التواصل ودوره في تفعيل الشراكة وبلورة مشروع المؤسسة المندمج
د عبد الجليل بوسيف
ملخص
يتناول هذا المقال إشكالية التواصل بوصفه رافعة أساسية لتفعيل الشراكة التربوية وبلورة مشروع المؤسسة في صيغته المندمجة، انطلاقًا من فرضية مفادها أن جودة التواصل بين مختلف الفاعلين التربويين والشركاء المؤسساتيين تُعد شرطًا موضوعيًا لنجاح أي مبادرة تشاركية داخل الفضاء المدرسي. وقد اعتمد المقال مقاربة تحليلية وصفية تستند إلى الأدبيات النظرية في علوم التواصل والإدارة التربوية، وإلى المرجعيات المؤسساتية والقانونية المنظمة للشأن التربوي بالمغرب، من قبيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والقانون الإطار رقم 51.17، والرؤية الاستراتيجية 2015-2030. ويخلص المقال إلى أن التواصل الفعال، بمستوياته الداخلية والخارجية، وبأبعاده الرسمية وغير الرسمية، يشكل الخيط الناظم الذي يربط بين مراحل التشخيص والتخطيط والتنفيذ والتقويم في مشروع المؤسسة، كما يُسهم في بناء الثقة المتبادلة بين المدرسة ومحيطها.
الكلمات المفتاحية: التواصل التربوي، الشراكة، مشروع المؤسسة، الاندماج، الإدارة التربوية، الفاعلون التربويون.
مقدمة
تحتل قضية التواصل موقعًا محوريًا ضمن الاهتمامات المتجددة للفكر الإداري التربوي المعاصر، باعتباره سيرورة تفاعلية تتجاوز البعد التقني الإجرائي المحض لتغدو آلية استراتيجية في تدبير المؤسسات وبناء التوافقات وتحقيق الانخراط الجماعي حول الأهداف المشتركة. ولم يعد التواصل، في هذا السياق، مجرد نقل للمعلومة من طرف إلى آخر، بل أصبح يُنظر إليه بوصفه فعلًا تربويًا بامتياز، يُسهم في تشكيل ثقافة مؤسساتية قائمة على الحوار والمشاركة والمساءلة.
ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث راهنت مختلف الإصلاحات التربوية المتعاقبة، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 فالقانون الإطار رقم 51.17، على مقاربة تشاركية تجعل من المؤسسة التعليمية فضاءً مفتوحًا على محيطه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، عبر آليتين أساسيتين متكاملتين: الشراكة التربوية من جهة، ومشروع المؤسسة بصيغته المندمجة من جهة أخرى. غير أن نجاح هاتين الآليتين رهين، إلى حد بعيد، بمدى فعالية التواصل بين مختلف الفاعلين المعنيين: الإدارة التربوية، هيئة التدريس، التلاميذ، الآباء وأولياء الأمور، الجماعات الترابية، المجتمع المدني، والقطاع الخاص.
وتنبع إشكالية هذا المقال من ملاحظة ميدانية مفادها أن العديد من مشاريع المؤسسات وأشكال الشراكة التربوية تصطدم، في واقع الممارسة، بمعيقات تواصلية تحول دون تحقيق الأهداف المسطرة، سواء تعلق الأمر بضعف تدفق المعلومة، أو غياب قنوات تواصل مؤسسية واضحة، أو صعوبة التنسيق بين الفاعلين متعددي المرجعيات والانتظارات. من هنا تُطرح الإشكالية المركزية التالية: ما الدور الذي يضطلع به التواصل في تفعيل الشراكة التربوية وإنجاح مشروع المؤسسة في بعده المندمج؟ وما هي الآليات الكفيلة بتجاوز معيقات التواصل داخل المنظومة التربوية؟
وتكتسي معالجة هذه الإشكالية أهمية مضاعفة بالنسبة للطالب المتدرب في سلك الإدارة التربوية، باعتباره الفاعل الذي سيوجد مستقبلًا في قلب هذه السيرورة التواصلية، مطالبًا بالتوفيق بين مقتضيات التدبير الإداري الصارم ومتطلبات القيادة التربوية التشاركية المرنة.
