تتمة // جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي دراسة في يوميات: " العالم في كبسولة" للكاتبة المغربية الزهرة رميج
دة. سناء حربول
دراسة محكمة
الملخص:
يهتم علم النفس وعلم النفس البيئي بدراسة العلاقة التي تجمع بين البشر وبيئتهم، وتعد الأوبئة من بين أهم العوامل التي تؤثر على هذه العلاقة، حيث يسهم ظهورها في الكشف عن غياب التوازن بين الطرفين، مما يحتم على الإنسان العودة إلى حضن بيئته، وجعلها أداة لتحقيق الاستقرار الجسدي والنفسي.
تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على أدب الأوبئة، من خلال يوميات الكاتبة المغربية " الزهرة رميج": " العالم في كبسولة"، والتي رصدت ما عاشته البشرية إبان جائحة كورونا، وتأثيراتها البالغة على شتى المجالات، خاصة منها الاجتماعية، والنفسية، والبيئية.
الكلمات المفتاحية: أدب الأوبئة، وباء كورونا، أدب الكوارث،العالم في كبسولة، الزهرة رميج.
Abstract
Psychology and environmental psychology are interested in studying the relationship between humans and their environment. Epidemics are among the most important factors in this relationship. Their emergence contributes to the detection of the factors that cause them, of which the unbalanced relationship between humans and their environment is part, which obliges them to return to their lap and make it a tool for physical and psychological stability.
This study aims to highlight the literature of epidemics, through the diary of the Moroccan author « Zahra ramij »: « the world in capsule, which monitored what humanity experienced during the coronavirus field, especially social psychological and environmental.
Keywords: Epidemic literature, Corona epidemic, disaster literature, the world in a capsule, Zahra Ramij
تتمة
- الجانب البيئي:
- الوباء والبيئة الفيزيقية:
لاشك أن البشرية على الرغم مما وصلت إليه من تقدم، تجني ثمار ما صنعته بها بعض العقليات الجشعة من تدمير ممنهج للبيئة، الأمر الذي كان السبب وراء ما يحصل في العالم من كوارث طبيعية، وظهور أمراض جديدة، ومنها وباء كورونا الفتاك. ومع غياب ما يسمى ب"أخلاقيات البيئة"، والذي يعتبر مظهرا من مظاهر الوعي البيئي، صار لزاما على الكتاب والأدباء- باعتبارهم -يجسدون هذا الوعي في كتاباتهم- أن يتفاعلوا مع البيئة بوصفها كائنا حيا بكل حيواتها وجمادها، بحيث يصير المبدع "جزءا من تلك البيئة لا مشاهدا أو واصفا لها. إنها علاقة ما بين الأدب، والبيئة الطبيعية، بحيث نلمح الوعي البيئي والخيال البيئي في النص."[1]وهذا ما يتضح لنا من خلال هذه اليوميات، إذ تحضر البيئة بقوة فيها، في علاقة واضحة مع الأحداث، إذ تحمل الكاتبة المسؤولية للإنسان في كل ما وقع لها من مظاهر تلوث وإهمال، ليدق الوباء ناقوس الخطر، لعل العلاقة بين البشر وبيئتهم تعود إلى توازنها، فيتحقق التصالح بينهما، تقول الكاتبة: " لاشك أن أمنا الأرض تتقدم بالشكر والامتنان لجائحة كورونا التي أوقفت حركة السيارات والطائرات والمعامل وكل نفاثات السموم التي تسببت في الثقب الأسود وفي التقلبات الجوية والكوارث الطبيعية الخطيرة من زلازل وفيضانات وتسوناميات وحرائق الغابات التي تعاني منها بسبب جشع الإنسان ونزعته التدميرية والاستغلالية."[2]
