جائحة كورونا بين علم النفس الاجتماعي وعلم النفس البيئي
دراسة في يوميات: " العالم في كبسولة" للكاتبة المغربية الزهرة رميج
دة. سناء حربول
دراسة محكمة
الملخص:
يهتم علم النفس وعلم النفس البيئي بدراسة العلاقة التي تجمع بين البشر وبيئتهم، وتعد الأوبئة من بين أهم العوامل التي تؤثر على هذه العلاقة، حيث يسهم ظهورها في الكشف عن غياب التوازن بين الطرفين، مما يحتم على الإنسان العودة إلى حضن بيئته، وجعلها أداة لتحقيق الاستقرار الجسدي والنفسي.
تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على أدب الأوبئة، من خلال يوميات الكاتبة المغربية " الزهرة رميج": " العالم في كبسولة"، والتي رصدت ما عاشته البشرية إبان جائحة كورونا، وتأثيراتها البالغة على شتى المجالات، خاصة منها الاجتماعية، والنفسية، والبيئية.
الكلمات المفتاحية: أدب الأوبئة، وباء كورونا، أدب الكوارث،العالم في كبسولة، الزهرة رميج.
Abstract
Psychology and environmental psychology are interested in studying the relationship between humans and their environment. Epidemics are among the most important factors in this relationship. Their emergence contributes to the detection of the factors that cause them, of which the unbalanced relationship between humans and their environment is part, which obliges them to return to their lap and make it a tool for physical and psychological stability.
This study aims to highlight the literature of epidemics, through the diary of the Moroccan author « Zahra ramij »: « the world in capsule, which monitored what humanity experienced during the coronavirus
field, especially social psychological and environmental.
Keywords: Epidemic literature, Corona epidemic, disaster literature, the world in acapsu le, Zahra Ramij.
مقدمة:
ألقت جائحة كورونا بظلالها على العالم، فتوقف نبضه، وعانق الموت لفترة طويلة تكاد تحسبها دهرا، من خلال الحجر الصحي الشامل، الذي حول البشر جميعا إلى كائنات لا حول لها ولا قوة، فرض عليها أن تلزم منازلها وتترقب الموت. هذا الفيروس الجديد، كان أصعب تجربة عاشتها البشرية، تأثر لها الحجر والشجر... احتبست الأنفاس رعبا وهلعا، ثم كابدت حزنا وألما على فراق من تحب... لم تحمل النعوش على الأكتاف، ولم تقم المآتم، بل ودع المصابون العالم في صمت، كأنهم منبوذون، تاركين وراءهم أفواها مشدوهة، وقلوبا مكلومة.
وفي ظل الوباء وبعده، تبارت أقلام الأدباء إلى وصف هذا الخطب الجلل، وأيديهم تخط الألم، وتعانق الحزن، فحاملو تلك الأقلام، هم أرهف الناس شعورا، وأكثرهم تأثرا بما يقع حولهم.
لقد وجدت على مر التاريخ العديد من "الكتابات التي عالجت تجليات الأمراض والأوبئة والجوائح التي عرفها الإنسان عبر مختلف العصور، على غرار قصيدة "الكوليرا" لنازك الملائكة"، ورواية "الطاعون" لألبير كامو، وتضاف إليها رواية " الحب في زمن الكوليرا" للكاتب الصحافي والسينمائي غابرييل غارسيا ماركيز (( Gabriel garcia marquez التي تستمد قوتها الإبداعية والتصويرية من المشاهد البانورامية والميتولوجية التي تجسد المأساة الإنسانية النفسية، والأسرية، والصحية، التي حاقت بولايات ساحل الكارايبي، فأحدثت تحولا واضحا في العلاقات الاجتماعية والعاطفية."[1]
وفي ظل وباء كورونا، برز إلى الأفق من جديد موضوع " أدب الكوارث"، ممثلا في أدب الجائحة، فالكوارث الإنسانية كثيرة ومتعددة، ولا تقتصر فقط على ما هو طبيعي، كالزلازل والبراكين، فقد تشاركت الإنسانية الوباء، والتهبت بسعيره من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها، حيث تساوى في ذلك الغني والفقير، ورب العمل والأجير، الأبيض والأسود، المرأة والرجل..... فكان لزاما أن يوثق الأدب لهذه المشاهد الإنسانية، ويعري المسكوت عنه فيها، معبرا عن أسئلة وجودية ملحة، مفادها أن الإنسان بكل ما أوتي من قوة مادية جبارة، لا يزال تحت رحمة الطبيعة، وأنه لم ينتصر عليها بالشكل الكامل، بل ربما هو من يسهم في غضبها وهيجانها، فتصير ضده بعد أن كانت مسخرة له.
