في تدبير الوضعيات التعليمية التعلمية
د. طريق زينون. المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس-مكناس.
دة. غزلان شهبون. باحثة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين فاس-مكناس.
دراسة محكمة
الملخص:
يعد تدبير الفصل الدراسي من العمليات التي تثير قلق المدرسين؛ خصوصا المبتدئين منهم والأساتذة المتدربين. لهذا تعد عملية التدبير من المهارات الأساسية في وظيفة المدرس، فهي تعكس القدرة على تنظيم التعلمات وإيقاعاتها، وبنائها بناء متسلسلا ومتدرجا، تستثمر أهم الطرائق والاستراتيجيات التربوية في عملية التدريس، في ظل النموذج البيداغوجي القائم على الكفايات الذي يحرص على جعل المتعلم محور العملية، ومركز الاهتمام في الفعل التربوي. ونظرا لأهمية موضوع تدبير الوضعيات التعليمية التعلمية، سنقف عند مفهوم الوضعية التعليمية التعلمية، وأنواعها وخصائصها، وكيفية بناء مختلف الوضعيات وتدبيرها، من أجل بيان الشروط المناسبة والسياقات السليمة التي تسعف في تحقيق أهداف التدريس بكفاءة عالية، ونجاعة متميزة.
الكلمات المفاتيح: التدريس- الكفايات- الوضعيات التعليمية التعلمية- التدبير.
- تمهيد:
يعد التدريس عملية تفاعلية، تجري أحداثها في قاعة الدرس بين المعلم والمتعلم والمادة المدرسة. وهو من أصعب المهن التي تتطلب مجهودا فكريا وعقليا مضنيا؛ لأن المدرس يتعامل مع عقول بشرية مختلفة ومتنوعة، لها ميولاتها ومنازعها وقناعاتها وتمثلاتها الخاصة. فالتدريس عملية تقتضي امتلاك مهارات مهنية ومعرفية عالية خاصة، ترتبط بالتخطيط للتعلمات وتدبيرها وتقويمها، واستثمار أهم الاستراتيجيات والطرائق التدريسية أثناء الاشتغال داخل الفصل الدراسي، وعند تنفيذ ما تم التخطيط له قبلا.
إن العملية التعليمية التعلمية تقتضي التقيد بتسلسل منطقي ووبناء منظم ومحكم، وبرؤية منهجية ونسقية، إذا أردنا تعليم شيء؛ أكان معرفيا أو مهاريا أو قيميا أخلاقيا. بحيث تنجم عن هذا خطوات وسيرورة تعليمية، تبدأ بالاستعداد ثم الإقدار، فتعلم مهارة ثم الإبداع من خلال استثمار الكفاية المكتسبة في وضعيات جديدة وضمن سياقات مغايرة أو متشابهة.
وتستند عملية تدبير التعلمات في جوهرها إلى التمكن من مجموعة من المهارات والتقنيات المهمة؛ تتجلى في صفات المدرس الشخصية والإنسانية، ومهارة التحضير للدرس، ومهارة إدارة الصف، والشرح والإيضاح، وتوظيف الوسائل. وهذه المهارات بكل تأكيد تتكامل وتتداخل. ولا يمكن التخلي عنها في إعداد المدرس الإعداد الصحيح والجيد. فمكونات العملية التعليمية التعلمية تتفاعل فيها مجموعة من الأبعاد والمتغيرات التربوية والإنسانية والمادية. وتسعى في النهاية إلى إكساب المتعلم بوصفه محور العملية مجموعة من المعارف والمواقف والاتجاهات والخبرات والمهارات. ومن خلال هذا المقال سنقارب كيفية تدبير الوضعية التعليمية التعلمية.