لقد كشف الحجر الصحي عن أن العلاقة بين الإنسان والبيئة هي علاقة مختلة، وأنها يجب أن تعود إلى توازنها، فكان بمثابة العامل المساعد لها كي تعود إلى طبيعتها، تقول الكاتبة: " وأنا أتنفس، انتبهت إلى نقاء الهواء وغياب رائحة البنزين التي تمتزج به عادة، والتي وصلت درجة لم أعد معها قادرة على تحملها. لم أدرك فظاعة تلوث هواء مدينة الدار البيضاء إلا عندما ابتعدت عنها مدة شهر كامل قضيته في مدينة مراكش حيث تفرغت لإنهاء كتابة رواية "قاعة الانتظار"، وعندما عدت إلى الدار البيضاء، أصبت بصدمة كبيرة، إذ لم أتحمل درجة تلوث الهواء فيها. فهمت آنذاك، أن هذا التلوث كان دائما موجودا، وأني فقط كنت متعودة عليه، ولم أدرك فظاعته إلا عندما تنظفت رئتاي منه بهواء مراكش النقي. هذا التلوث الخطير أصابني بالعزوف عن التنقل وسط المدينة التي تعرف حركة جهنمية للسيارات. منذ سنوات والمدينة تسبح في هواء ملوث، وها هي تتخلص منه في ظرف وجيز لم يتجاوز تسعة أيام من الحجر الصحي."[3]
يثبت الشاهد أعلاه بما لا يدع مجالا للشك أن الكاتبة، وغيرها من الناس، قد يعتادون لفترات معينة العيش في بيئة ملوثة، فيتعايشون مع ذلك الخطر، وهذا الموضوع هو مثار دراسات عديدة من طرف علماء النفس البيئيين؛ ذلك أنهم أصبحوا "مهتمين بالوقوف على الأسباب التي تجعل البشر يتجاهلون الأخطار التي يواجهونها في بيئتهم، ولماذا يفضلون الاستجابة للمخاطر بعد حدوثها بدلا من اتخاذ خطوات إيجابية لتجنبها في المقام الأول؟ ولماذا يفشل الناس باتساق في إدراك التهديد ويعتقدون أنه لن يؤثر فيهم؟،"[4] لكن الموقف قد يختلف مع الفئة التي تمتلك وعيا عميقا، وقدرة على عدم الاستجابة لتلك المخاطر التي قد تهدد البيئة. ومن هنا فإن ظرفية الجائحة، ومساهمة الحجر الصحي في استعادة الطبيعة لجزء من توازنها، أعادا إلى ذهن الكاتبة ذاك الحدث الذي سردته سابقا، فاستعادت معه مشاعر الانزعاج الذي كانت تشعر به وهي تعيش وسط مدينة ملوثة كالدار البيضاء، وكيف أنها كادت أن تتعايش مع تلك الأجواء الملوثة، لولا تلك الزيارة التي قامت بها لمدينة مراكش، التي أعادت لها استقرارها النفسي، وحسنت مزاجها، فلم تعد تطيق بعدها التعامل بشكل عاد مع مظاهر التلوث بمدينتها.
ويبدو أن الرابطة التي تربط المبدعة بالبيئة هي رابطة تكشف عن انصهار كلي معها، انصهار تغيب معه جميع مظاهر القلق والحزن اللذين خيما عليها أثناء الجائحة، فقد اتخذت من الطبيعة ملجأ لها لتحقيق الصفاء الروحي، والتخلص من أدران الأخبار السيئة:" اخترت الانتظار في الحديقة. كانت السماء صافية هذا الصباح والجو يعطي الانطباع بفصل الربيع، فانتابني إحساس جميل بالراحة النفسية وأنا أتأمل أرضية الحديقة الخضراء وأشجارها الظليلة"[5]، وتقول أيضا في معرض تأملها لزوج حمام: " كما جعلت منها وسيلتها لمحاربة المرض: " هذا الصباح، بدأت تطبيق برنامج التعرض للشمس، ذلك أن كل الخبراء يتحدثون عن دور فيتامين د في تقوية المناعة والحماية من فيروس كورونا، وأهم مصدر آمن لهذا الفيتامين هو أشعة الشمس التي لا تتطلب إجراء تحاليل الدم لمعرفة الجرعات المطلوبة."[6]
