Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
24 décembre 2012 1 24 /12 /décembre /2012 19:44

الوعي التقني التعليمي[1]

الثورة الصناعية: نحو مستقبل جديد

بقلم الدكتور عبد النور ادريس

ديداكتيك المواد

«قد بدأت التربية ثورتها الصناعية» برنارد بلانك

كانت غاية التربية سابقا هو إنتاج الفرد وفق الأنموذج الجاهز، وبذلك لم تكن قد بلغت سن الرشد، أما اليوم فلا تريد التربية إلا تدمير هذا النمط، مندفعة لتحقيق تجاوز المداخل الحضارية الكبرى.

ولقد حاول المربي أن يتخلص من عبء محاولة التصدي للتربية: عبء تفسير نظام الكون وإيجاد أجوبة موضوعية لقضايا مستمرة وأسئلة ملحة، بطرق مختلفة ولهذا، ومن أجل أن تكون التربية ذات الجدوي كان لزاما عليها وضع صيغة التحول ضد القواعد التقليدية، وحتى لا يفقد المستقبل قدرته على الإغواء، وجب كشف الغموض عن الحاضر بالتأثير الصناعي عليه، هكذا تكتسب التربية توترها البناء المستمر. وهذا أمر لا يمكن فصله عن توليد السلطة الدائمة اللامرجعية التي يقترن فيها مسار التربية المستمرة بمسار التربية الحديثة التي جعلت المستقبل صناعة تتجلى في ملامح النشاط الصناعي التعليمي.

وإذا كنا نشهد اليوم عصر تغيير سلوك الفرد والجماعة بالتربية فإن الوسائل التعليمية ما زالت قادرة على خلق هذا الحوار بل ما تزال الصيغة التي ترفض التربية بواسطتها الثقافة السائدة على العقل والسلوك، وتنزع إلى بلورة أنماط وعي متجدد في تعامل الفرد مع محيطه. فالتقنيات التعليمية سعي تواق لتفتح التربية، إنها سلسلة من العمليات تحدث تطورا في مفهوم تعامل الفرد مع صرامة حدود التراكم الكمي والنوعي للظواهر الثقافية والاجتماعية.

ومن تجليات انفتاح التربية أيضا ازدواجية المغزى والنتيجة، ثمة وجه إيجابي ينحصر في التخريجات النوعية والكيفية التي تثيرها الثورة التقنية بعلم التنشئة.

 

وثمة وجه سلبي يعمق البنية الداخلية للتربية التقليدية ويمثل كبحا لطريقة التشارك فتصبح التربية كيانا معلقا.

الوجه الإيجابي:

التنشئة تبقى دائما فنا، فن الملاءمة لوضع معين غ. ميلاريه[2] إن الفن هو تجسيد للتعددية بهذا تكون الملاءمة مرتبطة جذريا بممارسات اجتماعية سرعان ما تتحول إلى كتلة من الفعاليات التعليمية تصبح مناخا تتحرك فيه ظواهر ملتبسة تتجذر بسيطرة السلطة التقليدية على نظيرتها التعليمية المعاصرة التي تعمق التنامي المزدوج لطغيات سلطة الآلة حيث تغدو التربية مسكونة بهاجس تغيير المجتمع إلى مجتمع يربط مصيره بالمشكلات الكونية الكبرى.

الوجـه السلبـي:

لاشك أن التربية هي آلة الفرد كي يلعب أدوارا متباينة في مسار يماشي ازدهاره النفسي وفق بعده الجسدي والعقلي.

لكن الوجه الأعمق خطورة هو كون التكنولوجيا التجديدية السائدة، تصبح موجة دعائية تكرس الإيديولوجية المعتادة بتسميته الأشياء من خلال المحتوى الإيديولوجي لا التربوي. هذا مع غياب أي دور يقلل من مساحة التقاطع البيداغوجي الماثلة في عملية التعلم المعتمدة أساسا على التيكنولوجيا التعليمية التي لا تلقن للطفل إلا ما يعرفه مع قصورها على تلقينه ما يجب معرفته خارج نطاق الآلة، لأن غياب العلاقة البشرية بين المربي وتلميذه هو الذي يحدث هذا الإشكال من حيث أنك لا تجد إلا متعلما منزويا بحاسب إلكتروني أو مغلقا حواسه إلا من سماعه لدرس مسجل على شريط ممغنط، أو ملتقيا بأزرار يضغط عليها ليتلقى إجابة لا تناقش وكأنها حقيقة مطلقة.

إذن من شأن التعلم بالتيكنولوجيا أن يتحول إلى تعليم عبودية، فهو شكل صارم يسجل هبوط النبض الإنساني بالعملية التربوية.

وفي ضوء هذه الحقيقة يمكن أن نستشف أن العلاقات الإنسانية تسير في اتجاه الغياب بالرغم من كونها تعتبر امتدادا للتعلم بالتكنولوجيا، لهذا فلا يمكن تصور الأدوات ذات المهارة المتفردة بمعزل عن التدخل البشري الذي يشتت توتر عملية التعلم.

إلا أنه بغير التيكنولوجيا تصبح السياسة التعليمية غير ممكنة، فهي إذن أنزيمات التعلم الحديث؛ من تم كانت التقنيات التعليمية وسائل في إمكانها أن تلخص كليا الأنظمة التربوية.