- في مفهوم تدبير الفصل الدراسي وشروطه:
بعيدا عن اختلاف التعاريف لمفهوم التدبير التربوي، يمكن القول إنه حسب (brophy Jere) "مجموع الأفعال أو التدخلات التي يقوم بها المدرس داخل الفصل لأجل توفير بيئة مناسبة وجيدة للتعلم، ورعايتها"، (امحمد جبرون، الأساس في علم التدريس، ص 114). إن التدبير التربوي عملية اتخاذ جملة من الإجراءات والأساليب والاستراتيجيات التي توظف من أجل تنظيم كل العناصر الفاعلة في عملية التدريس، إنه عملية تنظيم لأنشطة الدرس، وبيئة التعلم والتفاعلات داخل القسم، من أجل تحسين أداء المتعلمين والرفع من جودة تعلماتهم، ومن ثم الحد من المشكلات التي تواجههم في مسارهم التربوي.
وينبني التدبير التربوي على مجموعة من الإجراءات والتقنيات وأساليب التدريس، التي يتم من خلالها الربط بين الكفايات والمحتويات وسائر الأنشطة التعليمية التعلمية وصيغ التقويم ربطا منظما وهادفا. وبعبارة أخرى؛ إن التدبير الديدكتيكي هو القدرة على إدارة التعلمات وبنائها؛ انطلاقا من مدخلات واضحة ودقيقة، وإجراء جملة من العمليات الناتجة عن تفاعل عناصر الفعل التعليمي وتكاملها، للوصول إلى مخرجات ونتائج فعلية، مما يفرض توفير معطيات وموارد تناسب مستوى المتعلم، حتى يستطيع معالجتها بوعي وإغناءَها بمعارف وتعلمات جديدة.
ويتوخى التدريس حسب امحمد جبرون إلى "توفير بيئة جيدة للتعلم الأكاديمي، وذلك بحسب المواد والتخصصات، وتوفير بيئة لتعلم قيم العيش المشترك، وذلك بتدريب التلاميذ على المهارات الاجتماعية"، (امحمد جبرون، الأساس في علم التدريس، ص114). ومن هنا اتفق الباحثون على أن "المدرس المتميز هو الذي يستطيع إحداث التغيرات المرغوبة في سلوك المتعلمين، في ضوء الأهداف. وأن الخدمة الوظيفية لا تعني خبرة مهنية، فكم من معلم حديث العهد بالعمل استطاع أن يستوعب خبرات تعليمية كبيرة في فترة وجيزة، وكم من معلم أمضى في وظيفته السنين والأعوام وبقي على حاله دونما تطور في الأداء أو تحسن يلاحظ فيذكر"، (نصر الله محمد محمود معوض، المدخل إلى استراتيجيات التدريس، ص65).
وبما أن عملية التدبير تهدف إلى تنظيم الفصل، وتطوير الاستقلالية، وبث روح المسؤولية وإشاعة ثقافة الاختيار؛ فإن هناك ثلاث نظريات لفعل تدبير الفصل الدراسي: النظرية الإنسانية التي تجعل من إدارة الصف فرصة للتخلي عن السلوك غير السوي، وتقوية تقدير الذات واستعداداتها وميولاتها الإنسانية الإيجابية، وتعزيز الاستقلالية، وزرع ثقافة الاختيار لدى المتعلم وتحبيب التعلم له. أما النظرية السلوكية فتهتم بكيفية تغيير سلوك المتعلم، بالتعزيز الإيجابي واللجوء إلى العقاب والحساب أحيانا في عملية التدبير، من أجل السيطرة على القسم وضبطه، والتحكم في كل سلوك غير سوي أو تصرف متهور طائش. أما النظرية السوسيو-معرفية فتنظر إلى المتعلم نظرة متكاملة، تراعي الجوانب الثقافية والاجتماعية والتربوية والإنسانية. وتذهب إلى أن تجويد عملية التدبير تبقى رهينة ببناء علاقة إيجابية اتجاه المتعلم، لهذا ينبغي تحفيزه إلى التعلم الذاتي وإلى التعاون والتشارك مع زملائه. (رولا قبيسي وعزيز رسمي ويوسف أمهال، الممارسات المهنية للمدرسين، ص 187-188). وبناء عليه؛ فإن النموذج التدريسي التكاملي يسمح للمدرس بدعوة المتعلمين إلى العمل بالمشاريع، والتعلم بالمشكلات والاكتشاف، والتشارك والتعاون في بناء المعارف والمهارات والقدرات.
