الأمن التربوي ورهانات المدرسة المغربية
د.عزالدين النملي
دراسة محكمة
أستاذ محاضر المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين سيدي قاسم المغرب
مقدمة: لاشك أن الاقتراب من مفهوم "الآمن التربوي" الذي ما يزال في مرحلة التبلور والتشكل، يجعل الباحث منذ الوهلة الأولى يتملكه شعور صادم، حين يروم الإمساك به وهو يسبح في لجته بسبب ما يحفه من مزالق، فيحتار بداية في إنتاج خطاب علمي يتعمق أغواره وأخاديده، لكونه يتأبى عن التحديد، لتشابك موضوعاته وتنوع مرجعياته وهلامية هويته، الأمر الذي يمنحه طابعا تركيبيا ويضفي عليه شمولية واتساعا وانفتاحا، وذلك راجع لأهميته الوظيفية وطريقة اشتغاله، التي لا تعود فقط لطبيعته، وإنما لصفة الدينامية الكامنة في أعماقه وشمولية دلالاته. وتأثيره اللانهائي على .مختلف الممارسات المرتبطة بأشكال الحياة العامة.
Introduction : Il ne fait aucun doute que l'approche du concept de « sécurité éducative », qui est encore au stade de la cristallisation et de la formation, fait que le chercheur possède dès le premier instant une sensation choquante, lorsqu'il veut l'attraper alors qu'il nage dans sa mer à cause des embûches qui l'entourent, et ses sillons, parce qu'elle refuse d'être définie, du fait de l'imbrication de ses thèmes, de la diversité de ses références, et de la gélatine de son identité, qui lui donne un caractère synthétique et donne sa globalité, son ampleur et son ouverture, en raison de son importance fonctionnelle et de son mode de fonctionnement, qui tient non seulement à sa nature, mais aussi à la caractéristique dynamique inhérente à sa profondeur et à la globalité de ses connotations. Et son influence sans fin sur diverses pratiques liées à la vie publique.
ولعل المعاجم العربية( )، ظلت في تناولها لهذا المفهوم حبيسة البعد الديني والخلقي، وهذا أمر طبيعي، لأنها كانت محكومة بالسياق التاريخي والشروط السوسيوثقافية التي تحركت فيها.
في حين أن المعاجم الغربية( )، واعتبارا لمعطى العلوم الإنسانية ونظريات التعلم والفلسفة والسوسيولوجيا ، تقدم دلالة تستجيب للشروط التاريخية الراهنة من حيث الأبعاد والأنواع والوظائف والدلالات والتحولات العلمية.
لهذا يبدو، أن المفهوم من خلال مكوناته الملفوظية، طافح بدلالات تربوية وثقافية ممتلئة بمعاني وقيم إنسانية روحية، مضيء بأبعاد سلوكية وحضارية وتاريخية تمارس حضورها بالاندماج اندماجا كليا، وواضحا في بنيات المجتمع برمته، فتؤثر على الحياة المادية والمعنوية للإنسان، في أفق السمو والرقي بالذات والمجتمع بشكل يحيل على الأمن والأمان والطمأنينة والسلم والسلام.
ومن دون ريب، فإن المؤسسة التعليمية التي تنهض على استراتيجية العمق (التفكير في المعاني والقيم والعلاقات)، هي التي تجعل الفرد مسؤولا عن سلوكاته، يعبر عن قيم الذات التي نسميها بحق شغبا أو عنفا أو إخلالا بالأمن المدرسي. لأنه يتربى على قيم تسمو به عن مثل ذلك بكثير مثل (الاستقلالية، التصميم، احترام الذات، التخلص من الخوف، الثقة بالآخرين)( ).
نستشف من ذلك، أن الأمن التربوي إدراك للذات بكل أبعادها ووظائفها وأدوارها داخل المجتمع في حركية جدلية بينها وبين الآخر فردا كان أم جماعة، إنه احتواء وتمثل القيم التراثية والحضارية المحلية والعالمية في أشكالها المضيئة وتجسيدها على أرض الواقع، وانفتاح على قيم السلام والمثل الرفيعة المستقطرة من التعلمات والمعارف، وكذا انتصار لقيم الحق والخير والجمال، التي تنطق بها الديانات والمذاهب الإنسانية، حفاظا على الأمن والسلم الاجتماعيين.
بهذا المعنى، يغدو الأمن التربوي نهضة شاملة للذات، لضمير الأنا، والأنت، والنحن، كل من موقعه من أجل تجسيد إنسانية الإنسان والانتصار للطّهرانية والفضيلة وتغيير العقليات والسلوكات حتى يصبح كل منا "آمنا" على نفسه وغيره ومحيطه، في استحضار للقوانين الزجرية، وإخضاع الجميع لها كيفما يكون الموقع الاجتماعي أو الاقتصادي، في حالة ارتكاب أي تجاوز يعاقب عليه القانون بتفعيل الآليات القانونية لتقويم مظاهر الانحراف والفساد الإداري، واستغلال النفوذ أو السلطة( ). بهذا المعنى يصبح الأمن صيرورة ترمي إلى الكمال في تصاعدها نحو الإنسان( ) ،تنمية للقدرات الذاتية ليصبح الشخص ملتزما بالمساهمة في الجهود المشتركة التي يقوم بها مع الآخرين لتشييد عصره( ).
وبديهي أن الأمن التربوي، تتنازعه كل أنواع الأمن (الأمن الذاتي والقضائي والقانوني والتدبيري والاقتصادي والمالي والاجتماعي والصحي والمعلوماتي والطرقي والوطني)، ويغلف كل الحقول والمجالات، إنه القطب الرئيس والحاضن للسلم الاجتماعي، لهذه الغاية والمكانة أصبح مطلبا حضاريا ،ومقياسا رئيسا في استقرار المجتمعات والشعوب.
ولعل هذا ما يبرر مقولة "كانط" ،من أن" الحرص على التنشئة الخلقية، ينبغي أن لا يكون الإنسان مؤهلا لشتى أنواع الغايات فحسب، بل ينبغي أيضا أن يكتسب إحساسا يجعله لا يختار إلا الغايات الحسنة، وهي التي يتبناها بالضرورة كل شخص ويمكن أن تكون في الوقت ذاته غايات كل إنسان( ). ويبدو أن المفكر المغربي طه عبد الرحمان قد جعل هذه التنشئة الخلقية، تستغرق استغراقا شموليا كل سلوكات الفرد المختلفة، بقصد تحقيق أمن تربوي فريد، يسع كل شيء، إنها لا تتناول بتعبيره علاقات الفرد بخالقه أو بما سواه من الأفراد في المجتمع فحسب، بل تتناول علاقاته بالكائنات الحية، حيوانات أو نباتات، و لا تقف في توسعها عند هذا الحد، بل إنها تتعداه إلى أن تشمل كل شيء، جامدا كان أو حيا، معنويا كان أو ماديا( ).