يقول بلوتارك Plutarque    : «الطفل ليس إناء يملأ بل هو روح تتكون» من هذا المنظار فقد أخذت المدرسة مهمة التكوين والإعداد للحياة، لذا وجب تمكين الطفل من الإمكانات والوسائل التي يحافظ بها على تلك الحياة، الحياة التي لا تسع جدران الفصل والتربية – كما يقول بلوتارك – هي مؤلف للحياة كلها..

كل ما سبق يدعونا إلى التعرف على الآليات التكنولوجية وأهميتها على عدة مستويات: تربوية نفسية واجتماعية.

يقول فريني Freinet    : «يوجد في المدرسة من جهة، الدروس، الأيادي المشبوكة، والحفظ عن ظهر قلب، التمارين الميتة، وخارج المدرسة: محيط الصور، المجسمات والسينما».

وقد تندرج تحت اسم الوسائل التعليمية كل من: لوحات الإعلان، اللوحات المغنطية، السبورة، المعلم، الكتاب المدرسي، المصورات، الرسوم، الصور، الكتابة، البيانات، الخرائط، الملصقات والنماذج زيادة على التسجيل والإذاعة والتلفزة كذا الأفلام المتحركة والثابتة ومكبرات الصوت والصور المجسمة "مالتي ميديا" دون أن ننسى وسائل أخرى بها دور فعال في إنجاح العملية التربوية كطريقة العمل المتبعة، القسم كمناخ هندسي وكل ما يؤثر من قريب أو من بعيد في العملية التربوية، كالزمان الذي يتحقق فيه التعلم والطقس الخارجي والحالة السيكولوجية للطفل... الخ.

أما أهميتها فتتجلى على عدة أصعدة، هي التالي:

أ-على المستوى التربوي:

- يميل تحصيل المعلومات عن طريق التعليم السمعي البصري إلى المثول في الذاكرة لمدة أطول.

- تصحيح الرؤية العلمية للمعلومات.

- تدريب الطفل على كسب المهارات في زمن قصير.

- تنمية الثورة العقلية واللياقة اليدوية للفرد.

- التعلم عن طريق الربط المباشر بين الدال والمدلول.

- جعل المعاني المجردة محسوسة وأكثر دقة.

- تخطي وتجاوز الصيغ المتكلسة للآلة كأفق مغري للمعرفة.

ب- على المستوى النفسي:

- ربط انتباه الطفل بالدرس.

- إحداث تداعي المعلومات إثر تدعيمات إيجابية معينة.

- تقوية حب الاستطلاع لدى الطفل الذي ينفتح على عالم لا ينحصر فيما يشمل إدراكه المحيطي.

تشتيت الغموض عن الدرس مع احتواء الشرود الذهني للطفل.

ج- على المستوى الاجتماعي:

- إدماج الطفل في دوامة العمل خارج الفصل، كي يكسب ترشيحه يوم يتقدم للحياة الاجتماعية.

- تقويم الصورة الكاريكاتورية التي تشوه التصور الذهني للطفل عن الحياة المحيطة به.

- مساعدة الوسيلة التعليمية في غرس الاتجاهات السلوكية المرغوبة في الطفل.

ويجمل بول ويندنت وظيفة التقنيات التعليمية فيما يلي حيث يقول: «فالوظيفة الأساسية للوسيلة التعليمية هي تنمية الثورة العقلية للفرد، وتنمية اللياقة اليدوية لديه، بحيث يصبح لكل معنى أو حقيقة مفهوم واضح في الذهن، وبحيث تستطيع اليد أن تستجيب للتفكير والابتكار استجابة مرنة شاملة»[3].

هكذا تصبح التيكنولوجيا امتدادا للعقل بنفس القوة التي تجعلها امتدادا للجسم، وبذلك تصبح التربية من وجهة نظر غاستون ميا لاريه – كغيرها من النشاطات الفاعلة، تستفيد من الوضع العلمي الذي تعطيه وسائل التقدم بصورة أسرع.

لكن ينبغي الإشارة إلى أن الوسيلة المساعدة ليست في ذاتها منبعا للحيوية ولكن في إمكانها أن تصبحه إذا ما كان المربي عالما بكيفية استعمالها في حدود الشرط الذي يتطلبه استغلالها، وبذلك تتمكن التربية من تجاوز المفارقة العميقة بين المدرسة والحياة.

يقول بول. ر. ويندت: «فأما أن الوسائل السمعية البصرية تستطيع أن تعلم الحقائق فذلك أمر لا يثير الدهشة وأما أن هذه الحقائق تظل في الذاكرة وقتا أطول مما لو كان تحصيلها قد تم من الكتاب المدرسي وحده فإنه في الواقع أمر عظيم الشأن»[4].

فمعظم الأبحاث التي تطرقت لوسائل الإيضاح لم تركز اهتمامها على الدور التعليمي لهذه الوسائل بقدر ما له جانب مهم من الأهمية بل ارتكز على مدى قدرة التعلم عن طريقها من الحفاظ على المعلومات بنسبة عالية في الذاكرة.

انطلاقا من هذا الطرح يتبين أن عملية التعلم هي فن عمل تمازج الوعي باللاوعي فتصبح ذاكرة التربية عقل بالوسيلة والوسيلة التعليمية معول لحديقة الذاكرة.


[1] - نشرت بجريدة بيان اليوم، عدد 648 بتاريخ 18-3-1993.

[2] - مدخل إلى التربية – غاستون ميالاريه – سلسلة ودني علما ترجمة نسيم نصر منشورات عويدات بيروت – باريس الطبعة 2، 1980 ص 81.

[3] - التعليم بالوسائل السمعية البصرية تأليف بول ر. وندت ترجمة أحمد محمود طنطاوي من سلسلة بحوث تربوية في خدمة المعلم عدد – الطبعة 2 سنة 1976 ص 9.