ولا شك أن وضع ميثاق للعمل يساعد على تحقيق الأهداف والتعاون من أجل ممارسة صفية ناجعة. وهذا يقتضي من المدرس أن يواكب جميع الوضعيات الخاصة، ويتعامل معها بروح إيجابية تحافظ على السير العادي للأنشطة الصفية. كل هذا يسلمنا إلى الحديث عن شرط التواصل الجيد في فضاء القسم، الذي يتأسس على ترك مساحة أكبر للمتعلم للتعبير عن أفكاره وتمثلاته، حتى يكتسب الثقة في نفسه. ومن ثم يأخذ المبادرة للانخراط والتعاون في بناء تعلماته. فلا مناص من إقامة علاقة إيجابية بين جميع الفاعلين في العملية التعليمية التعلمية، وتوفير البيئة الإنسانية الآمنة. وهو ما يتطلب هذا وضع قواعد الانضباط وميثاق أخلاقي لضمان إدارة جيدة للفصل الدراسي التي من شأنها الحفاظ على النظام وتحقيق الأهداف المنشودة. (رولا قبيسي وعزيز رسمي ويوسف أمهال، الممارسات المهنية للمدرسين، ص189-192).
- في مفهوم الوضعية التعليمية التعلمية وسياقها التربوي:
فرضت المقاربة بالكفايات التي تبناها المغرب أسلوبا تدريسيا خاصا، يتأسس على اختيار مجموعة من الإجراءات والتقنيات التي تلائم وضعيات محددة وهادفة ودالة ذات معنى، يكون محورها وفاعلها الأساس هو المتعلم، وهو ما يفرض على المدرس أن ينظم أنشطته وأنشطة متعلميه؛ بما يسهم في تحقيق الكفايات والأهداف المسطرة في المنهاج الدراسي، وبما ينمي مكتسبات المتعلمين ومعارفهم وخبراتهم، وتنشيط المعارف السابقة. لهذا الغرض اقترحت في جميع أسلاك التعليم مجالات ومحاور، بوصفها سياقات معرفية وتربوية وتواصلية واجتماعية، تصرف وتمرر من خلالها مختلف المضامين والمكتسبات والتعلمات. وهو ما سيدفع المتعلم إلى التفاعل والتشارك في بناء المعرفة وتطوير شخصيته نحو الأفضل. وهو ما يقتضي التطوير والتغيير المستمرين في الممارسات الصفية بما يناسب حاجات المتعلمين، مع مراعاة كل العوامل المحيطة بعملية التدريس.
وتعد الوضعيات السياق الأنسب للتدريس وفق المقاربة بالكفايات. ويعرف معجم أوكسفورد الوضعية بأنها "معظم الظروف والأشياء التي تقع في وقت خاص، وفي مكان خاص. أما معجم روبير الصغير فالوضعية هي "أن تكون في حالة أو مكان حيث يوجد الشيء أو يتموقع".(عن الطاهر قدوري وإدريس الحافيظ وعبد العزيز غوردو، درس الاجتماعيات، تخطيطا وتدبيرا وتقويما، ص52).
فالوضعية في الحقل التربوي هي ذلك السياق الذي يوجد فيه المتعلم؛ في علاقة مع المادة ومع المدرس، والتي تشمل مجموعة من الإجراءات والخطوات والعمليات والأفعال التربوية، فهي "كل وضعية مخطط لها انطلاقا من أهداف أو حاجات أو مشكلات، وتشمل مجموعة من العناصر المتفاعلة (مدرس، تلاميذ، مادة وسائل...)"، (عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، ج2، ص 860). فالتدريس وفق المقاربة بالكفايات يجعل المعرفة منبثقة من سياق خاص ودال، وتتحقق من خلال وضعيات تعليمية تعلمية دالة قريبة من واقع المتعلم ومعبرة عنه. لهذا لا توضع المعرفة مباشرة رهن إشارة المتعلم، بل تبنى من خلال أنشطة ووضعيات تتيح للمتعلم فرص التدخل والمشاركة الفعالة.
وفي هذا السياق يمكن التأكيد أن مفهوم الوضعية يشير "إلى كل وضعية يخطط لها المدرس انطلاقا من أهداف، أو حاجات، أو مشكلات، ويصف هذا المفهوم كل وضعية تتم في سياق معين، هو الفصل الدراسي، غالبا، وتنطوي كل وضعية على عناصر متفاعلة فيما بينها، مثل المدرس، والتلاميذ، والمحتوى، والوسائل المساعدة، والتقويم...(جامع جغايمي، التدريس بالوضعيات، ص 14).
إن الوضعية تعكس فعل التعليم والتعلم الذي يشمل مختلف أشكال وأنماط التفاعل والتواصل بين عناصر المثلث الديدكتيكي: ( مدرس-متعلم-مادة دراسية)، بهدف تحقيق الأهداف والكفايات المسطرة في المنهاج الدراسي. وتظل بمنزلة سيرورة أو عبارة عن مسار تعليمي تعلمي، يقوم من خلاله المتعلم بأجرأة مختلف العمليات والوظائف لترسيخ تعلماته وتثبيتها وإرسائها، وتصحيح تمثلاته، وبناء معارف وتصورات جديدة، ودمجها مع المكتسبات السابقة، لاتخاذ القرار المناسب وأداء الفعل الملائم.
ويتحقق فعل التعليم من خلال مجموع القرارات والأنشطة التي يؤديها الأستاذ من أجل بناء الكفايات النهائية المسطرة في المنهاج الدراسي، أما فعل التعلم فيتحقق من خلال الأنشطة المنبثقة من ذوات المتعلمين واجتهاداتهم، والتي تهدف إلى إرساء الموارد وإكسابها؛ أكانت معرفية أم مهارية أم عبارة عن مواقف سلوكية إيجابية. فالوضعية إذن؛ نشاط أو أنشطة تعلمية، يتفاعل معها المتعلم من أجل بناء تعلماته وتطوير مكتسباته السابقة، وتعديل مواقفه واتجاهاته وسلوكاته، فيكون هدفها الارتقاء بقدرات المتعلم وإمكاناته. وغالبا ما تطرح تحديا معرفيا أو قيميا أو مهاريا أمام المتعلم، فيسعى إلى إيجاد حل ملائم له. (وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والبحث العلمي والتعليم العالي، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، مجزوءة تدبير التعلمات، 2017، ص 18-19).
وتنطوي الوضعية على استراتيجية معينة في التدبير الديدكتيكي، والتي تعد "خطة إجرائية تتميز بتكامل مكوناتها من المبادئ والأنشطة والعوامل التربوية، ويقوم بها نوع محدد من التلاميذ لتحقيق نوع محدد من التعلم". (عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، ج2، ص872).
وتتطلب الوضعيات مهمات أدائية من المتعلم، ترتبط بأهداف معينة، حسب طبيعة المقطع التعليمي التعلمي، وسيرورات الدرس وخطواته المنهجية. ويوجد المتعلم من خلال الوضعية في سياق تعلمي حقيقي يطرح أو يواجه عددا من التحديات والعوائق المعرفية، ليطور منتوجا تعلميا أو أداء مهاريا أو يعدل سلوكا وموقفا. ويتجسد التحدي المطروح مع المقاربة بالكفايات في كيفية الاهتداء إلى الممارسات الأكثر فعالية للوصول إلى النتائج وتحقيق الأهداف المنشودة.
وتتسم الوضعية في إطار المقاربة بالكفايات بالأصالة والواقعية؛ فتكون قابلة للإنجاز، يؤدي فيها المدرس دور الميسر والموجه والمنشط، ولابد أن يضعها في سيناريو بيداغوجي متكامل العناصر، يسمح للمتعلم باستثمار معارفه وقدراته ومواقفه ومهاراته المتنوعة، وتوظيفها لبناء تعلمات جديدة وهادفة، يبني من خلالها المفاهيم والقواعد اللغوية والرياضية والعلمية والفنية، ويتشبع بقيم السلوك المدني الإيجابية وبروح المواطنة.
