تتمة // قراءة في كتاب "ما ذا يعني أن نفكر" عرب ولاتينيون
دة: غزلان شهبون
دراسة محكمة
تتمة
النص السابع : التفكير في حضرة الغياب
يحاول المؤلف مع بداية هذا الفصل، الربط بين نمط تفكيرنا والأشياء المنقرضة أو المنتهية أو الماضوية. ويحيلنا إلى جماعة من العصور الوسطى المعروفين بالحاليين (منظرو الحال) الذين اعتبروا أن "الدلالة لا تفنى بفناء المدلول"، باعتبار أنها لا تتضمن مفهوم الزمن. ويطرح المؤلف العديد من التساؤلات حول مصدر استقلالية التعقل، لماذا لا يتغير الفكر المتعلق بشيء ما عندما يغيب هذا الشيء؟ ليخلص إلى استنتاج أساسي، مفاده أنه على الرغم من فقدان الشيء، فإن صورته تبقى ليولد منها المفهوم الذي يتحكم في الدلالة، معتبرا أن الخيال له دور أساسي في إنقاذ المعنى من الضياع. ويرى المؤلف أن التفكير الذي استحدثه المفكرون الحاليون حول الدلالة هو في تراجع. وبالمقابل فإن الحديث عن الأشياء المفقودة، انطلاقا من بقاء الصور التي تحدد دلالات هذه الأشياء، تجعلنا في تفكير دائم حول الأشياء والكائنات الفانية، انطلاقا من التخيلات والصور المرتبطة بها، باعتبار أن التفكير يعتمد على الخيال لضمان استمرار وجود المفهوم على الرغم من غياب الشيء، في أفق إدراكه عبر هذا الغياب نفسه وداخله. ويركز المؤلف على هذا التناقض الذي يمثل الشرط العادي في الفكر، فالخيال المنفصل عن الوجود المادي، يتدخل لكي يعوض اختفاء الشيء، فالخيال يتدخل في كل فكر على شكل بدائل حرة لا زمانية. ويرى بأن "قوة القول" تدعم الطرح القائل بأننا نتحدث ونتكلم من أجل حفظ الواقع من الزوال (الذكريات والذاكرة)، فعبر الفكر والكلام نوجد ما لم يعد موجودا ونعيد إحياء الماضي من خلال استحضار له.
ويصل المؤلف في نهاية هذا الفصل إلى فكرة محيرة ومعاكسة، يمكنها تفسير هذا التناقض، فالكلمة وما تحمله من دلالات عبر الخيال، تدل على اختفاء الشيء وإلغاء وجوده، وتغييب العالم، ومحو الواقع الأصلي. فالتخيل يخرج الشيء من نظام الوجود، ومن الحضور ومن الزمن. إن المفهوم باعتباره فكرا متخيلا هو إدراك لشيء قد اختفى بالفعل، لذلك يجب علينا أن نسعى للتفكير في الماضي من أجل تذكره، لنجعل من الفكر ذكرى والفكر في جوهره حنين إلى الماضي.
النص الثامن: الاكتساب والاستفادة
ينطلق المؤلف من مقولة أن "التفكير هو الاكتساب". وهذا ما أدركه فلاسفة العصور الوسطى ودافعوا عنه في كتاباتهم، فالعقل البشري الذي يشتغل فعلا هو "عقل مكتسب أو عقل مستفاد". فالتفكير أمر يستفاد ويتعلم، لكن العقل المستفاد يمثل شيئا آخرا. ويرى المؤلف أن أول ظهور لمفهوم "العقل"، تجلى في نصوص "الإسكندر الأفروديسي"، من خلال إبراز الدور التأسيسي "لله"، الذي يعتبره "العقل الفعال أو العقل الخارجي". ويرى "الإسكندر" أن فكر الإنسان يتطلب تدخلَ هذا العقل الإلهي الخارجي لكي يخرج إلى الفعل. فالعقل المستفاد/الفعال هو بداية العقل الإلهي الذي يتسرب إلينا منذ طفولتنا. ويقارن المؤلف بين موقف الفلسفة الإسلامية الرافض لفكرة الحلول عند المتصوفة، ولفكرة الاتحاد والانصهار وتداخل الإلهي مع البشري، عكس الفلسفة المعاصرة التي تتناول هذه القضايا بأريحية، مستخلصا أن الإنسان ليس هو الكائن المفكر الوحيد في هذا الكون، فكل ما يحيط بالإنسان يفكر (الأجسام – الكواكب...).