[4] - نفس المرجع السابق، ص 31.

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات تربوية
commenter cet article
25 mai 2012 5 25 /05 /mai /2012 12:16

الوعي الحركي: نظرات في فلسفة التربية البدنية

ديداكتيكا المواد التعليمية

للدكتور:عبد النور إدريس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«الطفل الذي يلعب مقدس عندي» فروبـل

مدخل تاريخي:

■ تطور النصيب التقني من حضارتنا وتقلصت استعمالاتنا للعضلات الأساسية التي كانت سبب انتصارات الإنسان الأولي على الحياة، وبالتالي ازداد الإلحاح باحتياج الفرد إلى توليد النشاطات الفيزيائية، ينشأ فيها التوازن بين النمو الجسدي والنمو النفسي، وبذلك خرجت التربية البدنية من عنق الزجاجة معبرة عن نفسها أنها تمثل عضوا مهما في أركسترا التربية العامة، فإلى أي حد عبر الوعي الرياضي عن هوس العصر، في توقيعها عقد زواج بين الطرح الحركي كوسيلة والتصدي لتشوهات الواقع كغاية؟ اكتشف الإنسان البدائي أن ممارسته للقطف تبعث فيه الحرارة، فأصبح الفعل شرطيا، كلما زغب في الدفء مارس القطف. هكذا نستشف أن تلك الحركات الاحمائية الهادفة برغبة بدائية قد أفقدت عضلات اليد المستحيل الحركي؛ ومن تم فالحضارة إذ يرجعها المؤرخون إلى بداية عصر الالتقاط، فإنما يرجع الفضل في ذلك إلى ما اكتسبته اليد من مرونة غيرت من السرعة التي يتجاوب بها البدائي مع محيطه وكأن التعقيدات الحضارية التي نعيشها اليوم ناتجة عن تطور كبير في استخدام أصابع اليد التي أصبحت تستجيب للتفكير والابتكار؛ يقول روني أوبير في هذا الصدد حول دور اليد في بناء الحضارة ما يلي: «إن اليد عضو التفكير كالدماغ سواء بسواء، وأن تربية اليد تربية للذكاء شأنها شأن تربية الحواس بل تزيد»1 ويجدر بي أو أوضح هنا أن الإنسان البدائي حينما بدأ يستخدم يديه في حمل محمولاته. فقد بذلك التواصل مع الآخر من حيث أن حركة اليد عنده كانت بمثابة التفكير والنطق، - إرساليات خطابية – الشيء الذي لا يساعده على التواصل الإشاري ليلا أو من بعيد مما أدى به إلى اختراع نشاط آخر للتعبير: التصويت، الطبل الدخان والنار... واللغة أخيرا. تلك كانت أوجه النشاط التي فتحت طلسم التاريخ للإنسان، فاحتوته التربية التي أعطت في العصر الإغريقي اهتماما بالغا للتدريب البدني والعسكري قصد تكوين الكائن المحارب، الشيء الذي جعل التربية الاسبرطية – نسبة إلى اسبرطا – تميل إلى تأكيد رفاهية الدولة عبر القوة البدنية رافعة لواء البقاء للأقوى؛ وفي وقت وعي التربية الإغريقية بضرورة إحداث التوازن بين النمو الجسدي والعقلي، كانت التربية الرومانية تمارس طقوسها في تمجيد الجسد تلك التي تجاوزتها التربية البوذية بكثير حين جعلت من ممارسة "اليوغا" فرضا من فرائضها الدينية والتي كانت تتعبد بتعذيب الجسد قصد تنقية الروح. وتؤكد وداعة ورقة رجال الكنيسة على إهمال المدرسة القروسطية للتربية البدنية، فقد أكدت نفس النظرة الدينية للبوذية لكن حلقة التصادم بينهما أبان عنها الخط العام الديني الكنيسي الذي يحقق الاتصال بالعالم العلوي عبر تحقير الجسد قصد تشريف الروح. ومع الارتكاز حول مدار الفرد في عصر النهضة تمادى إهمال التربية البدنية على حساب التربية العقلية. لهذا فإذا: «... كان تمجيد الجسد من أجل الجسد ضربا من الحماقة، فاحتقار الجسد حماقة أكبر». رونين أوبير.2 التربية الحديثة توازن وتكامل: ولعل خير ما تمتاز به التربية عصرند، أنها توازن، لذلك فهي ثورة على الأوضاع الاجتماعية التي جعلت من الحرب عنصرا حساسا في عرفها والتي كانت تسعى إلى تكوين فرسان نظاميين. لقد انتهى عهد، كن بالجسد تتفجر فيك عبقرية البقاء، وعبثا نتمسك برفاهية الروحية عبر جسر الجسد. إذن، فعندما تكتشف التربية ذاتها في نظام تربوي ما، سرعان ما تدخل حظيرة مفارقات: فلا جاذبية الفارس القديم ولا البطولية تحدد مغامرة الإنسان بالجسد، حيث الفرد خريطة لهذه المغامرة، ولا لهفة اكتشاف العالم بمفاتيح روحية؛ ما يخدم بحق غاية أي تربية