لذلك؛ على المدرس أن يصنع ويضع له أسلوبا تعليميا خاصا به، يسعفه في تحبيب التعلم من خلال عناصر تتكامل فيما بينها، لعل أهمها جاذبية شخصية المدرس واستثمار المهارات التواصلية، وجعل المتعلم محور العملية التعليمية؛ فالتعليم الجيد هو الذي يجعل المدرس مخططا وموجها ومنظما للوضعيات، في حين يكون المتعلم المنجز والباني الحقيقي للتعلمات، فهو بؤرة الاهتمام. ومن ثم يخفف من مركزية المدرس ومن هيمنته إلى حد بعيد، ولن يتأتى هذا إلا بجعل الوضعيات التعليمية قائمة على حل المشكلات وعلى التعليم النشط والتشاركي؛ حيث يشعر المتعلم بأنه أمام مشكلات، لا بد أن يسهم في إيجاد حلول لها. (ينظر المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، الصيغة النهائية الكاملة).
وتدبير الدرس تدبيرا فعالا، هو التدبير الذي يكون مضبوطا بالقدرة على التحكم في إدارة وضعيات التعليم والتعلم، وتنظيم أنشطتها التنظيم المحكم، وتنفيذها وفق خطة منهجية واضحة، تتسم بالتدرج والتسلسل والإسهام المنطقي في بناء المعارف والمهارات والقدرات. وتتماشى والأهداف المسطرة؛ لأن التعلم وفق الوضعيات يظل سيرورة تحويل للمكتسبات السابقة واستثمارها الاستثمار الأمثل، وآلة ناجعة للتطوير والتعديل والتصحيح والدعم، فأهم الكفايات التدريسية التي يجب أن يضبطها المدرس، تكمن في القدرة على تدبير الوضعيات وتنفيذها بنجاح، ومعرفة كيفية التحكم في عمليات التوجيه والقيادة نحو تحقيق الأهداف المسطرة. وبهذا العمل يؤدي المدرس جملة من الأنشطة والمهارات لضبط الفعل الديدكتيكي وفق مبدأ الوضعيات. وهذا الأسلوب التدبيري والتدريسي لا شك يتجاوز النموذج التدريسي القائم على التلقين ومراكمة المعارف وتفكيك مفاصل المقاطع التعليمية التعلمية، وعدم الوعي بالممارسة التعليمية والتأمل في وضعياتها، (ينظر المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، الصيغة النهائية الكاملة).
إن وضعيات التعلم إذن؛ هي بمنزلة أنشطة تتضمن معارف ومضامين ومواقف، يتفاعل من خلالها المتعلم من أجل بناء تعلمات جديدة وتطوير مكتسبات سابقة، ليصل في الأخير، وعبر مسار تعليمي تعلمي إلى إنماء كفاية من الكفايات. فالوضعيات إذن؛ هي السياق العام الذي يحدث فيه التعلم والتحصيل المعرفي. ولحصول هذا التعلم يلجأ المدرس إلى آلة الوضعيات التي تبقى وضعيات متكاملة ومترابطة فيما بينها. وتتحدد عناصر الوضعية في المدرس والمتعلم والمادة المدرسة والوسائل والزمن والمكان والبيئة والسياق.
- خصائص الوضعية التعليمية التعلمية:
من خلال ما عرضنا من أفكار حول مفهوم الوضعيات التعليمية التعلمية وطبيعتها وسياقها التربوي؛ يمكن القول إن الوضعيات التعليمية التعلمية تتسم بجملة من الخصائص التي استنتجناها مما قيل سلفا؛ يمكن إجمالها في نظرنا على الشكل التالي:
- تطرح تحديا أمام المتعلم؛
- تشجعه وتحفزه على الانخراط في أجواء التعلم، ومن ثم تدفعه إلى البحث عن حلول للعوائق والتحديات المطروحة؛
- تجعل المتعلم يستثمر كل موارده المختلفة لحل المشكلات المطروحة؛
- تجعل المتعلم ينتقل من حالة تعلمية إلى أخرى بوعي وسلاسة، ومن ثم تُظهر مدى التقدم الحاصل في المكتسبات والمهارات والمعارف؛
- تعرف المتعلم على الوجهة التي يتجه إليها في سيرورته التعلمية وما المطلوب منه؛
- تناسب الإطار الزماني والمكاني للدرس؛
- تلائم الأهداف المراد تحقيقها؛
- تعمل على إثارة اهتمام المتعلم وزيادة دافعيته نحو التعلم والاكتساب؛
- تنمي المهارات والمعارف والمواقف الإيجابية عن طريق التعلم الذاتي والتعاوني بين المتعلمين؛
- أنها وضعيات منظمة ومتسلسلة تراعي الفروقات الفردية، وخصوصيات المتعلمين وأساليب تعلمهم، وتزيد من فرص المشاركة والفاعلية.
