رهانات ترجمة النص الفلسفي إلى العربية
-المفاهيم، المداخل والحواشي-
Les enjeux de la traduction des textes philosophique en langue Arabe, Concepts, Introductions et Notes
الدكتور محمد سوسي: Mohammed Soussi
أستاذ مبرز في الفلسفة؛
مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس؛ فرع مكناس
الملخص:
إذا كان الاهتمام بترجمة الإنتاجات الفلسفية العالمية يعبِّر عن ديناميكية ثقافية وحضارية تكشف عن رِهَانٍ يَرُومُ الانفتاح على الكوني والتَّفاعل معه، فإننا نلاحظ -مع ذلك- بأن بعض المؤلفات الفلسفية التي يتم ترجمتها إلى العربية في زمننا الراهن، لا تتمتَّع بنفس مستوى الجِدِّيَّة والصلاحية المرجوة. حيث إننا نَجِدُ بعضا منها تَعتَرِيه هفوات تَمُسُّ جوهر فعل الترجمة في الفلسفة، الذي هو اختيار مفاهيم تُقابِل أغراض ومفاهيم النص الأصلي. كما نَجِدُ في أحايِينَ أخرى أن بعض هذه الترجمات لا تُولِي أي أهمية للمداخل ولا للحواشي، إن هي اعتمدتها في ما تُنْتِجُهُ من ترجمات. وإذا كان ما يَنْجُمُ عن هذه الهَفَوات هو ضعف قيمة وأهمية بعض هذه الإنتاجات الترجمية، فإننا نرى بأن مهمة الفلسفة تستدعي أيضا ضرورة مواكبة هذه الترجمات، بِغَرَضِ إثارةِ الانتباهِ إلى أَنَّ الانفتاح على فلسفات العالم، يقتضي الوعي بضرورة إنجاز الترجمات ضمن استراتيجيةٍ يَتِمُّ من خلالها اعتبار الترجمة في الفلسفة فِعْلَ كتابةٍ شَاقَّةٍ لها قواعدها ومناهجها. ذلك لأن تحقيق الهدف الأصلي والفعلي لكلِّ ترجمةٍ هو رَفْعُ قَلَقِ عِبَارَةِ النص المُتَرجَم، وتَقْرِيبِهِ إلى القارئ العربي، وذلك ضِمْنَ منظورٍ تَثَاقُفِيٍّ وحضاريٍّ.
الكلمات المفاتيح: -المفهوم الفلسفي؛ - عتبات النص؛ -الحاشية -الأرشيف؛ - التَّثاقُف؛
-المفاهيم الأساسية:
-المفهوم الفلسفي؛ - عتبات النص؛ -الحاشية والأرشيف؛ - التَّثاقُف؛ - التقريب؛ -رفع قلق العبارة.
1- الإطار المنهجي للدراسة
يتحدد الإطار المنهجي الموجه لمقالنا من خلال الإجابة عن هذه التساؤلات: بأي معنى يمكِن الحديث مع جمهور الفلاسفة عن وجود لغة فلسفية وأخرى غير فلسفية؟ وما الذي يعنيه القول بأن هناك لغة فلسفية تتميز عن لغة العلم ولغة الأدب ولغة التاريخ ولغة السوسيولوجيا وغيرها من التَّخصُّصَات الفكرية الأخرى؟
وينتُج عن هذين التساؤلين سؤال آخر هو: هل لغة الفلسفة هي بالضرورة لغة الاستدلالات والبراهين والأَقِيسَة، أم أنها في الحقيقة لغة استعارية خَطابية، وبالتالي ينبغي علينا إعادة النظر في هواجسنا المُرتبطة بخصوصيَّة ترجمةِ نصوصها، وخاصة ترجمتها إلى العربية، التي هي هنا موضوعنا؟
ومن أجل مقاربة هذه الأسئلة، نعتقد بأنه أولا، لا ينبغي أن تُمَارَسَ ترجمة نصوص الفلاسفة إلا بعد قراءة المَتْنِ الخاص بالفيلسوف المُراد الترجمة له. وثانيا، أن يتم قراءة النص الذي هو موضوع الترجمة ضمن هذا المَتن. ذلك لأن أهمية هاتين الخطوتين تكْمُن في كوْنها تُجنِّبنا أي سوء فهم للأفكار المُراد ترجمتها. إذ بهذه العملية يتحقَّق أيضا إِمْكَانُ "رفع قلق العبارة الفلسفية"[1]، و"تقريب"[2] الفلسفات التي يتم إنتاجها في آفاق لغوية وثقافية مُغايرة للغتنا وثقافتنا. كما يمكِنُنَا بهذه الخطوة المنهجية تَفَادِي الاضطراب الذي غالبا ما لاحظنا أنه يُلاَزِمُ بعض الترجمات، فيجعلها رَدِيئَةً مُلَوَّثَةً بهواجس وعواطف المُترجمين ومعتقداتهم.
2 - منطلقات أساسية
في البداية، يمكِن ملاحظة ارتباط مشكل ترجمة نصوص الفلسفة، من اللغة التي أُنْتِجَتْ فيها هذه النصوص الأصلية إلى لغة أخرى مستقبلة لها، بِكَوْنِ الفلسفة تَعتمِد أساسا على المفاهيم في إنتاج أقوالها. وإنتاج المفاهيم، أي إبداع المفاهيم بلغة جيل دولوز وكواتاري[3] يطرح مسألة "الشخصية المفهومية"[4]، التي غالبا ما تكُون مرتبطةً بقراءة وبتأويل فلسفيين للفكر والفلسفة، وللمفهوم الفلسفي. الشيء الذي يعني أن ترجمةَ هذه المفاهيم مجالٌ للإجتهاد، والذي غالبا ما لا يمكِن أن يكُون موضِع يَقِينٍ نِهَائِيٍّ وكَسُولٍ.
ويرتبط بمشكلِ الطبيعة المفاهيمية للغة الفلسفة مشكلٌ آخر، هو مسألةُ نَحْوُ اللغةِ الأصلية ونَحْوُ اللغة المُترجَم إليها. وهذه المسألة إذا كانت فيما يبدو تِقْنِيَّةً، فإن عدم إِيلاَئِهَا الأهمية اللازمة قد يُؤَدِّي إلى اختلالاتٍ في مَبْنَى ومَعْنَى هذه النصوص المُترجَمة. الشيء الذي ينضاف إليه عدم إدراك مضمون النص أو تشويه مضمونه.
لذلك نرى أنه عند الرغبةِ في ترجمةِ النصوصِ الفلسفيةِ، لا بُدَّ من اعتبار أهميةِ المَتْنِ بالنِّسبة للفيلسوفِ. ذلك لأن نصوص الفلاسفة لا تُفهم بعيدا عن الإرتباطِ العِلِّيِّ الذي يحكُم بعضها ببعض: هذه الفكرة سابقة عن تلك ولاحِقة عن الأُخرى، ومقدِّمة أو نتيجة لما كان سابقا أو صار لاحِقا. فالأفكار والأطروحات تُنْتَجُ وتَنْمُو وتَتطوَّرُ، تَمُوتُ وتَحْيَا.
