أحدث إصدارات منشورات دفاتر الاختلاف للنشر والتوزيع
يناير 2020

رسالة التربية في القرآن الكريم
نحو نموذج تربوي قرآني
للكاتب المغربي الدكتور عبد الكامل أوزال
صدر عن منشورات دفاتر الاختلاف ، يناير 2020 ،كتاب بعنوان" رسالة التربية في القرآن الكريم نحو نموذج تربوي قرآني"، مطبعة بلال /فاس، للدكتور عبد الكامل أوزال يقع الكتاب في 164 صفحة من القطع المتوسط.
سيكون الكتاب متوفرا بمعرض الدار البيضاء برواق مكتبة دار الأمان,
تقديم: فضيلة الدكتور حسن بوكبير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين، من تم له الخلق العظيم؛ إذ أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان بذلك النموذج الأمثل والإسوة الحسنة.
لما شرفني أخي الدكتور عبد الكامل أوزال بقراءة مقال له بعنوان: "النموذج التربوي في القرآن الكريم" وجدته عِذْقا مُرَجَّبا، وورقات مكتنزة بالفِكَر العميقة، والقضايا التجريدية الدقيقة، والإشكالات الفكرية والواقعية العميقة، والحلول المؤسسة والموجهة للعمل الإصلاحي الراشد، فبادرت مقترحا عليه تفصيل ما اختصره منها، وتوضيح ما يحتاج إلى مزيد بيان مع ضرب للأمثال والقصص والأدلة التاريخية، فاستجاب لهذه الرغبة فكان هذا السفر النفيس الذي نقدمه للقراء، وبشرني بأنه عازم على نشر دراسات أخرى تكمل نظم هذا العقد، وتمسح عن جبين البشرية بؤس المادية الصماء، وسفه الأفكار الغنوصية الجوفاء، منها دراسة بعنوان: "التربية الإحسانية في القرآن الكريم" نرجو أن ترى النور قريبا.
والكاتب مفكر قل مثيله في زمن ملأ فضاءه الفكري والعلمي والدعوي كثير من الأدعياء الحطابين والمنتحلين والخطابيين الذين يجمعون حولهم كل أخرق مقلد، فهو -كما عرفته- ذو خلق رفيع، وعقل سديد رشيد، وأسلوب في الكتابة فريد..
فالأستاذ عبد الكامل رغم مكانته العلمية والتربوية وشهرته الأكاديمية؛ متواضع موطأ الأكناف، رحب الذراع، لا تسمع منه حديثا عن نفسه، ولا فخرا بإنجازاته الكثيرة. وهو رجل حوار يصغي إلى من يخالفه الرأي عسى أن يلتقط منه نافعا، ولا يفرض على أحد رأيه، بل يكتفي بعرضه مدعوما بالحجة والبرهان والأدلة وحسن البيان، يفعل ذلك حتى مع طلبته ومن هم دونه في العلم، وطريقته تلك تجعله يكسب مع العقول القلوب أيضا.
وفيه من التفاؤل بمستقبل الأمة وسؤددها - رغم كل المثبطات- فلا يلقاك إلا ببشر، وله رغبة جامحة لا تكل في إصلاح ما تصدع من صروحها ما يجعله قائما على كل مشاتل الخير فيها، مسهما في رعايتها مع زراع الخير من الدعاة والمصلحين بكل تفان، غاضا الطرف في تعاونه على البر والتقوى عن كل الألوان والأطر التنظيمية الموجودة في سوح الدعوة حتى ليظنه البعض غافلا ساذجا لا يعرف في أمور التنظيمات والمذهبيات والأحزاب شيئا، لكنه رجل قرآني يزن بميزان رباني مختلف عن باقي الموازين المتحجرة..
وأما أسلوبه في الكتابة فجذاب سلس، وعباراته جميلة خالية من التعقيد والتصنع والتقعر، وألفاظها مأنوسة ليس فيها وحشي أو غريب، فهو من الأسلوب السهل الممتنع، أما المضمون فيفاجئك بالجديد ذي الجدوى، مع حسن التركيب المنطقي للأفكار والفقرات والفصول؛ إنه يجمع بين المضمون الرصين المصوغ في القالب الجميل دون طغيان جانب على آخر، وذلك راجع إلى تكوينه العلمي الموسوعي؛ فقد برَّز في الأدب العربي، ودرس الفلسفة الإسلامية، وتخصص بعد ذلك في علوم التربية بمدارسها ومناهجها، مع مشاركته في علوم الشريعة.