1. الأطر المرجعية الدينية والقانونية والتربوية
تتشكل المرجعية الدينية للأمن التربوي من القرآن الكريم والسيرة النبوية والإسلام وباقي الديانات السماوية الأخرى، ويهمنا هنا الوقوف على الأمن التربوي في القرآن والسنة النبوية،باعتبارهما "الموروث الإسلامي الخالص، لأن نظام القيم الخاص به يستند بصورة أو أخرى إلى المرجعية الإسلامية، وعمادها القرآن والحديث"( ).
يظهر من خلال القرآن والسيرة النبوية، رهان الإسلام الكلي على تأسيس منظومة الأمن التربوي، بشكل يجعل الإنسان يسمو بتربيته وسلوكه قولا وفعلا، فيترك آثارا إيجابية في نفس الفرد والمجتمع، ويؤسس لقيم ترقى إلى الكونية.
1.1. المرجعيــــــــة الإسلاميــــة
أ) القـــرآن الكريــــم
يستفيد الأمن التربوي في بلادنا من القرآن الكريم، باعتباره مصدرا إلهيا، غني بمعطياته العلمية ومكوناته المعرفية وأخلاقه الكونية، مما يجعله يتسم بالغنى والتنوع، وذلك استنادا إلى مجموع الآيات والتعابير والمفاهيم القرآنية التي تحيل على الأمن، وما تنطوي عليه من أبعاد دلالية وقيم خلقية، على اختلاف السياقات والمقاصد. انطلاقا من تمظهراتها وتجلياتها كما يتضح للمتلقين عموما.
ولعل أول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم "اقرأ"( )، تعبيرا على الأهمية البالغة التي يحتلها الأمن التربوي والإنساني ،باعتباره دستور المسلمين والمغاربة على حد سواء، وأمام كل أنواع الأمن الأخرى لتتوالى بعد ذلك آيات متعددة، نذكر منها كالآتي :
ـ ﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمراتُ كل شيء رزقا من لدنا، ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون﴾( ).
ـ ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يومنون وبنعمة الله يكفرون﴾( ).
ـ ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السَّيْر، سيروا فيها ليالي وأياما آمنين﴾( ).
ـ ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾( ).
ونتوقف عند قوله تعالى المتمثل في دعوة إبراهيم الخليل، لما شيد بيت الله الحرام، قال تعالى : ﴿وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بَلَدًا آمنا وارزق أهله من الثمرات، من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾( )، حيث قدم الأمن على الرزق، من باب تقديم الأهم على المهم. وعلى اعتبار أن الإنسان لا يستطيب له العيش من دون أمن.
وأيضا قوله تعالى لكل الناس : ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾( )، في توجيه خطابه الإلهي لكل الأفراد والجماعات والدول من المؤمنين، أن يتحروا الصدق ويتحلوا بمجموعة من الصفات الإيمانية في الحركات والسكنات من الإخلاص والأمانة ،واستحضار الرقابة ... لكي ينعم الله عليهم بالأمن، على أساس أن أساس السلم والأمن في الحياة ،رهين بالفعل الإيجابي المثمر البناء.
والملاحظ أن الآيات السالفة، حاملة لمعاني الأمن بشتى أنواعه التربوي، الاجتماعي، الاقتصادي والنفسي حسب السياق، وبصيغ صرفية وخصائص أسلوبية متنوعة.
ب) السيـرة النبويـة
بصفة إجمالية تنطوي السنة النبوية على نسق قولي، ونظرات حكيمة ممتدة في أرض الواقع العملي، حيث يتبين من خلال السيرة، أن مجموعة من الأحاديث والمواقف النبوية تؤشر على الأمن التربوي شكلا ومضمونا.
فقوله عليه السلام : "طلب العلم فريضة على كل مسلم"( ) وقوله "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله يؤمن. قيل : ومن يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بَوائقَهُ"( ). وكذلك كما ورد في كتب السير والتراجم، عن تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى معالجة مشكلة المهاجرين بعد أن تركوا منازلهم ومتاعهم، وهاجروا إلى المدينة بدينهم، فعمد إلى مؤاخاة المهاجرين والأنصار على الحق والمساواة( )، ثم عملية إطلاق سراح أسرى غزوة بدر الكبرى، على أساس فداء بعض الأسرى مرتبط بتعليم عشرة صبيان المدينة، الكتابة والقراءة( )، وفي فتح مكة استأمن أبا سفيان( )، الذي نادى قومه، من دخل داري فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه الباب فهو آمن( )".
ساهمت هذه الأحاديث والمواقف النبوية في توجيه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية على عهد الرسول، كما أظهرت حرصه عليه السلام، على الترجمة العملية للأمن التربوي سلوكا وممارسة ،من خلال التأمين الاجتماعي والنفسي والمعرفي، كمظاهر للأمن التربوي بكل دلالاته الرمزية.
2.1. المرجعية القانونية - الدستـور
يعتبر الدستور إطارا مرجعيا رئيسا في هذا الباب، إذ يمد الباحث بمادة علمية وقانونية، ويوجه نظره صوب عدد من الأبواب والفصول والعناصر الفرعية، التي يستشف منها المتلقي، عبر مساحته الكاليغرافية بالتصريح أو بالتلميح، تيمات مختلفة تشكل فيما بينها وحدات مستقلة، ولكنها تظهر تضامنا داخليا له قوانينه الخاصة، لتأدية وظائف متنوعة، تكشف عن مقصدية تحيل على حقل الأمن التربوي، نذكر منها على سبيل المثال :
• إقامة مؤسسات دولة حديثة يتمتع فيها الجميع بالأمن والحرية والكرامة، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة( ).
• حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما( ).
• الاهتمام باللغات العربية والأمازيغية، والحسانية .. واللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب .. وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، باعتبارها وسائل التواصل، والانخراط والتفاعل في مجتمع المعرفة( ).
• تنمية الإبداع الثقافي والفني والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة( ).
• التمتع بالحقوق المدنية والسياسية( ).
• توفير تعليم عصري ميسر والاستفادة من التربية البدنية والفنية( ).
• التعليم الأساسي حق للطفل( ).
• تأهيل الأشخاص المعاقين .. إعاقة جسدية أو حسية أو حركية وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية( ).
• تأمين وتتبع وضعية الأسرة والطفولة( ).