إن العبء النفسي الذي أحدثته الجائحة في نفسية الكاتبة وباقي أفراد المجتمع كان مرتفعا جدا، ومن المعلوم أن " الضغوط البيئية تحدث عندما لا تتلاءم المتطلبات التي تفرضها البيئة على البشر مع قدرتهم على مواجهتها،"[7] لكن علاقة المبدعة بالبيئة، مكنتها من مجابهة تلك الضغوط، عن طريق العودة إلى مكونات الطبيعة الحية، والتأمل فيها: " بعيدا عن الأفكار المنغصة، لاحظت بالأمس عودة الحمامة الأرملة مع رفيق جديد! بقي الزوجان يقفزان من نبتة إلى أخرى، يلتهمان أوراقها تارة، ويلاعبان بعضهما تارة أخرى... تساءلت إن كانت الحمامة الأرملة نسيت حبيبها الأول بعد قرابة الشهر الذي ظلت تأتي فيه وحدها لتحط فوق شرفتي .... ألا تتذكر حبيبها الأول وحياتها معه وألاعيبهما معا في نفس هذا المكان قبل أن تتخذ حبيبا جديدا؟ ولكن هل يحزن الحمام حزن الإنسان؟ وهل له ذاكرة شقية تنغص عليه حياته؟... وأنا غارقة في التفكير، رأيت زوجا آخر من الحمام ينضم إليهما.... قضيت وقتا ممتعا وأنا أتأمل هذه الحمائم، وأستمتع برؤيتها وهي تنعم بحياة الحب والحرية غير آبهة بفيروس كورونا وقيود كورونا ومخاوف كورونا."[8]
يؤكد المقطع السابق على أن" الخاصية الانفعالية الوجدانية للبيئة هي الجزء الأكثر أهمية في علاقة الفرد بهذه البيئة، لأن الخاصية الوجدانية للبيئة هي العامل الأول في تحديد الحالة المزاجية والذكريات المرتبطة بالمكان، والذي يمكن أن يؤثر في صحة الفرد ورفاهيته،"[9] وهذا واضح من خلال المشاعر التي عبرت عنها الكاتبة، إذ أن مشهد زوج الحمائم الأول، حرك لديها مشاعر دفينة، ورج الذاكرة لديها، خاصة وأنها تعاني من الفقد، فقد الزوج والرفيق، فكان ذاك المشهد بمثابة المثير له، وهي التي ظلت وفية لذكرى زوجها على الرغم من وفاته المبكرة.
ولا شك أنه في فترة الحجر الصحي، كانت الطبيعة ملاذ الكاتبة ووسيلتها لمقاومة مشاعر اليأس والإحباط، فقد خصصت فضاء شرفتها لتأمل المناظر الطبيعية التي تمنحها السكينة والشعور بالاستمتاع في ظل القيود التي فرضها الحجر الصحي: " هذا الصباح، أغراني دفء الجو وزرقة السماء الصافية بقضاء بعض الوقت في الشرفة والاستمتاع بأشعة الشمس التي تغمرها، وتأمل الحمام الذي ما عاد يطير كلما اقتربت منه، ولا يخاف من معاقبتي له على التهام وريقات الشجيرة المحببة إليه، وتعرية أغصانها. وبما أن الشرفة في زمن الحجر هي نافذتي الوحيدة التي أطل منها على العالم الخارجي المحيط بي، فقد رحت أتأمل الحركة الدؤوبة للمارة هذا اليوم".[10]
يبدو إذن أن مزاج الكاتبة يتسم بالهدوء والصفاء من خلال المتواليات السردية الني يشتمل عليها المقطع؛ إذ أن الجو الدافئ وزرقة السماء ولدا لديها شعورا بالاستمتاع، ورغبة في التأمل، وهو ما عبرت عنه بتوظيفها للدوال: ( أغراني، الاستمتاع، تأمل الحمام، رحت أتأمل)، كما أن توظيف الكاتبة للألوان يشي بارتفاع معنوياتها، واستقرار حالتها المزاجية، وقد ساهم في هذا الاستقرار أيضا صفاء السماء، وأشعة الشمس التي غمرت الغرفة، فمن المعروف أن "ضوء الشمس يمكن أن يساعد في خفض مشاعر الخمول والاكتئاب. وفي الحقيقة، فقد أوضحت البحوث أن ضوء الشمس بالإضافة إلى الإضاءة الصناعية الساطعة لهما آثار مضادة للاكتئاب على الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات اكتئابية،"[11] ولا يمكن لأي أحد أن ينفي نوعية المشاعر التي تهيمن على النفس البشرية في فترات الكوارث والجوائح، ومدى الحزن الذي قد يدمر القلب، وهو ما يستدعي في علم النفس البيئي البحث عما يمكنه أن يخفف الألم، ولذا فإن الشرفة كانت ضالة المبدعة في هذا التطهير النفسي، إذ يبدو وكأنها تتفاعل وتتحاور مع مكونات البيئة الموجودة بها، فيولد بينهما إحساس متبادل، ويظهر ذلك جليا في كون الحمام صار لا يهاب الكاتبة، ولا يطير إذا اقتربت منه، بل صار يسكن إليها ويستأنس بها.
