الكتابة الروائية حفر منارته الأمل
الروائية الزهرة رميج
ولجت عالم الكتابة وأنا في سن النضج، وبعدما تكونت لدي فلسفة في الحياة، ومررت بتجارب عديدة أهمها انخراطي في إحدى الحركات اليسارية المغربية في مرحلة السبعينيات التي كانت تهدف إلى إقامة مجتمع تتحقق فيه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية... ورغم فشل اليسار في تحقيق التغيير المنشود، إلا أني بقيت مسكونة بحلم التغيير وبالرغبة في التعبير عن القيم النبيلة التي يهدف إليها. وهذا ما جعل جمرة الكتابة التي راودتني في مراهقتي تشتعل بداخلي، وتسعفني في التعبير عن آرائي ومواقفي والقضايا التي تشغلني في قوالب جمالية فنية بعيدا عن الإطارات السياسية لاقتناعي بدور الأدب في تربية الذوق، وتهذيب النفس، ونشر القيم الإنسانية النبيلة.
لذلك، فالكتابة بالنسبة لي ليست ترفا فكريا، أو مسرحا للتجريب الخالص، ولا وسيلة للشهرة وتحقيق مكتسبات مادية كانت أم معنوية، وإنما هي حاجة داخلية ضرورية للتعبير عن الذات الفردية وعبرها عن الذات الجماعية، ولقول كلمة "لا" لمظاهر الرداءة أينما تجلت، ومسؤولية جسيمة ملقاة على عاتق المبدع لنشر قيم الخير والعدل والجمال، والحفاظ على الذاكرة الفردية والجماعية، وإعادة الاعتبار للمعنى في زمن فقد فيه المعنى جوهره وقيمته. فهذا في اعتقادي ما يبرر فعل الكتابة، ويضمن أصالتها، وتفردها، وتأثيرها.
على أساس هذا التصور يقوم مشروعي الروائي الذي يتميز بالحفر الدائم في خبايا المجتمع المغربي، ويتناول القضايا المسكوت عنها، ويطرح الأسئلة الحارقة التي تؤرق الإنسان المغربي خصوصا والعربي عموما، ويقاوم الصمت والنسيان باستحضار الذاكرة التاريخية والسياسية والاجتماعية، والاهتمام بالإنسان المهمش. ورغم اختلاف مواضيع الروايات إلا أن السمة المشتركة التي توحد بينها هي نقد الظواهر السلبية، ووضع الأصبع على الجراح التي تنزف داخل الإنسان وداخل الوطن، وفضح مظاهر الفساد التي تستشري في المجتمع المغربي، وتعيق تحقيق الديمقراطية. وهو نقد بعيد عن السقوط في التشاؤم والسوداوية لأنه يكون دائما مصحوبا بالأمل في الإصلاح وفي إمكانية التغيير إلى الأفضل عن طريق تحدي الواقع المتأزم، وهذا ما يلمسه القراء والنقاد في كتابتي ومنهم الدكتور محمد مساعدي الذي قال بأنها "انتصار للحياة ضد الموت، وللأمل والحلم ضد مختلف أشكال الاستسلام واليأس"1.
ومن هذا المنطلق، لا تتسم رواياتي بالانغلاق على الذات الفردية، وإنما تتشابك هذه الذات مع الذات الجماعية لتنصهرا في بوثقة واحدة، لأن ما يعانيه الفرد لا ينفصل عما يعانيه المجتمع بأكمله. ولأني كاتبة تهتم بالشأن العام المغربي والعربي، وتتفاعل مع الواقع اليومي المعيش، وتنصت إلى معاناة الناس البسطاء، فإن رواياتي تتميز بكونها متجذرة في الواقع المغربي ماضيه وحاضره، وتتسم بالوحدة الفكرية رغم اختلاف المواضيع المطروحة، وهو الأمر الذي يحقق الانسجام التام بين كتابتي ونظرتي للعالم وللإنسان. كما تتميز بعدم التكرار سواء على مستوى المواضيع أو الأساليب والقوالب الفنية. وبكونها حمالة معرفة تعكس مخزوني الثقافي، وما اكتسبته من تجاربي الخاصة، ومن ثم، تعكس الخصوصية الثقافية للمجتمع المغربي خصوصا، والعربي عموما. وتتسم اللغة الروائية بالبعد عن التعقيد، وتجنب الحشو، وتوظيف كل شيء في مكانه حسب الضرورة، حرصا على تحقيق المتعة الفنية للقارئ. وقد وصف الناقد الفلسطيني سليم النجار لغتي بقوله: "الزهرة رميج في تجربتها الروائية اشتغلت على لغة روائية بسيطة، وهي الأصعب... تقول ببساطة، شيئا مختلفا من نفس الكلمات التي يتداولها الناس فيما بينهم"2.