• النهوض بتطوير الحياة الجمعوية( ).
تبعا لما تقدم، فإن الدستور يضع استراتيجية واضحة، ورؤية طموحه لاستتباب الأمن التربوي، عبر تنزيل مشاريع كبرى لها علاقة بالأمن المعرفي، والحقوقي، والبيئي والصحي، واللغوي، والقضائي، والأسري، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، في اتجاه خدمة القضايا الاجتماعية والإنسانية، بالرهان على تحقيق السلوكات المدنية الصادقة والانفعالات الدافقة، ضمن رهان أمن المجتمع المغربي ككل، في أفق إضاءة الحقائق وإنارة الطريق بعدد من الإنجازات، ذات البعد التواصلي والإنساني والاجتماعي.
3.1. المرجعيــة التربويــة
إن إدراك المجتمعات العالمية لأهمية الأمن التربوي، ودوره في تحقيق التنمية وبناء المجتمع الحديث، جعلها تراهن على تعميق وتوحيد أنظمته. وقد طالت هذه العملية البنية التحتية : بناء المدارس والجامعات والكليات المتعددة التخصصات وإصلاح الطرق والتجهيز، علاوة على تطوير الممارسات البيداغوجية ومراجعة البرامج والمناهج، كل ذلك خدمة للتنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية( ).
ولعل صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين (2000/2010) باعتباره إطارا عمليا متماسكا في المنطلقات والغايات والأهداف والتصورات، ووثيقة هامة لإصلاح المنظومة التربوية، وتحقيق أمن تربوي في ظل دولة الحق والقانون( )، وذلك من خلال جل الأقسام والمجالات والدعامات والبنود، التي يتكون منها، حيث نلمس، أنه صبّ اهتمامه على تحسين نوعية التربية والتكوين عن طريق تعميم التعليم ضمانا للجودة( )، وتقليص النسبة العامة للأمية بين صفوف المغاربة( ) وإعادة تنظيم وتمفصل أسلاك التعليم والتكوين( )، وملاءمة نظام التربية والتكوين للمحيط الاقتصادي( )، ومراجعة وتكييف المقررات وطرق التدريس والكتب المدرسية والوسائط التعليمية( ) وحفز هيئة التدريس والتأطير في مختلف الأسلاك( ) إلى جانب تحسين الظروف المادية والاجتماعية للمتعلمين والعناية بالأشخاص ذوي الحاجات الخاصة( ) ووضع شراكات وتشجيع القطاع الخاص( ).
وفي سياق مواجهة التحديات المحلية والعالمية الكاسحة ،جاء البرنامج الاستعجالي لتسريع إنجاز إصلاح منظومة التربية والتكوين ، الذي امتد أربع سنوات 2009/2012 وامتاح مرجعيته من ميثاق التربية والتكوين ،على أساس إعطاء الإصلاح نفسا جديدا( )، وبغية إدماج متطلبات الأجرأة، بتنظيمها في شكل مشاريع منسجمة ومتجانسة، تعتمد المقاربة بالمشروع ،لإتاحة الفرصة أمام تنفيذ البرنامج الاستعجالي.
وقد جعل البرنامج المتعلم في قلب المنظومة التربية والتكوين، وسخر كل المشاريع سواء المرتبطة بالبنية التحتية أو الخادمة للجانب البيداغوجي من أجل توفير الشروط الكفيلة لتحقيق التفوق والجودة بمختلف أسلاك التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، وتأمين الزمن التربوي ليكون في مستوى التطلعات.
وانسجاما مع منطق التاريخ والتطور، وتماشيا مع التحولات الدولية في مجالات الأمن التربوي وحقوق الإنسان، والمناهج والمعرفة، ولمواكبة التغيرات السريعة للمنافسة القائمة بين سائر المجتمعات، برزت الرؤية الاستراتيجية الجديدة للإصلاح 2015/2030، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، التي تعمل الوزارة الوصية حاليا على بلورة وإرساء استراتيجية تنموية تحقق من خلالها أمنا تربويا يحد من اهتزاز صورة الأمن التربوي، بالرهان على تربية تكون في مستوى حضارة الإنسان المغربي وتاريخه ومقوماته الثقافية والسياسية والاجتماعية.
ويبدو أن تكرار لفظ "تأمين" في الوثيقة "الخطة" على الشكل التالي :
تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين( ).
تأمين تمدرس استدراكي متكامل ومندمج لكافة المنقطعين( ).
تأمين التعلم مدى الحياة( ).
طريقة إبلاغية تؤشر على الرغبة الأكيدة للرؤية الاستراتيجية ،في كسب رهان الإصلاح بواسطة الرافعات المحورية وما يندرج تحتها من عناصر، أبرزها :
ضمان الحق في التربية للجميع، وتحقيق إلزامية التعليم الأولي( )، والتنشئة الاجتماعية والتربية على القيم في بعديها الوطني والكوني( ) وتخويل تمييز إيجابي لفائدة الأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص( )، وإرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية( ). وتطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار( )، والتمكن من اللغات المدرسة وتنويع لغات التدريس( )، وترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة( ).
كل هذا انسجاما مع المقتضيات الدلالية، والمستلزمات المعنوية والمقامات التداولية التي تحيط بهذه الرافعات وما تختزنه من معاني، وتأسيسا لخطوات إجرائية تروم تأهيل الموارد البشرية في سبيل تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ قيم الأمن التربوية في المتلقي ومحاولة إقناعه وتحسيسه بضرورة مواكبة التغيير، وتكريس المبادئ الراقية، والمقاصد الرفيعة التي تشكل في مجموعها سلوكا مدنيا راقيا، يأخذ بأسباب التعلم، ويراعي التفاعل الإيجابي بين المدرسة والمجتمع والأسرة، ويسمح بإزهار القيم المعرفية والأخلاقية، وقيم المواطنة، عن طريق تجفيف ينابيع الأمية والجهل، وتنمية القدرات الذاتية والعقلية للمتعلمين. فقد تأكد تجريبيا مع بيغز Biggs وكوليس Collisأن المتعلم الذي يخلصه مربّوه من البنية المعرفية الغير مبنية، يحصل عنده انطلاق نموه على ثلاثة مستويات : أخلاقي، للذاكرة، ولقيم المواطنة، ثم يبلغ ذروته إن هو بلغ مستوى البنية المعرفية الممتدة نحو التجريد، مرورا بالبنية المتعددة العناصر Multistructral، وقبلها البنية الأحادية (القدرة على التعامل مع عنصر أو متغير أوحد) فالبنية العلائقية (إدراك العلاقات والتفاعلات)، يصبح المتعلم حينها، مثلا قادرا على إدراك العلاقة بين سلوكه "المتهوّر" المخل بـ"الأمن المدرسي"، وبؤس مصيره( ).
