الرواية- الأقصوصة :
أنـيـثُ الفُـحـولـة...أو جداريات الماهـ(ـو)ة
ـ1ـ جدارية الفراغ...
دلف إلى حجرته، لم يغلق الباب ، بحث عنها ف كل الزوايا ، لم يجدها ، التفت إلى الإطار الذهبي المعلق فوق السرير، إنه فارغ..لقد ..لقد رحلت..إنها عادتها، تحمل صورتها الوحيدة ليوم العرس..إنه الشيء الوحيد الذي يضمن عودتها..فهي غير متيقنة من أن هذا الإطار سيبقى فارغا...
لكن..هذه المرة أحس بأنه سيفقد صوابه حتما لأن كل الأشياء حوله تقول عكس ما يدور برأسه...
ـ2ـ جدارية الممكن...
مر أمامه شريط الأحداث التي عاشها في المدة الأخيرة ،فبدت له الحقائق أكثر عريا وطهارة ـ من ذي قبل ـ لقد كان منفتحا على صغائرها... يطرد المأساوي من الثابت في شخصيتها.. والساكن في رؤيتها للحياة الزوجية ..إنها تفتح أسماعها كثيرا للوشوشات.. لم تكن الكلمات الشعرية السخية التي يُشَنِّف بها مسامعها الصمّاء من أن تضع حدا لمجموعة من الإيحاءات المرتبطة بالأمثلة النموذجية من حوارات الجارات..إنها أقرب صورة لزوجة هاوية تعمق حضور الغائب في حياتها ليحل محل الحاضر المُغَيَّب ..يتربص بالدور الحقيقي ..يجعلها ترفض هذا الزمن الذي تعود فيه الهزيمة إلى نصر وقناعة..فلا يمكن أن يتولد الوعي عندها بهذه الأشياء ما لم تراهن الأحداث على إقامة مفارقة بين الأزمنة الممكنة والمتخيلة...
ـ3ـ جدارية المتاهة...
هكذا إذن...
.. لا جدوى من الأنفاس الساخنة داخل الفضاء المحنط باستنطاق المخاوف داخل الهمس والانصات ... فالدرب الملتوي يؤدي دائما الى مزيد من الإلتواء.. يدي كلعبة الى الدرب المسدود.. الى المتاهة...
تخلص من نظارته ، زحف الزمان على جبينه، أزال الشعور باللحظة الشاهدة من حواره ذات يوم مع صديقه جمال..:
ـ ماذا لو ساعدها ، ونقلها الى عملها بسيارته..
بادره جمال زاعقا ..
ـ هكذا إذن .. هكذا ترى الأشياء .. تصوّر لو وقعت في غرامه...
ـ إنه يساعدنا كثيرا ، تَيْهَنِّيها من تْكرفيسْ الحافلات...
ـ المشكلة مشكلتك ..إنها امرأة على كل حال ..ومع غريب داخل سيارته.. إن مسجلته تردد أغنية (وردة) ..أنا باتْوَنّسْ بيك...والفاهم يفهم...
ـ غريب يا أخينا ..لا أرى ما تراه.. إنها مساعدة إنسانية لا غير ..ثم إني أخاف عليها من "الحَطَّاطَه" الذين يحتكون بمؤخرات النساء بالحافلات العمومية ...
ـ .........(صمت).
ـ4ـ جدارية احتراق الأسئلة...
تقدم نحو المرآة ، إنه فقط يؤخر رغبته في البكاء .. يؤجل سقوطه في فوهة النحيب ..لماذا ..!..لماذا..!..لماذا..!؟ لم يفطن الى تلميحات جمال ...
إيقاع ما بحوله لا يوحي بأن الجرح سوف يندمل بسرعة.. نسخة من استفساراته تجتر الأسئلة التي احترقت استنكارا مع زوجة غير محروسة ولو نظريا...
الغيرة هي هامش الاستفهامات الملتهبة لاستعادة بكارة المشاهد الضاغطة على الحروف المنتصبة للجواب بين لعنة الهامش ولعنة الفضاء الفارغ من السؤال..
إنه لا يستطيع أن يلتفت إلى الإشارات والعلامات التي تشير إلى حضور الوشم الذي يذكره بواجب التدخل الحاسم لوقف نزيف الخبر المتآكل في فم صديقه (جمال) وفي نظرات الشباب المتحلق حول بائع الديتاي...
- ها هو الديوتي جاي...
- ...المخدوع...
- ...المسكين لا يعلم...
- ...واكل الجوانط...
- ..الله وعلم...
- ... ﮔولو الله يستر ويعفو يا شباب...
ردد بائع الديتاي في استغفار... نطق كل الشباب بصوت واحد (آمين) .
لم يلتفت ، لم يهتم، نظر إلى الساعة ثم إلى النافذة ...نزار ليس بالبيت...لم يفتح النافذة كعادته عندما يكون داخل البيت ... تأكد من ذلك باستدارة بسيط نحو باحة السيارات ثم غمغم:
ـ سيارته ليست هناك...
رسم ابتسامة على شفتيه ثم أردف بصوت مهموس:
ـ لا شك أن أحد الإطارات انفجر مرة أخرى...المسكين (نزار)يعاني في الأيام الأخيرة من عدة مشاكل مع سيارته...
نظرات قاسية موحدة في اتجاهه، تحاصره، تلعنه..تتابع بحياد من نوع خاص تهميش الآية الواضحة التي تزعزع إيمانه الراسخ بنزاهة زوجته وعفتها...
ـ5ـ أنيثُ (L efféminé ) الفُحولة...