يتجاوز "ابن رشد" مفهوم العقل المستفاد، ليركز على مفهوم "العقل المكتسب" الذي هو العقل الذي يمتلك في النهاية، إنه العقل الكوني، الذي يتحول في أوج حياتنا الفكرية إلى عقلنا الخاص. "فالعقل المكتسب" يقصد به مرحلة النضج الأقصى الذي يمكن العقل البشري من معرفة الواقع بدون عوائق، أما "العقل المستفاد"، فهو عقل من خارج (العقل الشامل – العقل الفاعل)، ويخلص "ابن رشد" إلى أن تغيير مكانة الإنسان وموقعه في الكون من ثانوي غير فعال باعتماده على العقل المستفاد، إلى إنسان فاعل وأساسي باعتماده على العقل المكتسب. إن الاستفادة بالنسبة للإنسان هي عملية التفكير التدريجي في مجال الحقيقة، في أفق تزايد معرفته بالواقع، انطلاقا من التخيلات والصور لبناء المفاهيم. ويقر "ابن رشد" في "فصل المقال" بكون الحقيقة واحدة (الفلسفية – الدينية...)، لكن سبل الوصول متعددة، نتيجة تعدد تخيلاتها وتصورها. ويشير المؤلف إلى أن الفلاسفة اللاتينيون عارضوا الأطروحة الرشدية القائلة بانبجاس فكر الإنسان انطلاقا من نشاطه التخيلي فقط. فليس على أساس امتلاكه لعقله الخاص منذ ولادته ولروحه. فملكة الفكر كامنة في أعماق ذاكرة كل إنسان، يحركها الفرد من خلال تخيلاته التي يسميها "ابن رشد" "بالتفكير". ويضيف المؤلف أن عملية اكتساب المفاهيم تظل فردية وخاصة، لكنها تجرد الإنسان من فرديته نحو الكلية، هو ما يجعل المفهوم نقطة تقاطع بين الشخصي والعام. ضمن هذا السياق العام، يضع "ابن رشد" "أصحاب البرهان أو الفلاسفة" في قمة المجتمع بهدف التدبير الجيد للمدينة، في إطار ارتكاز المجتمع على إنتاج الفلسفة والفكر، وتمكين العامة من بلوغ الحقيقة قدر الإمكان، وينتقد المؤلف هذه الهرمية الاجتماعية الرشدية والامتيازات الممنوحة للفلاسفة على حساب باقي طبقات المجتمع، مركزا على أهمية الفكر المكتمل وعلى أن الفيلسوف يتجسد في النوع البشري بأكمله بهدف تحقيق السعادة.
النص التاسع: وجه وفم ولسان
يسرد المؤلف بنوع من السخرية قصة رحلة الإسراء والمعراج للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، رغم فقدان الكتاب اللاتيني ذي الأصل العربي عن هذه الرحلة والمسماة "بمعراج محمد". ويرى المؤلف أن المتصوفة والفلاسفة استلهموا من هذه التجربة الروحية، معنى التفكير، ويربط المؤلف هذه التجربة برسالة "حي بن يقضان" وتفكير "ابن طفيل"، وكيفية تعامله مع صورة الكائن العجيب الواحد والمتعدد في آن واحد (الكائن الذي له سبعون ألف وجه، وسبعون ألف فم، وسبعون ألف لسان). وانطلاقا من تجربة هذه القصة، يرى المؤلف أن طبيعة الإنسان لا تتكون إلا انطلاقا من هذا الإدراك الفوري الذي ينشأ مع الفرد، معتبرا أن الفرد هو جزء من العقل الفعال. ويختتم المؤلف هذا الفصل بتأكيده على أن "الفكر ليس وحيا منزلا، ولا نصا مقدسا تتم تلاوته، إنه مبادرة بالكلام، ومحاولة للنطق".