ومن الناحية المنهجية، اعتمد هذا المقال على مقاربة تحليلية وصفية، تقوم على مساءلة الأدبيات النظرية المتوفرة في حقلي علوم التواصل والإدارة التربوية، وعلى قراءة نقدية للنصوص المرجعية والقانونية المنظمة للشأن التربوي بالمغرب، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى دراسة ميدانية إحصائية بالمعنى الدقيق، وهو ما يبقيه مفتوحًا على أفق البحث التطبيقي المستقبلي.
وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنعتمد تصميمًا يتوزع على ستة محاور رئيسة: يخصص الأول للإطار المفاهيمي المؤطر للموضوع، ويتناول الثاني التواصل كآلية لبناء الشراكة التربوية، ويناقش الثالث دور التواصل في مختلف مراحل مشروع المؤسسة المندمج، بينما يرصد الرابع أهم معيقات التواصل داخل المنظومة التربوية المغربية، ويقترح الخامس آليات عملية لتفعيل التواصل وتجويد الشراكة ومشروع المؤسسة، على أن يختم المقال بمحور سادس تطبيقي يقدم نموذجًا مقترحًا لمخطط تواصلي يمكن اعتماده داخل المؤسسات التعليمية.
المحور الأول: الإطار المفاهيمي للموضوع
يستدعي البحث في العلاقة بين التواصل والشراكة ومشروع المؤسسة تحديدًا أوليًا لأهم المفاهيم المؤطرة للموضوع، باعتبار أن الدقة المفاهيمية شرط منهجي ضروري لكل مقاربة علمية.
1.1. مفهوم التواصل: التعريف والعناصر
يُعرَّف التواصل (Communication) لغةً بأنه المشاركة والتبادل، أما اصطلاحًا فيُقصد به تلك السيرورة الدينامية التي يتم بموجبها تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر بين طرفين أو أكثر، بهدف إحداث تأثير أو تفاهم مشترك حول موضوع معين. ويستند التواصل، وفق النموذج الكلاسيكي الذي أرساه كل من شانون وويفر[1]، إلى مجموعة من العناصر الأساسية المتفاعلة فيما بينها: المرسل الذي يصوغ الرسالة، والرسالة بوصفها المضمون المراد نقله، والقناة التي تمر عبرها الرسالة، والمستقبل الذي يستقبل الرسالة ويؤولها، إضافة إلى التغذية الراجعة التي تسمح بقياس مدى فهم الرسالة وتقويم فعاليتها، والسياق الذي تتم فيه العملية التواصلية.
ولا يقتصر التواصل التربوي على هذا البعد الإجرائي التقني، بل يتجاوزه إلى بعد علائقي وإنساني، حيث يرى بعض الباحثين، على غرار المقاربة التفاعلية لمدرسة بالو ألتو[2]، أن التواصل ليس مجرد نقل معلومة، بل هو بناء مشترك للمعنى ينبني على التفاعل المستمر بين الأطراف، وعلى إدراك كل طرف لموقعه وموقع الآخر داخل المنظومة العلائقية.
ومن الزاوية نفسها، تُعد صيغة لاسويل الاستفهامية[3] إطارًا تحليليًا مبسطًا ومفيدًا لفهم أي فعل تواصلي، من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: من يقول؟ ماذا يقول؟ عبر أية قناة؟ لمن يقول؟ وبأي أثر؟ ويمكن إسقاط هذا النموذج على السياق المدرسي، حيث يتحول مدير المؤسسة أو أي فاعل تربوي آخر إلى مرسل يصوغ رسائل متعلقة بالشراكة أو مشروع المؤسسة، موجهة إلى فئات مستهدفة متنوعة، عبر قنوات متعددة، بهدف إحداث أثر محدد يتمثل في التعبئة أو الانخراط أو الإقناع.
1.2. أنواع التواصل ومستوياته
يمكن تصنيف التواصل داخل المؤسسة التعليمية وفق معايير متعددة. فمن حيث الوسيلة، يُميَّز بين التواصل اللفظي الذي يعتمد الكلمة المنطوقة أو المكتوبة، والتواصل غير اللفظي الذي يشمل الإشارات ولغة الجسد ونبرة الصوت والفضاء المكاني. ومن حيث الطابع، يُميَّز بين التواصل الرسمي الذي يسلك القنوات الإدارية المعتمدة كالمراسلات والمذكرات ومحاضر الاجتماعات، والتواصل غير الرسمي الذي ينشأ عفويًا بين الأفراد خارج الأطر البنيوية الرسمية.
أما من حيث الاتجاه، فيمكن التمييز بين التواصل النازل الذي ينتقل من الإدارة إلى باقي الفاعلين، والتواصل الصاعد الذي يعكس انشغالات القاعدة نحو الإدارة، والتواصل الأفقي الذي يتم بين فاعلين في المستوى التراتبي نفسه، إضافة إلى التواصل الخارجي الذي يربط المؤسسة بمحيطها المجتمعي والمؤسساتي[4]. وتكمن أهمية هذا التصنيف في كونه يساعد الفاعل الإداري على تشخيص القنوات الأنسب لكل موقف تواصلي، بما يضمن نجاعة الرسالة ووصولها إلى الفئة المستهدفة.
1.3. مفهوم الشراكة التربوية وأسسها المرجعية
تُعرَّف الشراكة التربوية بأنها علاقة تعاقدية طوعية بين المؤسسة التعليمية وفاعل أو أكثر من الفاعلين الخارجيين، سواء كانوا جماعات ترابية، أو جمعيات المجتمع المدني، أو مقاولات القطاع الخاص، أو مؤسسات عمومية أخرى، بهدف تعبئة موارد بشرية أو مادية أو لوجستية إضافية لخدمة أهداف تربوية محددة، ضمن رؤية تشاركية تقوم على التكامل والتضامن وتبادل المنفعة. وقد أطرت المنظومة القانونية والتنظيمية المغربية هذا المجال عبر مجموعة من النصوص، أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي دعا إلى فتح المدرسة على محيطها[5]، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 التي جعلت من الشراكة رافعة من روافع الحكامة[6]، فالقانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي كرّس مبدأ التعاقد والشراكة كآلية لتعبئة الموارد وتقاسم المسؤولية بين الدولة والفاعلين غير الحكوميين[7].
وتتأسس الشراكة التربوية الناجعة على مجموعة من المبادئ، من أبرزها: وضوح الأهداف والالتزامات المتبادلة، والشفافية في تدبير الموارد، والاستمرارية في العلاقة التعاقدية، والتقويم الدوري للنتائج. ولا يمكن لأي من هذه المبادئ أن يتحقق بمعزل عن تواصل فعال ومنتظم بين أطراف الشراكة.
1.4. مفهوم مشروع المؤسسة وصيغته المندمجة
يُعرَّف مشروع المؤسسة بأنه مسلسل تشاركي تعاقدي، تحدد بموجبه المؤسسة التعليمية أولوياتها وأهدافها الخاصة، انطلاقًا من تشخيص دقيق لوضعيتها، وذلك في أفق زمني محدد، عبر تعبئة كل الفاعلين والموارد المتاحة داخليًا وخارجيًا[8]. ويشكل مشروع المؤسسة، في جوهره، ترجمة محلية للتوجهات الوطنية للإصلاح التربوي، مع مراعاة الخصوصيات المجالية والاجتماعية لكل مؤسسة.
أما الصيغة المندمجة لمشروع المؤسسة، فتحيل على مقاربة أكثر شمولية تتجاوز منطق المشاريع القطاعية المتفرقة أو الأنشطة المعزولة، لتنحو نحو دمج مختلف الأبعاد التربوية والبيداغوجية والتدبيرية والشراكاتية في رؤية موحدة ومتكاملة، تراعي الانسجام بين مختلف البرامج والمخططات التي تشتغل عليها المؤسسة، سواء تعلق الأمر بالمخطط الاستعجالي، أو برامج الدعم الاجتماعي، أو أنشطة الحياة المدرسية، أو اتفاقيات الشراكة القائمة. ويقوم هذا الاندماج على تظافر جهود كل الفاعلين التربويين ضمن حكامة تشاركية واحدة، وهو ما يجعل من التواصل الداخلي والخارجي شرطًا بنيويًا لتحقيق هذا الانسجام والتكامل.