ففي روايتي الأولى "أخاديد الأسوار" تناولتُ موضوع الاعتقال السياسي في سنوات الجمر والرصاص مما جعل النقاد يدرجونها ضمن أدب السجون. غير أن طريقة تناول هذا الموضوع في روايتي يختلف عما كتب حتى تلك اللحظة عن الاعتقال السياسي الذي كان عبارة عن سير ذاتية، وشهادات لمعتقلين سياسيين تناولوا أساليب التعذيب التي عاشوها في المعتقلات السرية. أما رواية "أخاديد الأسوار" فتتطرق لآثار الاعتقال السياسي من منظور زوجة معتقل سياسي سابق. وما ميزها على المستوى الفني الجمالي كونها لم تلتزم بمقومات الرواية الكلاسيكية، واعتمدت تداخل الأجناس الأدبية. وقد وضعها الناقد محمد أقضاض "في طليعة تيار الكتابة الروائية الجديد في المغرب"3، واعتبرها الناقد إدريس الخضراوي "قيمة مضافة للأدب السجني تحديدا، وللرواية المغربية عموما"4.
الرواية الثانية "عزوزة" تختلف تماما عن الرواية الأولى لكونها تتناول واقع البادية المغربية والأسرة البدوية، وتكشف طبيعة المجتمع الذكوري، وواقع المرأة. وهي رواية تحتفي بالتراث المغربي الأصيل المتمثل في العادات والتقاليد والطقوس المتبعة في الأفراح كما الأتراح... وبالثقافة الشعبية مجسدة في الأمثال والأغاني والحكايات التي كان الناس حتى وقت قريب يتداولونها... وهذا الاحتفاء الغاية منه صون الذاكرة التاريخية والثقافية التي تميزنا كشعب مغربي عربي له حضارته الخاصة، وأصالته في مواجهة محاولات العولمة طمس هوية الشعوب، ووضعها في قالب واحد شكلته وفق رؤيتها ومصلحتها. كما أن الرواية تعلي من قيم الحب والمقاومة سواء بمفهومها العادي أو السياسي لكون الإطار التاريخي للأحداث هو مرحلة الاستعمار الفرنسي للمغرب. وقد استقبلها القراء والنقاد بحفاوة مدهشة لأن القراء المغاربة وجدوا فيها أنفسهم خاصة وأني تناولت البادية على إطلاقها دون تحديد لمنطقة معينة من مناطق المغرب. كما تختلف رواية "عزوزة" عن رواية "أخاديد الأسوار" شكلا. فقد جاءت في قالب كلاسيكي "بالمعنى النبيل للكلمة"5 حسب تعبير الناقد المغربي عثماني الميلود. واعتبر الناقد المصري محمد طلعت "الأديبة "الزهرة رميج" ابنة مخلصة لجيل الرواد ليس عن تقليد أو اتباع أعمى بل عن تجويد وإبداع مغاير"6.
بعيدا عن موضوع البادية، تتناول رواية "الناجون" تجربة اليسار في المغرب في مرحلة ما يسمى بسنوات الجمر والرصاص. وقد حاولت فيها تقييم تلك المرحلة الهامة من تاريخنا المغربي وخاصة منها مرحلة النضال الطلابي على صعيد الجامعة التي كانت معقل هذه الحركة. والغاية من طرح هذا الموضوع هو الحفاظ على الذاكرة السياسية والثقافية والاجتماعية لتلك المرحلة الهامة في تاريخ المغرب وإبراز الوجه الخفي للتاريخ، تاريخ الشعوب وليس تاريخ الأنظمة ومن تم، مقاومة الصمت والنسيان. ورغم كون هذه الرواية تلتقي مع رواية "أخاديد الأسوار" في كونها تتناول أيضا الاعتقال السياسي في مرحلة السبعينيات، إلا أنها تختلف عنها في كون الاعتقال ليس موضوعها الرئيسي، وإنما النظرة الشمولية لمرحلة اليسار بما لها وما عليها، والتعبير عن الرغبة في مواصلة الحلم بالتغيير من قِبَل جيل الشباب بأساليب سلمية. وهو الحلم الذي سرعان ما تحقق بمجرد انتهائي من كتابة الرواية مع انتفاضة الشعب التونسي وباقي الشعوب العربية المقهورة. الأمر الذي جعل بعض النقاد يدرجون الرواية في إطار الروايات التي استشرفت الربيع العربي7.
وتختلف هذه الرواية عن سابقتيها أيضا من حيث أسلوبها وتقنياتها. فقد قسمتها إلى ثلاثة أقسام بالعناوين التالية: الزلزال/ زمن الغضب والثورة/ عودة السلمون. كما أن الأحداث فيها لا تخضع للتسلسل الزمني كما هو الحال في رواية "عزوزة" الكلاسيكية، والأمكنة فيها تتراوح بين مدينة بوردو الفرنسية وثلاث مدن مغربية هي: فاس والرباط والدار البيضاء. وتختلف لغة الحوار ومستواه. فبخلاف الحوار البسيط الذي يمتح من الثقافة الشعبية في رواية "عزوزة"، يرتقي الحوار في رواية "الناجون"، ويتسم بالعمق الفكري، ويمتح من ثقافة النخبة اليسارية الحداثية المنفتحة على الثقافة الغربية والمتشبثة في نفس الوقت بأصالتها، وثقافتها العربية.