هل هو كشف المستور فيما يجري ويدور...
تصفح العيون المحدقة في بلاهته..ترسم أخاديد عميقة بإيمانه الراسخ.. تظاهر بالوقار،أسئلة كثيرة محمومة فجرها إلْحاحُ جمال .
لن يكون النائم إلا تاريخا أصفر يخاف من الزفاف وتكسير الأحلام... البيان المستورد يحاصر فراغ جمجمته.. كيف أخذله التراث...أين نخوة الفارس دونكيشوط الطاعنة في جسم الفحولة ومخاض الحلم وانبعاث الرماد... إن الغرام لا يعيش برئتين... إنه يشكل ملامح وجه المحارب .. فيمر السيف فوق عروق يده لينتفض برقا ورعدا ويلغي المسافات ..محال أن تنتهي الزاوية من صنع الإسفلت.. لم يحس يوما أن العزوبة قد فارقته بالرغم من اللمسات الأنثوية التي دخلت صحراء حياته ، فتحجر جسده وامتد حارسا كأبي الهول...
ـ6ـ جدارية الاستفحال...
لا زال غيابها يخلخل وعيه الرافض لكلمات التأسف المباح وعلامات الوقوف الممنوع الذي حكم عليه باستئناف السفر في قاموس الألوان والأشكال الموحشة في تفاصيل عشقه وتخوم الوشاية التي تحركت موحشة من بؤس الحي .
قصته وشم ضاع رونقه بين الغمزات والتلميحات والمنسابة كالشلال على شجاعة اعتقاده بإيمانه الراسخ...
...عاودته لحظة المد التي صادفها لمّا باغث زوجته تحتضن الوسادة ولم تنتبه إليه.. وقد شدّتها الرعشة إلى آهات الخواء المملوء فكانت الأطياف تحلم بالأحضان المعتصرة والأجساد المتراكمة المعلقة في الحافلة كشخوص من ورق ترسم ثعابينها إلتواءات شاردة حول النتوءات الجنسية لهزيمة النهارـ الواقف...
ـ7ـ جدارية الأنثى..
زغب ساقها لا ينتسب لذاكرته، فزع من مجرد ذكر ذلك، قفز إلى ذهنه حواره مع نزار حول الخصائص المثيرة لدى الرجل في المرأة المعاصرة ... كان نزار يكرر على مسامعه:
ـ ...العصور تختلف.. لكل عصر ملامح متفردة يعشقها في نسائه، أعتقد أن هاجس الجمال عند الذكر العربي هو زغب ساقي أنثاه.. إنها حبة الجمال والفتنة التي قصمت ظهر بعيره...
فرت أوراقه من صفحات المكابرة ..من لحظتها بدأ يعشق الصمت المنقوش على الشفتين.. مصقولة نظراتها رتلا طويلا من الآهات الممزقة تحت جسد نزار.. تحت الحضرة المدمرة..الغامضة.. ذهابا من رصيد النهد والأعجاز إلى زغب الساقين...
...هو يشتهيها وهي تود أن تُشتهى.. تتحسس جسدها فتجد جمرة ملتهبة كان لخمودها طيف الأحجية استمر حاضرا في بطاقة ملغاة.. إنها تبحث عن قانون لجسدها عبر قانون الكلمات الثاوية في لذة النص الشبقي ...
ـ8ـ جدارية الجسد...
لايجتمع سيفان في غِمْد...
الغيرة تتخثر.. تخرج من الوشم الأطلسي تشكيلا يزحف على الرسم نقشا مرتبا على النهد في ملف الليل .. الحديث عن العشق الممنوع يغري بالفصاحة والزهد.. الرغبة طائشة تمتد جنِّية تحت الأزرار... تحبل الفضاءات بلعنة الحركة والقفر ..
ظلت عجيزته ملتصقة بالجدار في مواجهة الإطار الفارغ.. كم كان من قبل ساحرا !
اقتلعه من مكانه ، خرج وابتسامته الكريهة ، الصفراء لا تفارقه ..سيارة جاره نزار تقبع بلا مبالاة تحت ضوء الشارع السخيف...
طاق..طاق..طاااااااق...
الطرقة الثالثة كانت عنيفة ، حمَّلها كل مقته وكراهيته ، فتح نزار الباب ، تلمس العذر عن عدم دعوته على فنجان شاي بحجة ما عنده من ضيوف..
كان تيار الهواء الذي يمشي وراءه منتشيا بأغلى العطور التي كانت تحيط بزوجته كلّما عادت من " عملها" ...
أضاف إلى ابتسامته برودة الحصير ثم ناوله الإطار الذهبي المصقول...ثم استدار آليا كجثة أوطوبيس.. نزع عينيه عن ركام القمامة بعدما انغرست تَفْلي صورة عرسه الممزقة...
ـ9ـ جدارية النُّشوز...
كان يرى أمامه سيلا أحمر..هل هو دم أم صباغة ؟ هل كان يعي أم لا؟..هل يعرف أنه يشبه الميت في ثوب الأحياء... اختلطت أمامه دوائر عديدة ..اتكأ على اثرها على حافة الباب...لا لم يكن يحلم...
أحس بأن الزمن صار مساحة لعينيه فحرَّضه على البكاء، لكن ألياف الصراخ اختنقت بحنجرته فطرَّز كلمات مكشوفة تحت جرس الباب...
ألاحظتِ كم كنتِ أنثى....
و... كم كنتُ ممتلئا بالرجولة...
فأنت لستِ طالقا....لستِ طاااااااالقا....
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)