الإنتاج السلوكي بين الحركة واللغة
في مجال الرياضة والمدرسة
دراسة محكمة
د. حميد مرواني
أستاذ التعليم العالي مؤهل، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس –مكناس/ المغرب
تقديم
لعل الدراسات والأبحاث التعليمية في الربع الأخير من القرن العشرين، أدت الى إجراء تغيرات ملحوظة على الدراسات المتعلقة بالتعلم والتعليم. فبعد أن كانت عملية التعليم تركز على كيفية تنظيم مثيرات البيئة التعليمية الخارجية بصورة تؤدي بالمتعلم تدريجيا الى الاستجابات المطلوبة، حيث يتم دعمها وترسيخها عن طريق أشكال التعزيز--المدرسة السلوكية—أصبحت هده العملية تهتم بتهيئة المواقف التعليمية تحت وطأة هندسة بيداغوجية محكمة تفضي بالمتعلم القيام بفك لغز وضعيات مشكلة تتطلب منه التفكير واستقصاء الحلول المواكبة لدلك، بنوع من التنظيم والتنسيق والتبويب المعرفي، رغم هده المحاولات الجريئة ورغم الجهود المبذولة على مستوى التطبيق، والتأثير ،فإن المدرسة المغربية لازالت لم ترق إلى المستوى المرغوب والرامي الى تجويد العمل البيداغوجي، ودلك لعدم استفادتها وعدم استيعابها للمستجدات العلمية - النظري والتطبيقي – لعلم النفس المعرفي واستثمار معطياته الحقيقية. إن الأمر راجع إلى أن هده المدرسة لم تستطيع تجاوز العراقيل والاختلالات البيداغوجية التي تواجه المتعلمين والمدرسين على السواء مما يزيد ويكرس ظاهرة الهذر والفشل المدرسيين.
إن قدرة واضعي المناهج والبرامج التربوية ببلادنا ، لم تتمكن من استحضار واستثمار مكونات الخطاب المعرفي بكل معطياته ومفاهيمه الأساسية خلال تدبير الشأن البيداغوجي بصورة عامة.
من معالم هدا الخطاب البيداغوجي المعرفي، الانتقال بالمتعلم من مستوى أدنى إلى مستوى أكثر تطورا وتقدما، فالتعلم من خلال هده المنظومة المعرفية هو تعلم فعال حقيقي دو معنى، تعلم دال، يكون فيه المتعلم بمثابة الفاعل الرئيسي في تعلماته، واع بأدواته التعليميه، كما أن له القدرة على ضبط وتوجيه طرائق بحثه ومراقبة أدائه وإنجازاته.
إن تحقيق هده الغاية التربوية، تقتضي من أصحاب القرار والشأن البيداغوجي: خبراء، مدرسين، مكونين، الانفتاح على علم النفس المعرفي، العلوم النورولوجية، علم النفس التطوري،...وهو رهان سيكو- بيداغوجي صعب التحقق من جهة أخرى المجازفة بمحاولة تفعيل الأداء البيداغوجي والديداكتيكي تحت وطأة المقاربة السيكو- معرفية ، محاولة ترمي إلى تطوير وتحسين شأن التدبير الذهني في تفاعله مع مواقف تعليمية غرضها تجويد آليات التفكير من فهم وتذكر وتفكير وإبداع.
علاوة على ما ذكر يمكن القول أن التأكيد على التربية المعرفية هو انتقال من التربية Education إلى القابلية للتربيةEducabilité مجال بمثابة براديݣم معرفي Paradigme Cognitif همه العناية بكيفية الاشتغال الذهني وكيفية استحضار الآليات الفكرية والوعي بها خلال الاشتغال المعرفي.
إن الأمر هنا يقتضي من خلال هدا الانتقال البيداغوجي العمل على إمكانية خلق نماذج إنسانية ذكية ، فعالة واعية بقدراتها وإمكاناتها الفكرية، وهدا معناه الانتقال بالمتعلم إلى مستوى أكثر تطورا وتقدما، وهو تعلم دال ودو معنى لدى المتعلم يكون فيه هدا الأخير واع بأدوات تعلمه.
إن تحقيق هده الغاية التربوية تمكن المتعلم، من التعامل مع جميع الوضعيات مهما اختلفت حالتها سواء في حياة المدرسة أو مدرسة الحياة. فتطوير القدرة على التعلم لا تنتهي فقط بقدرة المتعلم على حل المشكلات المدرسية، وبناء معارف جديدة، ولكن القدرة على التطوير والاغناء الدائمين لهده المعارف وتقويمها.