لقد أحدثت جائحة كورونا تغييرا كبيرا في خارطة الإنسانية، فتغيرت ملامح العالم على شتى الأصعدة. وبما أن الأدب يعتبر مرآة للمجتمع، فلا شك أنه واكب كل تلك التحولات، فالأديب هو الإنسان الواعي بقضايا الأمة، وكأنه " خلق ليواجه محن الحياة واختباراتها، خلق لكي يكتب عن الناس والمجتمع، وهو الإنسان الموهوب، والمثقف الذي خبر الحياة، وعاش الحزن والفرح، وعاين الأمن والخوف في أعين الناس".
إذا كان ألبير كامو albert camus في رواية الطاعون، قد صور ما عاشته شوارع وأزقة وهران عند استفحال الوباء، بأسلوب أقرب إلى الكتابة الأوتوبيوغرافية، على الرغم من تصنيف العمل ضمن جنس الرواية، فإن الزهرة رميج اختارت أن تكتب عن جائحة كورونا بعيدا عن التخييل الروائي، حيث ولجت جنسا أدبيا جديدا بالنسبة إليها، وهو "جنس اليوميات".
لم تشكل اليوميات بالنسبة للزهرة رميج أسلوب كتابة، فقد أنتجت على مدى سنوات، عدة أعمال قصصية وأخرى روائية، لكنها لم تخض مغامرة الكتابة في هذا الجنس التعبيري إلا في فترة الجائحة، وهي تقول في توطئة اليوميات: " الكتابة أبت إلا أن تفاجئني، وتفتح أمامي بابا جديدا لم أطرقه من قبل، فجعلتني أكتب لأول مرة في مسيرتي الإبداعية في جنس اليوميات. ولولا جائحة كورونا ما فكرت قط في كتابة هذا النوع السردي الذي لم يكن يغريني من قبل"[2]. فإذا اعتبرنا أن اليوميات نوعان، حيث يختار الأديب في النوع الأول أن يتخذ من الكتابة اليومية "أسلوب حياة، فتصبح ممارستها شيئا ملزما في حياته، لا ينقطع عنه إلا ليعود إليه، وهذا ما نجده عند عدد من الكتاب، شكلت اليوميات وجها من وجوه هويتهم الإبداعية، ونمثل لهؤلاء بالكاتبة الفرنسية الأمريكية أنييس نن، التي قضت حياتها كلها تكتب اليوميات"،[3] فقد كتبتها في مدة ناهزت الستين عاما ، فإن يوميات المبدعة الزهرة رميج لا تنتمي إلى هذا الصنف، وإنما إلى الصنف الثاني، وهو ما يمكن أن نطلق عليه:" اليوميات الطارئة" "على الحياة، وعلى المشروع الأدبي أو الفني، حيث تنطلق من تجربة مخصوصة... تجربة فارقة مثلت تحولا في حياتها،"[4] وفي حياة العالم ككل. فكانت هذه التجربة الإبداعية بمثابة شهادة تقدمها إلى الأجيال اللاحقة، كما أشارت إلى ذلك في عتبة الإهداء، فتؤرخ للحظات مفصلية عصيبة في تاريخ الكرة الأرضية، وحدت الجميع، وذكرت الإنسان بإنسانيته ومصيره المشترك.
لقد غاصت المبدعة "الزهرة رميج" في قلب المجتمع في لحظات الأزمة، وانهيار موازين القوى الصحية والجسدية والنفسية، والبيئية، ثم أعادت تشكيل الصورة وفق منظورها الخاص، راصدة مختلف التحولات التي طرأت على المجتمع المغربي إبان الجائحة، ومزيحة الستار عن بؤر الفساد داخل الوطن، والتي جعلت من الوباء أوبئة عديدة. لكننا اخترنا في هذا المقال أن نسلط الضوء على جوانب محددة من الوبائية في هذه اليوميات، ويتعلق الأمر بالجانب النفسي للشخصية الساردة، والشخصيات الأخرى، وعلاقة ذلك بالمحيط والبيئة، ذلك أن البيئة بجميع أنواعها، الفيزيقية والاجتماعية، قد شهدت تحولات عميقة إبان الوباء وبعده، كما أن تصنيف الجائحة ضمن المخاطر الطبيعية جعل منها " مصدر مشقة لأنها شديدة وغير متوقعة، وغير متكررة في حياة الفرد، وتسبب الخوف والقلق والانسحاب لدى الضحايا"[5].
الوبائية في الرواية:
- الجانب النفسي:
لاشك أن يوميات الوباء، هي يوميات مختلفة عن تلك التي يكتبها أصحابها في المواقف الحياتية العادية، ذلك لأنها محملة بمشاعر تحمل طاقة نفسية هائلة، إذ إن التواجد لحظة النكبات والأوبئة، ومعايشتها، يجعلان المبدع يرسل دفقات شعورية تتراوح ما بين الدهشة، والصدمة، والقلق، والحزن، والتشاؤم، والتشبث بالأمل. وإذا كانت أغلب الأعمال الإبداعية التي وثقت لفترات الجوائح والأوبئة، قد استعانت بعنصر التخييل الذي مكنها من التأثير بقوة في نفسية المتلقي – كالأعمال الروائية مثلا - إذ يتعاطف مع الشخصيات، ويندمج مع أحداث القصة، فإن التأثير في جنس اليوميات أبلغ، لأن هذا النوع الأدبي يعكس بكل صدق تجربة المبدع، وما يرافقها من انفعالات ومشاعر حقيقية، ينطلق في وصفها من ذاته، جاعلا من المتلقي أيضا طرفا مشاركا في الحدث، لأنه يعتبر جزءا منه، وهي انفعالات برزت في اليوميات على المستويين الخارجي، ممثلا في المناصات والعتبات، وعلى المستوى الداخلي من خلال الخطاب السردي، والتيمات المهيمنة على اليوميات.
- على مستوى العتبات:
- عتبة العنوان:
حسب ما جاء في كتاب "عتبات" لجيرار جينيت، فإن المهم في العنوان، هو سؤال الكيفية، أي كيف يمكننا قراءته كنص قابل للتحليل والتأويل يناص نصه الأصلي."[6] وبالنسبة لعنوان اليوميات: " العالم في كبسولة"، فالملاحظ أنه من الناحية البنائية جملة إسمية، تتكون من دوال تفتح أمام القارئ تأويلات متعددة، وتقوده إلى المتن، ذلك أن "العالم" يعتبر فضاء للحدث الرئيسي، وهو "الجائحة"، لكنه رمزيا مرتبط ب"كبسولة"، والكبسولة كلمة مترجمة عن الفرنسية، أصلها: capsule، وتطلق على نوع من أنواع العقاقير الطبية ذات الملمس والغلاف البلاستيكي.
يرتبط الدال(العنوان) بالمدلول (مضمون اليوميات)، من خلال المرجع الطبي (الكبسولة)، فيشير رمزا إلى أن العالم بأجمعه خاضع لنظام صحي معين، سيتبين من خلال الأحداث أنه التلقيح ضد الفيروس، فأفق انتظار المتلقي لن يخرق بأي مدلول بعيد عن الحقل الطبي، في جانبيه الجسدي والنفسي.
لقد اختارت المبدعة إذن، عنوانا يشعر بالضغط، والتوتر، والضيق، وتقييد الحرية الشخصية، ذلك أن فساحة العالم ورحابته، مناقضان للكبسولة، فلا يمكن لهذه الأخيرة أن تسعهما، لكونها تدل على الصغر، لذا فإن معادلة الرحابة مقابل الضيق، لها تأثير بالغ على نفسية القارئ الذي سيلج المتن وهو محمل بمشاعر مضطربة، يبحث لها عن تنفيس، وبسيناريوهات يبحث لها عن فهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حصر العالم برمته في كبسولة يعد نوعا من التحكم فيه وفي مصيره، ذلك أن بشاعة الجائحة، مكنت المتحكمين في النظام الصحي العالمي أن يدفعوا الشعوب نحو التلقيح، على الرغم من عدم تأكدهم من مضاعفاته الخطيرة، وهذا ما ستعبر عنه الكاتبة داخل المتن عندما استنكرت ما سمته ب"المؤامرة": "أحسست بالألم، بل بالقهر الذي ما بعده قهر، كيف يتواطأ الصيادلة في كل مكان مع شركات الدواء و يتآمرون على صحة المواطنين؟ وإذا كان من نعول عليهم في علاجنا من أمراضنا، يتخذون منا فئران تجارب، فإلى من نلجأ؟."[7]
- عتبة الصورة:
إن الصورة عتبة بصرية غالبا ما تكون مساعدة على تخمين ما بداخل المتن، وعلى الرغم من الوظيفة الإغرائية التي قد تقوم بها، لكونها قد لا تُختار في العديد من الأوقات من طرف المبدع ذاته، بل من قبل الناشر، لأغراض مادية استهلاكية، إلا أنه أحيانا قد تؤدي وظيفة وصفية أو إيحائية، تقرب المتلقي من إيجاد صلة الوصل بينها وبين المضمون، ناهيك عن الوظيفة التداولية في جلب الجمهور، وهذا ما ينطبق على الصورة المصاحبة لهذه اليوميات. أما عن الألوان المستعملة فيها فهي علامات إيقونية، " تدل على موضوعها من حيث أنها ترسمه أو تحاكيه، فالعلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة تشابه وتماثل،"[8] إذ تظهر على غلاف اليوميات صورة لكبسولة باللونين الأحمر والأزرق اللذين يعدان في علم الألوان من الألوان الأساسية، حيث يرمز الأزرق إلى الكرة الأرضية، إذ تظهر على سطحه مظاهر الحياة من أشجار ونباتات وطيور، في إشارة إلى البيئة السليمة، في حين يرمز اللون الأحمر إلى الخطر المحدق بكوكبنا، وأمام الكبسولة مشهد أناس يدخلونها ويخرجون منها وبيدهم معاول، مرتدين وزرات بيضاء كما يرتدي الأطباء، دلالة على المجهودات الجبارة التي قامت بها هذه الفئة في إنقاذ الكوكب من الفيروس اللعين، لإعادة الحياة إليه.
تؤدي العتبة البصرية كما نرى دورا هاما في وصف المشهد العام للعالم أثناء الوباء، مشهد عالم يتداعى من جراء المرض، على الرغم من المحاولات الحثيثة لإنقاذ الحياة بداخله. ومن الملاحظ أن الناشر انتقى من لوني الكبسولة اللون الأحمر لكتابة العنوان، وفي ذلك تلميج للخطر الذي يستشري في العالم وينتشر مثل النار في الهشيم، وأنه مهما حاولت المقاربة الطبية احتواءه، فإن ذلك غير مجد، لذا فإن الصورة من الجانب النفسي قد تكون مؤشرا على نظرة تشاؤمية للوضع القائم، ينتظر القارئ إيجاد ما يناقضها داخل المتن.
- عتبة الإهداء:
يسجل الإهداء حضوره في أي نص أدبي أو عمل إبداعي باعتباره جزءا من النص المحيط، وهو "تقليد عريق عرف على امتداد العصور الأدبية بأشكال مختلفة، من أرسطو إلى الآن، موطدا مواثيق المودة والاحترام والعرفان"[9] بين المهدي والمهدى إليه، ويؤدي وظائف عديدة منها ما هو دلالي، وما هو تداولي، فالأول يتعلق بالمعاني التي يحملها للمهدى إليه، أما الثاني فيرتكز بالأساس على تنشيط "الحركة التواصلية بين الكاتب وجمهوره الخاص والعام".[10]
لقد وجهت الكاتبة "الزهرة رميج" في يومياتها إهداءها إلى كل الأجيال القادمة، حيث تقول: " إلى الأجيال القادمة هذه الشهادة على جائحة فريدة حيرت العلماء، وعمت الكرة الأرضية قاطبة، وساوت بين الدول الغنية والفقيرة، وتركت جراحا لا تندمل في النفس البشرية. إلى أرواح ضحايا فيروس كورونا في كل مكان من "قريتنا الصغيرة."[11]
يبدو أن الكاتبة تحاول من خلال الإهداء أن تجعل المتلقي في صلب الخطاب التواصلي، وهو متلق من نوع خاص تمثله عبارة: " الأجيال القادمة"، باعتبارها فئة لم تشهد ما وقع أثناء الوباء، لذا فإن المبدعة تقربها من الحدث، بشهادتها الحية، ومصطلح "الشهادة "في حد ذاته يضفي نوعا من المصداقية على ما سيروى، لكونه يستند إلى مرجعية واقعية، لكن الإهداء لا يقتصر على هذه الفئة، وإنما وجه أيضا إلى أرواح ضحايا الوباء، في محاولة من الكاتبة لربط الحاضر بالمستقبل.
تحضر في الإهداء دوال تنتمي إلى الحقول السياسية، الاقتصادية: ( ساوت بين الدول الغنية والفقيرة)، والطبية: ( أرواح ضحايا فيروس كورونا)، والتي يظهر أنها شهدت تحولات عميقة تعبر عنها عدة ملفوظات من قبيل: (ساوت)، (تركت)،( عمت). لكن يبدو أن الجانب النفسي أكثر هيمنة على الخطاب، إذ أن القارئ يستشعر مدى ثقل الأمر على نفسية الكاتبة، من خلال عبارة: " تركت جراحا لا تندمل"، وعبارة: " في كل مكان"، مما يعني أن المصاب جلل، وأن مشاعر المبدعة تنزف دما بفعل ما حصل للعالم بأسره، لأن هذا العالم كما تقول هو قرية صغيرة، ومن ثم فإن الأجيال القادمة مرتبطة أشد الارتباط بما حصل، نظرا للروابط الإنسانية التي تجمعها بمن عايشوا هذه الجائحة.
