"قراءة في "الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول
الدكتور رضوان الخياطي
أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس
دراسة محكمة
موضوع مداخلتي قراءة في "الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول" للمفضل الكنوني. هذا المؤلف في أصله رسالة جامعية[1] أعدها الأستاذ للحصول على شهادة دكتوراه الدولة في اللغة العربية، وقد أنجزها خلال اشتغاله أستاذا باحثا، فالأطروحة ثمرة تجربة طويلة في التدريس والتأطير والبحث الأكاديمي، مما جعلها مرجعا أساسيا في مجال نقد النقد
ملخص
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول، من خلال تحليل مناهج الشُّراح المغاربة ومقارنتها بالمناهج المشرقية والأندلسية. يكشف الباحث عن الخصوصية المغربية في شرح المتون، ويبرز تطور المناهج في ظل بيئة ثقافية نشطة
ويعتمد المنهج على دراسة البنية النصية، وتقسيمها إلى وحدات صغيرة، مع التركيز على التفسير اللغوي، والجانب البلاغي، والسياق التاريخي. كما يوظف الباحث مفاهيم من جمالية التلقي لكشف دينامية العلاقة بين النص والقارئ، ويبرز مستوى التفاعل والمرونة لدى الشُّراح
وتُظهر المقارنة تنوع الحقول المعرفية الموظفة في الشروح (لغة، نحو، بلاغة، تاريخ…) بما يمنح قراءة موسوعية وتأويلاً متعدد المستويات. وتخلص الدراسة إلى تميّز المدرسة المغربية في الشرح، وتكامل خصائصها العلمية والجمالية
كلمات مفاتيح-لشروح الأدبية- العصر العلوي-جمالية التلقي-مقارنة المناهج-الخصوصية المغربية
Summary
This study focuses on literary commentaries in Morocco during the First ‘Alawi period, analyzing and comparing the methods used by Moroccan commentators with those of the Eastern and Andalusian traditions.
The researcher highlights the unique Moroccan approach to explicating poetic texts, based on structural segmentation, linguistic clarification, rhetorical analysis, and historical contextualization.
Drawing on concepts from Reception Aesthetics, the study emphasizes the interactive role of the reader and the interpretive flexibility of commentators.
Through comparative evaluation, the research reveals the diversity of knowledge fields applied in commentary (grammar, lexicon, rhetoric, history, logic), resulting in a multidisciplinary reading.
The conclusion underlines the distinct scientific and artistic character of the Moroccan school of commentary and its contribution to literary criticism.
Keywords -Literary commentary-Reception aesthetics- Interpretive methodology-Structural analysis-Moroccan scholarship.
:نقد النقد
تندرج الدراسة ضمن ما اصطلح عليه الناقد الفرنسي طزفيطان طودوروف ب"نقد النقد"[2]. يدرس الناقد نصوصا نقدية تشرح أعمالا إبداعية، وهي تنقسم إلى نوعين؛ نوع حظي بأكثر من شارح، وآخر تناولته بالدرس يد واحدة فقط.
في هذا المقال، سنقتصر على النوع الثاني، للسبب نفسه، ولكون الشروح في أصلها مخطوطات أخرجتها للنور يد الباحث، تحقيقا ودراسة. وتنقسم هذه النصوص بدورها إلى صنفين: صنف يشرح فيه الدارس قصيدة من إبداعه، وصنف يشرح فيه قصيدة من إنتاج شاعر آخر
يحمل كل صنف صورة قارئه، فالصنف الأول ذو طبيعة تعليمية، يقتصر الشارح فيه على التفسير اللغوي، وبيان المعنى العام للوحدة المشروحة. أما الآخر فذو طابع موسوعي واتجاه تثقيفي عام، يغلب عليه المنحى الذوقي والجمالي والتحليل النقدي، موجه لقارئ خاص من أعيان الفكر وأهل الاختصاص.
:الشاعر الشارح لقصيدته
اختار الباحث نصين يشرح فيهما كل شاعر قصيدة من إبداعه، وهذا النوع من النقد طريف ومغر، ذلك أن الناقد الشاعر يضطلع بمجموعة من الوظائف التواصلية: فهو مرسل ومرسل إليه، وهو مالك الرسالة وسننها، والمحدد لمرجعها. في هذا النوع من النصوص تكون الدلالة محددة؛ فالقارئ الأول، أي صاحب النص يكون قد كشف عنها، وقدمها للقارئ الثاني بعد شرح المفردات، والإسهاب في بيان المعاني بالوقوف عند معنى كل بيت، وهذا ما يقره القارئ الثاني بقوله: «يلاحظ أنه خلال تفسيره اللغوي يركز على دلالات الألفاظ التي تشي بالمعنى، حتى يظهر بيانه للمعنى وكأنه تحصيل حاصل»[3]، فماذا تبقى للقارئ الثاني، إذا كان الشارح هو المرسل والمرسل إليه ومالك السنن ومبين المقصود من الرسالة ومن كل ملفوظاتها؟ إذن، الطريق إلى النص الأول مسيج أمام القارئ الثاني، فالدلالات محددة مسبقا، فعليه التعامل مع النص الشارح بمعزل عن القصيدة، وهذا ما فعله بالتحديد، إذ درس الشروح بمعزل عن النصوص الإبداعية، موضوع الشرح الأول، فلم يحل القارئ الثاني إلى القصائد إطلاقا، وحضور الأبيات الشعرية في دراسته هي مجرد أمثلة ساقها القارئ الأول، واستدل بها القارئ الثاني، فهو يحيل إلى النص الشارح وليس إلى النص المشروح. وهذا ما استنتجه القارئ الثاني بنفسه، وعبر عن ذلك بقوله: «ولا غرابة في ذلك، فالشارح يشرح نفسه، فهو أعلم بما يقصد بلغة النص، لأنه صائغها الأصلي (...) وقتلها شرحا وتحليلا وتدقيقا وتفصيلا (...) مما لم يبق معه مجال آخر لشرح جديد»[4].
اهتم الدارس بمنهج الشراح فقط، فدراسته دراسة نصية نسقية، تنطلق من النص وتعود إليه، ولا تتجاوزه، وهذا ما يلاحظه القارئ لهذه الدراسة:
:منهج اليوسي في شرح داليته
في دراسته لشرح دالية اليوسي استهل الباحث دراسته بالمقدمة بما هي نص ذو وظيفة توجيهية وتواصلية، يوضح فيها الشارح للقراء غايته من شرح داليته، وينبههم بأنه سيقتصر على «تفسير الألفاظ وبيان معاني الأبيات...»[5] ، لكن هذا العقد القرائي المبرم مع القارئ سيتم الإخلال به، إذ لم يلتزم الشارح ببنوده، وهذا ما لا حظه القارئ الثاني، فقد «أورد الشارح كثيرا من القضايا المساعدة في الشرح، سواء ما تعلق منها بالنحو أو البلاغة أو العروض، أو ما تعلق بالأخبار التاريخية والتعريف ببعض الأعلام وقصصهم الذين ترد أسماؤهم أثناء الشرح، أو غيرها من القضايا الأخرى المتنوعة التي تجعل الشرح غنيا بالمعلومات التي يتضمنها، حافلا بالمادة المعرفية المدعمة للشرح»[6].
يبين الدارس مرتكزات اليوسي في شرح داليته، ويحددها في عدة عناصر: يدرس الباحث كل عنصر على حدة، ويستهل دراسته بملاحظات عامة عن الظواهر البارزة في الشرح، ثم يفسر كل ظاهرة على حدة؛ ففي العنصر الأول لاحظ عدم إخضاع اليوسي القصيدة لمقياس واحد أثناء تقسيمها إلى وحدات، فأعاد ذلك لسببين: اهتمام الشارح بالوحدات المعنوية، وطول حجم القصيد: «ولسنا ندري المعيار الذي اعتمده الشارح في هذا التقسيم، وإن كان المرجع أنه مال في هذا التقسيم إلى اعتماد الوحدات المعنوية منطلقا لشرح القصيدة، فبعض المعاني قد تستوعبها أبيات مفردة، وبعضها الآخر قد يحتاج بيانها إلى عدة أبيات (...)، هذا دون أن نغفل أن طول حجم القصيدة الذي يبلغ خمسمائة وأربعين بيتا ربما يكون قد ضغط على الشارح للتحكم في حجم الشرح...»[7].
ولاحظ في العنصر الثاني اهتمام الشارح بالتفسير اللغوي وجعله في المقام الأول، فقد انطلق الشارح من «ثقافة العالم اللغوي، وحس الأديب الشاعر الذي قد ينتبه إلىى بعض الخلفيات الدلالية والإيحائية للغة، قد لا يلتفت إليها غير الأديب الشاعر»[8] ، ولذا جاء «شرحه حافلا بأنواع المعاني، وألوان التأويلات التي تربط دلالات الألفاظ بالسياقات التي ترد فيها، والمعاني التي تسخر للدلالات عليها»[9].
لقد جعل اليوسي تفسير الألفاظ مدخلا للمعاني، وهذان العنصران هما المتحكمان في الشرح إلى حد كبير، ولم يكتف الباحث بالملاحظة وتفسير أسباب الظاهرة، بل يبين التقنيات الموظفة في هذا النوع من الدراسة، منها حرص الشارح على ربط المعاني بعضها ببعض مبينا أدوات الربط المستعملة لتحقيق هذه الغاية، وما يترتب عن تحقيق هذه الطريقة ، فهي -حسب الباحث- تفرض على الشارح دراسة عمودية، يتبع خلالها «معاني القصيدة في تسلسلها وتدافعها وترابطها»[10]، ثم يعلل سبب اختيار هذا النمط من الشرح: «وكأن الشارح كان يسعى بهذا إلى إحكام بناء المعنى الكلي أو المعنى العام للقصيدة».
وبعد رصد الظاهرة وتفسيرها وتحليلها بتقديم نماذج وأمثلة يصدر حكما تقييميا للتقنيات الموظفة في الشرح، يقول: «وهذه براعة فنية ومنهجية في تناول النص المجسد لوحدته العضوية والموضوعية»[11].
ولا يخلو الحكم القيمي من التفسير والتعليل أيضا: «ولعل لخصوصية موضوع القصيدة، وصداها في نفسية الشاعر-الشارح أثرا في بلورة هذه المقصدية بقوة ووضوح، فموضوح القصيدة ذو قدسية خاصة في معتقد الشاعر، لأنه مدح لأحد أقطاب الإصلاح والعلم في عصره يحتل من وجدان الشاعر-الشارح مكانا رفيعا. ولعل الشرح نفسه، بواسطة الشاعر، يسعى إلى تأكيد هذا المستوى من التفسير والإجلال والإكبار والعرفان الذي يكنه الشاعر للقطب الممدوح، فكان الحرص في الشرح منصبا على بيان هذا المقصد»[12].
نلحظ أن الباحث في دراسته لمرتكزات منهج اليوسي أولى عناية خاصة للعناصر الثلاثة الأولى على حساب العناصر الأخرى، ولعل ذلك راجع إلى كون كل من العنصر الرابع والخامس والسادس مرتبط بالتفسير اللغوي وبيان معاني القصيدة، كما أن هذه العناصر لا تمثل ظواهر مضطردة في شرح الدالية؛ فالشارح يعالج بعض القضايا النحوية: «ولم يكن تناول هذه القضايا النحوية لمجرد عرض المعلومات والأوصاف العلمية المتصلة بها بقدر ما كان مسخرا لتوجيه المعاني وبيانها والبرهنة على سلامة قصد الشارح»[13].
ولم يحظ العنصر الخامس باهتمام كبير من لدن الباحث، لأن الشارح نفسه لم يعره عناية كبيرة.
أما بالنسبة للعنصر السادس، المتمثل في اهتمام الشارح بالجانب البلاغي، فإن الشارح، كما لاحظ الباحث، اكتفى بالإشارة إلى «الصور والأساليب البلاغية التي تتضمنها القصيدة، وكانت إشارته لهذه القضايا البلاغية عبارة عن إشارات مقتضبة إلى نوع الصورة أو الأسلوب، دون استرسال في بسط الكلام حول ما يتصل بالقضية»[14].
ولم يكتف الباحث بتقديم الملاحظات، بل علل سبب عدم تفصيل الشارح لهذه القضية، قائلا: «والظاهر أن اليوسي لم يكن يعنيه تفصيل المبحث البلاغي أو ذكر آراء البلاغيين في الموضوع، مما يعني أنه ظل مخلصا للتركيز على الجانب اللغوي وبيان المعنى»[15].
ويقدم الباحث أمثلة عن الإشارات البلاغية التي وردت عرضا أثناء الشرح، ويبين النوع البلاغي الأكثر هيمنة في شرح اليوسي: «إن الملاحظ في تتبع الأساليب البلاغية التي أشار إليها اليوسي في شرحه أنها تكاد تقتصر على مباحث وأساليب البيان»[16]. وعلل الباحث سبب هيمنة هذا النوع من الأساليب، بقوله: «ولا غرابة في ذلك ما دام الشارح يهتم ببيان معاني الأبيات الشعرية، ويكشف عن طبيعة الصور التي تؤدي هذه المعاني، ومباحث البيان وأساليبه، كما هو مقرر عند معظم البلاغيين تختص بدراسة الصور، فكان من الطبيعي أن تكون هذه الأساليب هي الغالبة على المادة البلاغية المستثمرة في الشرح»[17].