حديثة عقدت العزم على التنشئة الغادية – نسبة للغد – بأحد التيارين المادي أو الروحي فقط، إنما سلطان التوازن من يحقق أفق ورؤية التربية الحديثة التي تتوج بقولة مونتيني: «إن ما نربيه ليس هو الجسد ولا هو النفس، إنما هو الإنسان»، من هنا يتسنى للتربية أن تعد شخصية إنسان الغد على مستوى متفوق من الإتزان، لكن التربية الرياضية التي لا تربط وشيجة قربى مع الأهداف المرسومة من طرف التربية العامة، تعتبر سلبية من حيث تأثيراتها السيئة على النشئ، فمن جهة تقود إلى اعتبار الاستمرار يكمن وراء القوة العضلية على حساب كل القيم الخلقية الأخرى ومن جهة أخرى تدفع بالفرد إلى تحطيم المجتمع في غمرة من النشوة يملك فيها السيطرة على الواقع معتبرا عضلاته مركزا للكون ومستودعا ينشد سيادته على الطبيعة. ورغم كون رأي ميرلو بونتي Merleau Ponty الذي يقول: «جسمي هو مركز العالم، أعي العالم بوساطة جسمي» له نصيب من موافقة الرأي السابق فهو يتجاوزه من حيث النظرة المكانية التي تحيطه، حيث أنه يضع الجسد بؤرة وعي العالم حيث تكون الحركة ملء لفراغ ما، تحتضن التمرين كوسيلة ترمي إلى تحقيق غاية تربوية. إن الإنسان الرياضي يمارس وعيه في الحركة على مستوى عضلي وعقلي، فهو لا يستطيع أن يخلق فكرا في لوحة لغوية ما، بحركته العضلية – باستثناء الرقص كفن – وإنما في استطاعته خلق جو من الحبور السيكولوجي والرضى النفسي لدى وسطه بالعلاقة التي يربط بها حركاته مع عقله في اتساق هندسي. دور البيئة في خلق المهارة الرياضية: يكون الإنسان الناضج جسميا مهيئا لتمثيل مختلف الألعاب الرياضية حسب بنية جهازه العضلي، لكن ما أن ينغرس في بيئة ما حتى تخبو كل تلك الإمكانيات لتظهر في مهارة رياضية معينة، لهذا فجغرافية المكان تضع بصماتها على نوعية الأنشطة الرياضية الممارسة، ففي المناطق الساحلية مثلا يفرض المناخ الحار على الأفراد تعاطي السياحة، كما أنه في المناطق الباردة لا يجد الأفراد خيرا من ممارسة التزحلق، يقول والون Wallon أن أي: «حركة جسمية، تلخص في نفس الوقت أن الوسط هو الذي يصنعها»3، هذا يتبين أن الحركة تنشأ عن احتياج المجتمع إليها، وذلك بالتركيز على عضلات معينة قصد تلبية حاجاته الحياتية التي تكون استجابة لداعي المهنة: -أ- الأيدي: التجديف – الصيد البحري – الحطب... -ب- الأرجل: الرعي، القنص... بذلك تتشكل العضلات البكر للفرد فتحكم عليه باحترام حدود الرياضة الممارسة، فنجد مثلا أن عضلات العداء تختلف في حجمها وكثافتها عن حامل الأثقال مع العلم أن الاستعداد العضلي للعداء يمكنه من ولوج جميع الرياضات الأخرى. كل ما سبق يدعونا إلى التساؤل حول الأهداف التربوية التي تنشحن بها التربية البدنية. تحقق التربية البدنية عدة أهداف ذكرها الدكتور جان لوبولش Jean Le boulche في كتابه « L'éducation par le mouvement » وهي: «- معرفة جيدة وقبول ذاتي. - تصحيح جيد للسلوك. - بنية حقيقية وتقريب المسؤولية في إطار الحياة الاجتماعية.»4 لهذا فمادامت الحركة تشغل حيزا ماديا في الفراغ، فما هي القواعد التي تختمر بها التربية البدنية وتحقنها في وعي الكائن الرياضي؟ يركز جان لوبولش على عدة معطيات ميكانيكية هي التالي: «- التحكم في الاتجاه وتوجيه الذات في الفراغ. - التحكم في المساحات مع القدرة على تحديد الشيء في الفضاء بالاعتماد على حركتنا. - تحديد الشيء في حركته»5 زيادة كون الهدف الحركي للرياضة يعطي للفرد الإحساس بالتحرر من الوسط الذي يحيطه حيث أنه يتحكم في سرعته، بل إن معرفة الوسط تتم بوساطة القداس المعرفي الذي عبر عنه ميرلو بونتي عندما قال: «أرى الأشياء ألمسها، أفتشها ثم أدور حولها بجسمي» هذه الطقوس التي تكشف عن جنين التحرر من جهل العالم الخارجي والتطلع للسيطرة على الطبيعة. وللتربية البدنية آثارها في البنية البشرية كنسق، على مستويين مادي ومعنوي. -أ- المستوى المـادي: ينتعش التاريخ كأحداث مع بداية الحركة في الزمان، فبقدر ما يتواجد النظام في أي حركة بقدر ما تذهب صيرورة التاريخ الإنساني