2. مظاهر حضور الأمن التربوي بالمدرسة المغربية
1.2. المظهر المادي للأمن التربوي
لا يمكن لأي مُتتبع أن يتجاهل المجهودات التي قامت بها الدولة والوزارة الوصية وكل الفاعلين والمقاولين، أثناء تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ويؤكد تقرير حول 50 سنة من التنمية بالمغرب، أن معدل التمدرس انتقل في السلك الابتدائي من 17 % سنة (1956/1957) إلى 46,7 % سنة (1963/1964)، ليصل هذا المعدل مع عشرية الميثاق إلى 94 % سنة (2004/2005)( )، وعملت أيضا على توفير العلاجات الصحية الأولية وإنجاز البنيات الأساسية( )، واجتهدت في إطار برنامج عام لتزويد الوسط القروي بالماء، حيث تمكنت إدارة الدولة من رفع معدل التزويد إلى 60 % سنة 2004( )، وبالموازاة مع ذلك، عملت على تعميم كهربة الوسط القروي PERG، وقد مكن هذا البرنامج من رفع معدل كهربة العالم القروي إلى 55 % مع نهاية سنة 2003( )، والبرنامج الوطني لبناء الطرق القروية الذي انطلق سنة 1995، ويرمي إلى تحسين معدل ولوج السكان القرويين للطرق لكي يتم رفعه إلى 80 سنة 2015( )، وقد انصب انشغال الوزارة في إطار مواصلة تفعيل مشاريع البرنامج الاستعجالي ،على التحقيق الفعلي لإلزامية التعليم إلى غاية 15 سنة، وخصوصا المشروع E1P4 الذي ارتبط بالعمليات التالية :
ـ توفير النقل المدرسي للمتعلمين والمتعلمات بالوسط القروي، حافلات، دراجات هوائية، سيارات رباعية الدفع، وذلك في إطار الاتفاقيات المبرمة بين الأكاديميات والولاية والوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات ANAPEC( ).
ـ تعميم اللباس الموحد في التعليم الإلزامي، للارتقاء بالحياة المدرسية، وجعل المدرسة فضاء للتعايش المبني على الاحترام والتفاهم، وعلى أسس الاندماج الاجتماعي والحماية الجسدية والنفسية والأخلاقية( ).
ـ المبادرة الملكية "مليون محفظة" على مستوى المؤسسات التعليمية بهدف القضاء على الهدر المدرسي( ).
ـ برنامج تسير، الذي يقوم بتحويلات مالية مشروطة، وقد شمل في المرحلة الثانية السلك الثانوي الإعدادي، كل ذلك للحد من ظاهرة الهدر المدرسي والحد من الأمية باستفادة الأسر بالعالم القروي من الدعم المالي( ).
ـ التدابير الخاصة بتحسين ظروف الإقامة بالأقسام الداخلية في شأن أصناف ومقادير المنح( ).
ـ الشراكات الجهوية والوطنية والدولية.
ـ تشييد المؤسسات الجماعية وبناء أقسام ودور الطالبة تشجيعا للفتاة القروية لمتابعة الدراسة، بالإضافة إلى بناء كليات متعددة التخصصات بكثير من المدن المغربية، أو أحياء جامعية ودور للطلبة والطالبات. لكن بالرغم من كل المجهودات،سيظهر أن الإقبال الواسع على التعليم، ما زال يحتاج ويتطلب الكثير من أوراش البناء والإصلاح.
مما لا شك فيه، أن هذه المشاريع المنجزة تؤثر في السياق الاجتماعي الذي تتحرك فيه، وفي كل مستفيد ومستفيدة، على أساس أن كل واحد يشكل بناء نفسيا وجسديا وروحيا وسلوكيا، لذلك يتفاعل معه نفسيا ووجدانيا، إنه فعل يُخرج الإنسان من دائرة النسيان والإقصاء، إلى دائرة العناية ومركز الاهتمام، مما يجعل الوعي بالأمن التربوي يتقوى لديه ـ ولو تدريجيا ـ ويمنحه الشعور بالانتماء، ويسمح له بالتفاعل إيجابيا مع البنية الاجتماعية والطبيعية.
نستنتج من ذلك، أن هذه البرامج تسمح للمواطن بالاندماج والمشاركة، خاصة عندما تتقاطع مع البرامج والخطط التنموية التربوية والثقافية والروحية، الأمر الذي يدفعه للمضي بشكل تصاعدي لتحقيق إنسانيته.
2.2. المظهر المعنوي والثقافي للأمن التربوي
نتجه في هذا العنصر بسهم التحليل إلى المظهر المعنوي والأدبي للأمن التربوي الذي يسري مثل تيار كهربائي في أوصال المرجعيات التربوية : الميثاق الوطني للتربية والتكوين، البرنامج الاستعجالي، الرؤية الاستراتيجية.
انطلاقا من مجموع الكفايات التي تحرص المرجعيات التربوية الرهان عليها، بصيغ مختلفة، لأنها تمثل الغايات الكبرى، وتكشف عن المقصدية العامة منها،يظهر أن الإلحاح عليها وتكرارها يكتسي أهمية بالغة وبعدا وظيفيا هاما، يمنح بموجبه الأمن التربوي الحياة والدينامية، ومن أهم هذه الكفايات : الكفاية التواصلية، الكفاية المعرفية، الكفاية القيمية.
* الكفاية التواصلية : تتحقق حين تجعل المتعلم في قلب الاهتمام( ) باعتباره محور الفعل التربوي، وفاعلا أساسيا في بناء التعلمات( ) وحين تترك له فرصة الانفتاح على العصر واكتساب اللغات والمعارف( ).وتفتح أمامه الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية( ) والأنشطة الموازية( )، وفي السياق تعمل على حفز التفاعل الإيجابي للمتعلمين( ) وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي( )
وتفتح أمامه الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية( ) والأنشطة الموازية( )، وفي السياق نفسه حفز التفاعل الإيجابي للمتعلمين( ) وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي( ) وتوثيق العلاقة مع الأسرة( )، والانفتاح على المحيط والتفاعل معه( )، والتمكن من اللغات وتنويع لغات التدريس( ).