إن عدم اهتمام الباحث بالعناصر المذكورة راجع لكونها آليات لتفسير الألفاظ وبيان المعاني، فإفراد الباحث لها مباحث خاصة نابع من رغبته في توضيح طرق اشتغال هذه الآليات داخل النص الشارح، وكيفية توظيفها لتحقيق الغاية المنشودة وهي بيان المعاني.
وبالنسبة للعنصر السابع المتمثل في «تعريف الشارح ببعض الأعلام والأماكن، وإيراد بعض القصص المتصلة بجوانب هذه الأعلام»[18]، فإن هذه التعريفات والقصص تندرج ضمن المنهج التاريخي الذي يعنى بحياة الأدباء، وبيئتهم، وعصرهم، معززا الدراسة بمجموعة من الأخبار والقصص، كما هو الحال في قصة امرئ القيس مع قيصر الروم. وقد علل الباحث إيراد هذه الأخبار والقصص برغبة الشارح في توفير مادة ثقافية متنوعة أثرت الشرح، وأغنت آلته المنهجية المعتمدة فيه.
أما العنصر الأخير، المتمثل في تطعيم الشرح بالاستشهادات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وأشعار العرب، فهو ذو غرض فني، ولكون الاستشهادات من أسس مناهج الشرح الأدبي في العصر العلوي الأول، فهي تدخل في «باب التلوين العلمي والنفسي الذي يخلق في القارئ الرغبة في تتبع الشرح، والشوق للاستزادة مما يقدمه الشارح من ألوان معرفية، تزيد فضاء النص رحابة وانفتاحا على آفاق شكلت مضمارا فسيحا ركضت فيه مخيلة الشاعر-الشارح، ونهلت من ثر ينابيعه وغزير روافده، وكأن اليوسي بهذا التنوع الذي يطبع مضامين قصيدته (...) يحيل المتلقي على خلفية ثقافته الأدبية التي تغطي زمان وجغرافية وتاريخ الشعر العربي، وأن شعره يسير على مذهب العرب»[19]. إن منهج اليوسي في شرح داليته يمثل «اتجاها معروفا من اتجاهات شرح النصوص الأدبية التي راجت في المشرق والأندلس خلال حركة تطور مناهج الشرح، ومفهومه ومقاصده»[20].
:منهج ابن زكري في شرح همزيته
استهل الشارح دراسته، على غرار اليوسي، بمقدمة يبين فيها للقارئ الأسباب التي حذت به إلى شرح قصيدته الهمزية، ويوضح مرتكزات منهجه، والخطوات المنهجية التي سيتبعها في شرحه؛ فالشرح يسعى إلى التوضيح والتحقيق والإظهار والبيان، وتحديد طبيعة الموضوع، وهو موضوع جليل؛ فالقصيدة نظمها الشاعر في مدح الرسول (ص) تقربا من الله بالتقرب من الرسول (ص)، واستجابة لطلب بعض الإخوان وحثهم للشاعر على شرح قصيدته.
وإذا كان الشارح الأول يوضح للقارئ الأهداف من شرحه وعناصر منهجه، فإن الشارح الثاني يستبق تطلعات القارئ، وينبئه بأن الشرح سيكون غنيا من حيث مواده، ودسما من حيث مضامينه، وذلك نظرا لطبيعة هذا النوع من الشرح، فهو ذو «طابع موسوعي، على عادة بعض الشروح الأدبية في عصره. هذا الطابع الذي جعل بعض الشروح من أهم المصنفات وأنواع التآليف في الثقافة العربية الإسلامية بعامة، والثقافة المغربية بخاصة»[21].
وبعد رصد العناصر الأساسية في مقدمة الشرح، يحدد الباحث مرتكزات منهج ابن زكري، وقد حددها في العناصر التالية
تقسيم المتن إلى وحدات صغرى ممثلة في البيت الواحد غالبا
شرح البيت ببيان معناه قبل تفصيله
تحقيق المباني، أي تفسير الألفاظ المكونة للبيت تفسيرا معجميا، وتحديد الوظائف النحوية لألفاظ البيت
الاهتمام بالمستوى البلاغي
شرح الأبيات اعتمادا على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة
الاستشهاد بمادة شعرية غزيرة
تحميل الألفاظ مدلولات صوفية
توظيف المادة التاريخية في الشرح والتفسير
استهل الباحث دراسته بملاحظة عن البناء المعماري لشرح الهمزية، فالشارح الأول قسم المتن إلى وحدات صغرى ممثلة في بيت واحد غالبا، والتزم هذا التقسيم طيلة شرحه للقصيدة، ولم يحذ عن القاعدة إلا نادرا. وكعادته يعقب الشارح الثاني على كل ظاهرة من ظواهر شرح الشارح الأول، وبعد التعقيب، يقدم حكما تقييميا يربط فيه هذا الإجراء بالمنهج ككل، لقد حدد الشارح الأول أهدافه في المقدمة، وجعل توضيح المعاني العنصر الأول في علمية الشرح، وقد التزم بهذا المقصد، لكن الشارح الثاني لم يقدم لنا معاني القصيدة، بل بين الإجراءات الفنية والتقنية التي وظفها الشارح الأول في شرحه للمعاني، وذلك انسجاما مع عنوان دراسته المركز على منهج الشارح وبيان الآليات والتقنيات الموظفة في منهج شرحه.
إن شرح ابن زكري -حسب الباحث- متميز على عدة مستويات، ففي حديثه عن خصوصية الشراح المغاربة، يقول: «ولابن زكري إسهام جاد في التميز الذي طبع الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول، يتجلى ذلك في الصورة العامة لشرح همزيته، غايات، ومنهجا، وأسلوبا، واستثمارا لمختلف الحقول المعرفية في تعميق الشرح وإثرائه وإغنائه وإمداده بعناصر القوة والخصوبة»[22].
إن ابن زكري شاعر وشارح لقصيدته، وهي في مدح الرسول (ص)، ولعل طبيعة القصيدة -حسب الباحث- غمرته بأسرارها وأنوارها وهو يشرحها، فهو رجل متصوف ومتعلق بشخص الممدوح، فبرزت هذه المؤثرات في قراءة وشرح قصيدته «فكأن الشارح كان يعيد خلق القصيدة نثرا، ويفكك رموزها، ويفصل مجملها، ويسرج قناديل أسرارها، من روحه لا من عقله (...)، فإن شرح لغة النص تتحكم فيه المفاهيم الصوفية بصورة قوية. ولعل مرد ذلك إلى ضغط الحالة النفسية والمزاجية الخاصة التي هيمنت على الرجل شاعرا وشارحا»[23].
