اللسانيات الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية- الجزء الأول
جمال عبد الدين المرزوقي إشراف: د. الحضري عبد النور
جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب
دراسة محكمة
ملخص: نتناول في هذه الدراسة علاقة اللسانيات الاجتماعية باللسانيات العامة، كما نَظَّرَ لها فيردناند دي سوسير (Ferdinand De Saussure)، ونهلت منها مدارس اللسانيات على اختلاف تياراتها. وقد عالجنا على ضوء هذه المعطيات الأسس النظرية الممهدة لفكرة اللسانيات الاجتماعية في معقلها الأوروبي، ومدى تأثيرها في اللسانيات الأمريكية التي اهتمت بالدراسة الميدانية للكلام في علاقته بالمجتمع، آخذين بعين الاعتبار حرص اللسانيات الاجتماعية التنوعية الأمريكية على إبراز مظاهر التنوع اللغوي للمجتمع الأمريكي، وباقي المجتمعات.
كلمات مفاتيح: اللسانيات؛ اللسانيات الاجتماعية؛ المدارس اللسانية؛ الأسس النظرية والمنهجية؛ الكلام؛ الدراسة الميدانية؛ التنوع اللغوي؛
Résumé : Dans cet article, nous étudions la relation entre la sociolinguistique et la linguistique générale, telle qu’elle a été conceptualisée par Ferdinand De Saussure, dont découle diverses écoles et courants linguistiques.
Dans cette perceptive, nous avons traité les Fondements théorique qui ont élaboré le concept de linguistique sociale comme elle a été conçue à l’échelle européen, et adopté par l’approche empirique dans le parler de la société américaine, et les autres sociétés.
تقديم
يكشف تاريخ اللسانيات الحديثة والمعاصرة، أهمية الأدوار الريادية لفيردناند دي سوسير (Ferdinand De Saussure) في التأسيس الفعلي للسانيات العامة، بحيث عمل على تحديد موضوعها في اللغة في علاقتها باللسان باعتبارهما يمثلان الطبيعة الاجتماعية للغة من جهة وعلاقتهما بالكلام الممثل للطبيعة الفردية من جهة ثانية. وهو بذلك قد وضع الأسس النظرية والمنهجية الممهدة لفكرة اللسانيات الاجتماعية في معقلها الأوروبي، وتأثيرها في المدارس الأمريكية، التي اهتمت بالدراسة الميدانية للكلام في علاقته بالمجتمع.
نتبنى فرضية اللسانيات العامة الأوروبية مهد اللسانيات الاجتماعية، وندافع عليها كأطروحة في محاور هذه الدراسة، اعتمادا على أن ريادة دي سوسير في مجالات مختلفة لها ارتباط بالدراسة اللغوية منهجية علمية تجريبية وصفية، بوأت الدرس اللساني الحديث في أوروبا مكانة هامة؛ إذ شكلت منطلقا علميا للتبشير بالسيميولوجيا، واستثمار المنهج البنيوي اللساني في الدراسات النقدية والأدبية، وفي علم الأنثروبولوجيا وباقي العلوم الإنسانية
فإلى أي حد يمكن اعتبار اللسانيات الأوروبية مع رائدها دي سوسير، دعوة صريحة لانفتاح اللسانيات العامة على الأسس الأبستمولوجية التي استقاها من العلوم التجريبية، مما ساهم في تكامل المعرفة الإنسانية؟ وكيف تداركت اللسانيات الاجتماعية الأمريكية استبعاد دي سوسير للسياق الاجتماعي للغة، فاهتمت أولا: بتفسير ظاهرة التنوع ((La variation الموجود في بنية اللغة، عن طريق بعض خصائص المجتمع المتضمنة في اللغة. ثانيا: تفسير التحول ((Le changement في اللغة؛ أي كيف يحصل التحول عن طريق العلاقات بين اللغات الإنسانية المتعددة؟ ولماذا أصبح التنوع اللغوي موضوعا للسانيات الاجتماعية مع ويليام لابوف؟
1ـ اللسانيات الاجتماعية في مهدها الأوروبي.
نسعى في هذا المحور من الدراسة إلى الوقوف على مراحل نشأة اللسانيات الاجتماعية في مهدها الأوروبي مع رائدها السويسري فيردناند دي سوسير، الذي اهتدى إلى وصف المحدد الاجتماعي للسانيات من خلال الطبيعة الاجتماعية للغة؛ وقد أهمل السياق الذي أفرزها، ووسائل اشتغالها في الميدان. وبذلك يكون دو سوسير قد وضع أرضية علمية لمعالجة تلك الأبعاد، في إطار المدرسة السويسرية والفرنسية والبريطانية على الصعيد الأوروبي، والمدرسة الأمريكية اللابوفية على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية؛ هذه الأخيرة أولت أهمية خاصة للسياق الاجتماعي والهوية الثقافية للمجتمع، وجعلت من التنوع موضوعا لها، فاعْتَبِرَتْ بذلك لسانيات الكلام والميدان بامتياز.
« و بفضل أفكار دي سوسير ـ بلغت الدراسات اللسانية الحديثة و المعاصرة درجة من الدقة والضبط
والموضوعية، والشمول، مما أتاح لها أن تتبوأ مكانة مرموقة بين فروع المعرفة الإنسانية، بل أخذت زمام المبادرة في هدم الأسوار التي أقيمت من دون مسوغ علمي واضح بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية...»[1]
وعليه، فإن قدرة دي سوسير على مد الجسور بين العلوم الطبيعية و العلوم الإنسانية، تدعونا إلى الاعتراف له بالريادة، ليس فقط لأنه جعل علوم اللغة الحديثة تتجاوز المنظور التاريخي المقارن للغات والتفاضل بينها على أساس ديني أو عرقي... إلخ، والانكباب على تحديد موضوع اللسانيات في اللغة وفق تصور نظري صارم، و ذلك بتمييزه عن الكلام، و دعوته للدراسة السانكرونية والتزمنية للغة والكلام، في مقابل الدراسة الدياكرونية التعاقبية. وهكذا يكون قد وَجَّهَ الانتباه للطبيعة الاجتماعية للغة في مستواها التجريدي في مقابل الطبيعة الفردية للكلام الذي يعتبر تحيينا للغة باستعمالها في المجتمع؛ فبفضل دي سوسير اقتنع الباحثون في اللسانيات الأوروربية و الأمريكية بأهمية اتخاد اللغة موضوع وصف دقيق لها في علاقتها بالمجتمع، و من ثم أصبحنا نتعامل معها علميا كظاهرة من الظواهر الاجتماعية قابلة للتحليل العلمي الصارم.
على خطى دي سوسير استطاع تلميذه الفرنسي أنطوان ميي Antoine Meillet)) (1866م ـ 1936م) أن يؤسس مدرسة اللسانيات الاجتماعية الفرنسية، و قد وجه لأستاذه نقدا أبدى فيه رفضه لإهماله آليات البحث اللساني الاجتماعي في بعده السياقي.
وبناء عليه، أكد علماء اللغة الفرنسيون والأوروبيون، أن أنطوان ميي عمل على إبراز أهمية اللغة المنطوقة وصفاتها الاجتماعية المحددة للتنوع اللغوي بحسب ما نقله اللساني العربي عبد المنعم السيد، إذ نقل آراء بعض اللغويين الذين أَرَّخًوا لبدايات علم اللغة الاجتماعي « و من هؤلاء اللغوي الفرنسي (بيلُون) الذي يؤكد ريادة المدرسة الفرنسية في الاتجاه اللغوي، يشير إلى نتيجة مفادها: أن علم اللغة الاجتماعي وُجِدَ في فرنسا بجهود ميي، وفندريس، و دُوزَا، و كُوهَن، و غيرهم.»[2]
يمكن إجمال خصائص البحث في اللسانيات الاجتماعية الفرنسية مع رائدها ( أنطوان ميي)
و تلامذته في تسمية الأشياء بمسمياتها في إطار رؤية لغوية و أفكار غير مسبوقة، شكلت جِدَّتُهَا نقطة تحول كبيرة في مسيرة اللسانيات الاجتماعية الأوربية عامة و الفرنسية منها خاصة، و تتمثل نقطة التحول هاته في الأفكار التالية.
أولا: اللغة ظاهرة اجتماعية.
ثانيا: أهمية البحث في خصائص التنوع اللغوي.
ثالثا: أهمية القيم الاجتماعية، و أثرها في اللغة.
رابعا: أهمية اللغة المنطوقة ( أو الكلام) و صفاتها الاجتماعية.
خامسا: أهمية الإصلاح اللغوي و العرف الاجتماعي.
فإلى أي حد يمكن اعتبار أفكار ميي ذات البعد الاجتماعي للغة بداية التحول من الاهتمام بالبنية الداخلية للغة مع دي سوسير إلى الاهتمام بالكلام والسياق؟
لقد عمل جان روبرت فيرث John Rupert Firth)) ( 1890م – 1960م) رائد المدرسة البريطانية للسانيات الاجتماعية بمعية تلامذته، على تطوير البحث في هذا التخصص اللساني الأوروبي، و قد أولى أهمية كبرى للبحث الميداني و لسانيات الكلام، و الحالة أنه تبنى موقفا لم ينتبه إليه دي سوسير رائد اللسانيات السويسرية، و لا أنطوان ميي رائد المدرسة الفرنسية، حيث رأى أنه لا يمكن أن نفرض المعنى أو نتوقعه خلرج البحث الميداني، إذ هو الذي يسمح لنا باستخلاصه من كلام الذي ينجزونه من أبناء المجتمع، فلا ينبغي أن نعزل اللغة عن بيئتها التي تنتمي إليها.
« إن تركيز فيرث على الجانب الاستعمالي للغة يظهر بشكل واضح في كل مراحل دراسة اللغة عنده، فهو يصر على أن المعنى لا يُشَكَّلُ من الكلمات فقط، بل يمتد إلى الأفعال والناس الذين يتكلمون الكلمات
وينجزون الأفعال فهو لا يعزل اللغة عن المجموعة الاجتماعية التي تَكَوَّنَ فيها.»[3]
وعليه، يمكننا القول: إن اللسانيات الاجتماعية مع فيرث رائد المدرسة البريطانية، بدأت تتجه نَحْوَ الاستقلال النظري المؤطر لدراسة التنوع اللغوي على مستوى اللغة المنطوقة التي يمثلها الكلام. غير أن فيرث لم يَسْلَم في ذلك من التأثر بعالم الاجتماع الروسي برونيسواف مالينوفسكي(Bronislaw Malinowski) (1884 م ـ 1942 م)، فكيف سيكون واقع حال اللسانيات الاجتماعية مع المدرسة الأمريكية؟
2ـ اللسانيات الاجتماعية الأمريكية: النشأة والتطور
تتميز مدرسة اللسانيات الاجتماعية الأمريكية بارتكازها على تنوع المعطى الاجتماعي في بعده الجغرافي. فإلى جانب الهنود الحمر الذين يمثلون السكان الأصليين لأمريكا، استوطنت القارة موجات بشرية متنوعة، من سكان القارة الأوربية ذات الأصول اللاتينية والإفريقية، والعربية والأندلسية، وذلك انطلاقا من تلك التي اكتشفت القارة الأمريكية، والتي استعمرتها وعملت على دمج مختلف مكوناتها البشرية بما فيها العنصر الإفريقي من العبيد الذي جلبته من القارة الإفريقية، ومن التحق بأمريكا بعد استقلالها وتطورها عن القارة الآسيوية وباقي بقاع العالم.
ومن ثَمَّ، فإن الجهود الأولى للسانيات واللسانيات الاجتماعية الأمريكية، قد اتجهت إلى دراسة اللغة بناء على مراعاة خصوصية البنية الاجتماعية الأمريكية المتسمة أصلا بالتنوع والتعدد. وقد تعزز هذا المعطى بتوجه رائد اللسانيات واللسانيات الاجتماعية الأمريكي فرانز أوري بواس (Franz Boas) (1858 م ـ 1942 م)، إلى استثمار الفكر اللساني الأنثروبولوجي، حيث أكد صراحة على ضرورة الاهتمام بالطابع الاجتماعي للغة في علاقته بالكلام.
«وبفعل زعامة بواس للدرس اللغوي؛ فقد ارتبطت الأبحاث اللغوية منذ مدة مبكرة بالدراسات الأنثروبولوجية التي اعتمدت على العمل الميداني في جمع النصوص الأنثروـ لغوية، و تصنيف لغات الهنود الحمر، وعلاقة هذه اللغات بمجتمعاتها. ولقد كانت هذه المدرسة في تصورها للعلاقة بين اللغة والثقافة أقرب إلى تصور المدرسة الفرنسية؛ فاللغة عندها نتاج ثقافي، أو ميراث اجتماعي أكثر من كونها حدثا أو عملا اجتماعيا.»[1]
والجدير بالملاحظة أن الاهتمام البنيوي ذي الطبيعة الاجتماعية الميدانية من طرف فرانز بواس
ومدرسته اللسانيات البنيوية الأمريكية التي تزامنت مع أفكار دي سوسير الرائدة، فإن تَوَجُّهَهُ إلى اللسانيات التزامنية والتأكيد على الطبيعة الاجتماعية للغة، والدراسة الميدانية للكلام، يكاد يجعلنا نقر باستقلال اللسانيات واللسانيات الاجتماعية الأمريكية عن جذورها الأوروبية.
« أما البداية الحقيقية لعلم اللغة الأمريكي، فقد تبلورت مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع ظهور، و تطور اللسانيات التزامنية، و بصورة تكاد تكون مستقلة عن المدارس الأوروبية.»[2]
و إذا كان (فرانز بواسْ) قد أكد على أهمية الطابع الاجتماعي للغة داعيا إلى دراسة الكلام في علاقته بالمجتمع في الميدان، متأَثِّرًا بمنهج علم الاجتماع الأنتروبولوجي، فإن (سابير، و بلومفيلد)، قد عملا على تطوير الفكر اللغوي الأمريكي، منسجمين مع مبدإ تكامل المعرفة و العلوم الانسانية، حيث تأثر سابير بعلم الاجتماع في إطار ما بات يعرف بعلم اللغة الاجتماعي، في حين تأثر بلومفيلد بالمذهب النفسي السلوكي الأمريكي. و قد بنى نظريته اللغوية مستفيدا من الفكر اللساني الأوروبي ذي الطبيعة المنهجية الوصفية التجريبية ـ كما أسس لها دي سوسير ـ مع حرصه على ملاءمة تحليلاته الميدانية مع البيئة الاجتماعية للمجتمع الأمريكي، علاوة على النَّهْلِ من مستجدات فكر الأنتروبولوجي البنيوي الفرنسي (كلود ليفي ستراوس) (Claude Lévi-Strauss)، الشيء الذي لم يمكن متاحا للسانيات الاجتماعية الأوروبية، لكونها أهملت السياق الاجتماعي للغة، ورغم إقرارها بالطابع الفردي للكلام، فإنها لم تدرس تنوعاته في الميدان. فإلى أي حد يمكن اعتبار اللسانيات و اللسانيات الاجتماعية مع روادها في أمريكا ـ في شخص بلوم فيلد ـ قد تأثروا بالدرجة الأولى بالبحث اللساني الأوروبي و علم الاجتماع و الأنتروبولوجيا و علم النفس الأمريكي، مما ساعد على تمهيد الطريق إلى ظهور علم اللغة الاجتماعي من جهة، و اللسانيات الاجتماعية التنوعية اللابوفية من جهة ثانية؟
[1] ـ زكي كريم، اللغة والثقافة ـ دراسة أنترو ـ لغوية لألفاظ وعلاقة القرابة في الثقافة العربية، ص. 32.
[2] ـ بوقرة نعمان، اللسانيات ـ اتجاهاتها وقضاياها الراهنة، ص. 125.
[1] ـ حلمی خليل «العربية وعلم اللغة البنيوي ـ دراسة في الفكر اللغوي العربي، ص. 93.
[2] ـ السيد عبد المنعم، وجدامي أحمد، رؤى اللغويين الغربيين لجذور علم اللغة الاجتماعي، ص. 294.
[3] ـ جون جوزيف، اللغة والهوية ـ قومية ـ إثنية ـ دينية، ترجمة: د. عبد النور خراقي، مجلة عالم المعرفة، ص 78، الكويت، عدد 342، أغسطس 2007 م.
[1]ـ Leila Messoudi, Etudes sociolinguistique, Kénitra ? Publication de la Faculté des lettres et des sciences Humaines, Université Ibn Tofail, 2003.
[2] - Ferdinand De Saussure, cours de linguistique générale, Paris, Payot, 1972, p. 63.
[3] ـ حلمی خليل «العربية وعلم اللغة البنيوي ـ دراسة في الفكر اللغوي العربي، ص. 93.
[4] ـ أوزوالد ديكرو، و جان ماري سشافير، القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، ترجمة: منذر عياشي، ص. 264.
[5] ـ السيد عبد المنعم، وجدامي أحمد، رؤى اللغويين الغربيين لجذور علم اللغة الاجتماعي، ص. 294.
[6] ـ جون جوزيف، اللغة و اللهوية ـ قومية، دينية، ترجمة : خرافي عبد النور، عالم المعرفة، ص 78.
[7] ـ زكي كريم، اللغة و الثقافة ـ دراسة أنترو ـ لغوية لألفاظ و علاقة القرابة في الثقافة العربية، ص. 32.
[8] ـ بوقرة نعمان، اللسانيات ـ اتجاهاتها و قضاياها الراهنة، ص. 125.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20260324%2Fob_a60070_8b5c7430-3036-4ada-82fc-e03235f75eac.jpg)
/image%2F1217153%2F20260324%2Fob_7e0800_8b5c7430-3036-4ada-82fc-e03235f75eac.jpg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)