نحو كمال الحدث من جانبه الهندسي. ومن تم أتت الرياضة التصحيحية كعلاج لمخلفات صراع الإنسان مع الجاذبية، فهي تعيد التوازن والاعتدال إلى ما تشوه من العمود الفقري –التي تنتج عن أوضاع سيئة يتخذها الطفل داخل الفصل أو خارجة -: الحدب، البزخ، الجنف. ولطمس معالم هذه التشوهات تبنت الرياضة التصحيحية بالانسجام مع الرياضة الوقائية تمرينات حمائية لمختلف أجهزة الجسم، القصد منها تخليص الطفل من تشوهاته الهيكلية مع حقنه بحقنة المناعة ضد مختلف الأمراض الطفولية الشائعة، فتنشط إداك الدورة الدموية التي تستهدف بدورها انتعاش النخاع الشوكي حيث تكتمل كل الوظائف الحيوية بنمو الجهاز العصبي وتأتي الرياضة الطبية كسابقاتها لتعيد بناء ما أفسده الدهر من بنية الإنسان في محاولة تصحيحها: حوادث، تشوهات مهنية.. الخ. تحدثنا عن التنشئة المادية للتربية البدنية، فما هو وجه التنشئة المقابل من عملة التربية الحديثة. -ب- المستوى المعنوي: ويتضمن الجوانب النفسية والاجتماعية والتربوية. 1- التنشئة النفسية، وتحوي على: - تكوين الشخصية عن طريق المحاولة وحذف الأخطاء. - إشباع الميل الحركي: - الحرية المسؤولة في شغل الفراغ. - وقاية الفرد من الإفراط والغلو وتبني القصد والاعتدال في بذل أي جهد. - العمل على تربية العواطف والانفعالات. - السيطرة على الذات في مواجهة الآخر. - مناعة ضد الانطوائية وعنصر من عناصر المنافسة البريئة. 2- التنشئة الاجتماعيـة: - تربية خلقية للفرد. - خلق الكائن – القائد – بالمفهوم الاجتماعي. - تنمي في الفرد مفارقته لغرائزه ومحاكمته لذاته في كل نشاط بدائي يقول أدولف هتلر في ذلك: «الشاب الذي يمارس الألعاب الرياضية يصبح أكثر قوة ومقدرة على كبح جماح غرائزه الجنسية6. - احترام القوانين التي تضبط اللعبة، يقول طوماس أرنولد Thomas Arnold: «إن التجمع الرياضي مجتمع صغير يعتمد على العضلات والقوانين». - التمركز حول اللعبة وهي بذلك مدرسة لتكوين الطبعة وآلة دمج الفرد في مجتمعه يقول لاتراجيه latraget معتبرا القانون العام إناءا تتقطر فيه قطرات قواعد أي لعبة: «ومراعاة القاعدة يعلم الخضوع للقانون» 7. 3- التنشئة التربوية: - تنمية النقد الذاتي بالضرب على وتر الروح الرياضية. - تفجير روح التعاون عند المجموعة الرياضية نحو الهدف المشترك. - تمرس المجموعة الرياضية على الحكم الذاتي مع مراعاة القواعد. - التعود على الاتصال بالآخر والتعامل الحسن معه صديقا كان أم خصبا. - ملء أوقات الفراغ خاصة بعد انتشار أدخنة التصنيع الخانقة. هكذا فالتربية البدنية تزخر بأكثر مما تعد به، ولا يمكن لها أن تفي بما وعدت به من تكوين الفرد على مستوى جسمي وعقلي إلا إذا اعتنت بها الحكومات عناية هادفة لبناء عالم الغد، في هذا الصدد ندرج هنا قولة رونيه أوبير التي يلمس فيها الوتر الحساس لاهتمام الحكومات بالتربية البدنية يقول: «فالحكومات ترى فيها وسيلة من وسائل تحسين جيشها وصناعتها، وأداة من أدوات زيادة نتاج العمل وإنقاص الأعباء الاجتماعية التي تتأتى عن المرض أو الحوادث أو العجز عن العمل أو الشيخوخة المبكرة»8. عندما يتحرك جسمي حركة أولية – بدائية – فإنني ألغي التراث – التربية - الثقافة، من هنا تكون أي حركة انفعالية مجسدة: غضب، خوف، جواز سفر إلى عمق التاريخ، لذلك يجب أن يكون المنطق أساس الحركة الجديدة. فما يا ترى ما يتحقق من الأهداف التي سردناها آنفا في مدرستنا من هذه المادة؟ وجب على كل معايني السير التربوي بالمدرسة الابتدائية والثانوية أن يستعجلوا البث في الأسلوب والقالب المهزوز الذي تقدم به التربية البدنية، والمضمون الواهن الذي تلهث به هذه المادة إثر زحمة الظروف غير الموضوعية الواجب تنحيتها من الميدان، هذه التي تكبت المادة من أن تفيض بالزخم التربوي الذي تحتوي عليه. من هنا كان زمن الولادة هو لحظة تناسل الوعي التربوي مع إحباطات الإنسان في مقابل التلقائية التي تهتف في أذن التاريخ: أتحرك يعني أني أشغل فراغا وأترك أثرا، يدل على أن لي وجودا ماديا.