- تعطي أهمية لاستراتيجيات التعلم، ولمصادر المعرفة المختلفة. (ينظر المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، الصيغة النهائية الكاملة).
- تدبير الوضعيات التعلمية:
يستند المسار التعليمي التعلمي يوميا، في أثناء تنفيذ المنهاج الدراسي، إلى وضعيات تعليمية تعلمية، لابد أن تلائم طبيعة المقاطع التعلمية، وتستجيب لضوابط تنفيذها. ومن ثم يختار المدبر الأنشطة المناسبة لها، والتي تظل أنشطة متكاملة ومتماسكة ديدكتيكيا وتربويا، تخضع لبناء منطقي محكم ومتسلسل، يراعي بداية الدرس ووسطه وختمه، مما يفضي إلى مخرجات ملموسة وواضحة.
علاوة على ذلك؛ فإن الفعل التدبيري الخاص بالوضعيات يحتم على المدرس المدبر أن يوفر البيئة المناسبة؛ إن هو أراد تحقيق ما خطط له، وما رام تحقيقه من عمليات التدبير والتنفيذ؛ خصوصا تلك التي تهم عملية إنجاز الدرس التي تتطلب استحضار جملة من المهارات والتقنيات التي لا شك ستتحقق بالدربة والمراس والتجربة؛ ومن تلك المهارات ضرورة التسلح برؤية تصورية موضوعية ومنهجية عن الفصل الدراسي قبل مباشرة فعل التدبير.
-
- وضعية الاستكشاف:
تمر عملية تدبير التعلمات بمحطات وسياقات منظمة تسمى وضعيات التعلم. ولتنفيذها بنجاح وفعالية لا بد من بنائها على تخطيط محكم ومرن، يستحضر سياق التنفيذ وملاباساته، لما لهذه العملية من مغزى وأهمية كبرى في وضع تصور عام موجه لما يمكن تنفيذه. فهذه العملية تقي المدرس من حالات التخبط والإحراج، والعمل من دون امتلاك التصور الواضح الملموس الذي يساعده في إنجاح عملية التنفيذ والأجرأة. كما تتطلب العملية تهيئة البيئة الآمنة والسليمة وخلق جو الانضباط، وتوفير وسائل العمل المناسبة أيضا، والقدرة على التواصل الجيد؛ لتنفيذ الدروس، ومن ثم الوصول إلى الأهداف المسطرة وبناء الكفايات المرجوة. فالهدف من الوضعية الاستكشافية التهيئة، وجعل المتعلم يواجه موقفا مشكلا، يجعله في حال من الإثارة والتشويق وجذب الانتباه. ومن خلال الوضعية الاستكشافية، على الرغم من تعدد تسمياتها، يوضع المتعلم في سياق يدفعه إلى بناء توقعاته، بمساعدة الأستاذ وتوجيهاته.
وتبدأ هذه المحطة بإثارة انتباه المتعلم إلى الموضوعات الجديدة، فيربط خبراته السابقة بالإشكالات والتحديات الجديدة. كما تكشف هذه الوضعية عن أهداف التعلم، دون التعمق في معالجة الأفكار والمضامين بدقة؛ لأنها فترة إثارة فضول المتعلم وطرح الإشكالات التي تصب في هدف الدرس ومغزاه، فهدفها الأساس المحافظة على الانتباه وخلق الرغبة في التعلم والدافعية لدى المتعلم من أجل البناء والإرساء.