إن الوضعيات على اختلاف معطياتها تكون مصدر تعلمنا سواء أكان تعلما حركيا أم لغويا. فالمنتوج السلوكي الإنساني، تحدده اللغة أو الحركة، أمران بمثابة إفراز عمل دهني ناتج عن اشتغال معرفي يكون أساسا لاستنفار الوظائف المعرفية والتنفيدية.
إن اهتمامنا بالتعلم تجاوز حدود المدارس التقليدية والنظريات الكلاسيكية ليقع على المعرفية، نظرية من النظريات المعاصرة التي تناولت التعلم بشكل أكثر تقدما، لكونها ركزت على الدهن وعلى طرق معالجة المعلومات، وبتأكيدها على أن النسق المعرفي للفرد عبارة عن نظام لمعالجة المعلومات، إذ عادة ما يقوم بتحويل المعلومات الفيزيقية الى معلومات ذهنية أو تمثيلية هذا النسق "عبارة عن نظام صوري يشتغل حول التمثلات الرمزية"ANDLER.D(1992) .
فما موقع التعلم في إطار المنظور المعرفي؟
2. الاهتمام بوضعيات التعلم من منظور المعرفية.
أصبحت التربية تتأسس حاليا على مخططات وبرامج وكذا على نظريات سيكولوجية، حيث أن الفعل التربوي لا يمكن أن يحقق مقاصده وأهدافه، إلا إذا كان قائما على تصورات سيكولوجية معينة وفق ما تقتضيه الظروف والتطورات.وعلى خلفية هذه العلاقة المتينة بين البيداغوجيا وعلم النفس، فإن التجديد البيداغوجي المتمثل في بيداغوجيا الكفايات يجد مرجعيته السيكولوجية في علم النفس المعرفي، بحيث إن تأثيرات هذا الأخير في التعلم تظل واضحة وذلك من خلال انشغاله (بالإنتباه) ، (وبالذاكرة) ،وبالاستراتيجيات المعرفية والتمثلات وكذا بالبناء التدريجي للمعومات والمعارف.
في سياق اهتمام علم النفس المعرفي بمعالجة المعلومات التي يحصل عليها الفرد منً بيئته،(بلحاج عبد الكريم 2005. ص121)، يصبح التعلم تبعا للمنظور المعرفي نوعا من البناء التدريجي للمعارف. فالذاكرة تشتغل وفقا لآليات وقواعد معينة وكلما كانت المعلومات والمعارف الوافدة على الذاكرة منظمة ومفيئة، كلما ترسخت فيها أكثر وبالتالي كلما سهل استرجاعها وتذكرها عند الحاجة ( HAROUCHI )، بل واستثمارها في وضعيات جديدة. ذلك أن معالجة المعلومات يقتضي بالأساس العمل على بنينتهاStructuration وتنظيمها الذي يتم من خلال سيرورة التحليل والتركيب والربط مع المعارف السابقة. فهذه الإجراءات التنظيمية للمعلومات تبقى هي السبيل الوحيد للحفاظ على المعارف في الذاكرة. وهذه الاعتبارات تلزم المدرس على مساعدة المتعلم على تحليل المعارف وتفكيكها وإعادة تنظيمها بالشكل الذي يسهل عملية دمجها مع المعارف السابقة. إذ أصبح معلوما أن المعلومات والمعارف المتناثرة التي لا تربطها علاقات منطقية، والمنتزعة من سياقات مختلقة لا تعمل إلا على تأثيث الذاكرة مما ينمي لدى المتعلم الحفظ الأصم والترديد الميكانيكي، كما تقتل فيه روح الإبداع والمبادرة وحب الاستطلاع العلمي.لهذا، فإن موقف المنظور المعرفي في التعلم هو موقف التجاوز والمواجهة، فمن جهة فقد تجاوز اختلالات سيكولوجية السلوك التي قاربت الموضوع انطلاقا من ثنائية المثير والاستجابة ومن جهة أخرى عمل على إلقاء الضوء على العمليات الدينامية الداخلية التي يقوم بها الذهن أثناء التعلم والاكتساب.
ومجمل القول إنه إذا كان الاتجاه السلوكي قد هيمن على البيداغوجيا لعقود طويلة انطلاقا من بداية القرن العشرين مما جعله يشكل نموذجا تفسيريا، فإن الاختلالات والعيوب التي بدأت تظهر عليه مع التطور العلمي وخاصة البحث السيكولوجي جعلته يتراجع إلى الوراء ويفقد بالتالي الكثير من مصداقيته مما تطلب معه البحث عن براديݣم سيكولوجي جديد قادر على استيعاب كل التحولات والتطورات التي عرفتها السيكولوجيا. وقد تمثل هذا البراديغم في علم النفس المعرفي كمنظور جعل من الأنشطة الذهنية والعمليات المعرفية أهم اهتماماته وانشغالاته على اعتبار أنها تشكل مركز الثقل في كل إنتاجات الفرد سواء الداخلية أو الخارجية.وفيما يخص عملية التعلم، فإن علم النفس المعرفي اهتم بالبحث في طبيعة ونوع الاستراتيجيات المعرفية التي يلجأ إليها الفرد في مواجهته لمختلف الوضعيات-المشكلات التي تنتج طبيعيا من خلال تفاعله مع المحيط الذي يتواجد فيه. أكيد أن هذه الاستراتيجيات تروم الوصول إلى حلول مناسبة لهذه الوضعيات، لكن لا بد من مساءلتها وإلقاء الضوء عليها قصد تبني أحسنها. غير أن هذه الاستراتيجيات المستعملة من قبل الفرد لا تأتي من فراغ، وإنما تتحدد أساسا من خلال تمثلاته القبلية ونوع المعارف التي يتوفر عليها وكيفية إدراكه للموضوع.كثيرا ما تشكل هذه التمثلات القبلية عائقا معرفيا وذلك حينما تكون بعيدة عن العلمية والموضوعية، لهذا يجب استخراجها والتعرف عليها وتصحيحها حتى تصبح عملية التعلم عملية ممكنة. إن المعلومات الجديدة الوافدة على الذاكرة يجب أن تنتظم بشكل منطقي في الذاكرة حتى تسهل عملية استرجاعها عند الحاجة. طبعا هذا التنظيم للمعلومات لا يحصل إلا من خلال بنائها تدريجيا، أي إخضاعها لعملية التحليل والتركيب والبحث في علاقتها المنطقية الداخلية.
يعد علم النفس المعرفي ذلك المجال العلمي، الذي ينطلق من فرضية أن التفكير هو سيرورة في معالجة المعلومات. ويعود أصل تسمية هذا المجال من السيكولوجيا إلى مفهوم المعرفية cognitionالذي يحيل على آليات النشاط الذهني.
ويهتم المنظور المعرفي بدراسة وظيفة الذكاء وأصل المعارف والاستراتيجيات المعرفية المستعملة في الاستيعاب والتذكر واستثمار المعارف ومعالجة المعلومات في الذاكرة واللغة، وذلك من خلال وظيفة الدماغ. وقد نشأ هذا الاتجاه في سيكولوجيا في ظل الثورة المعرفية، التي انطلقت في منتصف القرن العشرين، بحيث تمخض عنها ظهور مجموعة من الحقول المعرفية التي أصبحت تتخذ المعرفة (cognition) موضوعا لها، وقد تحددت هذه الحقول المعرفية في الذكاء الاصطناعي واللسانيات والعلوم العصبية والفلسفة بالإضافة إلى علم النفس المعرفي. في هذا السياق إذن، برز علم النفس المعرفي كمسعى جديد يهتم "بدراسة النشاطات العقلية الداخلية للفرد بالأساس، وذلك في تقابل مع النشاطات الخارجية الخاضعة للملاحظة المباشرة، وهي النشاطات التي شكلت كلاسيكيا معنى السلوك" بلحاج عبد الكريم 2005 ص56.
لقد دشن علم النفس المعرفي إذن، نوعا من القطيعة الابستمولوجية، على الأقل على مستوى الموضوع، مع سيكولوجيا السلوك التي سادت عقودا من الزمن، بحيث انتقلت السيكولوجيا مع المنظور المعرفي من دراسة السلوك القابل للملاحظة والقياس إلى الاهتمام بمشكلات سيكولوجية مختلفة تتعلق أساسا بالأنشطة العقلية وآليات الاشتغال الذهني، أي تلك الأنشطة الداخلية للفرد والتي أقصيت من الدراسة والتحليل ضمن الاتجاه السلوكي بدعوى عدم إمكانية إخضاعها لصرامة المنهج التجريبي وأن منتوجها السلوكي غير ملاحظ وغير قابل للقياس.
وعموما كان لظهور هذا المنظور المعرفي، كنموذج تفسيري للسلوك، شروطه ومبرراته الموضوعية التي اقتضته من أجل تجاوز نقائص وعيوب السلوكية وملء تلك الفراغات التي تركتها في مقاربتها للموضوع.
3-الاهتمام بالوضعيات في مجال الرياضة من منظور المعرفية.
لم يعد ينظر إلى الرياضة على أنها ذلك النشاط الخالي من أي معان أوقيم ،ذلك النشاط الذي تتم ممارسته بطريقة اعتباطية دون استراتيجيات أو إجراءات تضمن المردودية والإنتاجية على مستوى التنفيذ .فالرياضة لم تعد ذلك المجال القائم فقط على القيمة البدنية ،التي تعد من أهم مقوماتها والتي لازمت رحلتها الطويلة عبر حضارات الإنسان، بل أصبحت بأنشطتها جزءا عضويا من المنظومة الشاملة لأي مجتمع. فهي جزء متكامل من مجموع النظم الاجتماعية والسلوكية، حيث إن العلاقة بين الرياضة وهذه النظم هي علاقة تنموية في المقام الأول.
و يمكن حصر دواعي اعتمادنا المعرفية في القطاع الرياضي في ثلاث نقط هي كالتالي:
*تنحصر الأولى في الفراغ الملموس على مستوى البحث العلمي الموضوعي القائم على مقاربة سيكولوجية قائمة على التيار المعرفي. فمن المؤكد أنه بعد القيام بعملية رصد لمجمل الدراسات والأعمال التي أنجزت في هذا الصدد، لم أقف إلا على تلك التي اهتمت بالبعد الفيزيولوجي للممارس، من حيث اللياقة البدنية وطرق اكتسابها ومن حيث التحكم الخططي وأساليب تنفيذها وكذا من حيث الكفاءة المهارية وإشكاليات صقلها وتطويرها. كما وقفت على تلك التي اهتمت بالشأن الرياضي من حيث التسويق والاستشهار. هذه الأعمال في مجملها، تغافلت الاهتمام بالبعد المعرفي للرياضي الممارس، الأمر الذي دفع بنا إلى تبني مقاربة تقوم على أسس اشتغال الذهن الإنساني أثناء أداء مهامه. هذا الذهن الذي كان يعتبر حتى الأمس القريب "علبة سوداء" ممنوعة من الصرف يتمنع الكشف عن مكوناتها وآليات اشتغالها.
*تنحصر الثانية في العمل على الرفع من كفاءات اللاعب وتحسين مستوى إنجازاته، وذلك من خلال مساعدته على التركيز على كيفية تمثل المهام وانتقاء الاستراتيجيات والإجراءات الملائمة للحل بعد التخطيط القائم على أساس التجسيد والتوقع، ثم القيام بعد ذلك بالتنفيذ. هذه المساعدة تتحدد في مدى وعي الممارس الرياضي بالآليات الفكرية والإجراءات الذهنية المسخرة .وهو ما فرض علينا الانتقال من الاهتمام بالمعارف إلى الاهتمام بالميتا-معارف Métacognition عن طريق إرساء قواعد للحوار البيداغوجي الرياضي بيننا وبين الممارس الرياضي منطلقين من القناعة التي تؤكد على" أن ما وراء المعرفة عنصر ضروري وحيوي في مواقف التعلم الناجحة"Pugalee.D 2001 p 101. يتضح أن علماء النفس لم يكتفوا بالتنويه على أهمية توظيف الإنسان لاستراتيجياته المعرفية بغية الفهم والمعرفة، بل نادوا أيضا بضرورة يقظته ووعيه لما يوظف من استراتيجيات والتحكم بها وتوجيهها الوجهة الصحيحة وعليه فالحوار البيداعوجي المذكور "يساهم في حل المشكلات والتعامل مع المواقف الحقيقية الأصيلة من خلال قيام الفرد بالتعرف على الاستراتيجيات المناسبة ذهنيا، والعمل بطريقة إستراتيجية"Davidson.Jet Strenberg.1998 فما وراء المعارف، أي التفكير في التفكير، يعتبر" منشأ فكريا يبين التبصر حول ماذا وكيف ولماذا ندرك"Gaing.M etYore.L . بمعنى آخر "معرفة الفرد بعملياته الإدراكية ونواتجهاFlavell.J 1976 . إن هذه الوقفة التأملية التي يقوم بها اللاعب ويتعود عليها عادة ما تساعد على التحصيل وعلى مراقبة سيرورته الذهنية أثناء اشتغالها وقيادتها صوب المردودية والإنتاجية من خلال إنجاز دقيق ومضبوط.
*أما النقطة الثالثة فتنحصر في كيفية تفسير الخطأ الرياضي. لقد لمسنا أن كل الشروحات والتفسيرات التي تؤخذ كمرجعيات للخطأ، غالبا ما يتفق فيها المختص وغير المختص. فالرأي أو التعليق الذي يبديه التقني (المدرب) أو الصحفي المختص، وما يبديه رجل الشارع العادي الهاوي رأي واحد، حيث اختلطت المفاهيم، وامتزجت المعرفة العامية بالمعرفة العلمية، فأصبحت معرفة غير موحدة، ذلك أن عالم الرياضة عالم مفتوح اقتحمه الجميع حيث تبسطت مفاهيمه فأصبحت في متناول أي كان، وهو ما انعكس على خطابته واستنتاجاته. إن جل التعليلات الخاصة بالخطأ تبقى حبيسة ما هو مرئي قابل للملاحظة والقياس الاعتباطيين، مرتبطة بالعوامل البدنية عوض النفاذ إلى ما هو داخلي مرتبط بالعوامل الذهنية. إن الممارس الذي خبر الميدان، والذي يتمتع بمرومنة معرفيةFlexibilite Cognitive على مستوى المعالجة المعلوماتية. يتميز بمايلي :
× يكون عنده نطاق ومجال الانتباه جد واسعplus diffus بحيث يتمكن من التقاط عدد كبير من المعلومات البادية في مجاله المرئي المكاني.
× يتمز بمرونة وسلاسة كبيرتين في التركيز خاصة عند تحويل الانتباه الذي يتمثل في ارتباطه بمعلومة غير صالحة،إلى المعلومة الامثل، حيث ينتج عن ذلك اقتصاد في الجهد والوقت، وكذا التمتع بفرصة السبق في مجموع العمليات الرياضية من تسجيل أوقذف أو مراوغة أو تمريرة.
×يتميز كذلك بالتركيز المحكم للانتباه Focalisation de L’attention بحكم ارتباطه الوثيق بالمهام الواجب القيام بها معرفيا وحركيا.
إن نظام المعالجة المعلوماتية البشرية، هو نظام محدود القدرات، وعليه لا يمكن معالجة عدد كبير من المعلومات، ونحن مستمرين في الوقت ذاته على دوام الانتباه. إن الفرد الإنساني وبشكل تلقائي يستوجب عليه تصفية وغربلة المعلومات الزائدة المشتتة للانتباه. اللاعب المتمرس يؤشر على كفاءات عالية أثناء المعالجة المعلوماتية التي يقوم بها، وذلك بفضل تغيير الانتباه بصورة سلسة، مع القدرة على التكيف وبسرعة مع مجرى الأحداث الدينامية ذات الإيقاع السريع والتغير البنيوي المفاجئ، هذا ونحن نعلم أن الممارس الرياضي لا يقف عند الحل المعرفي ولكن يتجاوزه إلى الأداء الحركي، فوظيفة الانتباه لديه تتدخل على المستوى الإدراكي وعلى المستوى الحركي. فاليقظة التي يتمتع بها والآلية التي تطبع أداءه الحركي دون ضبط أو مراقبة، كل هذا يفيده في التوقع وقراءة الأحداث قبل وقوعها ما يكسبه فرصة السبق في تناول العمليات وربحه الرهان، بخلاف اللاعب العادي المشدود الحركة والتفكير بفعل المراقبة والضبط، غالبا ما يكون عرضة لضياع الوقت، والإرهاق بفعل الجهد المبذول، والشعور بالتوتر والانفعال بفعل هدر الفرص.
"إن التدريب الرياضي القائم على ضوابط ديداكتيكية صارمة يساهم في التخفيف من وطأة الضغط أثناء القيام بالمعالجة من جهة، ومن التطبيع الحركي المنضبط من جهة أخرى، الشيء الذي يسمح بشكل ايجابي في تحرير كمية مهمة من موارد الانتباه التي يمكن استخدامها لتنفيذ مهام أخرى حين المعالجة "Shiffrin .R et Schneider. W, 1977, p250.
اعتمادنا على الجانب المعرفي كخلفية نظرية، قد استلزم منا الاهتمام بالوظيفة التنفيذية الذهنية للاعب باعتبارها حاسمة في الانجاز. فمجال علم النفس المعرفي الرياضي ومنذ عقود وهو يسترعي انتباه العديد من المهتمين والباحثين نظرا لما يقدمه من خدمة للرفع من مستوى الأداء وتطوير المهارات الذهنية وتحسين الانجاز والرفع من الإنتاجية والمردودية.
إن دراسة محتويات الذهن فرضت علينا استخدام مفاهيم معرفية والاطلاع على أخرى من قبيل الانتباه، والذاكرة والمعالجة المعلوماتية والوظائف الذهنية والصورة الذهنية من جهة تم محاولة الكشف عن طريقة اشتغالها من جهة اخرى. فقائمة وترتيب هذه المكونات يشكل ما يسميه علماء النفس ب " الهندسة المعرفية"Architecture Cognitive وتشمل هذه الخصائص الوظيفية على كل المعطيات المتعلقة بالعملية التنفيذية المرتبطة بالسرعة والدقة والليونة الفكرية في تناول تنفيذ جميع العمليات على اختلافها، ما يستدعي من الممارس الرياضي التحلي بالقدرة على اتخاذ القرار المناسب والحل الحركي المضبوط عند تنفيذ الأداء الحركي بسرعة وفعالية عالية. إن إمكانية ممارسة الرقابة على العملية الذهنية تعتبر من الخصائص الوظيفية المعرفية التي تعتمد على "تنظيم المعلومة في الذاكرة"Organisation de L’information en Mémoire . وفي هذا السياق
يتجلى دور النشاط المعرفي في القدرة على ايجاد الحلول الملائمة والمناسبة للوضعيات الرياضية وذلك باستعمال المنطق، التمثل، الانتباه، التخطيط، الكف، التوقع، التدبير، والاختيار، معالجة المعلومات العملية الاكثر تطورا في علم النفس المعرفي" Famose.J.P 1993, p120
إن الأداء الرياضي هو خلاصة عمليات فكرية وبدنية، قيمته تحددها نجاعة الاشتغال الذهني، من حيث إدراك وفهم المواقف والوضعيات والاستدلال عليها والقيام بتقويمها، قبل التنفيذ، وكذا نجاعة الأداء الحركي على مستوى التنفيذ من حيث اللياقة البدنية والحس المهاري والمرهف والتحكم الخططي الذكي وكذا ظروف أخرى لا مجال لذكرها هنا. فانسجام البعدين) الذهني والبدني( يضمن إنجازا فعالا ومبدعا، وأن أي خلل أو فشل، لا يمكن إرجاعه إلا إلى البعدين الذهني والبدني: الذهني كهندسة معرفية وآليات فكرية (التمثل،التخطيط، الاستراتيجيات،التنفيذ، المراقبة، التعميم والآلية) ثم البدني بعوامله الأساسية (اللياقة البدنية وقوتها، الكفاءة المهارية وفنيتها، التحكم الخططي وفعاليته). ونظن أنه انطلاقا من ارتكازنا على هذين البعديين سنساهم في الكشف عن العناصر الأساسية التي ستمكننا من الوقوف على السبب أو الأسباب الكامنة وراء الخطأ.
وقدعرف Matveyev الرياضة بأنها" نشاط ذو شكل خاص، جوهره المنافسة المنظمة من أجل قياس القدرات وضمان أقصى تحديد لها" Matveyev.L : 1981, p210.، وبذلك فإن ما يميز الرياضة هو قيامها على فكرة النشاط التنافسي الذي يقوم على قواعد دقيقة لتنظيم المنافسة بعدالة ونزاهة. إنها نشاط يعتمد بشكل أساسي على الطاقة البدنية وبشكل ثانوي على عناصر مثل الخطط والمهارات التقنية الفنية.
إن التركيز الكلي على التعليمات والتوجيهات وعلى مختلف الوضعيات كما أن اليقظة والمثابرة خلال طول زمن المباريات وكذا سرعة ردود الأفعال المشروطة بالدقة والإتقان... كلها عمليات ذهنية تعكس لنا الطبيعة المعقدة للاشتغال المعرفي للاعب أمام وضعيات حل المشكلات المختلفة في عالم الرياضات جماعية كانت أو فردية. فإذا كان الأمر في حياة المدرسة يتطلب جهدا فكريا لفك لغز مواقف ووضعيات حل المشكلات من خلال تمظهرات لغوية شفهية أو كتابية، فان الأمر يختلف عنه خلالا لممارسة الرياضية الكروية، حيث إن وضعيات حل المشكلات تقتضي جهدا فكريا وآخر بدنيا لتجاوز الصعوبات والاكراهات التي تفرضها تلك الوضعيات.
إن المتتبع لطرق واستراتيجيات الرياضة الجماعية يدرك بأن الأوضاع لا تستقر على حال داخل رقعة الميدان، ذلك أن اللاعبين والكرة في حركة دينامية دائمة، مما يتولد عنه وضعيات ومواقف هي نفسها في تغير مستمر ودائم. فالحالة الحركية التي يتواجد عليها اللاعب مركبة معقدة لتداخل الذهني بالبدني في مواجهة حل المشكلات وتجاوزها تجاوزا محكوما بالدقة والإتقان. فتعاقب الوضعيات وتعددها يستلزم إيجاد حلول لها بشكل آني ومتتالي باعتبار الوضعيات) شلالا متدفقا من الحواجز والصعوبات يستوجب تعديلا فوريا وملائما لكل المبادرات والعمليات) .وما يزيد الأمر تعقيدا، هو أنه لايكفي إيجاد الحل الذهني لتجاوز المشكلة، بل إن تنفيذ المهمة يستدعي تدخل عوامل ثلاثة هي : اللياقة البدنية (الجسمية) والكفاءة المهارية (التقنية) والتحكم الخططي (التكتيكية)، في ترجمة الحمولة المعرفية على أرض الواقع ، على شكل أداء حركي مثير و مبهر. غير أن هذا الأخير – أي الأداء – غالبا ما يضع الممارس في مواجهة صريحة لمجموعة من الإشكاليات والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:
uتتلخص الأولى في مواجهة لاعب كرة القدم لوضعيات مشكلة أثناء تواجده على الملعب، وهي مواجهة تختلف إلى حد كبير عن تلك التي يقوم بها الفرد حينما يكون أمام مشكلة لغوية أو حسابية... فالوضعية في كرة القدم لا تستدعي تدخل الجانب المعرفي فقط، بل تستدعي أيضا تدخل ما هو بدني ومهاري وخططي، ناهيك عن الحالة النفسية للاعب أثناء أداء واجبه والقيام بمهامه داخل الملعب.
وبذلك يمكننا القول بأن الوضعية المشكلة التي يحاول اللاعب حلها وضعية مركبة يستخدم فيها جسمه ككل بحمولته المختلفة.
uتتعلق الوقفة الثانية بالمتغيرات المتدخلة في أداء اللاعب أثناء مواجهاته للمشكلات. فبجانب اللاعبين الذين ينتمون للفريق الخصم، هناك المدرب الذي يسجل ملاحظاته أو يتدخل مباشرة لتقديم توجيهاته للاعبيه، كما أن هناك حالة الملعب والحكم والمسيرين والجمهور. واعتقد أن هذا الأخير يمارس ضغطا كبيرا على اللاعب، فإن أصاب، أي نجح في حل ا لمشكلة، اعتبر لاعبا كبيرا ذو موهبة ومكانة عاليتين يتميز بحس فني راق، وإن أخطأ نهل عليه الجمهور بالملاحظات وأحيانا بوابل من السب والشتم... مما يؤثر مباشرة على نفسية اللاعب وعلى أدائه أثناء مواجهته للمشكلات المماثلة.
خاتمة
وفي الختام، يمكننا أن ندرك بأن المتمدرس واللاعب أيضا يواجهان مهام كثيرة تتطلب منهما الاعتماد على مجموعة من الوظائف التنفيذية التي لا يمكنها أن تشتغل إلا بتدخل الانتباه بأنواعه المختلفة والذاكرة سواء كانت عاملة او بعيدة الأمد. فحينما يكون التلميذ أمام مسألة رياضية فهو يقرأها من أجل التعرف على دلالتها وتعليماتها والأعداد الواردة فيها وذلك من أجل بناء تمثل لها. والحقيقة أن ذلك كله يتطلب تدخل الانتباه المستمر والانتقائي وكذا المرونة الذهنية والكبح والتخطيط والتدبير والمراقبة والاختيار. فالإنجاز يقوم على هذه المكونات كلها. وبالمثل فلاعب كرة القدم يعتمد على تلك المكونات سواء في استقباله... للكرة بالرجل أو الرأس أو قذفها أو المراوغة أو غير ذلك من الحركات الرياضة
الإشكالات الممكن طرحها مستقبلا ترمي في أفق مفهوم الانتباه على اختلاف أنواعه واختلاف الوضعيات المصادفة، وهي كالتالي :
ما دور التركيز والانتباه الانتقائي Attention sélectiveفي حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟
ما دور الانتباه الموزعAttention partagée في حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟
ما دور الانتباه المستمرAttention soutenue في حل المسائل الرياضية في التعلم وفي مواجهات وضعيات مشكلات أخرى؟...