- على مستوى الخطاب
بين خطاب التفاؤل والتشاؤم:
من المعلوم أن الزهرة رميج قد رصدت في مختلف أعمالها السردية مختلف أوجه المعاناة الإنسانية، بدءا بمعاناة الأشخاص داخل السجون في روايتيها: " أخاديد الأسوار"، و"الناجون"، ومعاناتهم من جراء المرض وغياب العناية الطبية في " قاعة الانتظار"، وكانت الذاتية في أغلب هذه المتون تتجلى للمتلقي واضحة على الرغم من أن المبدعة تحاول أن تغلف الأحداث برداء التخييل. لكن الأمر في هذه اليوميات يختلف، لأن الذات الساردة هي نفسها الكاتبة، فضلا عن أن الذات الفردية هنا تتماهى مع الذات الجمعية، نظرا لأن الجائحة ليست مجرد وباء أصاب الساردة فقط، بل هو جائحة أصابت الإنسانية جمعاء. وكدأب الكاتبة في أغلب أعمالها، يغلب الخطاب التفاؤلي على اليوميات، لكن مع هذه التجربة الفارقة، تجربة "الوباء"، قد يضعف ذاك الخطاب وينهار أمام ثقل الفاجعة، وفظاعة المشاهد، وانتشار مشاعر الخوف والهلع، وكذا مشاعر الحزن والألم على فراق الأحبة، فيتجاذب اليوميات خطابان؛ خطاب قوة وخطاب ضعف إنساني، تقول الكاتبة: " كم أنا سعيدة باكتشاف قدرتي العظيمة على الصبر والتحمل، وعلى الحفاظ على روح التفاؤل والأمل في ظل الظروف المأساوية التي عاشها العالم، وبكوني خرجت من سنة 2020 قوية بانتصاري على شهوات النفس ورغباتها. أليس الانتصار على النفس أكبر انتصار،"[12] وتقول أيضا: "ومثلما نتشبث بالأمل في انزياح غمة فيروس كورونا، نتشبث بالأمل في رؤية فلسطين حرة مستقلة."[13]
يبدو إذن أنه في خضم هذه الأزمة التي كانت كالحة، تظل الكاتبة متشبثة بروح الأمل، لعلها بذلك تشكل القدوة للأجيال اللاحقة: " بالأمس نشرت ولأول مرة، صورة تجمعني بولدي في عيد ميلادي مساهمة مني في حملة نشر الصور الإيجابية التي دعا إليها رواد الفيسبوك لبث روح التفاؤل والتشبث بالأمل في ظل هذه الظروف القاسية التي نمر بها جميعا حتى لا يجرفنا طوفان كورونا الأسود."[14]
في المقابل، يمكن القول إن "البيئة السيكولوجية أي النفسية هي تلك الأشياء المادية كما يراها وكما يدركها وكما يشعر بها الإنسان وكما يفسرها، وهو بذلك يضيف إليها من عنده معانيها وقيمتها ووظيفتها،"[15] لذا فمن الملاحظ أن اللغة التي تسلحت بها الكاتبة في تسجيل الوضع القائم، هي لغة أقرب إلى التفاؤل منها إلى التشاؤم، رغم قتامة الموقف. لكن الأمر لم يمنع تعبيرها عن مشاعر الحزن العميق تجاه ما يحصل، فهي لا ريب قد تأثرت بالبيئة التي عاشت فيها، وبالخطر المحدق بها، تقول في سياق تعبيرها عن تعاطفها مع صديقها الذي توفي والده: "حزنت لحزن صديقي، وتألمت وأنا أتخيل حال ذلك الأب وهو يعاني من تلك الآلام الرهيبة التي سمعت عنها من شهادات الكثيرين ممن أصيبوا بالفيروس، والتي لا يمكن وصفها،"[16] وهي لا تقف عند هذا الحد، بل تفتح المجال للتخييل حينما تتصور معاناته على فراش الموت إذ تقول: " تخيلته وهو يحتضر في سرير بارد... في غرفة باردة... ولا يد دافئة تشد على يده... ولا قبلة تطبع على جبينه... ولا دمعة تترقرق في أعين أحبته وهم يحيطون به... استحضرت تلك الحكايات التي كثيرا ما يتداولها أهل الميت، والتي تلتقي في كونه يظل يحتضر وينتظر حضور الغائب أو الغائبين من أبنائه، وما إن يراهم حتى يسلم الروح لباريها."[17]
