الدكتور عبد الله الغرمول
دراسة محكمة
ملخص:
إذا كانت الكتابة التاريخية تتقدم في حل إشكالياتها المنهجية أو المفاهيمية باحتكاكها بالحقول المعرفية الأخرى، فإن هذا التقدم هو الذي يحدد سمات المراحل الأساسية في البحث التاريخي، بحيث يمكن القول بأن الكتابة التاريخية تتطور بشكل متزايد نظرا لتراكم المواد التي يعتمدها البحث التاريخي، لكن المجال الذي يتعرض للعديد من التناقضات والجدل المستمر هو طريقة التعامل أو معالجة المواد الأولية. إن هذا الجدل هو منبع الاتجاهات والمدارس التي ميزت الكتابة على الصعيد الغربي، في هذا الإطار تندرج إشكالية الكتابة التاريخية المعاصرة بالمغرب انطلاقا من صيرورة معقدة تنبني أساسا على الاحتكاك مع الغرب كفضاءات نظرية صدمت الوعي العميق للفكر المغربي بعقلانيتها وبنيتها المفاهيمية ومناهجها، والتركيز على هذا الجانب له مبررات وظيفية/إجرائية ترتكز أساس على جعلها هدفا ومعيارا لتقييم واقع البحث التاريخي في المغرب بشكل إجمالي.
الكلمات المفتاحية: الكتابة التاريخية، الحقبة الاستعمارية، البحث التاريخي، التدخل الأنتروبولوجي
تتمة
أولا: مرحلة تسهيل عملية التدخل، يمكن حصرها بين 1875 و1912، فأغلب الكتابات استكشافية أي ذات طابع استخباري، اهتمت بالكشف عن مواطن الضعف في الجسم المغربي في إطار التهييء للتسلط الفعلي، وتدرج ضمن هذه الأعمال كتابات ميشو بلير ودوشي M. BELLAIRE – E. DOUTTE.
ثانيا: مرحلة تبرير الاحتلال تؤطر ما بين 1912-1934، تميزت بظهور أعمال ركزت أساسا على الدور التنويري الحضاري لفرنسا وإقناع الرأي العام الأوربي بأن تواجدها بالمغرب هو في الواقع من أجل "التهدئة".
أما في المرحلة الأخير فهي مرحلة الشهيد المغربي أي ما بعد 1936 خصوصا وأن الكتابات الاستعمارية لم تعد قادرة على الصمود أمام المستجدات التي عرفتها الساحة المغربي، حيث طرأت وقائع دحضت بالملموس مختلف الطروحات الأجنبية وعلى رأسها مقولة "ركود الشعب المغربي".
يبقى أن نشير باختصار إلى استمرارية الإنتاج الأجنبي حول المجتمع المغربي بعد الاستقلال حتى الآن، من خلال ما أنتجته المدرسة الأنجلوسكسونية أو كما يسميها محمد كجسوس بـ"المارد الجديـد"([1]). ومن أبـرز رواد هـذا الاتجـاه G. SPILLMANN – D. HART – E. GLLNER – R. JAMOUS – J. WATERBURY ، وقد أصبح هذا الاتجاه الآن يفوق بكثير سواء في حجمه أو في أهميته المعرفية مجموع الإنتاج الكولونيالي (الفرنسي-الإسباني)، وإذا كان هذا الإنتاج ليس مرتبطا بمشروع استعماري مباشر، ولكنه مرتبط بمشروع حضاري آخر هو ما يمكننا أن نسميه بمشروع التحديث عن طريق نشر العلاقات والأنماط الرأسمالية([2]). وإذا كانت هذه الأبحاث بحكم توجهها العيني تسعى إلى تجاوز النزعة التعميمية التي تتصف بها بمعظم الإنتاجات التقليدية الاستعمارية، فإنها لاتزال تشير كثيرا من "الجدل حول ماهيتها ومدى قدرتها على تنقية التاريخ المغربي من الطمس والتشويه الذي أغرقه فيها الفكر الاستعماري"([3]).
