخرين ومكابداته من أجل البحث عن موقع آمن في خضم العلاقات الاجتماعية والارتباط مع الآخرين.

4 ـ الاغتراب الوجودي
في استثمار دلالات الغربة أو الاغتراب في الشعر الأمازيغي بالأطلس المتوسط نواجه مستويات عدة لهذا الاستثمار أو التوظيف فهناك من جهة توظيف لفظ الغربة في إطلاقها بما قد يسمح لتأويله على أوجه وجهات شتى، بقدر ما تتيحه بعض القرائن المتصلة بالسياق، وتتخذ صيغة " ثيغوربا ثعمايي" أو صيغة أكثر تجريدا وحلولا في أشياء الطبيعة ( لاجبال آغر مي ديخ، ثاغي لغروبيث، نك آذروخ إيمطي، شني ترويات س ثاكوت ) فالاحتماء بالأعالي هروب واغتراب أو توحد بمداها وهي تطلق عناء نحيبها عبر الغيوم الماطرة، والتماهي مع هذا الوضع، أو الحلول فيه. وهي صيغة تطغى على كثير من الصور في هذا الباب.
وتتحدد ماهية الغربة على صعيد الوجود عبر معاناة الذات وانخراطها في عمليات التنافر مع واقعها حيث تتحطم علاقات الود وأواصر الألفة، ومن صلب هذا الإحساس بالتصدع والتنافر وعدم التوافق تولد صيغ دلالات أخرى تنحو منحى وجوديا تتأسس على ما يمكن أن ندعوه " لاجدوى" أو " لامعنى" الوجود، وما قد يواكب هذا الوضع من ابتعاد وضياع وشعور باليأس والانكسار، والأسى تجاه واقع لا يطاق ولا حقيقة وراءه أو ملاذ يسند راية الأمل. وفي هذا التمثل تحضر كذلك أشياء الطبيعة لتحقق صيغة التماهي أو الانصهار في كينونتها، واستغلال رمزيتها لترتيب طقوس اغتراب يصبح جزءا من عالم الطبيعة ـ الأرض ، جبالها وأنهارها ونجومها وكواكبها، وهكذا:
( أداي كرح وايور لادجان ميدن غاس نكين ذوامان آمي دام ثاحوفث )
يلقي القمر بنوره على الأرجاء ينام الخلق أجمعون عدا الماء، وهذا الغريب الذي لا يحالفه غير حظ التيه الأزلي، والمضي لما لانهاية، وبقدر ما تحمل الصورة سياقا جماليا رائعا، تستدعي في العمق مشهدا من مشاهد الرعب والاغتراب الذي لا يقاوم، وتوصد معه احتمالات الخلاص، ليس الماء وحده المعادل المعبر عن ذروة ضياع لا حدود له، وانتماء يجري فيه إلغاء الوجود، بل إن الشمس أيضا لها وضعها الاغترابي، إنها وحيدة في سمائها ، وكذلك الوضع بالنسبة للغريب الذي لايرى في العالم غير أنه وحيد فيه وغريب عنه، أكيد أن الوحدانية في الأعالي ليست هي في الأسافل لكن سياقهما معا يلتئم ليمنح الغربة بعدا وجوديا تتضافر في بنائه كل الكائنات وتتقاسم مداه:
( نكين تافوشت أميي إيخا أوزدوغ نكين ك شال نتاث ك إيجنا )
وتتضافر مع هذا البعد صورة أخرى يكون الطير فيها أحد أطرافها، تكثف منحى الاغتراب والتحول في ظله على فريسة تنهشها الجوارح والكواسر:
( كيخ ثين أونكارو العش إيزريي با نمزي أوفرون آيثما قيمخ آري سمخزان الوحوش )
وهناك صورة أكثر إيغالا في رسم ملامح هذا الاغتراب الوجودي، وتستدعي أصلا أسطوريا معبرا يعكس فجيعة هذا الاغتراب، وهي تعبر بكثافة مغرية عن اغتراب وجودي وعاطفي في الآن ذاته:
( آذروخ إيوا رو كاخ ثين إيجظاظ أيا سمون قاري يعقوب آلث قارخ )
وتحيل الصورة إلى أسطورة تستعيد حكايات الخلق الأولى حيث تحكي الأسطورة أنه في أزمنة غابرة كان لامرأة صالحة طفلان أحدهما يحمل اسم يعقوب والثاني اسم إسحق، وكان أن كلفتهما أمهما ذات يوم ليحملا بعض جودها من الطعام إلى إحدى جاراتها غير بعيد من مقامها، وانطلق الطفلان في الطريق، وأغرتهما تلقائيتهما الصغيرة أن يعبثا بالطعام، وأفسداه، ليعودا إلى والدتهما يشكوان أمرهما ويلتمسان صفحها، ولكنها قست في حقهما ، ودعت عليهما بأن يجعلهما الله في غصن واحد ولا يرى أي منهما الآخر أو يسمعه حين يناديه، واستجاب الرب لدعوة المرأة الصالحة، ومسخ الطفلان طائرين يقعان معا وأبدا على غصن واحد وكل منهما ينادي أخاه ولكن لا أحد منهما يسمع الآخر أو يراه. وهي صورة على ما يبدو تحمل معاني عميقة تجسد رؤية ممعنة في التعبير عن الاغتراب الوجودي الذي يعصف بالوجود ويفرغه من جدواه وإيقاعه الفعلي والإيجابي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
* ألقي هذا العرض في الندوة التي نظمها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بتعاون مع الكلية المتعددة الاختصاصات بمدينة آسفي بتاريخ 12.13 دجنبر 2007.
1 ـ أبو حيان التوحيدي: الإشارات الإلهية. تحقيق عبد الرحمن بدوي.وكالة المطبوعات. الكويت. دار القلم بيروت. الطبعة الأولى1981.ص:112 ـ 119.
وأيضا:
ـ ريتشارد شاخت: الاغتراب. ترجمة: كامل يوسف حسين. دار شرقيات للنشر والتوزيع. القاهرة. الطبعة الثانية 1995.
2 ـ عمر الطاوس: إيدجيكن ن إيكنا. مطبعة امبريال. الرباط. ص: 7.

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات أمازيغية
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية