/image%2F1217153%2F20260430%2Fob_2e6359_1000152996.jpg)
صدر عن منشورات دفاتر الإختلاف أبريل 2026 بمكناس
كتاب من الحجم المتوسط تحت عنوان "استثمار الرقمنة لتعزيز تكوين المدرسين على التدريس المبني على الأدلة" الباحثة دة.طاهري عبيدة، وحيث بتناول الكتاب الإشكال الحقيقي والمطروح في مراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين ،نقدم لهذا الكتاب وتدعو جل الفاعلين التربويين الى الاستفادة منه.
فحيث يشهد الفكر التربوي المعاصر تحولات عميقة في مقاربته لمهنة التدريس، حيث لم يعد يُنظر إلى الأستاذ بوصفه ناقلًا للمعرفة فحسب، بل باعتباره فاعلًا معرفيًا ومنتجًا للممارسات التربوية القابلة للتحليل والتقويم والتطوير. وفي قلب هذه التحولات برز مفهوم التدريس المبني على الأدلة بوصفه أحد أهم المداخل التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين البحث العلمي والممارسة الصفية، عبر تحويل نتائج الدراسات التربوية إلى أدوات إجرائية تساعد المدرسين على اتخاذ قرارات تعليمية أكثر دقة وفاعلية.
وفي هذا السياق، يندرج هذا الكتاب ضمن الجهود العلمية الرامية إلى إعادة التفكير في منظومة تكوين المدرسين داخل السياق المغربي، انطلاقًا من فرضية مركزية مفادها أن تحسين جودة التعليم لا يمكن أن يتحقق دون الارتقاء بجودة التكوين المهني للمدرسين، ولا سيما من خلال تعزيز الكفايات البحثية لديهم وربط ممارساتهم التربوية بالأدلة العلمية.
تنبع أهمية هذا العمل من كونه يلامس إحدى الإشكاليات العميقة في منظومات التربية المعاصرة، وهي الفجوة بين البحث التربوي والممارسة الصفية. فعلى الرغم من التراكم الكبير في الدراسات والبحوث التربوية خلال العقود الأخيرة، ما تزال الممارسات التدريسية في كثير من السياقات التعليمية تعتمد على الخبرة الشخصية أو التقاليد المهنية أكثر مما تعتمد على نتائج البحث العلمي المنهجي. ومن هنا تتبلور الحاجة إلى مقاربة جديدة تجعل من البحث التربوي جزءًا من الممارسة المهنية اليومية للمدرس.
ينطلق هذا الكتاب من هذا الأفق النظري ليطرح سؤالًا محوريًا يتعلق بكيفية إدماج التدريس المبني على الأدلة داخل برامج تكوين المدرسين، وخاصة في ظل التحولات التي تعرفها منظومة التربية والتكوين بالمغرب، والتي تجسدت في الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030 وفي القانون الإطار 51.17. فهذه المرجعيات الإصلاحية أكدت بوضوح أن الرهان الأساسي لإصلاح المدرسة المغربية يتمثل في تأهيل الرأسمال البشري التربوي، وفي مقدمة ذلك الارتقاء بمهنية المدرس وتطوير كفاياته.
غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تجاوز المقاربات التقليدية للتكوين، التي غالبًا ما تركز على نقل المعارف النظرية أو التدريب العملي المحدود، دون بناء حقيقي لقدرة المدرس على تحليل ممارساته التربوية في ضوء معطيات علمية. وهنا تبرز أهمية المقاربة التي يقترحها هذا الكتاب، والتي تقوم على تحويل المدرس من منفذ للتوجيهات البيداغوجية إلى ممارس باحث قادر على إنتاج المعرفة التربوية من داخل الممارسة الصفية نفسها.
ومن هذا المنظور، يقدّم الكتاب قراءة تحليلية للكفايات البحثية بوصفها أحد المكونات الأساسية لمهنية المدرس المعاصر. فالكفاية البحثية لا تقتصر على معرفة منهجيات البحث العلمي أو القدرة على إنجاز دراسة أكاديمية، بل تمتد لتشمل مجموعة من القدرات المعرفية والمنهجية والوجدانية التي تمكّن المدرس من تشخيص المشكلات التربوية، وجمع المعطيات الصفية، وتحليلها، واتخاذ قرارات تربوية مبنية على الأدلة.
كما يسلط الكتاب الضوء على الدور المتزايد الذي يمكن أن تلعبه الرقمنة والذكاء الاصطناعي في دعم هذا التوجه، سواء من خلال تسهيل جمع البيانات التربوية وتحليلها، أو عبر توفير منصات رقمية للتعلم المهني التعاوني وتبادل الخبرات البحثية بين المدرسين والمكوّنين. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن التحول الرقمي في التعليم لا ينبغي أن يقتصر على توظيف التكنولوجيا في التدريس، بل ينبغي أن يمتد ليشمل تطوير أدوات تحليل الممارسة التعليمية نفسها.
ولا تقتصر أهمية هذا العمل على بعده النظري، بل تتجلى كذلك في محاولته تقديم مقترحات عملية لإعادة هيكلة برامج تكوين المدرسين داخل المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، بما يسمح بإدماج البحث التربوي في قلب التجربة التكوينية للمدرس المتدرب. ويشمل ذلك تطوير وحدات تكوينية في البحث الإجرائي، وتعزيز مشاريع البحث الميداني داخل التدريب العملي، وإرساء شراكات بحثية بين الجامعة ومؤسسات التكوين.
ومن خلال هذا المسار التحليلي، يسعى الكتاب إلى الإسهام في بلورة تصور جديد لهوية المدرس في المدرسة المعاصرة، بوصفه فاعلًا مهنيًا يمتلك القدرة على التفكير النقدي، وتحليل ممارساته، وتطويرها باستمرار في ضوء المعطيات العلمية. وبذلك يصبح التدريس نشاطًا معرفيًا قائمًا على البحث، لا مجرد ممارسة تقنية تقتصر على تطبيق المناهج التعليمية.
في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى هذا الكتاب بوصفه محاولة علمية لإعادة التفكير في العلاقة بين التكوين التربوي والبحث العلمي داخل السياق المغربي، ولفتح نقاش أوسع حول سبل بناء ثقافة مهنية قائمة على الأدلة داخل منظومة التربية والتكوين.
تقديم : د. ادريس عبد النور
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)