النص العاشر: الاتصال
يستشهد المؤلف حول نموذج الاتصال/ أو انقطاع التواصل برسالة للفيلسوف الأندلسي "ابن باجة" التي أرسلها إلى صديقه الوزير "ابن الإمام"، وطابعها الفلسفي المركز على مبدأ التنائي(الابتعاد) بين الأفراد، معتبرا أن التفكير هو الاتصال. ويعمل المؤلف جاهدا على تأصيل الكلمة العربية "اتصل" ومصدرها "اتصال" وكذا في اللاتينية، معتبرا أن الاتصال هو الاستمرار والامتداد، وسد الفراغ، وتقليص المسافة الفاصلة وإلغائها. في مقابل تراجع استخدام كلمة اتصال في علم النفس المعاصر، وغيابها في الكتابات الفكرية الغربية المعاصرة، فإن تيارات الفكر العربي ما زالت تستخدمها بكثافة. ويركز المؤلف على أن مسألة الفكر لا تنحصر في حدود جسد الفرد، فالفكر يندرج ضمن إطار واسع وهو الكون بأكمله.
ويشير المؤلف إلى عملية ترتيب العقول البشرية والجماعات، فقد صنف الفلاسفة العرب الأدنى درجة بين العقول السماوية، بسبب نمط التعليل الذي تعتمده في تفسيرها لهذا العالم، ويعتبر أن التفكير هو اتصال، وبالأخص اتصال بعقل الكون، مشيرا إلى تعددية أشكال هذا الاتصال وأهدافه، مستحضرا مقولة "ابن رشد" في هذا المجال "أننا نؤول إلى درجة لا نغدو فيها نفكر بواسطة العقل، بل إننا نستوعبه، ونكونه أثناء التفكير". مرجحا فكرة "ابن طفيل" حول كيفية تكوين التفكير، بالدلالة على مادية الفكر. ويعود المؤلف إلى اللاتينية وخاصة كتاب الطبيعة "لأرسطو"، ثم إلى "ابن رشد" لتدقيق كلمات "الاتصال" و"الملاصقة" و "الائتلاف"، والعلاقة بينهما، معتبرا أن الاتصال يأتي عبر توحيد الأشياء المتلاصقة وذلك بائتلاف حوافها وحواشيها المتماسة.
النص الحادي عشر: في ضرورة جزيرة:
يربط المؤلف بين مغزى قصة الطفل (حي بن يقضان) "لابن طفيل" في الجزيرة، ودور "الفيلسوف العصامي" بأوروبا خلال القرن 17، واعتمادهما على العقل في تعاملهما مع الواقع المتعدد المستويات، بمعاكسة المسار التوجيهي المعتمد على التعليم وتمرير المعارف. فالفيلسوف العصامي هو الرجل الذي لم يتلق تعليما قط، والفيلسوف الذي لا معلم له، المرتكز على الحدس، إنه رجل الحدس. ورغم انتقاد المؤلف لقصة ابن طفيل حول عصاميته وحدسه، إلا أنه يستشهد بالسيرة الذاتية لعبقرية "ابن سينا" في تعلمه للعلوم، والتي اعتبرها موهبة حدسية، ويشير المؤلف إلى أن المرتبة الاستثنائية للحدس تملكها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهي أعلى الدرجات. فحسب قول "ابن سينا" "يعرف من نفسه مبدأ كل ما يتعلمه الناس"، والتي يسميها ابن سينا "بالعقل القدسي".