وينتج عن ما سبق أننا غالبا ما نكُون ضحايا للكَيفِيَّةِ التي نقرأ بها، ولطبيعة ما نقرأه. فالقراءة التي يتم فيها بَتْرُ النصوص عن سياقاتها، ولاَ تُرَاعَى فيها أهمية المَتْنِ الخاص بالفيلسوف والابستيمي الخاص بالعصر، لا يمكِن أن يَنْتُجَ عنها أيُّ فَهْمٍ مُطابِقٍ لفكر الفيلسوف. بل إننا نكُون جرَّاءَ ذلك ضحايا الترجمات التي نلجأ إلى قراءتها، خاصة حين تكُون مصدرُنا الوحيد في المعرفة بالفلسفة ولا نكُون مُلِمِّينَ باللغة الأصلية للنصوص الفلسفية أو اللغة المُترجَم عنها. وهذه هي حال كثيرين منا: أُحاديي اللغة (مُعَرَّبِينَ) ومُستعدِّين لالتِهَامِ كل ما يُترجم لهم إلى هذه اللغة (سواء كانت اللغة العربية أو الفرنسية أو أي لغة لا يُتقنون سِواها)، دون أن تكُون لديهم الأسلحة الضرورية لمُواجهة ما قد يُصادفونه من مشاكل في المَبنى والمَعنى!
وإذا سلَّمنا بأن الترجمة فعل حضاري، فإن ما يَنْتُجُ عن هذا الإعتبار هو ضرورة اعتماد منهجية المُقارنة والمُواجهة بين الترجمات، باعتبارها اختيارات وتأويلات، وإعادة إنتاج للنصوص الأصلية في اللغة المُترجم إليها. وذلك لكي يكُون قارئ النصوص المُترجمة واعيًا بالمَسافاتِ والرِّهانات التي تحكُم فِعْلَ الترجمة. فالترجمة بهذا المعنى لا تَنْفَصِلُ عن التَّحْقِيقِ إلِا َّلاعتباراتٍ منهجيةٍ وبيداغوجيةٍ. إذ، غالبا ما يمتدُّ عمل المُترجم والمُحقِّق لاستعمال وسائل عمل يبدو أنها تَخُصُّ الواحد منهما دون الآخر. لذلك لا بُدَّ للمترجم من أن يكُون مُقنِعًا في اختياراته التَّرجُمية، وأن يَعْتَمِدَ على هامش النص المُتَرجَم، شُروحاتٍ مُضيئَةٍ للنص. وهي حواشي يمكِنها أن تستفيد من قراءات الآخرين للنص المُراد ترجمته، ومن خلال قراءته هو للمَتن الفلسفي الخاص بالفيلسوف، ولمَنْزِلَةِ النص ضمن هذا المَتن.
3 - ترجمة القدماء للنصوص الفلسفية في المشرق والمغرب
كانت مؤسسة بيت الحكمة التي أسسها الخليفة العباسي المأمون (786 م - 833 م) بالمشرق (خلال العصر العباسي)، الإطار الذي أُنشِئَت فيه أُولى الترجمات الخاصة بنصوص الفلسفة اليونانية وتراث الحكمة المشرقية. كما أنه بالإضافة إلى عمل هذه المؤسسة، عرف الغرب الإسلامي أكبر عملية شرحٍ لنصوصِ ومؤلفاتِ الفلسفة الأرسطية التي تَمَّتْ ترجمتها من قبل بالمشرق العربي. وهذه المُهمَّة التي اضطلع بها فيلسوف قرطبة ومراكش، أبا الوليد محمد بن أحمد بن ابن رشد (1126م- 1198م)[5]، وكان هدفها المُعلَن هو ''رفع قلق عبارة أرسطو''[6]. وقد تحقَّقَ هذا المشروع الحضاري بإيعاز من أبو يعقوب يوسف الموحدي (1135م -1184م)[7]، وتحت إشراف فيلسوفٍ فريدٍ في التاريخ الإسلامي هو ابن طفيل (1110م- 1185م)[8]. وقد نتجت عن هذا العمل الرُّشْدِي نماذج ثلاثة في شرح النص الفلسفي الأرسطي هي: المُختصرات والشروح الصغرى ثم الشروح الكبرى[9].
وفي نفس السياق، يمكِن ملاحظة الأعمال الفلسفية للكندي (805 م – 873 م)، والذي أنتج من خلالها رسائل تعتمِد قاموسا خاصا بها، وكأنه لا يركُن إلى إكراهات ''قلق العبارة اليونانية''. بل إن الكندي عمل من أجل الاستِفادة القُصوى من الإمكانيات الهائلة التي تُتِيحُهَا اللغة العربية، فأبدع بذلك عبارات ومفاهيم مثل الأَيْسِ واللَّيْسِ والمَائِيَّةِ وغيرها. والملاحظ أنه بالرغم من كونه لم يكُن يعرف اللغة اليونانية، فإن أعماله الفلسفية تُبِينُ كَونِه كان يتفاعل مع الترجمات الرائجة في زَمَنِهِ ويُبدعُ في فَهمِها و''تَبْيِئَتِهَا''.
وإذا كانت الغاية المرسومة لعمليات الترجمة في القديم هي تبليغ ما تمَّت ترجمته إلى العربية، بلغة دقيقة، سواء في عناوينه أو في مفاهيمه، تركيباته الخطابية أو بناءاته الحجاجية، فإن هذا الرهان ما كان له ليتحقق دون وجود استراتيجية كانت تحكم فعل الترجمة باعتبارها فِعْلَ كتابةٍ شَاقَّةٍ. الشيء يُمْكِنُنَا معه القول بأن اعتماد المُنطلقات الأساسية لمشروع الترجمة، رهان يُضْفِي على المدخل الذي يتصدَّر الترجمات، دورا وظيفيا وتأسيسيا لهذه الكتابة الشاقة.
4 - مشكل اختيار النصوص للترجمة
ترتبط بترجمة نصوص الفلسفة الغربية إلى العربية إشكالية صميَّمة هي إشكالية اختيار النصوص. والسؤال هو ماهي العوامل التي تتحكَّم في هذا الاختيار؟ وهل يَنْبُعُ هذا الاختيار من أسئلةِ الرَّاهِنِ الفلسفي ببلادنا أم أن هذا الإختيار نابع فقط من اهتمامات المُشتغلين بالحقل الفلسفي؟ فنحن لا نملك ما يكفي من المؤسسات الفكرية والفلسفية التي تجعل من مهامِّها اختيار نصوصٍ بعينها من أجل الترجمة، إلى الحدِّ الذي يمكِننا معه القول بأن لدينا صناعة ثقافية وموسم ثقافي. لذلك، أمكَن لنا القول بأن ما لدينا هو نوع من تفاعل بعض الجامعيين بما هو شائِع في الأوساط الثقافية والفلسفية بالعالمين الفرنكفوني أو الأنجلوساكسوني من أفكار ومؤلفات. الشيء يَلزم عنه أن هذه الترجمات غالبا ما تكُون عبارة عن ترجمات انتقائية.