فالعروي، يؤكد على قصور التصور الأنتروبولوجي بصفة عامة وعجز الانقسامية بصورة أخص على فهم وتفسير التاريخ المغربي لأن كليهما يختزلان عناصر الصيرورة التاريخية([4]). في حين اقتصر البعض على القول "إن نقد الأطروحة الانقسامية باسم النظرة التاريخية لا ينبغي في نظرنا أن يصب في موقف ينفي ما توفره الأنتروبولوجيا من أدوات من شأنها أن تثري الدراسات التاريخية والاجتماعية"([5]). نفس الموقف عبر عنه سالم يفوت حينما قال بأن نقد الانقسامية خارج كل ممارسة يبقى نقدا مذهبيا ميتافيزيقيا([6]).
مجمل القول، يجب الاعتراف بأنه على الرغم من الخلفية الإيديولوجية الاستعمارية فقد أتت الإستوغرافية الاستعمارية بجهاز تقني، ومفاهيمي مكن من جمع وترتيب أدوات العمل([7])، على أن ما جاء به الإنتاج التاريخي الأجنبي حول المغرب من إيجابيات منهجية يجب أن لا ينسينا محاولاته لطمس الهوية المغربية. وهكذا تختصر الكلام لنستنتج أن الإنتاج الاستعماري في معظمه يفقد الشرعية الأساسية لكونه كان إنتاجا خارج المؤسسة الجامعية في ارتباط مع الجيش والمصالح السياسية. وعموما ورغم المآخذ التي تميز الإنتاج الاستعماري، كما سبقت الإشارة، فإن الموضوعية وواجب الإنصاف يقتضيان الإشارة إلى بعض الدراسات التي حاولت تناول تاريخ المغرب بموضوعية ونزاهة علمية كـ: EUGENE AUBIN في كتابه: "Le Maroc d’aujourd’hui" وJ.L. MIEGE في مؤلفه: "Le Maroc et l’Europe" وأعمال P. GUILLEN رغم تضارب آراء الباحثين والمشتغلين في حقل التاريخ حول تقييم وزنها العلمي.
وبعد إبداء هذه المجموعة من الملاحظات حول الإنتاج الأجنبي، تتساءل عن شروط التعامل الوطني مع التأليف الأجنبي، أو بصيغة أخرى: كيف يتأتى للباحث المغربي توظيف هذا الرصيد المعرفي ضمن الإنتاج التاريخي الوطني؟ خصوصا وأن هذه الأبحاث لا يمكن تجاوزها بمجرد نقدها وربطها بإطارها الزمني والكشف عن سمتها الإيديولوجية، لأنها استطاعت أن تجمع عددا من المعلومات التي لا يمكن للباحث المغربي أن يتجاوزها بسهولة. هكذا أضحت "تفرض ذاتها بوصفها مصادر أساسية في تاريخ المغرب وفي تحليل المجتمع المغربي بصفة عامة"([8]). ورغم أننا نقر بعدم مطابقة النظريات التي بناها الباحثون الأجانب لواقع المجتمع المغربي ولحقيقة تطوره، وذلك بسبب الأفكار المسبقة التي توجه البحث، فإن المؤرخ المغربي المعاصر مطالب بأن لا يقتصر عمله على الكشف عن الخلفيات الإيديولوجية لكي يرفض هذا التراكم المعرفي رفضا مطلقا، وإن كان هذا الموقف ناتجا في أغلب الأحيان عن صعوبة التمييز بين المستوى الإيديولوجي والمستوى العلمي([9]). بل على العكس من ذلك فإن الموقف الصحيح من هذا الإنتاج هو إخضاعه لمحك النقد العلمي ومحاورته ندا للند، ومن ثمة نعمل على تطوير أدواتنا وإمكانياتنا باستمرار حتى نتجاوز مركب النقص إزاء هذا الإنتاج على حد تغبير كسوس([10]). وبالفعل فقد تصدى لهذا العمل مجموعة من الباحثين المعاصرين في محاولتهم لإعادة كتابة تاريخ المغرب، وإن كان كل واحد يتعامل مع هذا الإنتاج الاستعماري من منظوره الخاص، فالهدف واحد هو إزالة التصورات الاستعمارية عن تاريخ المغرب.