ويحاول المؤلف تتبع أصل كلمة "حدس" التي نقلت إلى اللاتينية في صيغة تعني "الموهبة أو العبقرية"، وهما كلمتان قريبتان من كلمة الذكاء (الدقة والنفاذ). ويشير "ابن سينا" إلى إمكانية حصول الفرد على المعرفة عن طريق التعليم، لكن كل تعليم راجع إلى الحدس. وأن المفكر على الجزيرة يعتمد على الإدراك الأولي للأشياء لبناء المعرفة ضمن هذا الفضاء المفتوح، في سياق بناء الفكر التلقائي المرتكز على الحدس وبغير مساعدة أحد، ووفق النسق الديكارتي "لتأسيس المعرفة لا بد من طرق باب الميتافيزيقا ولو لمرة واحدة في حياة الفرد"، ويعتبر المؤلف أن أفضل مجال جغرافي لذلك هو الجزيرة.
ويتساءل المؤلف عن التحول الذي حصل في أصل كل تعليم وربطه بالحدس؟ ولماذا يجب التسليم بوجود المعلمين الأوائل ذوي العقول النيرة التي لم تمر بمرحلة التلمذة لبناء مواقفها وعاداتها الفكرية؟ لكن باستخدام آلية العودة إلى الوراء فمن الصعوبة بمكان تحديد أصل العملية والتحقق منها (لمن ينسب الدرس الأول)، رغم افتراض المؤلف بوجود سلسلة متواصلة من المعلمين الأولين واستمراريتهم، واحتمالية فناء البشرية كما تصورها كل من "أفلاطون وأرسطو وابن سينا".
ويعود المؤلف مرة أخرى إلى رمزية الجزيرة في علاقتها بالفكر، ويعتبرها المكان لذي سينبثق منه مجددا النوع البشري، كما أنها الفضاء التأسيسي الثابت والدائم للمعارف وللفكر، إنها الفضاء المنقذ للبشرية من الانقراض وفي حفظ الفكر من الزوال.
النص الثاني عشر: الصيرورة (أن نصير، بمعنى من المعاني، كل الأشياء)
ينطلق المؤلف من كلمة الصيرورة اللاتينية، وصيغتها باللغة العربية "صار"، ليحيلنا على طبيعة النفس البشرية ضمن كتاب النفس "لأرسطو". فالنفس البشرية تدرك العالم من خلال تلقي واستيعاب كل الأشياء، ويمكن اعتبار هذا الاستيعاب كنتيجة لصيرورة، ودور العقل في أن يصير كل الأشياء. وتعمل النفس البشرية على تصيير الأشياء وتشكيلها، وهي قوة مصورة متعددة الإمكانات. فالنفس بمقدورها أن تصير الكل عبر الإحساس والعقل، تعمل النفس على استيعاب الكون الرحب وتضعه في داخلها. وتتلقى الصور ثم تتغير وتتحول إلى هذه الصور المستقلة. ويمكن للنفس المفكرة في مكابدتها للأشياء أن تصرح "بتصيير العالم"، لكن هذا التحول حسب وجهة نظر "ابن سينا" يعد "مجرد شعر".
ويرى "ابن سينا" أن النفس عاجزة عن تصيير لنا ما تستقبله وتحويله، وما تفكر فيه، بحكم تجاوزه للجانب النفسي واهتمامه بالجانب الجسدي، فالذات العاقلة لا تصير على هيئة ما تعقله من مواضيع خارجية، بسبب التغيرات الطارئة على الكائنات في الطبيعة. فقد تساءل "ابن سينا" في كتابه الشفاء، عن كيفية أن يصير الشيء شيئا آخرا؟ ورغم تعدد إجاباته عن هذا التساؤل (الصيرورة، أو التكون وإعادة التشكيل)، فإن المؤلف يعتبر صيرورة الشيء نحو شيء آخر مسألة فارغة من كل معنى.