الهوامش

1- التربية العامة، تأليف روني أوبير ترجمة د. عبد الله عبد الدايم دار العلم للملايين بيروت ص 400. 2

- نفس المرجع السابق، ص 379.

3- L’éducation par le mouvement a l’âge scolaire, la psycho – cinétique du D. Jean Le Boulche (الترجمة منّي).

4- أخذا عن كتاب جون لوبولش

5- نفسه المرجع السابق. 6- كفاحي – ادولف هتلر، دار الكتب الشعبية الطبعة الثانية 1975، ص 41-45. 7- التربية العامة، د. روني أوبير، نفس المرجع السابق، 403, 8- التربية العامة – روني أوبير نفس المرجع السابق، ص 392.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.عبد النور إدريس

 Abdennour.driss@gmail.com

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات تربوية
commenter cet article
14 avril 2011 4 14 /04 /avril /2011 07:43

1b.JPGالعابدة: نتوفر على إستراتيجية متكاملة للبحث التربوي

7-4-2011
الصباح التربوي


قالت لطيفة العابدة، كاتبة الدولة المكلفة بالتعليم المدرسي إن البحث التربوي يعتبر اليوم مطلباً لكل الفاعلين الموجودين بمختلف مرافق الاشتغال والتسيير داخل النظام التعليمي، وأحد العوامل الحاسمة في تحريك مجريات التطور، وأساس لأية انطلاقة نوعية.. وحسب بلاغ للوزارة توصلت «الصباح» بنسخة منه، فقد أضافت أكدت الوزية في كلمة لها خلال افتتاح أشغال الجامعة الثانية الربيعية في مجال البحث التربوي التي نظمتها الاثنين الماضي بالرباط الوحدة المركزية للبحث التربوي بقطاع التعليم المدرسي، أن الضرورة تقتضي في ظل الحركية التي تعرفها المنظومة التربوية، بفعل التطبيق العملي لبرامج ومشاريع البرنامج الاستعجالي، مصاحبة كل هذه الإصلاحات ببرامج بحثية قادرة على الاستشراف وتقديم الرؤى المستقبلية المناسبة، والتي تمكن كذلك من أخذ الاحتياطات اللازمة في حينها من أجل تلافي الاختلالات التي قد تحصل جراء تنفيذ ما تمت برمجته من إصلاحات تربوية وتدبيرية.
ودعت كاتبة الدولة إلى توسيع قاعدة البحث التربوي من خلال إدماج مكثف لجميع الفئات وخصوصا منهم المدرسون العاملون بالمؤسسات التعليمية بمختلف أسلاكها بالوسطين الحضري والقروي، باعتبارهم المدبر المباشر للعملية التعليمية التعلمية، نظرا لما لانخراطهم في البحث التربوي من انعكاس إيجابي على تطوير أدائهم من خلال امتلاكهم للحس النقدي الذي يساعدهم على التأمل في طرق اشتغالهم وفي مختلف الممارسات التي تقع داخل مجالهم العملي.
وأوضحت الوزيرة أن هذه التظاهرة تعتبر لبنة جديدة، تنضاف إلى الأعمال المهمة التي تمت مأسستها في فترة وجيزة، والتي بفضلها أصبح قطاع التعليم المدرسي يتوفر على إستراتيجية متكاملة العناصر في مجال البحث التربوي، ترتكز على التأسيس التدريجي لهياكل البحث التربوي على المستوى المركزي والجهوي والمحلي، وتوفير الدعم والمواكبة لأنشطة المختبرات الجهوية للبحث وتثمين عمل الباحثين ونشر نتائج البحوث، وتأهيل الموارد البشرية والرفع من قدراتها في مجال البحث وتطوير المقاربات والموارد الديداكتيكية.
وأعلنت العابدة أن الوزارة قررت، رغبة منها في توفير الإمكانيات المادية والمالية الضرورية لإنجاح مشروع البحث التربوي، تخصيص اعتمادات مالية في إطار ميزانيات الأكاديميات، لتغطية المصاريف المخصصة للعمليات المبرمجة في إطار إنجاز البحوث، والتي ستمكن من حفز الأطر التربوية بمختلف هيئاتها من الانخراط الفعلي في هذا المشروع الهام .يشار إلى أن تنظيم هذه الدورة من الجامعة الربيعية الثانية يندرج في إطار المجهودات التي تبذلها الوزارة من أجل إرساء البحث التربوي، وجعله آلية معتمدة، تمكن من توفير معطيات موضوعية حول النظام التعليمي وحول طبيعة الممارسات لتربوية التي تسود داخله، كما تمكن من رفع جودة التعليم وإثراء العمل التربوي من خلال تنشيط الحركة التربوية واستكشاف التجارب التربوية الناجحة من أجل تثمينها وتعميم الاستفادة منها.
الصباح



Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات تربوية
commenter cet article
24 mars 2010 3 24 /03 /mars /2010 14:03
kitab.jpgقراءة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين أو نهاية المدرسة
بين مرجعية الأمس وتحديات المستقبل
بقلم : الباحث السوسيولوجي عبد النور إدريس
تعتبر المنظومة التعليمية ترمومتر النمو المرتجى لدى الشعوب، كما أن الهدف من المدرسة ليس كما كان في السابق تعمل على تسوية الحظوظ بين جميع الأطفال ولكنه العمل على أن تعطى لكل طفل فرصته للنجاح والترقي.
ولمواجهة كافة التحديات المحلية والعالمية عملت نظرية رأس المال الإنساني على إدماج التربية في منظور التقدم.
وإذ يشكل قطاع التعليم أهم القطاعات الفاعلة تنمويا، نجد المفارقة الأساسية عندنا تكمن في المسافة بين غايات التعليم ووضعية المجتمع والتي تزداد عمقا ما بين الواقع المدرسي والواقع المعيش.
\”فالتعليم يجب أن يتطور من خلال ما ينتظره المجتمع من هذا التعليم\”.
حقيقة أن المدرسة ما هي إلا عنصرا من العناصر المكونة للمجتمع بكامله، فلا يمكن لهذا العنصر وحده أن يعيد تشكيل الكل وما ميثاق التربية و التكوين إلا زاوية للنظر في المسألة التعليمية الوطنية وسعت دائرة الطموحات التي انبنت عليها استراتيجية النظام التعليمي القائمة على:
- مبدأ دمقرطة الفرص التعليمية والاحتفاظ بالمتمدرسين أطول فترة ممكنة.
-ربط السيولة بالجودة.
- تقليص نسبة الهدر والتسرب (الانقطاعات المبكرة).
- اعتبار التكوين الجيد من حق كل طفل وكل يافع وبالتالي مراعاة مبدأ تكافؤ
الفرص في توفير الظروف المناسبة للتمدرس كتوفير الوسائل الضرورية
لمتطلبات التكوين.
فعلى اعتبار أنه سطر التعميم والجودة بدءا من السنة الرابعة إلى السنة الخامسة عشر في أفق تحقيق إجراءات ذات طابع كمي من قبيل تعميم التمدرس ومحاربة الأمية.
فالميثاق الوطني للتربية والتكوين يتكون من قسمين وهو يقرر مسألتين، الزامتين هامتين وواضحتين:
\”تعلن الحقبة (2000-2010) عشرية وطنية للتربية والتكوين.
تعلن التربية أسبقية وطنية أولى بعد الوحدة الترابية\”.
القسم الأول يتطرق للمبادئ الأساسية (المرتكزات الثابتة، الغايات الكبرى، حقوق الأفراد والجماعات وواجباتهم، التعبئة الوطنية لتجديد المدرسة).
القسم الثاني ويشتمل على ست مجالات تنزع نحو التجديد ودعامات التغيير منها: (نشر التكوين وربطه بالمحيط الاقتصادي، التنظيم البيداغوجي، الرفع من جودة التربية والتكوين، المواد البشرية، التسيير والتدبير وأخيرا الشراكة والتمويل).
فالميثاق وإذ يشكل تصورا شاملا للإصلاح التربوي، كفعل سياسي وكمنظومة بيداغوجية وإدارية جديدة وتوافقية\” يشكل من حيث مرجعياته الضمنية ومن حيث المنهجية التي مكنت من تجليته وبلورته. تلك المرجعيات الملتحمة بالآفاق
العريضة والمتظاهرة مع الفكر والعلم الكونيين\”.
ولمقاربة هذه التصورات التي تتوخى الرفع من وثيرة تقدم المجتمع المغربي من خلال تأهيل أفراده لخوض المنافسة العالمية في إطار المزاوجة بين المحلية والعولمة، نطرح عدة تساؤلات على المدرسة والمنظومة التعليميةعلى أساس الموضوعية والنقد الذاتي في خطاب التحديات في ميثاق التربية والتكوين. 
- هل المدرسة مؤسسة أيديولوجية بمعنى أنها مؤسسة تسهر على ديمومة واستمرارية الطبقة المسيطرة؟
- -كيف يمكن للإصلاح التعليمي أن يضمن لأمة ما استقلاليتها داخل مجتمع دولي لا يؤمن إلا بمنطق القوة؟
- هل يستقيم الإصلاح القطاعي (التعليم) في غياب منظور شمولي لهذا الإصلاح؟
- هل يخضع إصلاح منظومتنا التعليمية لمنطق التنمية الشاملة داخل ثورة من أهم مميزاتها السرعة الفائقة؟
- ما الهدف من تكوين المواطن، هل نريده صالحا لخدمة وطنه أم كفئا بما فيه الكفاية كي تقبل به سوق الشغل الدولية (الشركات العملاقة)؟. 
قبل استحضار بعض الإجابات، والعالم تجتاحه اليوم ما أطلق عليه ألفن توفلر بـ \”الموجة الثالثة\” هذه الموجة التي تعد مزيجا من التقدم التكنولوجي والثورة المعلوماتية الفائقة. 
وفي إطار وضع دولي يسوده العنف والمنافسة الدولية لغزو الأسواق و ما يمكن أن يعرفه العالم من نكوص العولمة وفشلها، بعد دخول أمريكا وبريطانيا حربا صليبية ثالثة بالخليح على العراق (مارس2003) والتي حدّدت فشل العولمة (حسب رأينا) في التخلي عن الصراع على الأسواق والمستهلكين والعودة إلى الصراع على المواد الأولية الخام والمستعمرات (النفط عصب المواد الأولية). 
ولقياس مدى كون وثيقة الميثاق الوطني للتربية والتكوين حدثا تاريخيا من الناحية التربوية والسياسية لابد من قياس مدى حضور أو غياب المبادئ الأربعة التي صاغها إصلاح 1959.
فمن خلال ما عبّر عنه الميثاق في البندين 24 و26 من تعميم التعليم وإلزاميته نأمل نسبة للنجاح المدرسي بحدود 100%، لكن ولعدم جدية هذين البندين نلاحظ الخلل بالبند 28 الذي يمأسس للإهدار التربوي حيث يضحي بنسبة 10% من
التلاميذ المغاربة في نهاية المدرسة الابتدائية و20% في نهاية المدرسة الإعدادية و40% في نهاية المدرسة الثانوية.