ولعل ما يمكُننا ملاحظته بشأن العديد من نصوص الفلسفة المُترجَمة إلى العربية، والتي قُلْنَا عنها بأنها انتقائية، كونُها لا تعكِس الإلمام الضروري لدى بعض المُترجمين بالمَتن الأصلي للفيلسوف المُترجَم عنه. كما أنها في العديد من الأحيان يتمُّ التَّصْدِيرُ لها، أو التَّهْمِيشُ على قضاياها، بكلامٍ يُلقَى على عَوَاهِنِهِ، فيصيرُ خَلِيطًا من الأفكارِ القوميةِ التي تَسْعَى بأي وسيلةٍ للرَّفْعِ من مَنْسُوبِ العواطف المُمَجِّدة للأنا القوميةِ وللتُّراثِ الفكريِّ والفلسفيِّ الإسلاميِّ. وفضلا عن ذلك، نعتقد بأن العديد من هذه التَّرجمات لا تَصْدُرُ عن اختيار منهجي يتم تبريره.
وفي هذا السياق، تعتبر حالة مؤلَّف "الإيديولوجية العربية" للدكتور عبد الله العروي[10]، مثالا مُقْلِقًا بشأن قيمة الأعمال التي يتم تقديمها إلينا باللغة العربية باعتبارها ترجمات للنصوص الفكرية والفلسفية. فقد صدر الكتاب (الإيديولوجية العربية) باللغة الفرنسية سنة 1967[11]، وصدرت ترجمته إلى العربية من طرف السيد محمد عيتاني في سنة 1970[12]. وحين أصدر الأستاذ عبد الله العروي، وهو الأستاذ المبرز في اللغة العربية، ترجمته الخاصة لكتابه في سنة 1995، كانت الفترة الزمنية الفاصلة بين الترجمتين، هي سِتَّةَ وعشرون سنة من بعد صدور ترجمة محمد عيتاني، وتِسْعَةَ وعشرون سنة من تأليفه له باللغة الفرنسية، كافية كَيْ يَظْهَرَ لعبد الله العروي بأن ترجمة محمد عيتاني لا تَفِي بِالغَرَضِ. فهي في نظره ترجمة مَلِيئَةٌ بالأخطاءِ ولم تتوفَّق في بلوغ غرضها وغرض المؤلِّف، كما أنها لا تخضع حتى لأبسط قواعد البيان العربي[13]. إن قرار الأستاذ عبد الله العروي إصدار ترجمة شخصية لمؤلَّفٍ كَتَبَهُ هو نفسه باللغة الفرنسية، تُبِينُ عن محدودية أطروحة الأصل والنُّسخة التي يتحدَّث عنها العديد من المُهتمين بإشكاليات الترجمة[14]. وإذا كان غرض الأستاذ العروي هو الاستدراك على ترجمة محمد عيتاني، فإنه مع ذلك لم يَقِفْ عند هذا الحدِّ. فقد اعتبر أن ما يقوم به هو تحقيقٌ لرغبتهِ في أن يكُون القارئ العربي على اطِّلاَعٍ مُبَاشِرٍ، ولأوَّلِ مَرَّةٍ على مؤلَّفه الإيديولوجيا العربية المعاصرة في طبعته العربية [15].
وبعيدا عن مثال الدكتور عبد الله العروي، نتناول نموذجا آخر للترجمة في الفلسفة. يتعلق الأمر بترجمة كتاب ''الإتيقا'' لسبينوزا إلى اللغة العربية. وبالرغم من ضيق الحَيِّزِ الخاص بهذا المقال، وما يَنْتُجُ عن ذلك من عدم إمكانية التفصيل والمقارنة بين النسختين العربيتين لترجمة كتاب الإتيقا، فإننا ونحن نوجه القارئ إلى أهمية ترجمة هذا النص، ندعوه أيضا إلى مراجعته حتى يتبين له أهمية النص، وأهمية ملاحظاتنا حول الترجمتين العربيتين التي بين أيدينا.
فقد صدرت الترجمة الأولى لكتاب سبينوزا مع الدكتور جلال الدين سعيد بعنوان ''علم الأخلاق''[16]، مقابل المفهوم الفرنسي «Ethique »، الذي هو العنوان الأصلي لمؤلف سبينوزا. وكانت هذه أول ترجمة عربية تَصْدُرُ بعد ثلاثة قرون على تأليف سبينوزا لكتاب الإتيقا. وجدير بالملاحظة أن هذه الترجمة لا تتوفر لا على الحواشي ولا على أي إشارة للقراءات التي اتخذت السبينوزية موضوعا لها. غير أن المُترجم جلال الدين سعيد، حرص في التقديم الذي اعتمده لترجمته على ذِكر الأسباب الكامنة وراء اختياره للعنوان العربي[17].
سيترجم الدكتور أحمد العلمي نفس الكتاب تحت عنوان مغاير هو ''الإتيقا''[18]، وسيعرض في تقديم هام تصدَّر به ترجمته، لمبررات اختياره لهذا النص، من خلال عرضه لأهم الدراسات السبينوزية واتجاهاتها، ومن خلال تناوله أيضا بالتقويم لحدود الترجمة العربية السالفة الذكر للإتيقا. وسيلاحظ قارئ هذه الترجمة أن الدكتور العلمي أغنى هذه الترجمة بالهوامش التي تجعل القارئ يطَّلِع على السبينوزية والدراسات المُرتبطة بها في تعدُّدها واختلافها، الشيء الذي يمكِن من خلاله تَبَيُّنُ موقف واتجاه الدكتور أحمد العلمي من هذه الدراسات. وفضلا عن ذلك، نَجِدُ في آخر هذه الترجمة معجما غنيا، يَنِمُّ عن كَوْنِ الأستاذ أحمد العلمي أحد أَلْمَعِ السبينوزيين المعاصرين الذي ينبغي للجامعة المغربية أن تفتخر بهم.
لذلك يمكن القول بأن هذه الترجمة تختلف عن الترجمة التي أنجزها جلال الدين سعيد، لا فقط من حيث المفاهيم المختلفة التي اختارها العلمي، ولكن أيضا من خلال ما تمتاز به هذه الترجمة من حَذَرٍ، يظهر جَلِيًّا للباحث المُهتم بالسبينوزية. ولعل مقارنة قضية واحدة (القضية 11) من الجزء الأول من كتاب الإتيقا لسبينوزا[19]، كافية للتَّنْبِيهِ إلى اختلالات الترجمة التي وقع فيها الأستاذ جلال الدين سعيد، حين تَرْجَمَ هذه القضية كما يلي:
''الله - أعني جوهرا يتألَّف من عددٍ لامحدودٍ من الصِّفاتِ المُعبِّرةِ كلُّ واحدةٍ عن ماهيةٍ أزليةٍ ولامتناهيةٍ - وَاجِبُ الوجودِ''[20].