أما روايتي الرابعة "الغول الذي يلتهم نفسه" فقد خرجت من رحم رواية "الناجون" التي اقتحمتني اقتحاما، وفرضت عليّ خروجها مباشرة بعد رواية "عزوزة" دون تخطيط مسبق، وجعلت سؤال الكتابة موضوعا وتوقيتا يؤرقني، وجعلتني أستحضر كتاب "رسائل إلى روائي شاب" للروائي العالمي ماريو فارغاس يوسا. وهكذا جاء موضوعها مختلفا عن بقية المواضيع السابقة لكونها تناولت موضوع الكتابة الروائية ومن أين يستمد الروائي مواضيعه، هل من ذاته ومن تجاربه ومن قضايا مجتمعه أم من خارج ذاته ومن قضايا بعيدة عن واقعه. كما أنها تختلف عن الروايات السابقة على مستوى الشكل الفني. إذ أني استلهمت فيها فن المسرح، ووظفت أهم عناصره الفنية وهو عنصر الحوار. وهذا ما جعل الناقد أحمد الجرطي يعتبرها أكثر أعمالي الروائية "امتياحا من سرديات ما بعد الحداثة، وانفتاحا على موجة التجريب"8.
وتختلف رواية "قاعة الانتظار" اختلافا كليا عن الروايات السابقة، إذ تتناول موضوع مرض السرطان، ومعاناة المرضى وذويهم، وتكشف الواقع المرير لقطاع الصحة، والفساد الذي يعم هذا القطاع، فيصبح السرطان رمزا لسرطان أكثر فتكا وهو الفساد الذي يصيب كل القطاعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والذي يؤدي إلى تفشي المرض العضوي في المغرب... وهذا ما طرحته من خلال قضية تهميش منطقة الريف التي تعتبر أكبر منطقة يصاب سكانها بالسرطان بسبب آثار القنابل المحظورة التي تعرضت لها من الاستعمار الاسباني من جهة، وإهمال الدولة من جهة ثانية. وبذلك، ترمز قاعة الانتظار في الرواية للوطن الذي ينتظر العلاج باستئصال جذور الفساد الذي يحول دون تطور المجتمع. وهذا ما جعل الناقد المغربي سعيد جبار يقول: "تتسع الصورة الرمزية الإيحائية لمرض السرطان لتستوعب كل أشكال الأمراض والفساد الذي ينخر جسم المجتمع..."9.
وعلى المستوى الفني تختلف من حيث البناء الحكائي الذي قام على ثلاثة أقسام وهي: "ما قبل البداية"، "الطيور الخضراء تغادر باكرا"، و"ما بعد النهاية"، وعلى توالد حكايات فرعية صغيرة من الحكاية الرئيسية، مما أدى إلى تعدد الأصوات السردية، وتنوع اللغة، ومستويات الحوار حسب طبيعة الشخصيات، ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية...
وفي ختام هذه الشهادة، يمكنني القول بأن كتابتي تشبهني، وأن رواياتي تعكس بصدق فلسفتي في الحياة، ورؤيتي للعالم، وهي نابعة من التجارب التي عشتها أو عايشتها، ولكني ارتقيت بها عن طريق التخييل من التجربة الذاتية الخاصة إلى التجربة الإنسانية العامة لتعانق آلام الآخرين وهمومهم المشتركة؛ وأني بالكتابة أتطهر، وأتحرر، وأتجدد، فأكون مثل الثعبان الذي يسلخ جلده، أو مثل الغول الذي يلتهم نفسه حسب نصيحة ماريو فرغاس يوسا للروائي الشاب في إحدى رسائله.
هوامش الدراسة
- عيون تحدق في العتمة، حوارات حول الكتابة والحياة، الجزء الثاني، الزهرة رميج، تقديم د. محمد مساعدي، 2023، ص:4.
- مجلة أفكار الأردنية عدد: حزيران/ يوليوز، 2013.
- ضد الصمت والنسيان، قراءات في رواية: أخاديد الأسوار للزهرة رميج، تقديم وتنسيق د. ادريس الخضراوي، 2010، ص: 34.
- المرجع نفسه، ص18:.
- اقتصاد النسيان في رواية عزوزة للزهرة رميج، تقديم وتنسيق د. عثماني الميلود، 2014، ص:16.
- المرجع نفسه، ص:40.
- بواكير روايات الربيع العربي، النبوءة، والواقع، والمستقبل، الدكتور يوسف شحاذة والدكتورة بربارا ميخالك بيرولسكا، دار جامعة ياغيلونسكي في كراكوف، 2022، ص:13-14
- السرد وتمثيل الذاكرة التاريخية/ قراءات في رواية الناجون للزهرة رميج"، تقديم وتنسيق د. أحمد الجرطي، 2016، ص:11.
- جمالية التخييل الحكائي في رواية، قاعة الانتظار" للزهرة رميج (دراسات نقدية)، تنسيق وتقديم: د. سعيد جبار، 2021، ص: 46
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20260712%2Fob_e37885_.jpg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)