1.5. العلاقة التكاملية بين التواصل والشراكة ومشروع المؤسسة
يتضح من خلال المفاهيم السابقة أن ثمة علاقة عضوية تربط بين التواصل والشراكة ومشروع المؤسسة، بحيث يُشكل التواصل الآلية الإجرائية التي تُفعِّل الشراكة وتضمن انسجام مكونات مشروع المؤسسة. فبدون تواصل فعال، تبقى الشراكة مجرد اتفاقية شكلية معلقة، ويبقى مشروع المؤسسة وثيقة إدارية غير مفعَّلة على أرض الواقع. وهو ما يجعل من دراسة هذه العلاقة التكاملية مدخلًا أساسيًا لفهم شروط نجاح أي مبادرة تشاركية داخل الفضاء المدرسي.
ولتوضيح هذه العلاقة بمثال ملموس، يمكن تصور مؤسسة تعليمية توقع اتفاقية شراكة مع جماعة ترابية لتجهيز قاعة متعددة الوسائط: فمهما كانت هذه الاتفاقية سليمة من الناحية القانونية والمالية، فإن نجاحها الفعلي يبقى رهينًا بتواصل واضح يشرح لهيئة التدريس كيفية استثمار هذا التجهيز بيداغوجيًا، وبتواصل موازٍ يُطلع التلاميذ والآباء على الغاية من المشروع، وبتواصل منتظم مع الجماعة الترابية حول مآل الإنجاز، وهو ما يجسد بوضوح كيف يتحول التواصل من مجرد إجراء مصاحب إلى شرط بنيوي لتحقيق الأثر المنشود من الشراكة.
المحور الثاني: التواصل كآلية لبناء الشراكة التربوية
إذا كان التواصل يشكل، كما أسلفنا، شرطًا بنيويًا لنجاح الشراكة التربوية، فإن هذا المحور يسعى إلى تفصيل الكيفية التي يسهم بها التواصل، بمستوييه الداخلي والخارجي، في بناء شراكة تربوية فعالة ومستدامة.
2.1. التواصل الداخلي: أساس التعبئة الجماعية
يُعد التواصل الداخلي بين مختلف مكونات المؤسسة التعليمية، من إدارة تربوية وهيئة تدريس وأطر إدارية وتلاميذ وجمعية آباء وأولياء التلاميذ، شرطًا أوليًا لنجاح أي مشروع شراكة. ذلك أن أي اتفاقية شراكة، مهما كانت جودتها، لن تحقق أهدافها ما لم يتم تقاسمها والتعريف بها ومناقشة مضامينها مع مختلف الفاعلين الداخليين، عبر مجالس المؤسسة ولجانها المتخصصة، بما يضمن الانخراط الفعلي وليس الشكلي في تنفيذها.
ويضطلع مدير المؤسسة التعليمية، بوصفه قائدًا تربويًا وتواصليًا في آن واحد[9]، بدور محوري في هذا الصدد، من خلال حرصه على تعميم المعلومة، وتنظيم لقاءات تواصلية دورية، وخلق مناخ من الثقة يشجع على التعبير الحر عن الآراء والانشغالات المرتبطة بمشاريع الشراكة[10].
2.2. التواصل الخارجي: بوابة المؤسسة نحو محيطها
يمتد التواصل، في بعده الخارجي، ليشمل علاقة المؤسسة التعليمية بمختلف الفاعلين المحتملين في الشراكة: الجماعات الترابية التي تُعد شريكًا استراتيجيًا في تمويل البنيات التحتية والتجهيزات، وجمعيات المجتمع المدني التي تسهم في تعزيز الحياة المدرسية والدعم الاجتماعي والنفسي، والمقاولات والفاعلين الاقتصاديين الذين يمكن أن يوفروا دعمًا ماديًا أو فرصًا للتكوين والتوجيه، إضافة إلى المؤسسات العمومية الأخرى كالمستشفيات ومراكز التكوين المهني.
ويتطلب هذا التواصل الخارجي مقاربة استباقية من لدن الإدارة التربوية، تقوم على استكشاف الشركاء المحتملين، والتعريف بحاجيات المؤسسة ومشاريعها بشكل واضح ومقنع، وصياغة خطاب تواصلي يبرز القيمة المضافة للشراكة بالنسبة لكل الأطراف، بما يخلق علاقة رابح-رابح تُحفز الشركاء على الانخراط المستدام وليس العابر.