بينما نجد الأستاذ أحمد العلمي يترجمها بالآتي:
''الله، وبتعبير آخرَ جوهرٌ يتألَّف من صفاتٍ لامتناهيةٍ[21]، كلُّ واحدةٍ منها تعبِّر عن ماهيةٍ أزليةٍ لا متناهيةٍ، موجودةٌ بالضرورةِ''[22].
والملاحظ أن هناك تباين بين الصيغتين العربيتين لترجمة قضية واحدة. وهو تباين نرى بأنه يَمُسُّ في العُمق فهم فلسفة سبينوزا، باعتبارها فلسفة تقول بالمُحايثة في الوجود. ويظهر لنا هاهنا تفوُّق ترجمة الدكتور أحمد العلمي، لأنها لا تَرْمِي بنا نحو سِجِّلٍّ فلسفيٍّ آخر مغاير للسبينوزية، كالسِّينَوِيَّةِ (نسبة إلى ابن سينا). الشيء الذي يَدْفَعُنَا أيضا إلى القول بأهمية المُقارنات بين النص الأصلي وترجماته. كما يدفعنا إلى تأكيدِ أهميةِ تَعَدُّدِ الترجماتِ التي قد يخضع لها النص الواحد. ففي فرنسا مثلا نجد أن هناك ترجمات لمُتُونِ الفلاسفة تُعرف بأصحابها وبِدُورِ النشر الصادرة عنها. بينما يظل الأمر محدودا عندنا في اللغة العربية، حيث يَسُودُ نَوْعٌ من الاعتقاد بأن مجرد إنجاز ترجمة واحدة كافٍ لاعتبار أننا نتوفَّر على نص الفيلسوف وأنه فيما يبدو ليس هناك ضرورة لإنجاز ترجمة أخرى.
5- نقد النصوص التي تُتَرجم إلى العربية
وانطلاقا مما سبق، كيف يمكِن ممارسة نقد هذه النصوص التي تَصِلُنَا إلى لغتنا العربية عبر الترجمة، ونحن نَعْرِفُهَا في لغتها الأصلية أو من خلال لغاتٍ أخرى غير لغتنا المُترجَم إليها؟ ولماذا لا يخضع النص الفلسفي الواحد في لغتنا لترجمات عديدة[23]، إلا نادرا؟
في اعتقادي أن الإجابة عن هذين السؤالين بسيط للغاية، وهو أننا ما زِلْنَا لم نفهم بعد بأن الترجمة الجيِّدة للنص هي امتلاكٌ له. كما أنها تمرينٌ أكاديمي ومنهجي يضع المُترجمين أمام مسؤولية اختياراتهم، التي ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها تأويلات قد تَختلف وتتصارع من أجل إثبات قيمتها، ما دامت هذه الاختيارات ليست حَلًّا تِقْنِيًّا نِهائِيًّا. لذلك، فإصدار الترجمات لا ينبغي النظر إليه باعتباره عملا معزولا بل إنه عمل أكاديمي مرتبط بالمَتن والسِّياق الخاصين بالفيلسوف. وهذا ما يَدْفَعُنَا إلى طرح التساؤل التالي: بأي معنى يمكِن الحديث عن فُرُوقٍ جوهريةٍ بين ترجمةِ النصوصِ الفلسفيةِ وترجمةِ نصوصِ الروايةِ والأدبِ عمومًا؟ [24].
لا شك أن بين نصوص الفلسفة ونصوص الأدب تمفصلات، لكنها لا تلغي التمايز الذي هو في الواقع ناتج عن طبيعة تشكُّل الخطابين. لذلك يمكُنني القول بأنه إذا كانت أحوالنا الوجودية، بوصفنا كائنات محكومة بوضعية الارتباك الناجمة عن كَوْنِنَا مُوزَّعين ومُنتَشِرِين عَبْرَ جِهَاتِ عالِمنا المَنظُور، هي التي تَفْرِضُ علينا مهمة الترجمة، تماما مثلما تقتضيها أيضا وضعيتنا بعد "بلبلة" ألسُننا، فإن ذلك ما يجعل من الترجمة دوما رهان تتعدَّدُ مقاصده. غير أن رهان الترجمة كَأَيِّ رِهَانٍ، يتعلق بالمستقبل الفكري والحضاري لمن يختارها وسيلةً للانفتاح على فكر الآخر. وهو عندنا رهان ترجمة نصوص فلسفة الآخر وعلومه إلى لغتنا العربية.
انطلاقا من ذلك، نعتبر أن اللغة التي يتم بها صياغة النصوص الفلسفية وغير الفلسفية، تستمد مقوِّماتها من التوجُّهات الفكرية والثقافية والتاريخية لأصحابها، إن لم نقل إنها تتَّخِذُ مذاهبهم ومعتقداتهم أساسا لتوجُّهاتها. كذلك يتمُّ فعل الترجمة بالنَّظر إلى ما يحكُم لغة المُترجمين (لغة الانطلاق ولغة الاستقبال) من توجُّهاتٍ. ولا شك أن هذه الأمور مِمَّا يُعَقِّدُ مُهَمِّةَ المترجم، خصوصا حين يجدُ نفسه أمام التَّوجِيه المُزدوج الذي يَحكُم عمله، وينبغي له أن يَعِيَه حتَّى لا يذهب عمله سُدًى. فاللغة التي يعتمدها المُترجم، هي غالبا ما تكُون لغةً مُشْبَعَةً بما هو عقائدي وايديولوجي! وقد يحدث أن يتسرَّب إلى المَتْنِ مفهوم له نَفَسٌ عقائدي أو أيديولوجي، فيتم ترجمته و"فلسفته" كَيْ يصير مُقْنِعًا للقارئ المُفتَرض.
6- المفاهيم الفلسفية وإشكالية تطابقها مع لغة الترجمة
يعتبر موضوع اختيار المفاهيم الفلسفية المطابقة للغة الترجمة من القضايا ذات الأهمية القصوى المحددة للتوفيق في ترجمة النصوص الفلسفية. وقد أشار مثلا "شارل أبون"[25] على هامش ترجمته للرسالة اللاهوتية السياسية، في الفقرة الأولى من الفصل السادس عشر، إلى أنه لِكَيْ يتم فهم فكر سبينوزا في هذا الفصل، ينبغي الوعي بأهمية التمييز بين معنى حق طبيعي (Jus naturale) التي يتم ترجمتها خطأ في الفرنسية (Droit naturel). فالحق الطبيعي ليس قوةً أو سلطةً (Pouvoir) شرعيةً يمتلكها الإنسان. ففي الطبيعة لا مجال للحديث عن مشروعيةِ أَيِّ قوة من عدمها. فالحق الطبيعي هو حق السلوك وِفْقَ قوانين الطبيعة ووِفْقًا لقوانين الطبيعة الخاصة للفرد. إنه معنى آخر للحق في حفظ الفرد لوجوده والاستمرار فيه باعتباره ماهيته الحالية، كما نقرأ في إحدى قضايا الجزء الثالث من الإتيقا[26].
كما أن مترجم كتاب جيل دولوز سبينوزا ومشكلة التعبير[27] (Spinoza et le problème de l’expression) يسقط في مُشكل نَعْتَقِدُ بأنه مرتبط بفهم سبينوزا وفهم قراءة دولوز لسبينوزا. لقد أساء المُترجم فهم الفيلسوفين فوقع في مشاكل أَضَرَّتْ كثيرا بما يقصده دولوز في كتابه السالف الذكر. وإني إذ أكتفي هاهنا بِذِكْرِ مثالٍ واحدٍ هو ترجمته لمفهوم (Mode) بالنمط، فلكي أُبَيِّنَ إلى أَيِّ حَدٍّ تعكِس هذه الترجمة المزعومة نموذجا لما يمكِن أن يكُون عليه الخَلَلُ في ترجمة الفلسفة. فحين يستسهل المترجم التعامل مع المفهوم الفلسفي، ويعتبر ترجمته مُجَرَّدَ عملية تعريب ومسألة تقنية، تكُون النتيجة استحالة فهم غرض النص واستحالة رفع قلق عبارته ومعناه.
وفضلا عن مشكلاتِ ترجمة المفهوم، نورد مسألة أخرى تتعلق بالتَّصرف في النص الأصلي (الأصل الفرنسي) المُراد ترجمته إلى العربية. فمثلا نجد المرحوم حسن حنفي يتصرف في النص الأصلي بِحَذْفِ بعض العبارات، كما هو الشأن بالنسبة لـعبارة (les déments et les gens sains d’esprit)[28]. بالإضافة إلى هذا المسألة، هناك مشكل اللغة التي يعتمدها المترجم الدكتور حسن حنفي. فسواء في المقدمة أو الحواشي على الترجمة، يعتمد حنفي لغة يَغْلُبُ عليها النفس العقائدي والإيديولوجي.
لا شك أن هذه المسالة تُحيلنا على ضرورة اعتبار أن الفكر حين يَرُومُ التَّحقُّق الفعلي، إنما يكُون مُجسَّدا من خلال لحظات إبداع أساسية لمفاهيمه. والفلسفة تحديدا هي مجال للاختلاف الفكري وبَحْثٌ في ما هو غير مُنتظر ومحكوم بالتعدد والتنوع، الشيء الذي يجعلنا نقول بأن الفلسفة لا تُفسِّر، وأن مفاهيمها ينبغي أن تكُون ذاتها مَوْضِعَ تفسير[29]. فالفلسفة مُطالبة بإبداع مفاهيم قادرة على التعبير عن عواطفنا وانفعالاتنا. كما أن مهمة الترجمة في اعتقادنا شبيهة بمهمَّة الفلسفة. إنها إبداع المفاهيم، وعمل مُتَفَرِّدٌ، الشيء الذي يجعل من فعل الترجمة -أيضا- فعلا للتفلسف. والتفلسف كما يرى دولوز وكواتاري هو التفكير على الطريقة التي تَرَى بأن المفاهيم إبداع فلسفي محض[30].
وإذا كان هذا الأمر مِمَّا يُمكِنه أن يجعلنا بَعيدِين عن فكرة الأصل والنسخة، المحاكاة ونظرية المحاكاة، فهو يجعل من الترجمة والفلسفة، ومن الكتابة عموما، صياغة وعملا محفوفا بالمخاطر. أي، كما قلنا آنِفًا، كتابة شاقة وعملية فاعلة نتمكَّن من خلالها من عَيْشِ تجربة الإبداع والكشف، والانفتاح على المُمكِن والرَّاجح عبر قُدْرَتِنَا على سَلْكِ دُرِوبٍ نَتَصَفَّح من خلالها ما يبدو لنا ظاهرا حتى نتمكَّن من النَّفاذ عَبْرَ ثُقُوبٍ ممكِنة نحو ما هو مُتَوَارٍ عن أنظارنا المُباشرة. وهكذا يكُون فعل الترجمة تفلسفا يتم من خلاله التركيز على اختيار المفاهيم، والذي يتجسَّد من خلال مخاطرةٍ فكريةٍ. الشيء الذي يكُون معه وَهْمُ البحث في الترجمة عن المفاهيم الفلسفية، باعتبارها محاكاة، خيانة لمنهج الترجمة الذي يلزم في اعتقادنا اتباعه لترجمة النصوص الفلسفية.
ذلك لأن ترجمة المفاهيم عملية إبداعية تدخل ضمن فهمنا للترجمة بوصفها كتابة شاقة. فهي دائماً كتابة مع الآخرين (نصوص وأرشيف وقراءات ومُتون)، ما دامت مثل كلِّ كتابةٍ رحلة فكرية نُقبِل عليها ونحن واعون أشدَّ الوعي برهاناتها التي لم تُكتسَب بعد.
7- المداخل باعتبارها عتبات النص المُترجَم؛
تُعتَبَرُ المداخل التي يتم بها التَّصدير للنصوص الفلسفية المُترجَمة، عتبات تروم بلوغ إحدى الغايات الأساسية للترجمة في ثقافتنا الإسلامية العربية، وهي تقريب النصوص المترجمة إلى القارئ العربي. غير أن ما يظهر لنا في الواقع هو أن بعض هذه المداخل، تجعل من فعل الترجمة فعلا عبثيا. فعندما يَتِمُّ تحميل هذه المداخل ما لا تطيق، كأن تَصِيرَ مَسكونة بالهواجس العقائدية والطموحات الأيديولوجية للمُترجم، تكُون النتيجة هي إِفْسَادُ إحدى العناصر الأساسية لتحقيق ترجمة فلسفية جيدة، تَرُومُ بلوغ غرض النص الأصلي. والأمثلة عديدة ولا يتَّسع المقال للتوسع فيها. لذلك نكتفي بالإشارة إلى نماذج من ترجمة ميكيافيللي، وسبينوزا ومنتيسكيو.
ففي ترجمة كتاب ميكيافيللي "فن الحرب" (L’art de la guerre) التي أنجزها صالح صابر زغلول[31]، إقحام لذاتيته وقناعاته. كما أن النص المُترجَم لا يَخْلُو من هفوات طالت المعاني والعبارات. كما أن في ترجمتي "الإتيقا" لسبينوزا، المشار إليهما أعلاه، نلاحظ أهمية المداخل والتقديمات، مادامت هي التي تُبِينُ لنا عن استراتيجية المُترجِم. ويكفي مقارنة ترجمات السيد جلال سعيد لــ"الإتيقا" تحت عنوان ''علم الأخلاق''، و"رسالة في اصلاح الفهم" لسبينوزا، بالترجمة التي أنجزها أحمد العلمي للإتيقا، لِتَتَّضِحَ أهمية التقديمات التي تكُون مُرفقة بالترجمة.
غير أن نموذج الأستاذ عبد الله العروي في ترجمته لكتاب مونتسكيو، "تأملات في تاريخ الرومان"[32]، تَسِيرُ في الإتجاه الذي نعتقده الصواب. فهي، فضلا عن عِنايتها بلغة الترجمة وخاصة مفاهيمها، تُعْلِنُ من خلال التقديم الهام والحواشي المُرفقة بالنص عن الغاية منها وعن أهمية ترجمة مثل هذه النصوص الكلاسيكية. ولا شك أن هذا يعكس أن عبد الله العروي كان قَصْدِيًّا في اختياره، مثلما كان مُجِيدًا لِكُلِّ عَمَلِيَّاتِهِ. ويكفي أن أُشِيرَ إلى أن العروي في كل ذلك يبدو وكأنه يُخاطِبُنا ويوجِّهنا إلى ما ينبغي أن يكُون عليه اختيار النصوص وإنجاز ترجمتها وِفْقَ قواعد احترافية لا يمكِن للقارئِ المُنتبه أن يغفلَ عنها.
لذلك يمكِننا القول بأن قيمة الترجمة تَتحدَّد أيضا بأهمية المدخل إليها. لأن هذه التقديمات الضرورية عتبات تعكس استراتيجية المُترجم ورهاناته، فضلا عن كونِها تُوجِّهنا لنتفادى سوء الفهم أو عدم كِفايته. ولأنها كذلك، فهي تَكشِف عن جِدِّيَةِ المُترجم ومَدَى تَمكُّنِهِ من أدوات العمل ومن المَتن الفلسفي الخاص، مثلما تعكس مستوى استيعابه لرهانات النص الأصلي. غير أن هذه التقديمات قد تكُون مجالا لإسقاط هواجس وانفعالات الذات على النص وتأويله بشكلٍ سيِّئٍ.
8- الحواشي، بين التبرير وإنتاج المعنى داخل النص المترجم
انطلاقا مما سبق، نعتقد أنه لا معنى لأيِّ ترجمةٍ لا تَعتَمِدُ حواشي على النص المُترجَم، ما دامت وظيفتها هي أن تكُون توضيحًا لعملِ المُترجِم ولاختياراته المفهومية. إنها عملية يتمُّ من خلالها إبراز قيمة الأفكار التي نُؤَسِّسُ عَبْرَهَا لعملية الكتابة، التي هي هنا عمليَّةُ ترجمةٍ مُزدوجةٍ: ترجمة لأفكار النص التي لن تتم إلا من خلال ترجمتنا لأفكارنا ومعانينا التي نُطابقها بالنص. لذلك فإن لها ضرورة معرفية وتاريخية، باعتبارها ليست مُجرَّد تَسْوِيدٍ لبياض النص، بل إن الغاية منها هي إضفاء معنى وقيمة ومصداقية معرفية للنص الذي تُلْحَقُ به.
وينتج عن ما سبق، كَوْنُ الحواشي التي يتم اللجوء إليها في الترجمة هي تجعل من هذه الأخيرة شبيهة بعمل الأَرْشَفَةِ. ففي الحاشية يتجلَّى الأرشيف بكل دلالاته ووضوحه وقيمته. فالحاشية أيضا هي التي تُعْطِي للمبدأ القضائي كامِل هِبَتِهِ، كما يذهب إلى ذلك جاك دريدا[33]. من هنا، لا قيمة للأرشيف دون حضور الحواشي التي تُضْفِي عليه تَجَلِّيَهُ القويُّ. والترجمة لا تكُون مُضاءة إلا باعتمادها على الحواشي، التي لا معنى لها إلا إذا كانت تَسْتَوْحِي قيمتها وعملياتها من عمل الأرشفة. فالعمل الذي يقوم به المترجم أشيه في عملياته بعمل الأَرْشِيفِي الذي من مهامِّه حِفْظُ الأشياء من الضَّيَاعِ والتَّدمِيرِ. أي، حِفْظُهَا من الموت، ومدِّهَا بحياةٍ أخرى. إن عمل المُترجِم إذن، هو إعطاء الحياة للنصوص خارج لغتها الأصلية. ولا شك أن هذه الحياة تحتاج إلى عمليات البناء التي تتحقَّق عبر الحواشي.
يهدف المترجم عبر الإعتماد على الحواشي إلى نوعٍ من عمليَّةِ تَرْمِيمِ الفهم وحَثِّ القارئ على التَّذَكُّرِ، وإِشْبَاعِ أَيِّ مفهومٍ بالعديدِ من الإضاءاتِ. بذلك تكُون غاية اعتماد الحواشي هي حَثُّ الأذهانِ على ضرورة الانتباه إلى خصوصية المَقُول بوصفِه خِطَابًا له دلالة أصلية ضمن سياقِ النص والمَتن والبراديكم الخاص بالعصر الثقافي الذي أُنتِج فيه النص.
فالحواشي في اعتقادنا، عملية يتم اللجوء إليها من أجل التَّحكُّم في حركيَّةِ إنتاجِ النص المُتَرجَم داخل اللغة المُستقبِلة. لذلك فوظيفتها أكبر من مُجَرَّدِ كَونِها عملية لتبرير الاختيارات والاستراتيجيات التي يلجأ إليها المُترجِم في عَمَلِهِ، الذي لا ينبغي النَّظَرُ إليه باعتباره مجرَّد عملٍ احْتِرَافِيٍّ. وهذا ما يجعل كل مُترجم جادٍّ، مَسكُونا بِهَوًى وَشَغَفٍ يتحوَّل معه إلى فاعلٍ يتحرَّك تَحْتَ ضغط فكرةٍ هي ما نُسَمِّيهِ الفكرة/المنطلق، التي يَعتقِد بأنها تَمْنَحُهُ إمكانية النجاح في عمله الترجمي. ذلك لأنه غالبا ما يكُون المُترجِم وَاقِعًا تحت تأثير هاجس طموحه لكي يكُون مُنْجَزُهُ على وجهٍ أفضل. وعموما، فالمُترجم يَعتقِد بأنه يستطيع بعقله أن يتغلَّب على أحاسيسه ومشاعره. أي، أن يتغَّلب على عواطفه وانفعالاته سواء كانت انفعالات فاعلة أو كانت انفعالات منفعلة.
خلاصات:
لقد حاولنا في الفقرات السابقة مقاربة مسألة ترجمة النصوص الفلسفية إلى العربية، وبيَّننا من خلال بعض النماذج قيمة وأهمية المداخل والحواشي، مثلما توقفنا عند مشكلة اختيار المفاهيم التي اعتبرناها مرتبطة بأهمية المفهوم في إنتاج الأقوال الفلسفية.