ثانيا: الكتابة التقليدية خلال الحقبة الإستعمارية
أما الكتابات الاستعمارية ظهرت بالمقابل كتابات تقليدية لم يستطع أصحابها التخلص من قيود وسمات المنهج التقليدي، الذي طبع الإنتاج طيلة القرون السابقة حيث "يأخذ هذا التأليف في مجموعه الواقعة بالمعنى الخاص يلجأ إلى شاهدة من نوع معين مكتوبة أو غير مكتوبة فيتعامل معها بعقلية نقدية محدودة، مستهدفا رواية تشبه في كثير من ملامحها الأسطورة التربوية، بقي التاريخ وضمنه المغربي وفي هذا الاتجاه رغم اختلاف انتماءات المؤرخين المذهبية والحزبية"([11]).
ندرج ضمن هذا الاتجاه مجموعة من المؤرخين محمد بوجندار "مقدمة الفتح من تاريخ رباط الفتح 1923"، عباس ابن إبراهيم "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الإعلام 1936"، محمد بن سعيد الصديقي "إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة 1930"، محمد داوود في مؤلفه "تاريخ تطوان 1957"...، والقاسم المشترك بين هذه الكتابات أنها ذات طابع محلي أو ما يطلق عليه بـ"المونوغرافية التقليدية". إلا أن جلها كتابات تقفز عن ما هو اقتصادي واجتماعي لتستفيض ذكر الفعل الحربي والسياسي، وبالتالي تغلب تاريخ الطبقة الحاكمة وغيب، إما عن قصد أو عن غير، دور العامة، إلا أن "التاريخ الذي لا يتجاوز بلاطات الملوك إلى مراتب العوام ومشاغلهم هو تاريخ مصاب يفقر الدم"([12]). أي تظل جوانب أخرى ذات أثر فعال في التطور التاريخي منسية أو مهمشة، لذا يكون الباحث مطالبا بالاحتراس في تعامله مع المصادر التقليدية وإخضاعها لنقد وتمحيص دقيقين للدلوف إلى الواقع المحجوب([13]) من جهة والتوجه إلى كتب غير متخصصة ككتب النوازل والمناقب والحسبة والكتب الأدبية لجمع شتات مادته التاريخية من جهة أخرى.
هذه الملاحظات لا تحمل جديدا بالنسبة لمن اعتاد مخالطة المصادر وفي نفس الآن لا تعني الشك أو التقليل من القيمة الإخبارية لمصادرنا التاريخية، ونؤكد مع عياش أنه "في نفس الوقت الذي نشعر فيه على القصور الذي اتسم به مؤرخو الحوليات المتقدمون فقد توصلنا بفضل مؤلفاتهم إلى رسم الخطوط العريضة لماضي المغرب"([14]).
فتركيز الكتابة الكلاسيكية على الحدث السياسي وإهمال الاجتماعي والاقتصادي حاول البعض أن يبرر هذا التوجه الذي اختطته الكتابة الكلاسيكية لنفسها، فاعتبروا أن مطالبة المؤرخين الكلاسيكيين بتدوين الأحداث الاقتصادية فيه نوع من الغلو والإسقاط على اعتبار أن مسألة الأساسي والثانوي في التاريخ في تغيير دائم، فما كان أساسيا في تلك الفترة أصبح ثانويا، كما أن ما هو أساسي اليوم قد يصبح ثانويا غدا. إن نفس الفكرة هي التي عبر عنها محمد أركون حينما طالب المؤرخين بأن يأخذوا بعين الاعتبار مفهوم الإبستيمي L’épistème الذي استعطه فوكو([15]) (الإبستيمي يعني منظمة أو بنية المعارف التي يتميز بها جيل من الأجيال أو عصر من العصور).
سوف نحاول تتبع بعض هذه الملاحظات التي تميز الكتابة الكلاسيكية المغربية بصفة عامة عند عبد الرحمن بن زيدان، وهذا لا يعني رصد كل ما جاء في مؤلفه "اتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس" لأن المجال لا يتسع لذلك، بل نتوخى الوقوف على بعض القضايا الحساسة وخصوصا المنهجية منها كتفسيره للتاريخ، التحقيب، وكيفية تعامله مع الحدث التاريخي. واختيار عبد الرحمن بن زيدان دون غيره على اعتبار أن هذا الأخير يمثل بجلاء نموذج المؤرخ الرسمي ويعد من المؤرخين المغاربة الذين كتبوا في حقل التاريخ خلال الحقبة الاستعمارية، وعموما يبقى الكتاب السابق الذكر أهم مؤلفاته التاريخية، هذا المؤلف الذي يتضمن خمسة أجزاء ظهرت بين 1929 و1933.