فالتعميم بالميثاق الوطني ونظرا لعدم استناده على قاعدة تحليلية دقيقة ستجد وعوده بعض صعوبات التطبيق كما عرفته المخططات السابقة التي أفرزت تعليم نخبة لا تعليم مواطنة كما أفرزت النسبة المهولة للأمية بالمغرب والتي سطرالميثاق كهدف لمعالجتها والتقليص من النسبة العامة لها بـ 20% في أفق عام 2010 (البند 20)، سنة انتهاء صلاحية الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي ينص على المحو الشبه التام لهذه المعضلة (الأمية) في أفق 2015.
إن أفكار وآراء الميثاق تفتقر إلى قابلية التطبيق لهذا كان لزاما علينا قبل الخوض في الإيقاعات النقدية له أن نُسائله مرة أخرى لتسليط الأضواء (في حدود المساألة) على قصوره في الإجابة على آمال الشعب المغربي في حصوله علىامتداد مشروعه المجتمعي في وثائقه التربوية المعاصرة : 
- لماذا تفشت الأمية بشكل مهول وسط الفئات المعدَمة؟
- لماذا يبقى ملايين الأطفال في سن التمدرس خارج المنظومة التعليمية؟
- ما الذي دفع النظام التعليمي إلى هذا المستوى المفجع من الإهدار والفشل الدراسي حيث 13% من الأطفال المتمدرسين فقط يحصلون على شهادة الباكالوريا؟
- ما علاقة الفشل الدراسي الحاصل بسياسة التقويم الهيكلي؟
- ما حصيلة سياسة التعريب المتبعة لحد الآن وما أسباب تراجع الميثاق عنها؟
- ما هي الاسباب الحقيقية وراء تفشي البطالة في صفوف حاملي الشهادات الجامعية والمهنية؟ 
إن الميثاق الوطني للتربية والتكوين ولعجزه عن الإجابة ، ما هو في الحقيقة سوى ترجمة لتقرير البنك الدولي الذي وضع حدا للخطاب الرسمي حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والذي كان وراء إقبار وثيقة المبادئ التعليمية التي أعدتها \”اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم\” سنة 1995، والتي نصت بشكل واضح على مبدأ مجانية التعليم وعلى مسؤولية الدولة في ضمانه تحقيقا لمبدأ تكافؤ الفرص ولمبدأي الإلزامية والتعميم.
إن توفير تغذية للطفل داخل المطاعم المدرسية أو مدّه بالكتب والأدوات \”مجانا\” أو دعم مستواه العقلي \”المتدني\” لا يمنع من استمرارية انتمائه إلى ثقافة المقهورين وإلى وضعهم الاقتصادي والسوسيو-مهني، ضمن هذا الإطار تصبح إجبارية التمدرس إلى سن محددة ناجعة، لكن غير بريئة لإيقاف طموح المحرومين من ولوج الدرجات العليا في سلك التعليم.
أما تعبير \”دمقرطة المدرسة\” أو تعبير \”تساوي الحظوظ\”، نلاحظ أنهما نجحا في شغل حيز واسع من الاستهلاك الدعائي \”المدرسي\” قد يكون هنا الاستهلاك إيجابيا على مستوى نوعية الأفراد والجماعات بمدى تفاوت حظوظ الأطفال في ولوج المدارس وفي الإحراز على درجات عليا من النجاح المدرسي، إلا أنه من صدق القول الاعتراف بان دمقرطة المدرسة مستحيلة في ظل نظام ليبرالي يتغذى ويعيش ويتنفس على حساب الفوارق.
هكذا تبدو أزمة التعليم في المغرب \”أزمة نسق\” بأكمله يختلط فيها السياسي والاقتصادي والثقافي والتربوي…إلخ. وتتحمل مسؤوليتها كل الأطراف… وأول خطوة ينبغي تحقيقها قبل الحديث عن الإصلاح التعليمي ،هي تخليق الحياة العامة لإعادة الثقة في الدولة والإدارة والقضاء على صور الدولة المترهلة: فساد إداري، سرقة المال العام، غياب المحاسبة والمراقبة، شراء أصوات الناخبين، تشجيع الدعارة والمخدرات، اعتماد المحسوبية في إسناد المناصب العليا والدنيا…إلخ.
كل هذه المشاكل العالقة تجعلنا نطرح السؤال على طبيعة استقلالنا، أهو سياسي؟ أم اقتصادي؟ أم ثقافي؟ لأن التغلغل الأجنبي ما زال حاضرا في كثير من أشكاله داخل البنيات الأساسية لمجتمعنا، في التعامل الاقتصادي والمجال الثقافي الذي أحرز مركز انطلاق الإطار الاستعماري الجديد للسيطرة على شعوب العالم الثالث.
هوامش الدراسة:
1- د. الحبيب المالكي، حوار أجرته مجلة عالم التربية، الرباط في
30/04/1997، العدد 5، خريف 1997، الصفحة 16.
2 الميثاق الوطني التربية والتكوين، النص الكامل، منشورات المركز
المغربي للإعلام، الإيداع القانوني 2001/1706، الطبعة الأولى، أبريل
2001،الصفحة:
3 عبد الكريم غريب، \” إرهاصات التحديث التربوي في التعليم المغربي\”،
مجلة عالم التربية، العدد 13، سنة 2003، الصفحة 233.
بقلم : الباحث عبد النور إدريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المقال عبارة عن جزء من الدراسة المنشورة بمجلة التربية(الاشكالات التعليمية بالمغرب، رهان الماضي والمستقبل) العدد الأول يونيو 2005 التي تصدرها الأكاديمية الجهوية للتربية والتعليم بجهة مكناس /تافيلالت
*وتعتبر هذه المقالة جزءا من كتابنا المعنون ب " سوسيولوجيا التمايز .ظاهرة الهدر الدراسي بالمغرب"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

Published by مجلة دفاتر الاختلاف الالكت - dans مدارات تربوية
commenter cet article

صحافة إلكترونية

  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية
  • : مجلة دفاتر الاختلاف الإلكترونية -مجلة مغربية ثقافية شاملة -رخصة الصحافة رقم:07\2005 - ردمد: 4667-2028
  • Contact

موسيقى

بحث

أعداد المجلة الشهرية