لقد عايشت الكاتبة استفحال الوباء يوما بيوم، وعلى الرغم من محاولتها الحفاظ على قوتها ورباطة جأشها، لكن تطورات الوضع كانت أقوى منها، ومع تزايد عدد المرضى، وتضاعف أعداد الوفيات، صارت أكثر حساسية تجاه ما يحيط بها: " منذ فترة طويلة وأخبار الموت لا تتوقف سواء بفيروس كورونا أو بغيره، أو دون تحديد أسباب الوفاة، وقد اكتشفت مؤخرا أن العديد من الناس يصابون بالفيروس، ولا يعلنون عن إصابتهم به، ومنهم من ينشرون خبر إصابتهم بالفيروس بعد شفائهم منه بعدة أشهر، أي بعد أن يكون أثر الفيروس قد زال من أجسادهم."[18]
أثرت مشاهد الموت والمرض على نفسية الكاتبة مع الوقت، فانعكس ذلك كله على اللغة التي تسرد وتصف بها، لتأتي في مقاطع كثيرة محملة بدوال تشير إلى " الصدمة" و"الانهيار"، و"القلق" و"الإحباط"، فهي إنسانة قبل أن تكون كاتبة، ولا شك أن المحيط الاجتماعي والإنساني سيكون لهما أبلغ التأثير على نفسيتها، إذ تقول بعد مرور ما يناهز ثمانية أشهر على بداية انتشار الوباء: "بالأمس، رغم كوني لم أقم بأي مجهود عضلي، إلا أني شعرت بانحطاط جسدي...... كم هو مرهق الحديث المستمر عن الموت! الحزن لا يدمر النفس فحسب، بل يدمر الجسد أيضا."[19]
إن تقاسم الناس أرضا واحدة، وهموما واحدة، في بيئة مشتركة تظللهم جميعا، لا يمكن أن يسمح لمن يفكر بوعي، أن يظل محايدا، لأن ذلك سيكون ضربا من ضروب الأنانية، وفي هذا السياق تقول الكاتبة:" الكثيرون ينصحون بنسيان كورونا وعيش الحياة الطبيعية، ولكن هل يمكننا ذلك، ونحن نرى جيراننا وأقاربنا وأصدقاءنا يصابون بالمرض، ويعانون من آثاره، أو يروحون ضحيته؟ ونحن نسمع أخباره الكارثية في كل انحاء العالم؟"[20]
هوامش البحث
[1] - حميد الموساوي، خطاب الوباء في الأدب والإعلام، دراسة لسانية اجتماعية ( الإعلام المغربي أنموذجا)، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قطر، ص58.
[2] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، 2022، ص10.
[3] كمال الرياحي، فن اليوميات، كتابة التجارب الفارقة، مجلة رصيف الالكترونية، الزيارة يوم 22 غشت 2023.
[4] نفسه، بتصرف.
[5] فرانسيس ماك أندرو، علم النفس البيئي، ترجمة عبد اللطيف محمد خليفة، جمعة سيد يوسف، مطبوعات جامعة الكويت، الطبعة الأولى، 1998، ص147.
[6] عبد الحق بلعابد، عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص،)منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الطبعة الأولى، 2008، ص 67.
[7] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، دار فضاءات، عمان، الطبعة الأولى، 2022، ص175.
[8] هناء عابدين عبد الله، سيمياء اللون في شعر أمل دنقل، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج، العدد الثاني والأربعون، يناير 2017.
[9]عتبات جيرار جينيت ص94.
[10] عتبات جيرار جينيت، ص 99.
[11] الزهرة رميج، العالم في كبسولة،دار فضاءات، عمان، الطبعة الأولى، 2022، ص5.
[12] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص 11.
[13] نفسه، ص35.
[14] نفسه، ص38.
[15] فرانسيس ت ماك أندرو، علم النفس البيئي، ترجمة عبد اللطيف محمد، جمعة سيد يوسف، طبوعات جامعة الكويت، الطبعة الأولى، 1998، ص15.
[16] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص100.
[17] الزهرة رميج، العالم في كبسولة، ص101.
[18] نفسه، ص147.
[19] نفسه، ص170.
[20] نفسه، ص213.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241203%2Fob_24a49e_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241203%2Fob_ed37c1_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)