وهذا الذي وسمنا به الكاتب والكتاب، يسير من جليل، وليس من المجاملات والمبالغات في شيء بل هو أمر يعرفه كل من حدث الرجل وجالسه، بله من خالطه وصاحبه، ويمكن أن يلحظه القارئ النبيه دونما جهد كبير، ويتبينه من مسرد الكتب والمؤلفات التي رجع إليها، ومن النصوص القرآنية والحديثية التي استند إليها لصياغة النموذج التربوي الإسلامي، ومن البناء المتين الذي بنى به نظريته.
ويمكن القول: إن أبرز قضايا الكتاب قضيتان متكاملتان متعاضدتان،
الأولى: مسألة الدعوة والتربية باعتبارهما عملا نبويا وأسلوبا قرآنيا في إصلاح ما فسد من أمر البشرية.
والثانية: فكرة "النموذج الحق" أو "المثال الأعلى" وهي فكرة غاية في الأهمية من حيث كونها الأصل الذي يقاس عليه غيرها من الصور والأشكال المتغيرة والمتطورة، وأنها الموجه والهادي لكل التصرفات الفردية والجماعية، فإذا صحت في ذاتها، وصفا انعكاسها على صفحة مرآة النفس، أنتجت تلقائيا فرقانا لا يضل، وسعادة حقيقية في الدارين.
لكن استجلاء النموذج الحق، ورسم معالمه، وتوضيح جادته، ليس بالأمر السهل ولا العمل الهين؛ فذلك يحتاج إلى درجة عالية من الدقة في البصر، واستقصاء للجزئيات، وقدرة على التجريد والتقعيد العلميين، وهو ما تميز به الكاتب ووفق فيه إلى حد كبير.
فالنموذج التربوي الإسلامي هو ما جاءت الرسالة لبيانه، ورسم حدوده، وإبراز خصائصه ومعالمه من خلال الوحيين، وانبلج وتميز في التطبيق العملي السيري النبوي في خير القرون.
لقد صُنع هذا "النموذج الحقّ" بأعين الله، وعلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان جيلا قرآنيا فريدا مصوغا في قالب النموذج الحق، منتظما في سلكه واحدا موحدا كالجسد الحي المكتمل الخَلق والخُلق، رغم كونه في أفراده متنوع الطباع والثقافات والعادات، وتلك معجزة اختص بها القرآن الكريم، الذي ما نزل بشيء قط، ولا اصطبغ به شيء أبدا، إلا عرج به إلى أرقى مكانة ونال أرفع منزلة؛ فقد حل في الزمن فنال به منتهى الشرف، قال الله جل وعلا: ﴿شهر رمضان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]وقال أيضا:﴿إنا أنزلناه ُفِي ليلة القدر،وما أدراك مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ،لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ...﴾ [القدر: 1 - 3]، ونزل به جبريل فنال المنزلة العليا بين الملائكة قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّه ُلَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ،نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 192، 193] وقال:﴿إِن ْهُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى،عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى،ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى،وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾[النجم: 4 - 7] ونزل على الحبيب صلى الله عليه وسلم فكان إمام الأنبياء جميعا فقال صلوات ربي وسلامه عليه: "أَلَا وَإِنِّي سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ،وَأَوَّلُ َمنْ تَنْشَقُّ عَنْه ُالْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ،وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلَافَخْرَ"1.
هذا النموذج الحق: "نموذج لا مثيل له ولا نظير في تاريخ البشرية جمعاء منذ آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إنه نموذج يتأسس على منهاج قويم؛ يتكون من عناصر أساسية داعمة تتمثل في الوحدات التالية:
- - الأسس والمبادئ الكبرى المؤطرة للتربية القرآنية.
- - المضامين والمفاهيم والأهداف المركزية الحاملة للرؤية التربوية القرآنية.
- - المواصفات والسمات المثلى المشكلة لشخصية المربي القدوة كما هي مجسدة في الرسل والأنبياء وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
- - الأساليب والوسائل والطرق المستعملة حسب المقامات الإيمانية والتعبدية، وحسب الأحوال والسياقات الاجتماعية والنفسية والفكرية والبيئية.