وتجدر الإشارة إلى أن الثقة تبقى العنصر الجوهري الذي يؤطر كل تواصل خارجي ناجح، وهو ما يتقاطع مع طرح هابرماس حول الفعل التواصلي القائم على التفاهم المتبادل[11]، ذلك أن الشركاء المحتملين، سواء كانوا مؤسسات عمومية أو خاصة أو جمعيات مدنية، لا ينخرطون في علاقة شراكة إلا إذا استشعروا جدية المؤسسة التعليمية ومصداقيتها في تدبير الموارد والوفاء بالالتزامات، وهو ما يتطلب انتظامًا في التواصل وشفافية في تقديم المعطيات، بعيدًا عن أي مبالغة أو وعود غير قابلة للتحقق.
2.3. التواصل ودوره في تجويد التعاقد وتتبع الشراكة
لا يقف دور التواصل عند حدود التعريف بالشراكة أو استقطاب الشركاء، بل يمتد إلى مرحلتي التعاقد والتتبع. ففي مرحلة التعاقد، يُسهم التواصل الواضح في صياغة بنود اتفاقية الشراكة بدقة، بما يحدد التزامات كل طرف وأدواره ومسؤولياته، تفاديًا لأي التباس قد يؤدي لاحقًا إلى نزاعات أو تعثرات في التنفيذ. أما في مرحلة التتبع والتقويم، فإن التواصل المنتظم بين المؤسسة وشركائها، عبر تقارير دورية ولقاءات تقييمية، يسمح برصد الاختلالات في حينها ومعالجتها، وتثمين النتائج الإيجابية، وتجديد الثقة بين الأطراف، وهو ما يضمن استمرارية الشراكة وتطورها بدل اقتصارها على مبادرة ظرفية محدودة الأثر.
المحور الثالث: دور التواصل في مراحل مشروع المؤسسة المندمج
يُشكل مشروع المؤسسة، في صيغته المندمجة، مسارًا مرحليًا متكاملًا، يمر عبر أربع محطات أساسية: التشخيص، والبلورة والتخطيط، والتنفيذ، والتقويم. وسنحاول في هذا المحور إبراز الدور الذي يضطلع به التواصل في كل مرحلة من هذه المراحل.
3.1. التواصل في مرحلة التشخيص
تنطلق عملية بناء مشروع المؤسسة من تشخيص شامل ودقيق لوضعية المؤسسة، يشمل الجوانب البيداغوجية والتدبيرية والمادية والعلائقية. ويستدعي هذا التشخيص تعبئة تواصلية واسعة تتيح لمختلف الفاعلين، من مدرسين وتلاميذ وأولياء أمور وشركاء، التعبير عن وجهات نظرهم وانشغالاتهم عبر أدوات متنوعة كالاستمارات والمقابلات والاجتماعات التشاورية. وكلما كان التواصل في هذه المرحلة منفتحًا وشفافًا، كلما كان التشخيص أكثر واقعية وموضوعية، بعيدًا عن التشخيصات الشكلية المعدة سلفًا دون إشراك حقيقي للفاعلين.
3.2. التواصل في مرحلة البلورة والتخطيط
بعد استكمال التشخيص، تنتقل المؤسسة إلى مرحلة بلورة الأهداف والأولويات وصياغة خطة العمل، وهي مرحلة تتطلب تواصلًا تفاوضيًا بامتياز، يهدف إلى التوفيق بين مختلف الرؤى والانتظارات، وبناء توافق جماعي حول الأولويات المشتركة. ويضطلع مجلس التدبير والمجالس التربوية بدور أساسي في هذا الصدد، شريطة أن تُدار اجتماعاتهما وفق مبادئ التواصل الفعال: الاستماع النشط، ووضوح الطرح، واحترام الرأي المخالف، والبحث عن حلول توافقية بدل فرض القرارات.
3.3. التواصل في مرحلة التنفيذ والتتبع
تُعد مرحلة التنفيذ الاختبار الحقيقي لصلابة مشروع المؤسسة، وفيها يتجلى دور التواصل في تنسيق الأدوار بين مختلف المتدخلين، وضمان تدفق المعلومة حول التقدم المحرز والصعوبات المعترضة، عبر آليات كلجن التتبع واللقاءات الدورية والتقارير المرحلية. كما يُسهم التواصل المستمر في الحفاظ على الحافزية الجماعية، عبر تثمين الإنجازات الجزئية وإشراك الفاعلين في تدبير أي تعديلات طارئة على الخطة الأصلية.