ويبقى أن نؤكد أنه إذا كانت أحوالنا الوجودية، بوصفنا كائنات محكومة بوضعية الارتباك الناجمة عن كَوْنِنَا نعيش تحدي الانفتاح على العالم الذي يسكننا، وكانت هذه الوضعية هي ما يجعل من الترجمة، وترجمة النصوص الفلسفية بخاصة، فعلا للكتابة، يتميز بِكَونِه يقتضي معرفةً بالمَتْنِ والبراديكم الخاص بالعصر، كما يقتضي من المُترجِم وضع تبرير لاختياراته المفاهيمية واللغوية بما يجعل منها، ومن المداخل والحواشي، لحظات للتفلسف ولإنتاج المعنى، بعيدا عن الأهواء القومية والرهانات الايديولوجية، فإن الترجمة، وتحديدا ترجمة نصوص الفلسفة وعلومها إلى لغتنا العربية، ينبغي أن تكُون في نظرنا محكومة دوما برهان أساسي هو أن نفهم هذه النصوص الفلسفية. وهذا الفهم ليس غير تَمكُّنِنا من ترجمتها ترجمةً سليمةً، الشيء الذي يجعل من هذا الرهان رهانا مفتوحا دوما على المستقبل.
لذلك يمكِننا القول بأن ما يُمَيِّزُ البِنية الدائمة لفعل الترجمة هو أن يكُون المُشتغل عليها دوما في وضعية الخطر. فأنْ نَفعل (أن نترجم) يعني أن نَضَعَ قيمة حياتنا الأكاديمية والعلمية في خطرٍ فِعْلِيٍّ. غير أننا لا يمكِننا -مع ذلك- إِلاَّ أن نُترجِم، مادام وجودنا يفرض علينا أن نكُون فاعلين في عملية كونية دائمةٍ ومستمرةٍ، هي عملية التَّثاقُف التي تقع الترجمة منها موقع الصدارة والأولوية.
[1] - نعتبر بأن مشكل "رفع قلق العبارة الفلسفية"، يقع في صلب اهتمامات الفلاسفة المسلمين، الذين واجهتهم عند ترجمتهم لنصوص الفلسفة اليونانية، مشكلات المعنى سواء داخل اللغة المُترجَم عنها أو داخل اللغة العربية التي يُترجَم إليها. وقد قدم لنا الفيلسوف الكندي (805 م – 873 م)، مثالا لما يجب أن يكُون عليه الحِرص على "رفع قلق العبارة الفلسفية"، فوضع مفاهيم عربية مقابلة للمفاهيم اليونانية جعلت فلسفته واضحة المبنى والمعنى. لذلك نرى بأن هذا المشكل مرتبط في العمق بالكتابة الفلسفية، وبتبليغ الفلسفة، الذي هو تبليغ لأغراض الفلاسفة الذين نُتَرْجِمُ عنهم. ومعروف أن ابن طفيل (1116 م – 1185 م)، اشتكى من غموض اللغة التي يكتب ابن باجة (1077 م - 1082 م). كما أن الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب (1184 م - 1199 م)، اشتكى بدوره إلى ابن طفيل أمر القلق الملحوظ في عبارة المترجمين المسلمين لأرسطو. وقد اعتبر الخليفة أن أعمال هؤلاء لا تفي بالغرض منها. ولا شك أن المقصود هاهنا هو غرض تقريب عبارات ومعاني الفلاسفة اليونان، وخاصة أرسطو، إلى فهم القارئ العربي.
للتوسع بشأن هذه الملاحظة يمكن الرجوع إلى:
عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تقديم ممدوح حقي، تحقيق محمد سعيد العريان، دار الكتاب البيضاء ط 7. 1978، ص: 353-354.
[2] - نعتبر الاهتمام بأمر "تقريب" الفلسفة ومعانيها إلى القراء من الهواجس التي كانت حاضرة لدى الفلاسفة المسلمين، سواء من خلال ترجمة مؤلفات اليونان أو من خلال التلاخيص والتفسيرات التي أُنجِزت خلال هذه الحقبة. وقد اضطلع بهذه المهمة فلاسفة من المشرق والمغرب، منذ الكندي رسائله الفلسفية، وابن سينا وموسوعة الشفاء (980 م-1037م)، ومصنفات الفارابي الميتافيزيقية والسياسية، إلى شروح وتلاخيص ومختصرات ابن رشد (1126م- 1198م). ونحن نعتبر في السياق نفسه أن هذه الغاية هي التي دفعت أيضا بابن حزم (ت: 1064 م) إلى تأليف كتاب له بعنوان "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية"، (وقد حققه إحسان عباس، دار مكتبة الحياة – بيروت 1900) . كما أن ابن طفيل (1116 م – 1185 م)، وهو أحد ألمع الفلاسفة المسلمين، كتب رسالته الشهيرة "حي بن يقظان" بدافع "تقريب" وإشاعة الفلسفة، الشيء الذي جعل منها الكتاب الأكثر شُهرة وانتشارا من بعده.
[3] - يعالج جيل دولوز، وفليكس كواتاري وضعية المفاهيم في الفلسفة، في كتابه ما هي الفلسفة؟ ومن أجل مزيد من التوسع في الموضوع، يراجع: الفصل الأول من الكتاب، انظر:
جيل دولوز، وفليكس كواتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة: مطاع صفدي، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء 1997. ص 39.
[4] - المصدر السابق، الفصل الثالث: الشخصيات المفهومية، ص. 77.
[5] - هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد (الحفيد). عاش بين سنوات، (520 هـ- 595 هـ) الموافق لــ14 إبريل 1126م، بقرطبة وتوفي 10 دجنبر 1198م، بمراكش.
[6] - انظر أعلاه: الهامش رقم 1 و 2.
[7] - هو أبو يعقوب يوسف بن أبى محمد عبد المؤمن بن علي القيسى الكومى ولد في تينمل بالمغرب في شهر رجب سنة 533هـ، وتولى الحكم بعد وفاة أبيه «عبد المؤمن» مؤسس الدولة، في جمادى الآخرة سنة 558هـ. حكم من 1184 حتى وفاته في مراكش عام 1199 الموافق لــ: 595هـ
[8] - أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي عاش بين سنوات 1100م - 1185م. من أشهر مؤلفاته رسالة حي ين يقظان الشهيرة بعمقها النظري والفلسفي وقدرتها على إثارة العديد من الترجمات والتحقيقات والدراسات من أجل بيان قيمتها الفلسفية والثيولوجية. وقد كتب أيضا الأرجوزة في الطب.
[9] - جمال الدين العلوي، المتن الرشدي، مدخل لقراءة جديدة، الفصل الثالث، دار توبقال للنشر والتوزيع، 1986.
[10] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ترجمة عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء 1995.
[11] - A. Laroui, L'Idéologie arabe contemporaine : Essai Critique, éd. Maspero, Paris, 1967, réed. La Découverte, Paris, 1982.
[12] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، تعريب محمد عيتاني، تقديم مكسيم رودنسون، بيروت، دار الحقيقة للطباعة والنشر 1970.