تنصهر هذه العناصر مجتمعه في بوثقة الأمن التربوي، كمميزات وسمات للمظهر المعنوي، وتنهض بوظائف سامية، تلقي بآثارها الإيجابية على أجواء وقنوات التواصل، لكونها تسمح للذات المتعلمة بإبراز مقوماتها وبناء ذاتها على أساس التفاعل والتلاقح، وتبادل التأثير والتأثر، من خلال التأكيد على محورية ودور الأنشطة الموازية، في إغناء الذات وإشعاعها، وكذا تعلم اللغات الذي يسمح بتجسيد التواصل ،وتذويب كل المشاعر السلبية، ويعطي أيضا لمسؤولي الإدارات التربوية فرصة مد جسور التواصل الاجتماعي مع الأسرة، وكل الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، مما يسمح بإشاعة الثقة بين كل الأطراف، وإقامة بناء اجتماعي متماسك بين الأفراد والجماعات، تعزيزا لقيم المواطنة، وترسيخا لقيم الفضائل الأخلاقية، وتثبيتا للضوابط التواصلية، حفاظا على أمن البلاد ومصالح العباد.
*الكفاية المعرفية:تبرز الكفاية المعرفية بشكل لافت ،في تضاعيف الأطر المرجعية التربوية، من خلال الرهان الأساس على حزمة من الإجراءات والتدابير، التي تلبي حاجات المدرسة المغربية والمجتمع قاطبة، خاصة ـ وكما هو واضح ـ أن الذي يُفلح في القرن الواحد والعشرين، يملك القوة المعرفية والعلمية والأخلاقية والإنسانية، القمينة بصيانة الأمن التربوي ومن أهم الإجراءات المعلنة :
ـ إلزامية التمدرس من السنة السادسة إلى تمام الخامسة عشرة كرهان مجتمعي رئيس( ).
ـ التحرر من الأمية عن طريق التزام الدولة اجتماعيا، بالتربية غير النظامية ومحاربة الأمية، على المدى المتوسط، وفي أفق الإرساء الكلي لمقاربة نوعية تهم التقليص من النسبية العامة للأمية( ).
ـ تعميم التعليم الأولي، الذي يعد القاعدة الأساس لكل إصلاح تربوي، باتخاذ عدة تدابير تهتم بإحداث إطار مؤسسات تختص بالتعليم الأولي، ووضع إطار مرجعي واضح، وعدة للتكوين تؤهل كافة المربيات والمربين، بالإضافة إلى فتح أقسام للتعليم الأولي بالمناطق القروية بمؤسسات التعليم الابتدائي ،وتعزيز تأطير التعليم الأولي بأطر التفتيش، تتيح تقويم المربين( ).
ـ اعتماد التكوين المستمر بكافة الأسلاك( ).
ـ إعادة هيكلة أسلاك التعليم وتحيين البرامج والمناهج البيداغوجية والتقويم والتوجيه، وفي هذا السياق، فقد تمت مراجعة كل برامج ومقررات التربية الإسلامية لمختلف الأسلاك، كما شرعت الوزارة الوصية في تحيين برامج الابتدائي إلى حدود السنة الرابعة ابتدائي( ).
ـ توجيه المقاربات البيداغوجية نحو استهداف التّمكن من مختلف المعارف، باعتماد الكفايات اللازمة لكل مستوى( ).
ـ إدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال( ).
انطلاقا من هذه المداخل الكبرى والدالة، يستشف المتلقي بأنها تتقاطع وتتلاقى جميعها عند الأمن التربوي، ذلك أن إلزامية التعليم ومحاربة الأمية وتعميم التعليم الأولي، وتحيين البرامج والمقررات واعتماد المقاربات البيداغوجية اللازمة، واستعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وتبني فلسفة التكوين المستمر، تحاول بشكل من الأشكال مواجهة الأمية بكل أنواعها ومظاهرها، مواجهة جذرية حازمة، على اعتبار أن كل مظاهرها متكاملة، بالرغم من اختلاف أشكالها وصورها، سعيا لربح رهان الاندماج الاجتماعي، وتجاوز الصعوبات ورفع التحديات المرتبطة بالرأسمال البشري، الكفيل بتجسيد الأمن التربوي، والسمو بكل أنواع الأمن الأخرى سلوكا وتدبيرا وتقويما، والأقدر أيضا ـ في حال نجاح هذه الرهانات ـ على مواجهة قضايا ومشاكل الغد، وتحقيق نتائج إيجابية في شتى مجالات الحياة اليومية، وترسيخ أخلاقيات وسلوكات تصبح قواعد مجتمعية.
*الكفاية القيمية:تتموقع الكفاية القيمية في قلب الأطر المرجعية التربوية السالفة الذكر، لذلك حظيت بأهمية قصوى واهتمام بالغ، اعتبارا لتفشي ممارسات وسلوكات تنتهك منظومة القيم، وتتعارض مع المضامين الفلسفية للرسالة التربوية للمدرسة، وقد جاءت هذه الرؤية القيمية لمحاربة السلوكات المشينة ،من خلال الإعلان عن إجراءات تروم تخليق الفضاء المدرسي والمحيط، حتى تصير المرتكزات القيمية جزءا لا يتجزأ من واقعنا اليومي، ومن الإجراءات والتدابير المعلن عنها نذكر العناصر التالية :
ـ الاهتداء بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية، لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة، المتسم بالاعتدال والتسامح( ).
ـ التشبع بالقيم الدينية والخلقية والوطنية والإنسانية الأساسية( ).
ـ ترسيخ القيم وتقوية الانتماء والحوار بين الثقافات والحضارات ..، ومبادئ وقيم حقوق الإنسان( ).
ـ بناء مواطن متمسك بالثوابت الدينية والوطنية للغرب مُتحلٍّ بقيم المواطن وفضائل السلوك المدني، متشبع بالمساواة والتسامح واحترام الحق في الاختلاف( ).
نسجل هنا، أن الأطر المرجعية التربوية عمدت إلى جعل التربية على القيم سواء المرتبطة بالقيم الدينية أو تلك المتعلقة بالقيم الوطنية، أو الخلقية أو التواصلية، خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، في محاولة لإدماج المقاربة القيمية والأخلاقية والحقوقية في طلب المناهج والوسائط التعليمية في أفق ترجمة هذه الأفكار إلى سلوكات مدنية داخل البيئة المدرسية والجامعية والتكوينية وحسن الانتماء إلى الوطن( ).