3.4. التواصل في مرحلة التقويم
تختتم دورة مشروع المؤسسة بمرحلة التقويم، التي تستدعي بدورها تواصلًا واضحًا حول النتائج المحققة مقارنة بالأهداف المسطرة، من خلال تقارير تركيبية تُعرض على مختلف الفاعلين والشركاء. ولا يقتصر التقويم على وظيفة المحاسبة، بل يشكل أيضًا فرصة تواصلية لاستخلاص الدروس وإعادة البناء الجماعي للمشروع في نسخته اللاحقة، بما يضمن استمرارية دينامية التحسين المستمر.
ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن التغذية الراجعة الناتجة عن هذه المرحلة ليست غاية في ذاتها، بل هي مدخل لدورة جديدة من التواصل تفضي إلى تشخيص محين وأهداف مجددة، بما يجعل من مشروع المؤسسة سيرورة حلزونية مستمرة لا تتوقف عند إنجاز نهائي، بل تتجدد باستمرار وفق منطق التحسين التصاعدي، شريطة أن يظل التواصل حاضرًا كخيط ناظم يربط بين كل حلقاتها.
المحور الرابع: معيقات التواصل في المنظومة التربوية المغربية
على الرغم من الأهمية البالغة للتواصل في تفعيل الشراكة ومشروع المؤسسة، فإن الممارسة الميدانية تكشف عن جملة من المعيقات التي تحد من فعاليته داخل المنظومة التربوية المغربية.
4.1. معيقات تنظيمية وبنيوية
يعاني التواصل داخل بعض المؤسسات التعليمية من غياب قنوات مؤسسية واضحة ومهيكلة، حيث تظل بعض الاجتماعات والمجالس شكلية أكثر منها فضاءات تواصل حقيقي وتفاعل بناء. كما يُلاحظ أحيانًا تداخل في الأدوار والمسؤوليات بين مختلف الفاعلين، وضعف في تفعيل آليات التتبع الدوري لاتفاقيات الشراكة، مما يُضعف من انسيابية المعلومة وتناسقها.
4.2. معيقات بشرية وثقافية
ترتبط بعض المعيقات بضعف الكفايات التواصلية لدى بعض الأطر الإدارية والتربوية، سواء من حيث مهارات التعبير والإصغاء، أو من حيث القدرة على التدبير الإيجابي للاختلاف[12]. كما تسهم بعض الممارسات الثقافية المتوارثة، القائمة على منطق السلطة الهرمية الصارمة بدل منطق التشارك، في الحد من انفتاح قنوات التواصل الأفقي والصاعد داخل المؤسسة.
4.3. معيقات تقنية ولوجستية
يُضاف إلى ما سبق ضعف التجهيزات التقنية ببعض المؤسسات، خصوصًا في الوسط القروي، وصعوبة الولوج إلى وسائل التواصل الرقمي الحديثة، وهو ما يحد من إمكانية اعتماد قنوات تواصل بديلة وسريعة مع الشركاء الخارجيين، ويُبقي التواصل حبيس الأشكال التقليدية البطيئة أحيانًا في استجابتها لمتطلبات التتبع الآني للمشاريع.
4.4. معيقات مرتبطة بتعدد المرجعيات والانتظارات
يضاف إلى المعيقات السالفة الذكر تعدد المرجعيات الثقافية والمهنية للفاعلين المتدخلين في الشراكة ومشروع المؤسسة، فبينما تنطلق الإدارة التربوية من منطق مؤسساتي ضابط، قد ينطلق شركاء المجتمع المدني من منطق تطوعي أكثر مرونة، وقد تنطلق الجماعات الترابية من منطق سياسي وانتخابي له حساباته الخاصة. وهذا التباين في المرجعيات والانتظارات يفرض على التواصل التربوي أن يضطلع بوظيفة الترجمة والتوسط بين هذه اللغات المختلفة، وهي مهمة دقيقة تتطلب مرونة عالية وقدرة على قراءة السياق.
المحور الخامس: نحو آليات لتفعيل التواصل في خدمة الشراكة ومشروع المؤسسة
تأسيسًا على ما سبق، يمكن اقتراح مجموعة من الآليات العملية الكفيلة بتجاوز معيقات التواصل وتعزيز فعاليته في خدمة الشراكة ومشروع المؤسسة المندمج.