نستشف منهج ابن زيدان في مقدمة الجزء الأول من مؤلفه المذكور حيث يقول في تعريفه للتاريخ "للتاريخ لغة تعيين الوقت مطلقا وعرفا، علم يبحث فيه عما مضى من سالف الدهور وعن أحوال المتقدمين من الأمم وأسماء المشاهير منهم ومعرفة أزمنتهم وأمكنتهم وسيرهم وعوائدهم وما يتعلق بحياتهم ووفياتهم. وينقسم إلى أثري وبشري: فالأول ما قصته الكتب المنزلة والسنة النبوية والثاني ما دونه علماء الأمم من الوقائع والحوادث والحروب"([16]).
إن الطرح التقليدي لمفهوم التاريخ واضح في هذا التعريف الذي قدمه ابن زيدان، ومن هعنا فالكتابة التاريخية عنده لا تعدو أن تكون روائية إخبارية، وبالتالي فالتاريخ بالنسبة له هو تاريخ شخصيات دينية وسياسية، تاريخ ملوك وأمراء وحروب. ولمقاربة منهج وأفكار ابن زيدان، لابد من استحضار مسألة أساسية وهي كونه ينحدر من السلاطين العلويين ومؤرخا للدولة العلوية، لهذا نجده "ينوه ويشيد بما أنجزته الدولة وبما حققته في العصور السابقة. في هذا الصدد يخصص بابا كاملا في كتابه" إتحاف أعلا الناس... "لأفكاره وآرائه السياسية، علاوة عما نستقي حول نفس الموضوع في صفحات أخرى"([17]).
وفي الوقت الذي تطورت فيه أدوات البحث التاريخي لدى المؤرخين الاستعماريين المهتمين بقضايا التاريخ المغربي، يستمر ابن زيدان في كتابة التاريخ التقليدي لدى المؤلف عندما يتحدث عن تمردات القبائل وأهل الحرف في بعض الحواضر ضد السلطة المركزية أو ممثليها في الأقاليم، وعوض التساؤل عن أسباب نشوب هذه الانتفاضات ومحاولة وضعها في إطارها السياسي والاجتماعي، يكتفي ابن زيدان بنعت "المتمردين والعصاة بأقبح النعوت ويقول بأنه من الواجب محاربتهم والقضاء عليهم كما لو تعلق الأمر بكفار يضمرون الشر إلى الدولة والجماعات الإسلامية"([18]).
هكذا يتضح أن ابن زيدان لا يحاول الكشف عن الأسباب الباطنة للحدث التاريخي بقدر ما يشرع في إعطاء أحكام مسبقة، فهل هذا راجع إلى عدم تسلحه بأدوات منهجية تسمح له بالتدقيق والتمحيص لإماطة اللثام عن الحقيقة أم لاعتبارات أخرى؟ هذه الاعتبارات هي التي لاحظها ليفي بروفنسال في دراسته التركيبية "مؤرخو الشرفاء" رغم أنه لم يتناول ابن زيدان بالدراسة عندما قال: "بأن أصحاب المدونات التاريخية يقتصرون على الاهتمام بالسلطة الملكية وما يحيط بها فحسب وأنهم يهملون عن قصد تاريخ البلاد الداخلي الشعبي الذي يدور خول زوايا المرابطين والطرق الدينية، وقد يكون ذلك اعتبار للرعاية والإكرام الواجبين لذوي الحكم ومراعاة للصراع الخفي والصريح بين السلطة المركزية وبين الرؤساء الدينيين ذوي النفوذ الواسع لدى عامة الناس"([19]).