وعموما، يمكن القول إن المبدعة قد استطاعت على الرغم من فظاعة الوباء، أن تجدد علاقتها بالبيئة الطبيعية من حولها، لا سيما وأنها تحمل في ذاكرتها صورا عنها منذ فترات طفولتها المبكرة، وفي هذا الصدد تقول: " منذ طفولتي المبكرة، ارتبطت بعلاقة قوية مع الطيور، ولكني لم أدرك ذلك إلا مع الكتابة، فقد وجدتني أوظف العصفور كرمز للحرية والانطلاق، وكتبت قصة بعنوان "أنا العصفور" نشرت في مجموعتي القصصية الأولى "أنين الماء" يدور فيها حوار بين الشخصية وعصفور حط فوق شرفتها وراح يواسيها،"[12] كما أنها جعلت منها- أي الطبيعة- عاملا مساعدا لها من أجل تجاوز ضغوط الوباء النفسية: " أعتقد أن مزاجي الرائق بالأمس هو ما جعلني أبتعد عن مطاردة أخبار كورونا، وأفكر في العناية بنباتات الشرفة. تأسفت للحالة التي آلت إليها. بدت وكأنها تعاتبني على إهمالي لها طيلة الأشهر الماضية ... تخيلتها تقدم الشكر لفيروس كورونا الذي اضطرني إلى القيام بالأعمال المنزلية في غياب مساعدتي، وبتنظيف الشرفة، فجعلني أدرك الخسارة التي حلت بها وحلت بي، بعدما فقدت كل النباتات المزهرة التي كانت تجعل من الشرفة في فصل الربيع حديقة تفرح القلب، وتمتع العين بألوانها الزاهية، وتستقطب الفراشات والعصافير الصغيرة التي تحط فوقها، والتي كانت تجعلني أسافر في الماضي، وأعيش لحظات طفولتي السعيدة في البادية."[13]
وخلاصة القول فإن علاقة الزهرة رميج بالبيئة المحيطة بها في يومياتها لا تروم الاستئناس، أو التسلية والمتعة فقط، لكن الرابط الذي يربط المبدعة بتلك البيئة حولها هو رابط شخصي، بخلفيات تاريخية، فالإنسان ابن بيئته، ولا يمكنه التنصل منها، والكاتبة تعتبر ابنة البادية، ذلك الفضاء الذي لا زال متجذرا في ذاكرتها، كثيف الحضور في أعمالها الإبداعية، ومنها هذه اليوميات.
- الوباء والبيئة الاجتماعية:
تبدو صورة المجتمع في ظل الوباء قاتمة، تهيمن عليها المخاوف، وتستشري فيها الشكوك حول مستقبل مجهول للإنسانية. وفي ظل هذه الأزمة، برزت إلى السطح أوبئة من نوع آخر، لأن حضور الجائحة واستمرارها لمدة من الزمن، ساهما في تعرية العديد من بؤر الفساد المجتمعية، فبدت البيئة الاجتماعية تعاني المرض كمثيلتها الطبيعية، فانتشرت مظاهر تلوث خاصة، عنوانها الأنانية والفردانية حينا، والجهل واندثار القيم أحيانا أخرى. لقد رصدت يوميات الكاتبة الزهرة رميج هذه الاختلالات الاجتماعية، معبرة عن ذهولها وصدمتها، لا سيما وأن هذه الأنانية لم تطغ على المجتمع المغربي فقط، بل كانت سلوكا عالميا. تقول الكاتبة: " هذا اليوم، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورا عن الهستيريا التي اجتاحت المغاربة وخاصة منهم سكان مدينة الدار البيضاء بعد إعلان السلطات عن توقيف الدراسة وإلغاء جميع التظاهرات الرياضية والثقافية وتعليق الرحلات الجوية والبحرية مع العديد من الدول... صدمتني الصور والفيديوهات المتداولة عن الزحام والفوضى والهرج والمرج الذي عرفته معظم المتاجر الكبرى والأسواق الممتازة في المدن الكبيرة على وجه الخصوص، والإقبال المنقطع النظير على اقتناء المواد الغذائية الأساسية ومواد التنظيف تحسبا لتداعيات فيروس"كورونا" المستجد في الأيام المقبلة، وهالتني درجة الأنانية التي أصبح عليها المواطن المغربي، فقد أظهرت الصور والفيديوهات خلو رفوف المتاجر الكبرى من السلع، وكـأن قوم "هاجوج وماجوج" هجموا علينا."[14]
من خلال المقطع السابق، يتبين أن الخطاب ينحو منحى نقديا لظاهرة اجتماعية لم تكن معهودة لدى المغاربة، وهي ظاهرة الأنانية وحب الذات، لذا فإن الدوال المعبرة عن ذلك تعبر عن الصدمة: ( صدمتني، هالتني)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأصل في سلوك المغاربة هو التحلي بالتضامن والإيثار، وأن ما طرأ على المجتمع من أنانية مرده تحولات عميقة في القيم، حيث إن الكاتبة تعلق على هذا التحول بقولها: " هالتني درجة الأنانية الني أصبح عليها المواطن المغربي"، إذ إن استعمال الفعل "أصبح" هنا يرمز إلى ذلك التغيير الطارئ على قيم المجتمع. وهنا يمكن الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، يؤكد عليها علماء النفس البيئيون، وهي أن البيئة المحيطة بالإنسان قد تؤثر عليه، ويقصد بالبيئة المحيطة " الجوانب غير المرئية مثل الصوت والحرارة والرياح والإضاءة، هذه العوامل ملامح ثابتة للحياة اليومية في البيئة والتي يمكن ألا ندركها شعوريا. وعلى الرغم من أن البيئة المحيطة قد تمر بنا دون أن نلاحظها، فإن لها تأثيرا عميقا على كل شيء نفعله، فأحوالنا المزاجية، وأداؤنا للعمل أو حتى صحتنا الجسمية تتأثر بالمدخل الحسي الذي نتلقاه بشكل متسق من البيئة المحيطة."[15] ونظرا لهذه الاعتبارات، فإن سلوك المغاربة أثناء الحجر الصحي قد تعرض لاستجابات انفعالية، مردها القرار الذي أصدرته الحكومة بالتزام المنازل وعدم مغادرتها، وهذا ما انعكس على نفسياتهم، فصارت سلوكياتهم استجابة طبيعية للخوف والذعر والهلع الذي أصابهم.