5.1. تعزيز الكفايات التواصلية للفاعل الإداري التربوي
يقتضي الأمر الاستثمار في برامج التكوين المستمر لفائدة الأطر الإدارية والتربوية في مجالات التواصل الفعال، والقيادة التشاركية، وتقنيات التفاوض وتدبير الاجتماعات[13]، بما يُمكِّنها من الاضطلاع بأدوارها كفاعل تواصلي حقيقي داخل المؤسسة وخارجها.
5.2. هيكلة قنوات التواصل المؤسسي
من الضروري إرساء نظام تواصلي واضح المعالم داخل المؤسسة، يحدد الجهات المصدرة للمعلومة والمستهدفة بها، وتواتر اللقاءات التواصلية، وأدوات التوثيق والتتبع، بما يضمن انسيابية المعلومة وتقاسمها بشكل منتظم بين كل الفاعلين، بدل الاقتصار على تواصل ظرفي ارتجالي.
5.3. الانفتاح على الوسائل الرقمية الحديثة
يُنصح باعتماد الوسائل الرقمية المتاحة، كالمنصات الإلكترونية وتطبيقات المراسلة الفورية والمجموعات الرقمية الخاصة بأولياء الأمور والشركاء، بما يُسهم في تسريع تدفق المعلومة وتوسيع دائرة المشاركة والتفاعل، مع الحرص على استكمالها بالقنوات الكلاسيكية لضمان الشمولية وعدم إقصاء الفئات الأقل ولوجًا إلى التكنولوجيا.
5.4. ترسيخ ثقافة التشارك والمساءلة
يبقى الرهان الأعمق مرتبطًا ببناء ثقافة مؤسساتية جديدة تقوم على التشارك بدل التعليمات الفوقية، وعلى الشفافية والمساءلة بدل الغموض والتستر، بما يُعيد للتواصل قيمته الحقيقية كفعل تربوي هادف إلى بناء الثقة المتبادلة بين المدرسة ومحيطها.
المحور السادس: نموذج تطبيقي مقترح لمخطط تواصلي في خدمة الشراكة ومشروع المؤسسة
تجسيدًا للمقاربة النظرية المعروضة في المحاور السابقة، يقترح هذا المحور نموذجًا تطبيقيًا مبسطًا لمخطط تواصلي يمكن أن يعتمده مدير المؤسسة التعليمية في تدبير الشراكة ومشروع المؤسسة المندمج، مع التذكير بأن هذا النموذج قابل للتكييف حسب خصوصيات كل مؤسسة وسياقها المحلي.
6.1. مرتكزات المخطط التواصلي المقترح
ينبني المخطط التواصلي المقترح على أربعة مرتكزات أساسية[14]: أولًا، تحديد دقيق للفاعلين المعنيين بكل مرحلة من مراحل مشروع المؤسسة، سواء كانوا فاعلين داخليين أو خارجيين. ثانيًا، اختيار آليات التواصل الأنسب لكل فئة من الفاعلين، بين الاجتماعات المباشرة والمراسلات الرسمية والوسائل الرقمية. ثالثًا، تحديد الأدوات الداعمة لكل آلية، من محاضر وتقارير ولوحات إعلانية ومنصات رقمية. رابعًا، تحديد المخرج المنتظر من كل عملية تواصلية، بما يسمح بتقييم مدى تحقق الهدف منها.
يمكن قياس نجاعة هذا المخطط التواصلي من خلال مجموعة من المؤشرات الكمية والكيفية، من قبيل: نسبة حضور الفاعلين في اللقاءات التواصلية المبرمجة، ودرجة وضوح المعلومة المتداولة لدى مختلف الأطراف، وعدد الاختلالات التي تم رصدها ومعالجتها في وقتها بفضل التتبع التواصلي المنتظم، ومدى استمرارية الشركاء في الانخراط عبر الدورات المتعاقبة لمشروع المؤسسة. وتبقى هذه المؤشرات أدوات استئناسية قابلة للتكييف حسب أولويات كل مؤسسة وإمكاناتها.
خاتمة
خلص هذا المقال إلى أن التواصل يشكل، بمختلف مستوياته وأشكاله، الرافعة الأساسية التي يقوم عليها نجاح الشراكة التربوية وتفعيل مشروع المؤسسة في صيغته المندمجة. فمن خلال التواصل الداخلي، تتحقق التعبئة الجماعية حول أهداف الشراكة ومشروع المؤسسة، ومن خلال التواصل الخارجي، تنفتح المؤسسة على محيطها وتستقطب شركاء فاعلين وموارد إضافية. كما تبين أن التواصل يرافق مشروع المؤسسة في كل مراحله، من التشخيص إلى التقويم، بما يضمن انسجامه واستمراريته.