:منهج محمد بن موسى الناصري في شرح "النسيم العاطر
على عكس الدراستين السابقتين حيث انصبت دراسة الباحث على النص مباشرة، فإن دراسته ل"شرح النسيم العاطر" تشكل استثناء، إذ استهلها بمقدمة طويلة، قدم فيها للقارئ مجموعة من المعلومات، فإذا كانت الشروح السابقة شرح الشعراء لإبداعهم الشعري، فإن "شرح النسيم العاطر" هو شرح ناقد لقصيدة من إبداع أخيه، والأمر لا ينحصر في المجال العائلي، بل يتعداه إلى المؤسسة بأكملها؛ وهي الزاوية الناصرية: «فالنص، موضوع العرض، شرح لقصيدة النسيم العاطر في مدح القطب أبي العباس أحمد بن ناصر لصاحبها أبي العباس أحمد بن موسى بن محمد بن ناصر، وقد أنجز الشرح أخ الناظم محمد بن موسى (...)، ومما يسترعي انتباه الدارس، قبل ممارسة الدراسة، أن العمل في جوهره ومظهره ناصري بحت، حيث إن منشئ القصيدة ناصري، وموضوعها ناصري، وشارحها ناصري »[24]، فكان لا بد من الناحية المنهجية تقديم بعض المعلومات عن النص قبل دراسته من الداخل؛ فالمقدمة تضطلع بوظيفة توضيحية وتوجيهية؛ تبين هوية صاحب القصيدة، وشارحها، ومنهج شرحه، وسيمات فكر أدباء الزاوية الناصرية، فالباحث يرنو إلى «تبين خصائص ومميزات الفكر الأدبي والرؤية الفنية والمنهج النقدي الذي ترسخت تقاليده وأعرافه لدى علماء وأدباء الزاوية الناصرية»[25]. كما يود تبرير أسباب اختياره لهذا النموذج دون غيره؛ ففي نظره يشكل "شرح النسيم العاطر" «نموذجا لمنهج مغربي متميز في شرح المتون الأدبية، يملك مشروعيته الفكرية والفنية والنقدية، ويقوم على تصور منهجي يحقق إضافات علمية وفنية تتكامل مع مناهج الشراح المغاربة الآخرين لتؤسس أسلوبا مغربيا في تلقي النص، ومنهاجا خاصا في شرحه، وبيان مكوناته ومقاصده»[26].
إن الرغبة في الكشف عن خصائص ومميزات الفكر الأدبي والرؤية الفنية والمنهج النقدي لدى أدباء الزاوية الناصرية، لا يمنع الباحث من الاحتياط والحذر من التعميم، ذلك أن دراسة نموذج واحد لا يمكنه تحقيق طموح الباحث، وهو يعبر عن ذلك بقوله: «إن الحديث عن منهج الناصريين في شرح المتون الأدبية لا يمكن أن يحيط بالأسس العامة لهذا المنهج من خلال تتبع عمل واحد، إذ يتطلب الأمر تتبع تجليات هذا المنهج وتطبيقاته في مختلف الروح التي أنجزها علماء وأدباء "الزاوية الناصرية"، مما لا تسمح به خصوصية الظرف والمناسبة الآن. ولكن ذلك لا ينفي أن هذا العمل ذو دلالة واضحة على خصائص وخصوصيات المنهج الناصري في شرح النص الأدبي»[27]. ولعل ما يبرر اختيار هذا النموذج هو عدم وجود شرح للنسيم العاطر[28].
بعد هذه الملاحظات، ينتقل الباحث إلى النص، مستهلا دراسته من المقدمة حيث يبين الشارح للقارئ الأسباب التي حذت به إلى شرح القصيدة، محددا إياها في ستة عوامل، تتداخل فيها الجوانب الذاتية بالعلمية: إعجاب الشارح بالقصيدة، وأحقيتها بالشرح، والرغبة في نيل فضل التبرك بالقطب، ومكانة صاحب القصيدة بين الشعراء، والرغبة في السير على سنن العلماء المبرزين في هذا الاتجاه، إثباتا لذاته وقدراته العلمية والأدبية، وإبراز دور الناصريين في مجال الإبداع الأدبي الرفيع، وقوة حضورهم في حركة الشروح العلمية والأدبية التي نشطت نشاطا ملحوظا في ظل الدولة العلوية[29].
في دراسته المحايثة للنص يبين الدارس منهج الشارح، فهو منهج تكاملي، انتقى فيه الشارح «أجود خصائص اتجاهات الشروح المعروفة، وتركيبها في تكامل وانسجام لتؤدي وظيفة الشرح وغاياته المثلى»[30].
ومن خلال تتبع طريقة الشارح في الشرح وأسلوبه يبرز الباحث مرتكزات منهج الشارح، محددا إياها في العناصر التالية:
تحقيق المتن وتوثيق مادته، وتقسيم النص إلى وحدات متساوية تتركب من أربعة أبيات
التركيز في الشرح، في المقام الأول، على الجانب اللغوي، وذلك باستعراض مختلف معاني اللفظة وأوجه استعمالها، لترجيح المعنى المقصود. ويلاحظ الباحث أن الناصري لم يعن بالجانب النحوي، إذ لم يخض الشارح في «القضايا النحوية البحتة والتحليل النحوي المجرد التي تنأى به عن غاياته وطبيعته ومنهجه»[31]. ويعزي الباحث «احتفال الشارح بعناصر اللغة والنحو والبلاغة والعروض في شرحه لم يقصد منه مجرد عرض نظري لمسائلها، ولا مناقشات مجردة لقضاياها، وإنما كان يهدف من وراء ذلك إلى الاستعانة بها في فهم النص»[32].
:المنهج النقدي لدى الناقد المفضل الكنوني
إن منهج الباحث، في نظري، لا ينحصر في دراسته المباشرة لمنهج الشروح، بل بكيفية تناول موضوع الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول بصفة عامة، أقصد أن الشق النظري لا يقل أهمية عن الشق التطبيقي، إذ يمثل الجانبان مجتمعين الرؤية النقدية للباحث، وهي رؤية منسجمة ومتكاملة، تكشف عن نفسها من خلال الدراسة المباشرة لمناهج الشراح ومن خلال الشق النظري، ولا سيما في مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها.
:المقدمات والخلاصات
تشكل مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها مناسبة لبسط الرؤية النقدية للباحث، وعلاوة على كون هذه المقدمات والخلاصات تقدم صورة عن محتويات الباب وفصوله، فإنها كذلك لحظة مواتية للتنظير النقدي، فمن خلالها يتلمس القارئ المنهج المتبع في الدراسة، لأن الباحث لم يفصح عن منهجه بشكل واضح في المقدمة العامة لبحثه، إلا أن القارئ الملم بالمناهج الأدبية يستطيع الكشف عن المناهج التي توسل بها الباحث، فعلاماتها مبثوثة في ثنايا البحث، ولاسيما في مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها.