ويبدو، أن رهان هذه القيم مجتمعة، خليق بتحقيق أمن تربوي وسلم اجتماعي، على أساس أن استمرار المجتمع وبقاءه رهين بالتشبع بالقيم الإسلامية في علاقة بقيم المواطنة وحقوق الإنسان. إن تجاوز القيم وتعاضد كل من الأخلاق والقانون "يساهم بكل جدارة في توطيد دعائم الاستقرار الاجتماعي والتحضر والازدهار، بينما غياب أو ضعف القيم الأخلاقية في الأمة يؤدي إلى اضمحلالها وتدهورها. أما غياب أو نقص سيادة القانون، فيكرس للصراع الاجتماعي، ويصعد المشاكل الاجتماعية، ويجعل البلاد عرضة للفوضى وعدم الأمن والاستقرار( ).
والجدير بالذكر، أن ترجمة القيم إلى سلوك فعلي وممارسات وتصرفات عملية، في إطار تنمية الكفايات الضرورية في هذا السياق، "يتطلب : تجاوز أساليب الوعظ والنصح والأمر والنهي وتقديم المعلومات والمعارف، إلى اعتماد مقاربات إنماء القيم والاتجاهات وطرائق التربية الوجدانية وأساليب التعلم بالممارسة، والانخراط في أنشطة تترجم القيم والاتجاهات إلى سلوك فعلي يتوافق فيه النظر بالعمل، وتتلاحم فيه الأقوال والأفعال( ).
3. أبرز الإكراهات التي تواجه تحقق الأمن التربوي بالمدرسة المغربية
في هذا السياق، سينصب الاهتمام على إثارة نقاش حول أبرز الإكراهات التي ترصدها البحوث التربوية والميدانية( )، فيما يتعلق بالثغرات التي تعرقل تفعيل محاولات الإصلاح المتتالية، دون أن تنجح في تحقيق جانب مهم من ملموسية الأمن التربوي، ودرجة تأثير ذلك على المرفق العام والسلوكات المدنية. الأمر الذي يستدعي البحث عن أسباب ودواعي ضآلة وخفوت مظاهر وتجليات الأمن التربوي والقيمي والإنساني بالمدرسة المغربية. ومما يجعل الأمر مربكا ،أن الاقتراب من هذه الاختلالات الإدارية والتصرفات السلبية للذات والجماعة في مجالات الحياة اليومية، والتي تنتشر في المدرسة، والشارع، والإدارة ...، هو طابعها التركيبي، حيث يتداخل فيها التربوي والنفسي والسوسيواقتصادي والسياسي، لذلك ينبغي، أن يتقصد النظام التربوي العنصر البشري، ويؤهل المدرسة المغربية لكسب رهان الأمن التربوي، عبر إحداث تغيير داخل المؤسسة وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية ..، حتى تتكامل العناصر المعرفية والعناصر القيمية والخلقية والحقوقية، على اعتبار أنه المدخل الوحيد نحو بناء مواطن حامل للقيم المحلية والحضارية والكونية، متمسك بالثوابت الدينية والوطنية والقيم الإنسانية ،التي تصنع له الوازع الذاتي والرقيب الداخلي في الخلوات والجلوات والسر والعلن، ولعل هذا ما حدا بمارتن لوثر إلى القول : "ليست سعادة البلاد بوفرة إيرادها ولا بقوة حصونها، ولا بجمال مبانيها، إنما سعادتها بعدد المهذبين من أبنائها، وبعدد الرجال ذوي التربية الأخلاقية فيها( ).
وفضلا عن هذا وذاك، يمكن أن نحصر أهم مظاهر الإكراهات المشوشة على الأمن التربوي، بحسب الأسلاك التعليمية فيما يلي :
1.3. سلك التعليم الأولي والابتدائي:
نسجل منذ البداية أن هناك غياب للتعليم الأولي بالمؤسسة العمومية، وإن كانت هناك استثناءات تتمثل في مؤسسة محمد السادس للتعليم الأولي، التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد، أما بالنسبة للتعليم الخصوصي، فإن حضوره يشكو من نقص حاد على مستوى البنى التحتية والتجهيزات والفضاءات، وأيضا من فقر في التجربة والتأطير والمراقبة، ولعل هذه الحلقة من التعليم الشبه المفقودة ،تنبع أهميتها من كون "التجارب التي يحياها الطفل خلال السنوات الخمس أو الست الأولى من حياته تفرز تركيب شخصيته مدى الحياة. ولهذا فإن عملية تربية الطفل وتثقيفه خلال هذه السنوات أمر حاسم بالنسبة إلى الفرد وبالتالي إلى المجتمع"( ).
أما بالنسبة للمرحلة الابتدائية، فعلى الرغم من إعادة الهيكلة ومراجعة البرامج من السنة الأولى إلى السنة الرابعة ،بشكل يتماشى مع المرجعيات والغايات الكبرى للميثاق في التنشئة الاجتماعية، فما تزال هناك أمور عديدة تؤثر على الترجمة الفعلية للقيم الدينية والخلقية والإنسانية، منها :
• صعوبة تفعيل الحياة المدرسية لكثرة عدد ساعات العمل 30 ساعة أسبوعيا.
• ظاهرة الاكتظاظ التي استفحلت بشكل ملفت.
• نقص في أطر التفتيش.
• انعدام المرافق الصحية بالوسط القروي، والقاعات المتعددة الوسائط، والقاعات المخصصة للأنشطة الموازية.
• إعادة انتشار الأساتذة، وعملية الضم دون اعتبار لمصلحة المتعلمين.
• انعدام الساحات لممارسة التربية البدنية.
• ندرة التنسيق بين الأسرة والمدرسة، ومؤسسات المجتمع المدني والسلطات المحلية.
• عدم احترام أوقات الدخول والخروج، وفترات الاستراحة، وعند بداية السنة ونهايتها، وقبل وبعد العطلة، كمؤشرات تدفع إلى طرح أسئلة حول الظاهرة التي اتسعت، حتى صارت عرفا لا يقبل النقاش.
• كثرة الغياب في صفوف التلاميذ والمدرسين على حد سواء، بسبب الملل والقلق من المستقبل، أو بسبب فقدان الثقة، وتكاسل وتماطل في أداء الواجبات المدرسية ونوع من الهروب من المسؤولية( ).
• العنف والعدوانية والتمرد على القوانين، حيث أصبح العنف جزء من سلوك عام داخل المؤسسة، لدى التلاميذ ولدى أوليائهم، ولدى العاملين فيها : تكسير للمقاعد والنوافذ، اعتداء على الأطر التربوية ورشقهم بالحجارة، تلطيخ للجدران، التمرد على العمل، تمرد على الواقع، مخالفات سلوكية وأخلاقية مختلفة، وبعض مظاهر الانحراف والإدمان( ).
• كثرة المواد المقررة وطولها.
• تشتت الفرعيات بالمجموعات المدرسية وغياب الرقابة الذاتية، يؤثر سلبا على عملية التعلم.