[13] - أحصى عبد الله العروي في مقدمة ترجمته لكتابه الإيديولوجية العربية المعاصرة، الأخطاء التي وقع فيها المُترجم الأول لمؤلفه، فَبَيَّنَ أنها أخطاء تصل في مواضيع كثيرة إلى حدِّ قلب معنى النص. وفضلا عن ذلك، يرى أن في ترجمة محمد عيتاني أخطاء تَهُمُّ الاشتقاقات اللغوية والضمائر والأفعال والنُّعوت. ومثلما شملت هذه الأخطاء فهمه لحروف الربط والاستثناء، شملت أيضا فهمه العادي لعباراتٍ عاديةٍ. لقد امتدَّت أخطاء هذه الترجمة لتجعل منها نَّصًّا فَاقِدًا لغايتهِ، خصوصا وأن المُترجِم -في نظر الأستاذ عبد الله العروي- لم يَقُمْ بِغَيْرِ تعريب النص دون أن يُكَلِّفَ نفسه عناء البحث عن الأصول وإثباتها. انظر:
عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ترجمة عبد الله العروي، (مصدر مذكور)، صص. 8-9-10.
[14]- كتب الجاحظ (ت 868 م)، في كتاب الحيوان عن مشكل الأصل والنسخة في الترجمة، مُعْلِيًا من قيمة الأصل قياسا إلى ما تُمَثِّلُهُ النسخة. ففي نظره يظل عمل الترجمان عملا تقصيريا بالضرورة والطبع. فالمرء في نظر الجاحظ، يَشُقَّ عليه الإحاطة بلغتين فأكثر. انظر:
الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق محمد عبد السلام هارون، دار الجيل، 1955، الجزء الأول، صص. 75-79؛ والجزء السادس، ص 19.
[15] - عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة (مصدر مذكور)، المقدمة، ص. 14.
[16] - سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة جورج كتورة، تونس 1996، وأعيد طبعه من طرف المنظمة العربية للترجمة سنة 2009.
[17] - المصدر السابق، الصفحات: 21 -22-23 و27.
[18] - سبينوزا، الإتيقا، ترجمة وتقديم الدكتور أحمد العلمي، ط. 1: إفريقيا الشرق 2010.
[19] - PROPOSITION XI : « Dieu, autrement dit une substance consistant en une infinité d’attributs, dont chacun exprime une essence éternelle et infinie, existe nécessairement ». Voir :
B. Spinoza, ETHIQUE, Trad. A. Guérinot, est parue aux Éd. d’art É. Pelletan, Paris, en 1930. Paris, éd. Ivrea, 1993.
- PROPOSITION XI: « Dieu, c'est-à-dire une substance constituée par une infinité d'attributs, dont chacun exprime une essence éternelle et infinie, existe nécessairement ». Voir :
- B. Spinoza, ETHIQUE. Trad. et Introduction générale R. Misrahi, éd. de l'Éclat, Paris-Tel-Aviv, 2005.
[20] - سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد (مصدر مذكور).
[21] - يقول الدكتور أحمد العلمي في الهامش: '' استعملنا مفهوم لا متناهي للدلالة على كلمة infini.
[22] - يقول الدكتور أحمد العلمي على هامش هذه القضية: '' موضوع هذه القضية وموضوع براهينها والتعليق التابع لها هو تقديم براهين وجود الله''.
[23] - يقول بول ريكور في كتابه ''حول الترجمة'' ، المقالة الأولى: ''تحدي الترجمة وسعادتها''، وهو محاضرة ألقاها في 15 أبريل 1997 بالمعهد التاريخي الألماني:
« Il faut peut-être même dire que c'est dans la retraduction qu'on observe le mieux la pulsion de traduction entretenue par l'insatisfaction à l'égard des traductions existantes. ». P. 15.
- P. Ricoeur, Sur LA TRADUCTION, (Défi et bonheur de la traduction), éd. Bayard, 2004.
[24] - François Dédier, Entendre Heidegger et autres exercices d’écoute, éd. Le grand souffle, 2008.
من المعروف أن فلاديمير فينيامينوفيتش بيبيخين (1938-2004)، تَرْجَمَ لمارتن هايدجر الوجود والزمان إلى اللغة الروسية، وحافظ فيه على نفس عدد الكلمات والأسطر والصفحات. والسؤال هو: هل استطاع فعلا أن ينجح في تحدِّي الترجمة الذي يبدو أنه ينحصر هنا بالنسبة للمُترجِم عند ترجمة ما هو غير قابل للترجمة. أنظر:
محمد صالح يارة، حدود الترجمة، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد المزدوج 37,38. الناشر: مركز الإنماء القومي 2016.
[25] - B. Spinoza ; Traité Théologico-politique, Trad. et notes par Ch. Appuhn, éd. Flammarion 1965. Chap. XVI. Note 1. P. 372.
[26] - سبينوزا، الإتيقا (مصدر مذكور)، الجزء الثالث، القضية 7. البرهان؛ والقضية 8.
[27] - G. Deleuze, Spinoza et le problème de l’expression, éd. Minuit, 1968.
وقد تمت ترجمته إلى العربية بعنوان: سبينوزا ومشكلة التعبير، ترجمة أنطوان حمصي، دار أطلس للنشر والتوزيع القاهرة 2004.
[28] - يراجع النص المقصود، و معه هامش المترجم، الذي يقارن فيه بين توماس هوبس وسبينوزا بشأن حالة الطبيعة في: - سبينوزا، رسالة اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، ومراجعة د. فؤاد زكريا، الفصل 16. دار التنوير2008. ص. 368.
ولتأكيد ملاحظتنا نوجه القارئ إلى نشرة أبون:
- Spinoza ; Traité Théologico-politique Trad. et notes par Ch. Appuhn. Chap. XVI. Ed. Flammarion 1965. P. 262.
[29] - دولوز، كواتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة: مطاع صفدي، المركز الثقافي العربي 1997، ص. 32.
[30] - (المصدر السابق)، ص 32.
[31] - ميكيافيللي، فن الحرب، ترجمة وتقديم صالح صابر زغلول، دار الكتاب العربي دمشق-القاهرة، 2015، التقديم، صص. 13-16-17-18.
[32] - مونتسكيو، تأملات في تاريخ الرومان: أسباب النهوض والانحطاط، نقله من الفرنسية إلى العربية عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء، ط. 1. 2011.
[33] - جاك دريدا، أركيولوجيا التوهم "انطباع فرويدي". ترجمه عن الفرنسية عزيز توما، شارك في الترجمة وقدم للكتاب وعلق عليه إبراهيم محمود، مركز الإنماء الحضاري، ط 1. 2005، ص 27.
العنوان الأصلي:
- Jacques Derrida, Mal d’archive, ''une impression Freudienne'', éd. Galilée, 1995. Paris .
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241122%2Fob_af14c2_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241122%2Fob_899882_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)