إن القبول بتغير وتبدل الفكر يفترض تغير خصائص النفس المفكرة، لكن النفس لا تصير شيئا آخرا، حيث تبقى محافظة على ماهيتها وحقيقتها، لكن الذي يتغير هو حالتها ووجودها. والقول بصيرورة النفس نشأة وتكوينا في علاقتها بالفكر. ويعارض "ابن سينا" النظرية القائلة إن النفس تتطابق مع مواضيعها، وبالتالي يدحض فكرة التنوع الفكري. ويسرد المؤلف موقف "الفارابي" في رسالته عن العقل ممعنا المقارنة بين العقل والموضوع، منتقدا "الغزالي" في إسقاطاته الدينية في كتابه "شرح الأسماء الحسنى". ولاستعاراته من "ابن سينا" لمبدأ "هو هو"، ومنتقدا "أبو يزيد البسطامي" عن فكرة الاتحاد (الاتحاد عبر الصيرورة)، ومعه "الحلاج" في مبدأ الانصهار في أحد أبياته الشعرية (أنا من أهوى ومن أهوى أنا)، معتبرا إياها حالات من الوجد. ويختتم المؤلف هذا الفصل بقوله إن علاقة الفكر البشري بالشيء تظل ثانوية، فالفكر لا يعني أن نصير الشيء ونكونه، وبالمقابل يدعو إلى الاعتماد على الاستبصار طبقا للمبدإ القائل : "الفكر انعكاس".
النص الثالث عشر: الخلود (أن تصير خالدا ثم تموت)
يستهل المؤلف هذا الفصل بموقف كل من "سارتر" و "الفارابي" حول الفكر، وكيفية الخلاص من الموت. فقد راهن الفارابي على هذا الطموح بكلمة واحدة وهي: "تجوهر". ويجتهد المؤلف في تأصيل هذه الكلمة (تجوهر بمعنى تحول على جوهر). وانطلاقا من كتاب الحروف "للفارابي"، يرى أن "الجوهر يشير إلى الطبيعة الأساسية للشيء وإلى حقيقته وماهيته". ويتطلب تحول الإنسان نحو الجوهر الإعداد وتهييء مقومات التفكير عن طريق إنماء قدراته العقلية. وعملية انبثاق الفكر إلى الوجود وفق الكوجيطو الديكارتي "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، فكثرة التفكير وإنتاج المفاهيم يؤدي إلى تكثيف وجود الفرد، باعتبار أن الفكر مبدأ أساسي في التكوين البشري. ويتطلب استهداف الكمال أن نجعل من كياننا عقلا وفكرا. والمفكر المكتمل هو من يملك عقلا خالصا متحررا من الخيال. ويعود المؤلف إلى "الفارابي" في كتابه عن السياسة المدنية للحديث عن الإنسان عبر بلوغه الذات، وإدراكه الجوهر "يصير إلهيا بعد أن كان هيولانيا". وهي المرحلة التي تعتبرها الصوفية "مرحلة ما بعد الفناء بالبقاء". وفي ظل هذه الديمومة تأثر "الفارابي" بالنسخة العربية "للأخلاق النيقوماخية" (ق 7م) من خلال دعوة البشر إلى الاهتمام بكل شيء ممكن من أجل أن "يعيشوا وكأنهم يعيشون أبدا". وإلى جانب هذا تتحدث النصوص العربية عن الهمم، وعلى أن مصيرها عادمة للموت، يستهدف الإنسان الخلود عبر شهية العقل والتفكير. وفي هذا السياق يقول "الفارابي" "الممكن وجود". ويطرح المؤلف سؤالا جوهريا هل المفكر يغير وجوده؟ ليصطدم بجوابين مختلفين ضمن التراث العربي الإسلامين؛ أولهما يتعلق بموقف "الغزالي" في كتابه المنقذ من الضلال وأطروحته حول تبدل الصفات، وموقف "ابن رشد" القائل بعدم تحرر المادي من المادة، وبغياب الخلود عن الآيل للزوال. ويفند أطروحة "ابن سينا" حول قدرة الاني على اكتساب الأبدية.