وفي السياق نفسه تنتقد الكاتبة في يومياتها مظاهر الاستهتار بالمرض، والتعامل معه بنوع من انعدام المسؤولية والالتزام، وهي آفة أخرى من الآفات الاجتماعية، وتستدل على ذلك بقصة أستاذ متقاعد توفي جراء الوباء، بعد أن ظهرت عليه الأعراض فلم يعبأ بها بتصريح من التقاه قبل وفاته: " قضيت هذا اليوم في الاتصالات الهاتفية بأفراد عائلة المرحوم وأفراد عائلة زوجي أعزيهم واحدا واحدا. أخبرني أحدهم أنه التقاه في الشارع، وعندما صافحه أحس بحرارة شديدة كما لو أن تيارا كهربائيا صعقه. ورغم ارتفاع حرارته وإصابته بالسعال، بقي يواظب على الخروج إلى المقهى كل يوم، كعادته. تساءلت باستغراب:" كيف لم يشك لحظة في أنه مصاب بكورونا؟ ولماذا لم يقم بإجراء التحاليل؟ هل خوفا من احتجازه في المستشفى ومن تلك المعاناة التي نسمع عنها، خاصة وأنه تجاوز الخامسة والستين؟ أم لأنه لم يكن يؤمن بكورونا كما هو شأن الكثير من الناس بمن فيهم المتعلمون والمثقفون؟ الظاهر أنه لا يؤمن بخطورة كورونا، إذ كيف يتصافح مع الآخرين بالأيدي في عز انتشار الوباء؟ والغريب أن من صافحه أيضا ينتمي إلى النخبة المتنورة. لذلك بدا لي موته عبثيا."[16]
تعتبر الكاتبة إذن، السلوك الذي قام به ذلك الشخص سلوكا عبثيا، مستشهدة على ذلك بالتصرفات التي قام بها، والتي تدل على أنه تعامل مع الوباء باستخفاف، ولهذا فإنها تستنكر مثل هذه السلوكيات المشينة، خاصة إذا صدرت من الفئة المثقفة، وقد عبرت عن هذا الاستنكار بلجوئها إلى الأسلوب الإنشائي، حيث ضمنت الشاهد أعلاه كما من التساؤلات التي تهدف إلى انتقاد ذلك السلوك: ( كيف لم يشك؟، كيف يتصافح مع الآخرين؟، لماذا لم يقم بإجراء التحاليل؟، هل خوفا من احتجازه؟...).
ولم يقتصر تفشي وباء الاستهتار على فئة الكهول، بل إنه امتد أيضا إلى فئة الشباب، وقد وصفت الكاتبة هذا السلوك أيضا، منتقدة السلطات التي لم تعد تعير الأمر أي اهتمام:"ألقيت نظرة على الشارع، صدمت بما رأيت، مجموعة من الشباب تتكون من سبعة أشخاص- نعم، سبعة أشخاص إذ حرصت على عدهم- يتحدثون مع بعضهم دون ترك مسافة التباعد الجسدي بينهم.... مجموعة بهذا العدد في زمن كورونا أليس الأمر مدعاة للاستغراب؟.... طال لقاء الشباب، وطال وقوفي في الشرفة ومتابعتي لهم، لكني بقيت مشدوهة إلى المشهد علني أرى إحدى دوريات الشرطة أو أحد المسؤولين أو احد المارة ينهر هؤلاء الشبان المستهترين أو على الأقل يقدم لهم النصيحة. لكن لا شيء من ذلك حدث."[17]
من الملاحظ إذن، أن الكاتبة في يومياتها قد نقلت للقارئ بدقة مختلف الأعطاب التي لحقت المجتمع في فترة الجائحة، حيث إنها تحاول أن تمرر خطابا قيميا مفاده عدم الانقياد للأهواء، وعدم الاستسلام للظروف واتخاذها ذريعة للتخلي عن القيم. فالوبائية إذن صارت مضاعفة، ولم يقتصر الأمر على وباء جسدي، بل إنه لحق هيكل المجتمع، الذي استشرت فيه أوبئة من نوع خاص. وإذا كان الطب قد وجد لقاحا لفيروس كورونا ممثلا في اللقاح، على الرغم مما قيل حوله، فإن الأوبئة الاجتماعية من الصعب معالجتها.