- - النتائج والآثار والامتدادات التي تثمر ما يمكن الاصطلاح عليه بالسحنة المبتغاة لدى الأمة كلها أفرادا وجماعات وهيئات ومنظمات ومؤسسات."2
فهذه الخماسية التي اشتغل عليها المؤلف في الجزء الثاني من الكتاب تنبئ عن امتلاكه لزمام الأَزِمَّة؛ فأما المباحث الأربعة الأولى فخصصها لرسم المعالم الكبرى للنموذج الحق ولتقعيده وتأصيله من كافة جوانبه، وأما الخامس فهو بمثابة التطبيق التنزيلي على واقع الأمة، والثمرة المرجوة من استجلاء هذا النموذج الذي وصفه بما هو له أهل فقال: "إنه نموذج كوني عالمي يمكن الاصطلاح عليه بالنموذج القرآني الرباني"3
وإن خصائص هذا النموذج السعيد الفريد مستمدةٌ من خصائص هذه الرسالة الخاتمة، وهذا هو مصدر قوة هذه الدراسة وأشباهها:
- - فبما أن الرسالة القرآنية ربانية المصدر فيجب أن تكون الدراسة المستمدة منها منسجمة والفطرة المركوزة في الجنس الإنساني الكوني العالمي، شاملة لكل مناحي حياته، ثابتة في غير صلابة أو تعنيت ثباتا يراعي المتغيرات والخصوصيات، إنه "النموذج السعيد" الذي بينه خالق الخلق الخبير اللطيف.
- - وحفظ الوحي من الله تعالى عنصر أمان في حفظ هذا النموذج وبقائه أصيلا نقيا قويا، قال الله تعالى: ﴿لَاتُحَرِّكْ بِهِ لسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ،إِنَّ علينا جمعه وَقُرْآنَهُ،فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16 - 19] فجمعه، وقرآنه، وبيانه، كل ذلك موكول إلى الله جل وعلا، ليس لبشر ولا ملك مقرب يد في ذلك إلا ما يفتح الله به على من يشاء من عباده من العلم بما شاء لبيان بعض من فيوض علمه المستكن في كلماته.
لقد أدرك الدكتور عبد الكامل في هذا السِّفر مهمته الجليلة وقضية كتابه الخطيرة فاستمسك بالعروة الوثقى، ولزم الغرز المكين، كما أدرك عمق التيه والتطوح والحيرة الذي تعيشه الفلسفات والإيديولوجيات الدينية واللادينية إذ بلغت في هذا الزمن حدا يستدعي انقاذا سريعا وفعالا، وإلا قضي على معنى "الإنسانية" على كوكبنا الأرض، فقد بتنا نسمع بفلسفة "ما بعد الإنسانية" التي اشتطت واغترت بالتقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان الترابي في مجالات "النانو تكنولوجي" و"الخرائط الوراثية" و"الذكاء الصناعي" فحسب أن علمه هذا أخلده، وأنه قد استغنى عن الخالق، هكذا يدَّعون ويطغون، ونسوا أنهم إنما يكتشفون بعض آيات الله في خلقه البديع، وكل ذلك لا يحدث إلا بإذنه تعالى، قال جل وعلا: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ فأنى لهم به قبل الإذن بخروجه لو كانوا يعقلون!، ثم ما هذا العلم من علم الله المستكن في مخلوقاته!؟
من ههنا كان هذا النوع من الدراسات بهذا المنهج من التناول لهذا الموضوع الخطير ضرورة إنسانية ملحة، وبلسما وترياقا لأمراض العصر الحالقة والفتاكة. ويا ليت مثل هذه الأبحاث كانت منتظمة في إطار تعاوني؛ مركزا، أو مؤسسة، أو مدرسة.. أو أي منظمة علمية أكاديمية مستقلة حتى نحقق التعاون والجودة والتميز.
وفي الختام نتمنى لأخينا الدكتور عبد الكامل أوزال التوفيق والسداد وموفور الصحة والعافية حتى ينجز كل ما يروم إنجازه وإخراج من هذا المشروع العلمي التربوي الراشد المستمد من الوحيين، وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والمنزل على واقع البشرية عامة وواقع الأمة خاصة، ونسأله تعالى أن يجد عونا على ذلك من الأقوياء الأمناء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
إحالات التقديم
1- مسند أبي داود الطيالسي؛ ما أسنده عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ر.ح: 2834
2- رسالة التربية:60.
3 - رسالة التربية:108.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20200119%2Fob_c42cd5_mock-up.jpg)
/image%2F1217153%2F20200119%2Fob_1fd875_.jpg)
/image%2F1217153%2F20200119%2Fob_177f1c_.jpg)
/image%2F1217153%2F20200119%2Fob_8cde25_mock-up.jpg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)