إنه لمن نافل القول إن المناهج تدرس النصوص الأدبية الإبداعية، ولا توظف، في الغالب، لدراسة النصوص النقدية، فالآثار الوصفية تحتاج إلى اجتهاد شخصي من لدن الباحثين، على عكس الأعمال الإنشائية، فيمكن دراستها بمنهج محدد، أو مناهج معروفة لدى النقاد.
يحيل الباحث إلى المفاهيم الإجرائية التي وظفها الناقد طزفيطان طودوروف، باعتباره صاحب مصطلح "نقد النقد"، وهي: الإسقاط، والتعليق، والقراءة الشعرية[33]. وقد أورد الباحث هذه الإشارات -حسب قوله- «ليبين مستوى التيه الذي وصل فيه بعض منظري مناهج النقد المعاصر، في اكتشاف واستجلاء جوهر شرح النصوص باعتبارها قراءات متجددة لها، وإظهار تخبطهم وتعسفهم في محاولة الفصل بين مستويات الشرح والقراءة لجعل كل مستوى شكلا نمطيا لقراءة معينة»[34].
ويرى أن «الشروح الأدبية المغربية، موضوع الدراسة، باشرت مناهج شرحها المستويات الثلاثة في التحام، وانسجام، وتآزر، وتكامل، أصبحت معه عملية الشرح مستوعبة للنصوص المشروحة، من جميع جوانبها، ومحققة لمقاصد الشرح في جميع مستوياتها، ومؤكدة اعتبار النصوص المشروحة حقول إنتاج مستثمر للمعاني والدلالات»[35]. ومعلوم أن كل منهج يستند إلى نظرية، أي مجموعة من الأفكار المترابطة والمنسجمة التي تنطلق من فلسفة محددة، فإن مناهج الشراح تفتقر-حسب الباحث- إلى هذا العنصر الأساسي في العملية النقدية: «إذا كان المنهج في بعده الفلسفي يعني بلورة رؤية فلسفية عامة تتحكم في رؤية المتلقي الشارح، وتوجه فعل القراءة، وتحدد الآليات المعتمدة فيها، فإن أساليب الشراح لا ترقى إلى هذا المستوى الفلسفي العميق والدقيق، فبقيت طرقا وأساليب واتجاهات سميت مناهج تساهلا»[36].
وإلى جانب افتقار الشروح إلى رؤية منسجمة تنطلق من فلسفة محددة، فإنها كذلك تفتقر إلى حد ما إلى المفاهيم الإجرائية النقدية، أي منظومة اصطلاحية نقدية خاصة بهذا الضرب من ضروب المعرفة، ولذا وجب علينا التمييز بين مناهج الشراح، والمناهج التي توسل بها الدارس المفضل الكنوني في دراسته لشروحهم، وهو يحدد منهجه بقوله: «واعتبارا لكون النصوص الشارحة، موضوع الدراسة، لم تسبق دراستها من قبل، فقد كان لزاما علي التعريف بها ووصف طرق الشراح وأساليبهم في شرحها وتحديد أهم مرتكزات مناهجهم واتجاهاتهم في هذه الشروح. وعرضت هذه الطرق والأساليب للتحليل والنقد أحيانا، مما يجعل المنهج المعتمد في مجمله يزاوج بين الوصف والنقد وإبداء الرأي الشخصي»[37].
لقد كان الباحث حذرا حينما عد طرق وأساليب الشراح مناهج تساهلا، وأن طرقه وأساليبه المتمثلة في الوصف والتحليل تشكل «أداتين بانيتين لهيئة المنهج وصورته»[38]. إن الوصف والتحليل في عرف النقد الأدبي خطوتان إلى جانب مجموعة من الخطوات الأخرى؛ فالعملية النقدية تتطلب الوصف والشرح والتفسير والتحليل والتأويل والتقييم، وهي مستويات في الدراسة، وطرق توظفها المناهج في دراسة النصوص.
بعد قراءة متأنية، لاحظنا أن الباحث توسل بالمناهج التالية: البنيوية، والتأويلية، وجمالية التلقي والمنهج التاريخي، لكنه لم يفصح عن هذه المناهج، فالقارئ يجدها مشتتة على طول صفحات البحث، ولا سيما في مقدمات الأبواب والفصول وخلاصاتها.
إن المفضل الكنوني قارئ ثان، يدرس نصوصا تنتمي إلى الماضي، وهذا النوع من الدراسة يقتضي حتما التوسل بالمفاهيم الإجرائية لنظرية التلقي، وهذا ما نلاحظه في هذا العمل، ولعل مقدمة الباب الثالث الموسوم ب"الحقول المعرفية المستثمرة في الشروح" لدليل قاطع على توسل ناقدنا بالأطر النظرية لجمالية التلقي ومفاهيمها الإجرائية، إذ نلفي تصورات ومصطلحات هذه النظرية؛ من قبيل: "أفق التوقع"، و"المسافة الجمالية"، و"استجابة القارئ" و"ردود أفعال القارئ"، و"المناطق غير المحددة"، و"القارئ الخبير"، وغيرها من مصطلحات نظرية التلقي: «إن قوة هذه النصوص تظهر في استجابتها لآفاق وتوقعات القارئ الجديد، أي القارئ التاريخي الذي ينتمي زمنيا إلى غير عصر النصوص (...) مهمة القارئ الجديد، أي الشارح، تتمثل في تقريب المسافة بين الأفقين التاريخيين لزمن إبداع النصوص وزمن القراءة الجديدة»[39].
كما يوظف مصطلح "القارئ الخبير" للناقد الأمريكي (سطانلي فيش Stanley Fish)، «فالشارح الخبير ينطلق في قراءة النص من مستويين أساسيين للكشف عن معنى النص ومغزاه في الآن نفسه، وهما: كيف يقول النص، وماذا يقول النص؟»[40]. ويوظف أيضا مفهوما إجرائيا أساسيا في نظرية التلقي، وهو "المناطق غير المحددة"، بقوله: «فالنص المشروح حمل ثقيل (...) قد توجد في النص مناطق غير محددة يضطر الشارح إلى توظيف مهاراته وتجاربه الذاتية التي ترتبط أيضا بمعاييره وقيمه الخاصة»[41]. ويوظف كذلك مصطلح "ردود فعل القارئ": «إن النص المشروح، في بعض الأحيان، قد يكون عمقه الدلالي والرمزي مخالفا لمفاهيمنا وأفكارنا المسبقة، مما يؤدي إلى رد فعل القارئ تتمثل بعض مظاهره في إعادة النظر في النص، وتجريب مستويات قرائية متعددة للوصول إلى الطريق الأنسب لانسجام النص مع القراءة، واحترام القراءة لطبيعة النص وخصوصياته»[42].