غير أن هذه الأدوار الحيوية للتواصل تظل مرهونة بتجاوز جملة من المعيقات التنظيمية والبشرية والتقنية التي ترصدها الممارسة الميدانية، وهو ما يستدعي تظافر الجهود على مستوى التكوين والتأطير والحكامة المؤسساتية، بما يُمكِّن من الانتقال بالتواصل من ممارسة ارتجالية ظرفية إلى ثقافة مؤسساتية راسخة، تُشكل الأساس المتين لكل مشروع تربوي طموح.
وفي الأخير، يبقى هذا الموضوع مفتوحًا على مزيد من البحث الميداني الذي يمكن أن يستقصي، عبر أدوات كمية وكيفية، تمثلات الفاعلين التربويين الفعليين حول واقع التواصل داخل مؤسساتهم، بما يُغني النقاش النظري بمعطيات تجريبية دقيقة.
وانطلاقًا من هذه الخلاصات، يمكن التوصية بضرورة إدراج مكون التواصل التربوي بشكل أكثر عمقًا ضمن برامج تكوين الأطر الإدارية التربوية، ليس بوصفه مادة نظرية معزولة، بل بوصفه كفاية عرضانية تُبنى عبر التداريب الميدانية ومحاكاة المواقف الواقعية، إلى جانب ضرورة تفعيل آليات مؤسساتية دائمة للتواصل داخل كل مؤسسة تعليمية، بدل الاكتفاء بمبادرات ظرفية مرتبطة بمناسبات معينة، وذلك حتى يستقر التواصل كثقافة راسخة تخدم استدامة الشراكة التربوية ونجاعة مشروع المؤسسة في بعده المندمج.
لائحة المراجع
1. الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المغرب، 1999.
2. الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المغرب.
3. القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الجريدة الرسمية، المغرب، 2019.
4. وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية، المغرب.
5. وزارة التربية الوطنية، دليل مشروع المؤسسة، المغرب.
6. علاوي عبد الرحمان، الإدارة التربوية والتدبير المدرسي، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء.
7. بوعزة أحمد، التواصل التربوي: المفاهيم والوظائف، منشورات مجلة علوم التربية.
8. Watzlawick P., Beavin J. H., Jackson D. D., Une logique de la communication, Éditions du Seuil, Paris.
9. Shannon C. E., Weaver W., The Mathematical Theory of Communication, University of Illinois Press.
10. Habermas J., Théorie de l'agir communicationnel, Fayard, Paris.
[1]Shannon C. E., Weaver W., The Mathematical Theory of Communication, University of Illinois Press, Urbana, 1949.
[2]Watzlawick P., Beavin J. H., Jackson D. D., Une logique de la communication, Éditions du Seuil, Paris, 1972.
[3]Lasswell H., «The Structure and Function of Communication in Society», in The Communication of Ideas, Institute for Religious and Social Studies, New York, 1948.
[4]بوعزة أحمد، التواصل التربوي: المفاهيم والوظائف، منشورات مجلة علوم التربية، الطبعة الثانية، الدار البيضاء.
[5]الميثاق الوطني للتربية والتكوين، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الطبعة الأولى، المغرب، 1999.
[6]الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المغرب، 2015.
[7]القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الجريدة الرسمية عدد 6805، المغرب، 2019.
[8]وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، دليل مشروع المؤسسة، الطبعة الأولى، الرباط، المغرب.
[9]علاوي عبد الرحمان، الإدارة التربوية والتدبير المدرسي، منشورات عالم التربية، الطبعة الثالثة، الدار البيضاء.
[10]وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية، الطبعة الأولى، الرباط، المغرب، 2008.
[11]Habermas J., Théorie de l'agir communicationnel, Tome 1, Fayard, Paris, 1987.
[12]وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، دليل مشروع المؤسسة، مرجع سابق.
[13]علاوي عبد الرحمان، مرجع سابق.
[14]وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية، مرجع سابق.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20260712%2Fob_1c0428_.jpg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)