ويخلص المؤلف إلى نتيجة حتمية حول مصير كل كائن حي (الفناء)، واستمرارية الحياة فوق الأرض بين موت الكائنات وولادة كائنات أخرى، في غياب وجود تحول تام، أو طفرة تطرأ على الماهية، "فكل ما يدخل للوجود عبر الفكر لا يمكن أن يصير أبديا". ويستشهد المؤلف بالرد على هذا الموقف الرشدي، بطرح القديس "بونافنتورا" الذي يعتبر هذا الطرح بمثابة هدم للعقيدة المسيحية المؤمنة بقيامة الجسد، وبعودة المسيح.
النص الرابع عشر: الذوق
يرى المؤلف أن التفكير هو تذوق، خاصة إذا علمنا أننا نصف الفكر عبر حاسة من الحواس. وفي الوقت نفسه؛ يذهب المؤلف إلى أن الذوق لا يعد مصطلحا فلسفيا، ولكن مفردة شائعة الاستعمال في الأدب الروحاني، عملت الفلسفة على ترويضه، ويستشهد المؤلف بقصة "حي بن يقضان" وتذوقه للوجود. التفكير بهذا المعنى هو تجاوز للتفكير إلى حد التذوق والتلذذ بالحقيقة نفسها. ويطرح المؤلف سؤالا عريضا حول أبعاد الذوق؟ ويقدم جوابا شاسعا جدا، يتعلق بالذوق في الظروف العادية المتعلق بالحصول على البديهي المباشر من الشيء.
ويتجلى الفعل المقابل للذوق في هذا السياق في "المشاهدة"، أو الشهادة المباشرة وحضور الذات نفسهما أمام ما يقدمه لنا الوجود. أما عن مرحلية الذوق، فيشير المؤلف إلى أن الذوق يأتي في النهاية وفي الختام؛ كأنه تتويج لتجربة شخصية. من هذا يستشف المؤلف على الطابع الذاتي للإدراك. وكما أشار إلى ذلك "ابن طفيل"؛ فالفكر لا يكتمل إلا مع الذوق. ولكي يتذوق المفكر عليه أن ينعدم وأن ينطفئ، وأن يتلاشى في هذا الفناء، وهو ما تعبر عنه اللغة العربية بأصدق المعاني "فناء الفناء" التي يمكن قراءتها قراءة أخلاقية وميتافيزيقية. ويعرج المؤلف على انتقاده لكتابات "رينان" خلال القرن 19 حول خصوصيات الفكر العربي (فكر كلي – فكر انغماس...). وأشار إلى أهمية الفناء في الذوق من الناحية النفسية، واعتباره تجليا أو تمظهرا خالصا للمتذوق، مختزلا أهميته في عبارة "أنا أتذوق". ويبذل المؤلف جهده في شرح عبارة "الحلاج" "أنا الحق"، من خلال تدقيق مفهوم الاتحاد، واعتباره توحيدا بالمعنى الديني. ويستدل المؤلف كلامه على الفناء، بموقف "إيزوتسو" الذي يعتبر "التجربة الإنسانية للفناء أو الخروج الذاتي للحقيقة نفسها إلى الفعل".
ويعود المؤلف مرة أخرى إلى وصف عملية المشاهدة التي تحدث عنها "ابن سينا"، من خلال حديثه عن "الموصل"، ودوره في التفكير وفي الذوق. كما يستحضر في هذا المجال أفكار "الغزالي" حول الذوق ولحظة الكشف الإلهي (كان ما كان)، ليربطها بالنسخة العربية من سفر الخروج لموسى. ويختتم المؤلف هذا الفصل بالحديث عن الفينومينولوجيا الحديثة، وخصوصا عند "باتوتشكا" حول عملية الذوق باعتباره كشفا أو انكشافا، معرجا على موقف القرآن الكريم القائل بأن : "كل شيء هالك إلا وجهه"، ويعزز موقفه هنا بقول الغزالي أن الذين يصلون إلى النهايات هم الذين يفكرون فوق العادة والذين يستوعبون المعنى.