لا شك أن هذه المصطلحات، وغيرها كثير، المستقات من نظرية التلقي، لدليل على اعتماد الباحث على الأسس النظرية لجمالية التلقي ومفاهيمها الإجرائية، وهي تندرج ضمن نظرية أوسع، وهي النظرية التأويلية التي تعنى بالقارئ، وتمنحه سلطة كبيرة في فهم النص وتأويله انطلاقا من أفقه المعرفي، أي من المعايير النقدية التي يحملها.
وإلى جانب تصورات ومصطلحات نظرية التلقي، نجد مصطلحات من "المنهج التاريخي"، نذكر منها: "روح العصر"، و"البيئة"، "والسياق التاريخي"، والأسرة الفكرية". تشكل بعض هذه المفاهيم عناصر مقولة "المؤثرات" عند (هيبوليت طين Hyppolitte Taine)، وهو أحد الرواد الكبار للمنهج التاريخي، الذي يرى أن النص الأدبي هو نتاج لمجموعة من المؤثرات التي خضع لها الأديب، وهي: "العرق، والبيئة، والعصر أو اللحظة التاريخية"، فالنص يعبر عن "روح العصر" ويحمل آثار القوم الذي ينتسب إليهم الأديب، والبيئة التي نشأ فيها، والأحداث التاريخية التي عايشها.
وإذا كان الباحث قد استقى هذه المفاهيم الإجرائية من المنهج التاريخي، إلا أنه لم يستثمر التصورات النقدية والخلفيات المعرفية لهذا المنهج، لأن دراسته دراسة بنيوية، محايثة للنص؛ فالقارئ "للشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول" يلحظ غياب تعريف ولو موجز بالأعلام، أي بالشراح.
وبالإضافة إلى غياب التفاصيل عن حياة الشراح، فإن ما يثير القارئ أيضا هو عدم الاهتمام بأحداث التاريخ العام؛ فغالبا ما نجد في الأطاريح تأريخا للفترة السياسية المعنية والفترات السابقة عنها لتقديم صورة عن مجريات الأحداث وتأثيرها على الكتاب وإنجازاتهم، إلا أن بحثنا اقتصر على سياق تاريخي واحد، فقد عني بالبيئة الثقافية في العصر المقصود بالدراسة، مستعرضا التطور الذي حصل في الإنتاج الثقافي والأدبي على وجه الخصوص والذي يعد استمرارا للجهود المبذولة في العصور السابقة، وللعناية التي أولاها الحكام العلويون للعلم والعلماء، ولرغبة العلماء في ترك بصماتهم في تاريخ الأدب المغربي. لم يخض الدارس في تفاصيل الأحداث التاريخية، فجاء العمل خاليا من الحشو والتفاصيل التي اعتاد الدارسون المتوسلون بالمنهج التاريخي إثقال عملهم بها. وهذه سمة عامة تطبع كل المواضيع التي تناولها الباحث بالدرس والتحليل، فللباحث نزوع نحو التلخيص والاقتضاب، وهو يشير إلى ذلك في أكثر من موضع، ويمكن التمثيل لذلك بقوله: «إن تتبع مختلف عناصر وجزئيات هذا الموضوع (...) يحتم الخوض في القضايا المركزية والهامشية المرتبطة به، واستعراض حشد من الآراء والأمثلة والشواهد لا يحيط به الحصر (...) وتجنبا للتكرار المؤدي إلى الملل، والإسهاب غير المقيد»[43].
اقتصر الباحث في دراسته على السياق المعرفي للشروح في العصر العلوي الأول، فقد سعى إلى وضع «حركة الشروح في سياقها الفني المرتبط أساسا بالسياق المعرفي العام والسياق التاريخي المؤثر، بصفة عامة، وبيان موقع حركة الشروح بالمغرب في العصر العلوي الأول من هذه الحركة العامة، بصفة خاصة»[44].
اعتمد الباحث دراسة بنيوية بتقسيم النص الشارح إلى بنيات صغرى، أو ما اصطلح عليه بمرتكزات منهج الشارح، باعتبارها سلسلة من البنيات، تشكل فيما بينها شبكة من العلاقات، بحيث يضطلع كل عنصر بوظيفة مرتبطة ارتباطا عضويا بوظائف العناصر الأخرى. هذا النوع من الدراسة يتسم بالانغلاق، لأنه ينظر إلى النص باعتباره نصا مغلقا، لكن الباحث عمل على تكسير هذه الدائرة المغلقة، وأدخل عنصرا يعد من عناصر الدراسات المنفتحة، فقد وظف آلية "المقارنة" لتكسير البنية المغلقة.
إن القارئ "للشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول" يلاحظ أن الموازنة تكون دوما مقرونة بالتعقيب، حيث تبرز شخصية الباحث، ويفصح منهجه النقدي عن فعاليته وحيويته.
: 2) المقارنة والتعقيب
بعد دراسة منهج كل شارح على حدة، يخصص الباحث الباب الثالث للحقول المعرفية التي نهل منها الشراح واستثمروها في شرحهم للنصوص الأدبية. وقد رتبها الباحث وفق صورة ترتيبها في الشروح نفسها:
-الحقل اللغوي المعجمي
-الحقل النحوي
- الحقل البلاغي
-الحقل العروضي
-الحقل التاريخي
-حقول معرفية أخرى
*حقل رواية الأشعار
*حقل العلوم العقلية والنقلية
*الحقل النقدي[45]
إن ما يميز هذا الباب هو المقارنة التي يقيمها الباحث بين مناهج الشراح، وهذه الموازنة تزخر بالتعقيبات على طرق تناول عنصر من العناصر المذكورة أعلاه بالدراسة؛ ففي حديث الباحث عن أهمية العنصر اللغوي قارن بين حضوره في شرح اليوسي وابن زاكور، ليستنتج أن توظيف هذا العنصر في الشرح بشكل كبير ليس سمة خاصة بالشارحين، بل نلفيها في شروح العديد من الشراح: «إن هذه الخصائص الإيجابية الهامة التي استثمرها (...) تسري كذلك في الأساليب التي اتبعها الشراح الآخرون في هذا المجال، فقد اهتموا جميعا بالشرح اللغوي كمدخل رئيس لشروحهم (...)، فكأن هؤلاء الشراح اتفقوا مسبقا على تقديم هذا العنصر على غيره من العناصر، بما يعنيه التقديم علميا، وليس ترتيبيا»[46]
وإذا كانت المقارنة بين شرح اليوسي وشرح ابن زاكور تخص المشترك بين الشارحين، فإن مقارنة شرح اليوسي بشرح ابن زكري تهم نقط الاختلاف فيما بينهما، ويبرز ذلك في طريقة شرح الألفاظ؛ فصاحب شرح الدالية لا يتوسع في الشرح، و«يكتفي بملخص لمعنى البيت، ليترك مجال الشرح أمام شراح آخرين، فلا يسد منافذ القصيدة، بل يجعلها قابلة لشروح جديدة ومنفتحة على قراءات متجددة. وهذا على عكس ما فعله ابن زكري مثلا في شرح همزيته حيث قتلها شرحا وتحليلا وتدقيقا وتفصيلا (...) مما لم يبق معه مجالا آ خر لشرح جديد»[47]