إن عبد الرحمن بن زيدان، ليمثل بالفعل المؤرخ الرسمي الذي تقوده وظيفته إلى تفسير الحدث التاريخي بما يبعد هذا التفسير عن الموضوعية، ومن ثمة فنظرته للتاريخ تتحدد من خلال وظيفته كمؤرخ رسمي يسير في وصفه للأحداث في في اتجاه رغبات الدولة القائمة، وهكذا نشعر أنه لا يكتسب التاريخ كما هو بل كما يريده – أو على الأقل، يرضى عنه – حكام العصر([20]).
وعلى عكس التحقيب الثلاثي الأوربي، يقسم ابن زيدان التاريخ – إلى حقبتين، فالتاريخ بالنسبة إليه "ينقسم إلى قديم وحديث فالقديم ما كان قبل الإسلام والحديث ما كان بعده"([21]). وبهذا تتضح الرؤية الكلاسيكية التي وجهت التاريخ التقليدي العربي بشكل عام، والتي مفادها أن ظهور الإسلام يشكل بداية التاريخ، وبالتالي فلا حقيقة خارج الحقبة الإسلامية الوارد في الكتاب وفي السنة حيث مثل "الرسول تقاطع الزمنية التاريخية في الوعي الإسلامي، فهو اللحظة التاريخية التي حققت للزمن اكتماله وللتاريخ عدفه وغاياته، إنها لحظة تفصل بين زمانين وتوحد في نفس الوقت تاريخا بأكمله"([22]).
وإذا كان كتاب ابن زيدان "إتحاف أعلام الناس..." تشوبه مزالق معرفية ومنهجية نظرا لما أوضحناه، فإن هذا لا ينفي بعض التجديدات التي حملها وندملها كما يلي:
- الأولى إثبات نصوص الوثائق التاريخية من ظهائر وما إليها، ولهذا عمل على حفظ الشيء الكثير من الظهائر والرسائل والرسوم العدلية والنقوش الأثرية من الضياع([23])، حتى إن عياش يقر بأن ابن زيدان "عالم متبحر في الثقافة المغربية، وذي حس مرهف في ذات الوقت بقيمة الوثائق المكتوبة، تلك الوثائق التي كانت مؤلفاته مشحونة بها"([24]).
- الثانية أنه يوضح الكثير من الصور الفوتوغرافية للوثائق المهمة وبعض الإعلام والآثار الواردة بالكتاب.
- والثالثة تتمثل في الاستعانة بالترجمة من المصادر الأجنبية([25]).
لا شك أن نشر هذه الوثائق والنصوص لا يخلو من أهمية في إطار التوعية الوطنية إلا أن نقله لهذه الوثائق والنصوص لا يخلوا من أهمية في إطار التوعية الوطنية إلا أن نقله لهذه الوثائق لم يأت في إطار تحليلي، إذ لم يعلن عليها ولم ينتقدها انتقادا شديدا.
إن الحديث عن ابن زيدان هو حديث، قبل كل شيء، عن تجربة في الكتابة التاريخية، تجربة جيل كامل جيل الصدمة، صدمة دخول الجحافل الأولى للاستعمار. إلا أن شخصية ابن زيدان كمؤرخ لم تحظ بالدراسة بالشكل الكافي، وذلك في غياب دراسات نقدية تتناول مؤلفه بالدراسة الدقيقة، أي محاولة تتبع المضامين التي ركز عليها، منهجه في تفسير التاريخ، المغيب في كتاباته... وإن وحدت بعض المحاولات فهي تقتصر على مقالات متناثرة في بعض المجالات فضلا عن أنها تتعامل مع ابن زيدان بنوع من الاحتشام نظرا لانحداره من الشرفاء العلويين مع جهة وتأريخه لفترة حاسمة في تاريخ الدولة المغربية، فترة تميزت بخلل عام أصاب الآليات الفكرية والبنيات المجتمعية في المغرب كله بجميع فئاته وشرائحه من جهة أخرى، من هنا تتضح أهمية الوقوف على كتابة ابن زيدان وملاحظة مدى تعامله مع الحدث التاريخي. ,على جانب هذا الصنف من الكتابة التاريخية، ظهر نوع آخر مثله مجموعة من رجالات الحركة الوطنية (علال الفاسي، عبد الله إبراهيم، ...) هؤلاء المؤرخون حطوا هاجس إزالة التصورات الاستعمارية عن ماضي المغرب، وحاولوا من منطلقات مختلفة الرد على الطروحات الاستعمارية وإثبات الهوية المغربية، ففي الواقع كانت كتاباتهم توازي طروحات الحركة الوطنية. وعموما يبقى هذا الاتجاه ضمن الكتابة التاريخية تقليديا من حيث كونه اعتمد السرد التاريخي أو من حيث المضامين التاريخية التي ركز عليها.