سلطت الكاتبة أيضا الضوء في يومياتها الكورونية على عدة أوبئة مجتمعية أخرى، وتناولت قضايا سياسية ودينية واقتصادية، تحدثت من خلالها وكعادتها في جميع أعمالها الإبداعية بكل صراحة عما لاحظته في المجتمع المغربي والعربي في فترة الجائحة، ناقلة بدقة كل الأحداث التي عايشتها لحظة بلحظة، خاصة وأن فن اليوميات هو شهادتها على العصر، إذ أنها مزجت فيه بين الواقعية المحضة، والتخييل أحيانا من خلال التشبيهات والاستعارات التي كانت تستعين بها في سردها لبعض الوقائع، وفي تقريبها الصورة للمتلقي.
خاتمة:
لقد وثقت يوميات المبدعة "الزهرة رميج" للحظات عصيبة عاشتها الإنسانية في فترة الوباء، حيث سكنت الأرض وأرخت السمع لصوت الطبيعة المستنزفة من قبل الإنسان، والذي تجسد على شكل وباء فتاك وقف الطب عاجزا أمام إيجاد دواء له، فجاءت يومياتها صادقة ومعبرة عن لحظات من الحزن والألم، وأوقات من الرعب والذعر، كابدها الإنسان قبل الخروج من هذه الضائقة، لحظات فسحت المجال أمامها للوقوف والإنصات إلى نبض المجتمع، وكذا الاستماع لصوت الطبيعة، والتصالح معها. وبقدر ما كان الوباء فتاكا بالنسبة للإنسان، فقد نزل بردا وسلاما على الطبيعة التي حظيت بقسط من الراحة، وتنفست الصعداء، بعد أن عانت لسنوات من استنزاف البشر لها.
إن المبدعة في يومياتها صورت جوانب كثيرة مصاحبة لأحداث الجائحة، فسلطت الضوء على قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية، كما أرخت العنان لذاكرتها لاستعادة ذكريات من الماضي الجميل، فكانت فترة الحجر الصحي فرصة ثمينة أمامها للإنصات إلى قلمها الذي جاد عليها لأول مرة بهذه اليوميات المسجلة لتاريخ وباء غير العالم بأكمله.
قائمة المصادر والمراجع:
- الزهرة رميج، العالم في كبسولة، دار فضاءات، عمان، الطبعة الأولى، 2022.
- عبد الحق بلعابد، عتبات، (جيرار جينيت من النص إلى المناص)، تقديم سعيد يقطين، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الطبعة الأولى، 2008.
- فرانسيس ت. ماك أندرو، علم النفس البيئي، ترجمة عبد اللطيف محمد خليفة، جامعة سيد يوسف، مطبوعات جامعة الكويت، الطبعة الأولى، 1998.
- محمد ابو الفضل بدران، أهمية النقد البيئي في الدراسات النقدية، أعمال المؤتمر الدولي الرابع للغة العربية.
المجلات:
- حميد الموساوي، خطاب الوباء في الأدب والإعلام، دراسة لسانية اجتماعية، (الإعلام المغربي أنموذجا)، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قطر.
- هناء عابدين عبد الله، سيمياء اللون في شعر أمل دنقل، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج.
المجلات الإلكترونية:
- كمال الرياحي، فن اليوميات، كتابة التجارب الفارقة، مجلة رصيف الالكترونية، www.raseef22.net.
هوامش البحث /تتمة
[1] محمد أبو الفضل بدران، أهمية النقد البيئي في الدراسات النقدية، أعمال المؤتمر الدولي الرابع للغة العربية، ص196، بتصرف.
[2] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص29.
[3] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 28، 29.
[4] فرانسيس ت. ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص148.
[5] نفسه، ص134.
[6] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص28.
[7] فرانسيس ت.ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص139.
[8] العالم في كبسولة، ص 164-165، بتصرف..
[9] علم النفس البيئي، ص98.
[10] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص249.
[11] فرانسيس ت.ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص112.
[12] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص26.
[13] نفسه، ص 25.
[14] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 17، 18.
[15] فرانسيس ت. ماك أندرو، علم النفس البيئي، ص97.
[16] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 167.
[17] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 30،31، بتصرف.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241203%2Fob_d26121_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241203%2Fob_b2f7cb_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)