كما يتميز ابن زكري عن الشراح الآخرين بطريقته في شرح البيت، فهو يبدأ بذكر معناه العام في معظم شرحه لأبيات القصيدة «خلاف ما اتبعه الشراح الآخرون (...)، ولعل مخالفة ابن زكري لما تواضع عليه الشراح في ابتداء شروح المتون بتفسير ألفاظها، راجعة إلى مفهومه الخاص لقراءة المتن وشرحه (...)، وهذا الإجراء يمثل أحد مظاهر تميز شرح ابن زكري عن الشروح الأخرى»[48]
إن الشروح لم تنطلق من فراغ، فهي ليست ابتكارا مغربيا محضا، بل هي امتداد لحركة أدبية ونقدية تضرب جذورها عميقا في التاريخ الأدبي العربي، مما اقتضى من الباحث القيام بعملية أركيولوجية للبحث عن هذه الجذور، ورصد تطورها، وبيان «العوامل المؤثرة في هذا الامتداد والتطور عبر البيئات المختلفة التي أنتجت هذه الشروح، وما ميز هذه البيئات من محاولة الاستجابة لحاجات ثقافية وعلمية ملحة اقتضتها طبيعة التطور، وفرضها روح العصر»[49]
اهتم الباحث بالشروح الشعرية وأبرز الروافد التي نهل منها الشراح المغاربة، فحددها في رافدين: رافد شرقي وآخر أندلسي. وليبين مدى تأثير الرافد المشرقي على نظيره المغربي، قدم لمحة موجزة عن تطور حركة الشروح في المشرق العربي، مركزا أساسا على المناهج الموظفة من لدن الشراح المشارقة في شرحهم للنصوص، إبداعية كانت أو نقدية، فحدد المراحل التي قطعتها هذه الشروح في مرحلين
مرحلة ما قبل المنهج
مرحلة التوثيق العلمي وتحكم المنهج
وبما أن الأندلس كانت جزءا من المغرب، وأن تأثر الأندلسيين بالمشارقة كان قويا في المراحل الأولى، قبل استقلال الشخصية الأندلسية بذاتها، وبما أنه أصبحت للمغرب مراكز ثقافية متعددة، بالإضافة إلى جامع القرويين، يزورها علماء وأدباء من المشرق والأندلس، كما يزور المثقفون المغاربة المراكز الثقافية الأندلسية على وجه الخصوص، فإنه كان لزاما على الباحث تقديم لمحة عن حركة الشروح في الأندلس محددا سيماتها المميزة، وقد جعلها في أربعة أنواع
الشروح التعليمية العامة
الشروح الذوقية الجمالية
الشروح الخاصة (ابن بدرون)
الشروح الأدبية الجامعة اللاحقة بكتب الأدب
توخى الباحث من هذه اللمحة الموجزة عن تطور حركة الشروح في الأندلس «رسم صورة تقريبية للشروح الأندلسية تسهل مقارنتها بالشروح المشرقية، وتمكن من استحضار أثر البيئة -أو البيئات العلمية- في المشرق والأندلس، في حوافز الشرح، ومناهجه، وغاياته، ومقاصد الشراح وخصائص شخصياتهم العلمية، واستجابتهم لروح عصورهم، وتلبيتهم لحاجاتهم الثقافية بشكل عام»[50]
كما كانت غايته رصد تأثر الشروح المغربية بنظيراتها الأندلسية، مستنتجا أنه على الرغم من اهتمام كل من المغاربة والأندلسيين بكتب الشرح، وانكبابهم على شرح المتون في كل العلوم والمعارف، وإنجازهم في ذلك عددا كبيرا من الشروح، إلا أن «اختلاف البيئتين العلميتين في المغرب والأندلس كان له أثره الواضح في اختلاف توجه شراح كل قطر، واختيار مادة الشرح، وغلبة الاهتمام بنصوص معينة تبعا لمقاصد الشراح، واستجابة للحاجات الثقافية لكل من المغرب والأندلس»[51]
وبالإضافة إلى اختلاف البيئتين الثقافيتين، فإن لاختلاف الطباع أثر كبير في العناية بنوع من الشروح: «فقد كان شغف الأندلسيين بالأدب أغلب على طبقة كبيرة من أعلامهم، وكان أغلب علماء المغرب ميالين إلى الاهتمام بالعلوم الشرعية في المقام الأول، ويأتي بعد ذلك التفاتهم إلى الأدب كتكملة للثقافة وتحلية لها»[52]
إن حركة الشروح في المغرب ثمرة عملية التلاقح الثقافي بين المثقفين المغاربة والأندلسيين والمشارقة، فقد شكل المغرب حلقة «وصل سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية بين المشرق والأندلس، بل كان محطة علمية وسياسية رئيسية بين المشرق والأندلس، إلى جانب وجود أقدم جامعة علمية به، وهي جامعة القرويين، صنعت وأطرت ازدهارا علميا كبيرا بالمغرب عبر مختلف عصوره الإسلامية»[53]
في كل عملية تلاقح ثقافي يتم تقليد النماذج الراقية السابقة، والأدباء المغاربة يخضعون لنفس المنطق، لكن إذا كان التقليد ومحاكاة النماذج الأصلية ضروري في كل مرحلة من مراحل التطور، إلا أن الشخصية الأدبية المغربية قد فرضت نفسها في تاريخ الأدب العربي، إذ برزت «ملامح خاصة بالمغرب، أثمرتها ظروفه الخاصة، وبيئاته العلمية، وحاجاته الثقافية، وخصوصية شخصيته وطبيعة تكوينها، ونوع القيم التي تشبع بها، ومجالات اهتمامها، ومقاصد علمائها، ومناهجهم العلمية، ووسائل بلوغ هذه الغايات والمقاصد. كل ذلك وغيره، جعل حركة التأليف بصفة عامة، والتأليف في الشروح الأدبية، بصفة خاصة، تخضع لخصوصيات مغربية انعكست على حركيتها، وأثرت في تطورها»[54]
وبما أن غاية الباحث من تتبع حركة الشروح في المشرق والأندلس هي بيان الروافد التي نهل منها الشراح المغاربة، والكشف عن جوانب الجدة فيها، وتلمس مقدار الإضافات التي أضافها الشراح المغاربة، فإن اختيار العصر العلوي الأول إطارا زمنيا لموضوع الدراسة أسعف الباحث في تحقيق غايته، ذلك أن الشروح استفادت من البيئة الثقافية الجديدة لحركة التأليف في الشروح، فقد امتاز هذا الواقع الجديد بتنوع المادة المشروحة، وغزارتها، وطبعها الأدبي الصرف، ووضوح مناهج الشرح، والقيمة العلمية والأدبية الكبيرة لهذه الشروح. فقد تمخض هذا العصر عن حركة أدبية سواء من حيث الإبداع الشعري أو من حيث الشروح الأدبية أو الدراسات الأدبية. كما شهد هذا العصر كذلك تطورا ملحوظا في علوم اللغة والأدب»[55]
:خاتمة
اختار الباحث النصوص بعناية فائقة، سواء تعلق الأمر بطبيعة النصوص أو بمناهج دراستها؛ فبعض الشروح مخطوطات أخرجها الدارس للوجود، وبعضها الآخر مرقونة، وحظيت بعدة دراسات لكنها لم تقابل بشروح أخرى، ولاسيما الشروح المغربية في الفترة المذكورة.