خلاصة القول نستنتج مع عبدا الله العروي "أن التاريخ التقليدي بناء عتيق تهاوت منه جوانب كثيرة، بعضها بسبب تناقضات ذاتية وبعضها الآخر من جراء نقد خارجي. فوجب كنس الأنقاض قبل الشروع في تشييد بناء يخلفه"([26]). فضرورة تشييد هذا البناء الجديد أثارت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية المغربية مع بداية الستينات وإن كانت رؤى الباحثين المعاصرين تختلف في طريقة التعامل مع الاستغرافية التقليدية.
هوامش الجزء الثاني
[1]- محمد جسوس: وضعية البحث السوسيولوجي بالمغرب – الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي – عدد 183 – 22 يونيو 1987.
[2]- محمد جسوس: نفس المرجع.
[3]- محمد الكلاوي: تقديم عن كتاب العرض والبركة لريمون جاموس – المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي – السنة الأولى – عدد 2 – مارس 1987 – ص 56.
[4]- A. Laroui – Les origines sociales… Op. cit., pp 174-176.
[5]- عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق: الأنتروبولوجيا والتاريخ – دار توبقال للنشر – ط 1 – سنة 1988 – ص 7.
[6]- سالم يفوت: خطاب المنهج بين الدوغمائية والإجرائية – مجلة الوحدة – عدد 45 – يونيو 1988 – ص 191.
[7]- A. EL MOUDEN : Op. cit., p 44.
[8]- محمد وقيدي: كتابات التاريخ الوطني – مرجع سابق – ص 38.
[9]- نفس المرجع، ص 84.
[10]- محمد كسوس: وضعية البحث السوسيولوجي بالمغرب – مرجع سابق،
[11]- عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب – مرجع سابق - ص 11.
[12]- عزيز العظمة: الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية – دار الطليعة – بيروت – ط 1 – 1983 – ص 7.
[13]- عبد الرحمن المودن: مقاربة لبعض قضايا التاريخ القروي بمغرب القرن 19 – مجلة الجدل – ع 5-6/1987 – ص 19.
[14]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب – مرجع سابق – ص 62.
[15]- محمد أركون: حوار حول الفكر الخلدوني - منشورات الاتحاد الاشتراكي – 1986 – ص7.
[16]- عبد الرحمن بن زيدان: إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس – الجزء الأول – المطبعة الوطنية – ص 7-3.
[17]- مصطفى الشابي: عبد الرحمن بن زيدان مؤرخا سياسيا – مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط – العدد 10 – 1984 – ص 140-141.
[18]- مصطفى الشابي: نفس المرجع – ص 146.
[19]- ليفي بروفنسال: مؤرخو الشرفاء – ترجمة عبد القادر الخلادي – دار المغرب للطباعة والترجمة والنشر – 1977 – ص 53.
[20]- محمد عابد الجابري: الفلسفة والتاريخ – مجلة أقلام – السلسلة الجديدة – ع 3 – دجنبر 1976 – 32.
[21]- عبد الرحمن بن زيدان: إتحاف أعلام الناس... - مرجع سابق – ص 7.
[22]- سليم رضوان: زمان التاريخ العربي – مجلة الجدل – ع 1 – 1985 – ص 6.
[23]- محمد المنوني: مؤرخ مكناس ابن زيدان – مجلة دعوة الحق – ع 1 – السنة العاشرة نوفمبر 1966 – ص 95.
[24]- جرمان عياش: دراسات في تاريخ المغرب – مرجع سابق – ص 124.
[25]- محمد المنوني: مؤرخ مكناس ابن زيدان – مرجع سابق – ص 95.
[26]- عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب – مرجع سابق – ص 23.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_1c432b_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_2e67c0_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)