2.3 سلك التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي
من المعلوم أن سلكي التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، يعاني من إكراهات مختلفة، منها :
ـ ارتفاع ظاهرة الاكتظاظ بالمؤسسات التعليمية.
ـ تباين عدد ساعات العمل، حيث تتأرجح بين 24 ساعة و12 ساعة بالإعدادي، وبين 21 ساعة و8 ساعات بالتأهيلي، مما يخلق جوا مشحونا بين الأطرالتربوية ، ومع الإدارة الإقليمية أو الجهوية أحيانا.
ـ غياب النسقية بين المواد التعليمية، إذ هناك فجوات أفقية بين الأسلاك، وأيضا بين بعض المواد التربية الإسلامية والفلسفة، وبين لغة التدريس والمواد العلمية.
ـ الخصاص في بعض الأطر من هيئة التدريس والتفتيش.
ـ تنوع مؤسسات التعليم والتربية، فهناك العمومية والخصوصية، والتعليم الأصيل، والعتيق وتعليم البعثات الخارجية، مؤسسات التعليم الفرنسي والإسباني ..، في غياب تصور واضح عن مواصفات الإنسان والمجتمع الذي نريد الحصول عليه.
ـ تنامي ظاهرة الغش في التقويمات الإشهادية، وتطور أساليبها، اعتبارا لامتدادات الغش السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ـ اهتزاز القيمة العلمية للشواهد المغربية الباكالوريا (مثلا).
ـ تفشي ظاهرة العنف بين مكونات المؤسسات والتحرش الجنسي.
3.3. مؤسسات التعليم العالي :
نتيجة للتحولات والتغيرات التي بات يشهدها التعليم العالي على مستوى البنيات المؤسساتية والنظام البيداغوجي والعلاقة بالمحيط، التي مست في العمق وظائفه وقيمه المعرفية والثقافية، فقد أصبح هذا التعليم من جراء هاته التحولات يواجه العديد من الإكراهات التي تؤثر سلبا على المكانة العلمية و الإشعاعية له، أبرزها:
- تراجع القيم التربوية وقيم العلم والعقل التي تشيعها الجامعة داخل المجتمع.
- تراجع المكانة الاجتماعية والثقافية للإنسان المثقف العارف بمعناه الأنتليجنسي: نساء ورجال الجامعة والباحثين والكتاب.
- ضعف الإقبال على المنتوج الأكاديمي ،بسبب انهيار معادلة الشهادة الجامعية للشغل أو الوظيفة( ).
ـ الحديث عن حلقات منفصلة وجزر متباعدة بين الشعب، لاعتبارات ذاتية ومذهبية وفكرية واختلافات لغوية.
ـ الصراع الطلابي وتعدد الفصائل وموجة العنف التي تعصف بها أحيانا.
ـ غياب ربما دفتر التحملات، يطرح مشكل التنسيق بين الأساتذة داخل الشعبة الواحدة، لتقريب وجهات النظر وخلق الانسجام والتكامل في الوظائف والأدوار.
ـ اجتثاث مواد الفنون من مراكز التكوين كالموسيقى والرسم والتشكيل.
ـ طابع الارتجالية في إسناد مسؤولية التدريس، عبر خطية غير مستقرة على أسلوب واحد فهناك (التكوين الأساس، الخدمة المدنية، التوظيف المباشر، إعادة الإدماج، التوظيف بالعقدة...) وما لذلك من أثر مباشر على المردودية.
يبدو من خلال ما سبق، أن الرهان الحقيقي ينبغي أن ينصب على إعادة الاعتبار لهيئة التدريس ولدورهم وللمدرسة العمومية، لأنه بالرغم من كل الإكراهات والعوائق، فهي الأقدر على التأثير في الحياة التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لما لهيئة التدريس من دور في بناء الإنسان وتشكيل توجهاته، وإثراء مقوماته الإنسانية، وإنارة عتمة الطريق، وتصحيح السلوك، بتحويل الدوافع الداخلية إلى دوافع خارجية إيجابية، لأن الذي ينمو أخلاقيا لا يحتاج إلى أمن، وما يؤكد هذا الدور الطلائعي للمدرس، قول الباحث والمفكر اللساني عبد القادر الفاسي الفهري، في إحدى حواراته : "إن التعليم ليس هو المدارس الجملية، ولا الميزانيات "المعتبرة" ولا حتى الوسائط العصرية. لقد أفسدنا التعليم العمومي، ونحن في طريق القضاء عليه، لم نرصد الداء بوضوح، وبقينا حبيسي التبريرات والتهربات من تحديد المسؤوليات والتقارير الفوقية. حينما كنا ندرس، كان المعلم هو المسؤول، وإذا لم يفهم التلاميذ أو ينجحوا، يحمّل المسؤولية، وكان المربي مكونا محترفا ومؤطرا بإدارة تربوية مكوّنة ومحترفة ،والكل يحسب الحساب للقيام بالمسؤولية أحسن قيام، وللمحاسبة، كان التعليم والتأطير جيدين للمعلمين، وكانت النتائج جيدة عند من يقدرون المسؤولية، وكانت المحاسبة شرسة"( ).
خلاصــــــة واستشرافـــــات :
إن موضوع الأمن التربوي يحتل مكانة استراتيجية في المنظومة التربوية لأنه آلية حضارية راقية، لتحصين كل المظاهر وحمايتها من إنسان، وطبيعة، وثروات، وعمران، وتراث، وحضارة، وقيم، وتاريخ، من كل سلوك عدواني مدمر، إنه صمام أمان الذات والأفراد والجماعات محليا وعالميا، وأداة للاستقرار الروحي والسلم الاجتماعي، في ظل منتظرات للمدرسة المغربية وما توصلت إليه فعلا، خاصة بعد الرهانات التي تمخضت عن محطات الإصلاح منذ الاستقلال إلى مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي، ثم الرؤية الاستراتيجية المتوسطة المدى التي ابتدأت سنة 2015 وستستمر إلى حدود سنة 2030، على أنه يجب أن نعتبر الإكراهات التي تشكو منها المنظومة طبيعية، لأن التربية قائمة بين ما يجب أن يكون "المثال" وبين ما هو كائن وممكن ،وفق شروط وإكراهات اجتماعية وسياسية واقتصادية، و استحضار أن المغرب يعيش مخاض النقلة الحداثية، وفي نفس الوقت المحافظة على قيمة الدينية والحضارية الأصيلة، وهذه نفسها صعوبة لن تتغلب عليها إلا التربية.