وبالإضافة إلى طبيعة الشروح، اتسمت مناهج الشراح بالتنوع وتعدد مستويات القراءة والتحليل والموضوعية بالتخفيف من هيمنة الذاتية. وقد التزم الباحث بهذه الخاصية، وجعلها سمة مميزة لدراسته، ولعل توظيفه للمنهج البنيوي الذي يقيد ذاتية الكاتب، ويعطي الأهمية للنص وللعناصر الداخلية المكونة له دون إقحام عناصر خارجة عن النص، لدليل على موضوعية الدراسة
حاول الباحث تطبيق منهج نقدي يقوم على الوصف، والشرح، والتفسير، والتحليل، والمقارنة، والتعليق، والتقييم، والتعليل؛ يستهل دراسته بوصف البنية الكلية للنص الشارح، وتفكيكه بتقسيمه إلى بنيات صغرى، أو ما يسميها ب"المرتكزات" وهو إجراء بنيوي، فالناقد الفرنسي جرار جنيت مثلا، يقسم النص إلى "تمفصلات كبرى" و"تمفصلات صغرى" في دراسته البنيوية للنصوص الأدبية. ويدرس كل عنصر على حدة، ويبدي ملاحظات على كل ظاهرة ويشرحها ويفسرها ويعقب ويختم بالدراسة بالتقييم، أي بإصدار الأحكام، والجميل في الدراسة أن التعقيب على كل ظاهرة يتبع بالتعليل، بما في ذلك الأحكام القيمية التي يصدرها على تلك الظواهر
يمتلك الباحث رؤية نقدية منسجمة مكنته من تقديم إضافات إلى نقد النقد، عبر إدماج المقارنة في التحليل البنيوي للنصوص الواصفة، وتطعيمه بمفاهيم إجرائية مستقاة من جمالية التلقي التي تولي القارئ أهمية قصوى، وتمنحه سلطة كبيرة. وإذا كان الباحث، بما هو قارئ جديد ينتمي إلى عصر غير عصر الشروح، قد مارس سلطته بحرية، فإنه أبدى مرونة واحتراما لخصوصية النصوص، إذ لم يفرض معاييره المعاصرة على معايير الشراح المغاربة المنتمين للعصر العلوي الأول، فقد انصب اهتمامه على المنهج الذي وظفه الشراح، فدرس مكوناته، وأبنيته، ومرتكزاته، وكشف عن الآليات والتقنيات التي استعانوا بها في الشرح والتفسير والتحليل، وبين الحقول المعرفية التي استثمروها في شروحهم
كما سعى الباحث إلى الكشف عن العناصر الجديدة التي أضافها الشراح المغاربة في هذا العصر، مقارنا أعمالهم بالدراسات المشرقية والأندلسية السابقة عن دراساتهم، وران إلى توضيح خصوصية منهج كل شارح مغربي، وتبين مدى إسهامه في ازدهار الحركة الفكرية والأدبية في العصر العلوي الأول
:الهوامش
[1] المفضل الكنوني: الشروح الأدبية بالمغرب في العصر العلوي الأول، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في اللغة العربية وآدابها، الموسم الجامعي 2006-2007، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس
[2] T. TODOROV : Critique de la critique. Un roman d’apprentissage, Ed. Seuil, Paris, 1984.
[3] المفضل الكنوني، المصدر نفسه، ص 227.
[4] المصدر نفسه، ص 224-374.
[5] المصدر نفسه، ص 224.
[6] المصدر نفسه.
[7] المصدر نفسه، ص 225.
[8] المصدر نفسه، ص 225-226.
[9] المصدر نفسه، ص 228.
[10] المصدر نفسه.
[11] المصدر نفسه.
[12] المصدر نفسه.
[13] المصدر نفسه، ص 230.
[14] المصدر نفسه.
[15] المصدر نفسه.
[16] المصدر نفسه، ص 232.
[17] المصدر نفسه.
[18] المصدر نفسه.
[19] المصدر نفسه، ص233 .
[20] المصدر نفسه، ص233-234 .
[21] المصدر نفسه، ص307 .
[22] المصدر نفسه، ص 417 .
[23] المصدر نفسه، ص 422 .
[24] المصدر نفسه.
[25] المصدر نفسه، ص 292 .
[26] المصدر نفسه.
[27] المصدر نفسه، ص 295 .
[28] المصدر نفسه.
[29] المصدر نفسه، ص 293-294.
[30] المصدر نفسه، ص 295 .
[31] المصدر نفسه، ص 302 .
[32] المصدر نفسه.
[33] المصدر نفسه، ص 349.
[34] المصدر نفسه.
[35] المصدر نفسه.
[36] المصدر نفسه، ظهر. ص 10.
[37] المصدر نفسه.
[38] المصدر نفسه.
[39] المصدر نفسه، ص 345.
[40] المصدر نفسه، ص 337.
[41] المصدر نفسه.
[42] المصدر نفسه.
[43] المصدر نفسه، ص 18.
[44] المصدر نفسه، ص 19.
[45] المصدر نفسه، ص 350.
[46] المصدر نفسه، ص 370.
[47] المصدر نفسه، ص 374.
[48] المصدر نفسه، ص 417.
[49] المصدر نفسه، ص 18.
[50] المصدر نفسه، ص 38.
[51] المصدر نفسه، ص 33.
[52] المصدر نفسه، ص 33.
[53] المصدر نفسه، ص 41.
[54] المصدر نفسه.
[55] المصدر نفسه، ص 51-52.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20251105%2Fob_357122_8b5c7430-3036-4ada-82fc-e03235f75eac.jpg)
/image%2F1217153%2F20251105%2Fob_6d7812_whatsapp-image-2025-08-01-at-11-41-33.jpeg)
/image%2F1217153%2F20251105%2Fob_6d8bc3_8b5c7430-3036-4ada-82fc-e03235f75eac.jpg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)