فهذه كلها إشكاليات تحتاج للدراسة والتحليل المستفيض
السؤالان اللذان يتوجب أن نطرحهما في نهاية هذا التقرير هما: هل الأساتذة وكذا المدربين على دراية بالميكانيزمات والوظائف التي أتينا على ذكرها؟ هل لهم القدرة على تشخيص أخطاء التلاميذ
وكذا اللاعبين، لكي يرفعوا من أدائهم وفعالية إنجازاتهم؟
BIBLIOGRAPHIEالمـــــــــــــراجـــع
Alain, L., 1993, La mémoire du cerveau à l’école, Flammarion, France.
Alain, L., 2013, Le livre de la mémoire, Dunod, France.
Baddeley, A.D. 1986. Working memory.Oxford: Oxford University Press.
Baddeley, A.D., 1993, La mémoire humaine, Théorie et pratique
Baddeley, A.D., 2003, Working memory : Looking back and looking forwad, Nature Reviewes Neuroscience.
Davidson. J et Strenberg. R, 1998, Smart problem solving : Ed. Métacognition.
Famose.J.P. 1993, la performance motrice Un essai de definition ed cognition et performance ; Paris INSEP publication
Flavell .J : 1976, Les aspects cognitifs de résolution de problèmes ; In : L. Resnick (ed).
GASTON MIALARET, 1979, P U F, Vocabulaire de l’éducation.
Graing.M et Yore.L :1992, Middle Selwol student metacognitive knowledge. Ed : ERIC
Harouchi, A. La Pédagogie des Compétences, Editions Le Fennec.
Matveyev.L : 1981, Aspects fondamentaux de l’entrainement, Vigot édition, Paris.
MICHELE MAZEAU et ALAIN POUHET. 2014. Neuropsychologie et troubles des apprentissages chez l’enfant. Du développement typique au « Dyspraxie ». 2ème Edition. EL SEVIER MASSON
Nicolas, S., et Pascale, P., 2010, Anthologie de psychologie cognitive de la mémoire, Bruxelles, De Boeck.
PugaleeD., 2001, La métacognition et l’apprentissage des mathématiques.
Rossi, J.P., 2006, Psychologie de la mémoire, Bruxelles, De Boeck.Pascal
StephenK.R., 2006, Cognition : théories et applications, Tra. Teresa, B. et Pascal, C.T., Bruxelles, De Boeck.
Shiffrin .R et Schneider. W, 1977, controlled and automatic human information processing. Psychological review.
Tulving, E., Schacter, L.D., Challis, B.H., 1994, Qu’en est-il de la notion de systèmes mnésique ? Tra. Serge Nicolas et Pascale Piolino, dans Anthologie de psycholigie cognitive de la mémoire (2010), Bruxelles : de Boeck.
أوزي أحمد، 2006 : المعجم الموسوعي لعلوم التربية ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
بلحاج عبد الكريم، 2005، علم النفس بالمغرب بين المعرفة والممارسة، الطبعة الأولى ، دار أبي رقراق للطباعة والنشر.
بلحاج عبد الكريم، 2005 ، علم النفس المعرفي، قضايا النشأة والمفهوم، مجلة فكر ونقد، عدد68.
تعوينات، 2009 اظطرابات الانتباه وعلاجها
السيد علي، محمد بدر، 1999، اضطرابات الانتباه لدى الأطفال، أسبابه وتشخيص، القاهرة، مكتبة النهضة العربية.
فتحي مصطفى الزيات، 1998. "مدخل معرفي مقترح لتفسير صعوبات التعلم " القاهرة المؤتمر الدولي الخامس، مركز الارشاد النفسي.كلية التربية بجامعة عين شمس.
زغبوش، بنعيسى. 2013، نماذج البحث المعرفي ونمذجة العمليات المعرفية
رافع زغلول وآخرون ، 2003. علم النفس المعرفي، دار المشرق عمان ، الاردن.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20230602%2Fob_8f98f1_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)