وقبل الختام نتقدم ببعض المقترحات كاستشرافات ،لبلوغ المقاصد المثلى من الأمن التربوي، وهي كالتالي :
ـ إعادة الاعتبار للمدرسة المغربية، واسترجاع الثقة بها وبدورها في تحقيق رهانات الأمن التربوي كممارسة وسلوك ،من لدن كل الأطراف من المتدخلين والفاعلين والشركاء وجمعيات المجتمع المدني، حتى يصير فضاء مرغوبا فيه من طرف الكل.
ـ إحداث حوافز مادية ومعنوية لهيئة التدريس، وتوفير مناخ نفسي واجتماعي، ومناخ تربوي ملائم حتى يشعر بأهميته ودوره، ومدى قيمته من حيث هو فاعل تربوي( ).
ـ الحرص على وضوح التعاقد بين التربوي والاجتماعي والسياسي.
ـ إحداث محترفات للتربية الفنية والجمالية بمؤسسات التعليم المدرسي والجامعي، لمواجهة شتى أشكال التطرف والعنف.
- تأهيل الرأسمال البشري من حيث السلوك ،و نظم العلاقة بين الإنسان و ذاته ومجتمعه و العالم.
ـ محاولة صياغة مفهوم تكاملي للتربية استجابة لمراكز اهتمام المتعلم.
- السهر على التنشئة الأمنية بكل أبعادها منذ مرحلة الطفولة المبكرة.
ـ عقد العزم على تجفيف ينابيع الأمية، لأن التاريخ الراهن لا يقبل بين أحضانه الفئات الأمية أو غير المؤهلة لمسايرة المستجدات المعرفية، ولمواكبة الإيقاع السريع للمنافسة القائمة بين سائر المجتمعات.
ـ تنمية الاتجاه الإيجابي نحو التغيير، سعيا لتجاوز الوضع الراهن والمساهمة فيه بفعالية.
ـ إدراج "الأمن التربوي" ضمن مجزوءة من المجزوءات المدرسة بالجامعة والمعاهد العليا، وإقرارها بالبرامج والمقررات بجميع الأسلاك التعليمية.
ـ توقيع الجامعات والمعاهد العليا لشراكات مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية لتأطير هذه المجزوءة.
- معالجة كل التوثرات القائمة بين بعض المواد و التخصصات،من غير اجترار نفس الأوراق و نفس الأعطاب،و تقاذف المسؤوليات،و ذلك بمنظور الفعالية و النجاعة و المشترك الوطني.
- تضافر جهود جميع المتدخلين من أجل التصدي الحازم للسلوكات اللامدنية ،التي ما فتئت تتنامى داخل مؤسسات التربية و التكوين، وأيضا بالمجتمع
ـ جعل الروحي مشبعا بالروحية وليس مفرغا من كل روحية.
- العمل على تخفيف الهوة بين الخطاب حول القيم و الحقوق والواجبات، وبين الممارسة الفعلية لها، بالنظر إلى استفحال السلوكات المخلة داخل المدرسة وخارجها.
على سبيل الختم.
ويبقى التفاؤل يحدونا والأمل ديدننا جميعا، لترسيخ ثقافة الأمن التربوي، التي ليست بالأمر الهين والسهل، ولن تحصل بمجرد إيماننا بضرورة حصولها، لأن الأمر مركب ومعقد وفي غاية الصعوبة، دون أن يعني هذا التخلي عن إيماننا العميق به، لتحقيق الأمن والسلم الاجتماعي، بكل الوسائل المتاحة حتى تتركز إنسانية الإنسان ويتقوى جانبه العقلي والتربوي والتنظيمي والجمالي والتواصلي ،على جانبه الحيواني ليصل إلى اكتماله الأوفر( ).
لائحة المصادر والمراجع
- • القرآن الكريم برواية ورش، دار الكتب العلمية، بيروت، ماي 2013.
- • ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت 1994.
- • ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الجيل، بيروت، 1991. إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط.
- • Le nouveau Petit Robert, De Paul Robert, Nouvelle édition millésime 2010, Paris.
- • Le Petit Larousse illustré وLa Rousse/VUEF 2003
- Entwistle NEel, Style of learning and Teaching chechster, New York 1996.
- • محمد عزيز الحبابي، من الكائن إلى الشخص، دار المعارف، مصر.
- • محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ط. 2، بيروت 2006.
- • الميلود السعيدي، التحصيل الجامعي: مشكلاته المجتمعية وقضاياه البيداغوجية والمعرفية، الجزء الأول، مطبعة أنفو – فاس، ط.1، 2008.
- • طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، ط. 3، 2006.
- • إمانويل كانط، تأملات في التربية، دار محمد على للنشر، ط. 1، 2005.
- • السيوطي والألباني، مختصر صحيح الجامع الصغير، ط. 1، شركة أنفا للنشر والإنتاج الفني.
- • الإمام البخاري، صحيح البخاري، ط. 1، 1423 هـ.
- • رشيد عبد الله الجميلي، تاريخ الدولة العربية الإسلامية، مكتبة المعارف، الرباط، ط. 1، 1983.
- • أبو محمد الملك، السيرة النبوية، لابن هشام، دار الكتاب العربي، ط. 2، 1989.
- • دستور المملكة المغربية، صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، ط. 2.
- • رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المملكة المغربية.
- • Biggs. G. B. and Collis. K. F., Evaluation The quality of learning : The Solo Taxonomy, sydney : Academic Press, 1994.
- • المغرب الممكن، إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك، تقرير الخمسينية، مطبعة دار النشر المغربية 2006، الدار البيضاء، المغرب.
- • وزارة التربية الوطنية، المذكرة الوزارية رقم 127 بتاريخ 5 يونيو 2010.
- • المدرس وأخلاقيات المهنة، سلسلة التكوين المهني، لجنة الإعداد، خالد المير ومحمد الدويب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001.
- • وزارة التربية الوطنية، التربية على المواطنة والسلوك المهني، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، نونبر 2012.
- • خالد المير ومحمد الدويب، المدرس وأخلاقيات المهنة، سلسلة التكوين المهني، لجنة الإعداد، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001.
- • وزارة التربية الوطنية، التربية على المواطنة والسلوك المهني، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، نونبر 2012.
- • محمد الدريج، المنهاج المندمج، أطروحات في الإصلاح البيداغوجي لمنظومة التربية والتكوين، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط. 1، 2015.
- • هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الرابعة 1991.
- • الخمار العلمي، المعرفة والسلطة دراسات في التربية والطفولة والجنس، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995.
- • نحو تحديث مناهج التعليم، عالم التربية العددان 6 ـ 7/1999.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20230605%2Fob_1253ec_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)