النص الخامس عشر: النقل
ينطلق المؤلف من مقارنة بين "ابن رشد" (تهافت التهافت)، و"الغزالي" (تهافت الفلاسفة)، حول الحياة الأخرى وانبعاث الأجساد، واختلاف تصورهما حول هذه المسألة. ويقر المؤلف بالفعل أن هناك حياة بعد الموت وخلودا، من خلال تلاشي الأجساد والأرواح. لكن الباقي هو العقل والقدرة على التفكير، من خلال استمرارية عناصر بشرية أخرى على استعمال هذا التفكير. ويذهب "ابن رشد" استنادا إلى الدين الإسلامي عن الحياة الأخرى، وعن صعوبة تخيل طبيعة الآخرة، إلى أن الوجود الأخروي هناك، سيكون أشبه بنشأة أخرى متطورة وسامية عما هي عليه في هذا الطور. ويستند "ابن رشد" إلى هذا التحول باستخدام العقل والتفكير، ليخلص المؤلف أن "التفكير ليس إلا عملية نقل".
لقد عمل المؤلف على تدقيق كلمة النقل (إجراء تغيير في الحالة)، وعلى مراحل حياة الأجسام والتفكير. وقد تميزت اللغة العربية بالجمع بين العقل والنقل. ودافع كل من "ابن رشد وابن طفيل" عن عدم تناقض هذين المبدأين، لكن المؤلف يذهب بعيدا، حينما يقترح أن العقل لا يوافق النقل في جوهره ولبه، بل فعل الفكر بحد ذاته يشكل نقلا وتحويلا. إن الفكر كله يحدث ضمن هذا المسار الذي يبدأ من التصور ويصل إلى التعقل، وعبر الصقل والتصفية يتحول الفكر إلى طور آخر، والفكر الإنساني الشاسع ليس اختزالا أحاديا، بل هو مزاوجة وربط دائمان جيئة وذهابا، مستمران داخل المجال الحيوي لجسم متفكر.
ويعدد المؤلف أشكال مرحلة الانتقال داخل حيز وجود الفرد المفكر، وأن النقل ينضج ويتجاوز نفسه. ويمكن التطلع إليه على مستوى المعرفة الكلية، وعلى مستوى الكون بأكمله. وهذا ما نجحت فيه الفلسفة العربية في إطار العلم والمعرفة ونشرهما بين الأمم. ويشيد كل من "ابن رشد والفارابي" بإنسيابية العلم بين الأمم، من خلال استفادة المتأخر بما قدمه المتقدم في إطار هجرة كونية للفكر العالمي، وتقاسم هذا المشترك الإنساني. فالإطار الكوني للمعرفة، هو ما يطلق عليه فلاسفة العرب: "بالفلك العقلي". وفي ها السياق يقول "ابن رشد": "الجنس البشري هو كرة أو فلك مماثل للأجرام السماوية، وبنفس الطريقة التي ترتبط بها كل هذه الأجرام مع عقل يحركها، تمتلك كرة الحياة البشرية، عقلا بفضله يدير البشر كل العمليات السامية التي تنضوي تحت شعبة التعقل".
ختاما يعتبر المؤلف: أن الفكر البشري عبارة عن حركة انتقال للصور، يحدث داخل هذا الكون، وعبر كل شيء فيه كأنه تمرير لما يعنيه الحقيقي، مركزا على أن إعلاء الفكر وتحفيزه ونقله بشكل متواصل ومسترسل من أجل إبقاء النفس البشرية منتعشة ومليئة بالحياة، ودور المفكر فيه يشبه بحرا كالمتوسط
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_fb7406_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_5ae773_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)