ومن ثم يجب اقتراح وضعية انطلاق مناسبة ومشوقة، وتهيئة هادفة للدرس. ولما كانت حاجات التعلم مرتبطة بالخبرات السابقة لدى المتعلم، فإنه لا بد أن يدبر المدرس هذه الوضعية بتمهيد مناسب وبنائي، يرتكز على خبرات المتعلمين السابقة وتمثلاتهم. ويتأتى ذلك إما في شكل أسئلة أو حوار أو قصة أو حدث أو عرض وسيلة أو قضية للنقاش أو غير ذلك، حسب طبيعة كل مادة دراسية. إن الغاية من الوضعية الاستكشافية هي نقل المتعلم من الأجواء النفسية التي كانت مسيطرة عليه في الحصص السابقة أو ما قبل الانخراط في عملية التعلم، أو قبل حالة التعلم إلى سياق يلائم التعلمات الجديدة ويساعد في بنائها. وهذا ما يعرف بجذب انتباه المتعلم. كما تهدف هذه الوضعية إلى جعل المتعلم يبني توقعاته لما سيتم تعلمه، ومن ثم يتهيأ نفسيا وذهنيا للمشاركة في عملية إرساء الموارد الجديدة بفعالية ونشاط.
في ضوء ما سبق يمكن تلخيص أهم الأنشطة والإجراءات المرتبطة بوضعية الاستكشاف فيما يلي:
- تقويم المكتسبات السابقة، من خلال أسئلة هادفة ودقيقة؛
- الربط بين التعلمات السابقة واللاحقة؛
- تعرف عنوان الدرس؛
- التصريح بأهداف الدرس؛
- رصد التمثلات؛
- صياغة إشكال الدرس والتمهيد للتعلمات.
ويبدو واضحا أن الوضعية الاستكشافية تروم تهيئة المتعلم وإعداده نفسيا ووجدانيا للدخول في سياق التعلم الجديد، ولن يحصل ذلك إلا بالتشويق والحفز وجذب الانتباه، والانطلاق من حاجاته ورغباته، وزرع حب الاستطلاع فيه.
-
- الوضعية البنائية:
تعد أهم وضعية تعلمية، ففيها تتحقق التعلمات الجديدة، ويحصل التوازن المعرفي والنفسي لدى المتعلم. وترمي إلى إرساء موارد معرفية ومهارية ووجدانية جديدة، من خلال جملة من الأنشطة التعليمية التعلمية التي يخطط لها المدرس قبلا، ويختارها بدقة وعناية. وتكون هذه الوضعية محطة تربوية إنسانية، للتواصل والمناقشة الصفية والتعبير عن الأفكار، بتوجيه من المدرس الذي يجب أن يقود متعلميه نحو اكتساب الموارد الجديدة، بطريقة علمية ومنهجية، تتسم بالتسلسل والنسقية والتكامل والترابط. وهذا يتطلب أن يشركهم في عملية البناء والاكتساب والإرساء. وأن يعمل وفق مبدأ التدرج في تحقيق الأهداف التعلمية بكل مقطع تعلمي، مع ما يستدعي ذلك من تنظيم محكم للأنشطة المساعدة على إرساء الموارد بشكل فردي أو جماعي، كما يفرض على المدرس أن يصوغ أسئلته صياغة واضحة تسهل عملية البناء، وتكون كفيلة بحفز المتعلم إلى تنظيم معلوماته وموارده تنظيما يؤسس للمعرفة الجديدة، مع استثمار الوسائل التعليمية المساعدة على تنشيط النمو المعرفي والسيرورات الذهنية للمتعلم.
وتستغرق الوضعية البنائية معظم وقت الحصة الدراسية؛ إذ من المبادئ الموجهة في تدبير هذه الوضعية أن يقوم التدبير الديدكتيكي على جعل المتعلم محور العملية التعليمية التعلمية وبؤرة الاهتمام، وجعله عنصرا إيجابيا ومشاركا في عمليات الشرح والتحليل والمقارنة والبناء والاستنتاج.
إن هذه المحطة مجال خصب ومناسب للحوار والنقاش المثمر والتصحيح والتعديل والتقويم المتواصل، وبهذا يجب أن يبتعد المدرس ما أمكن عن الذاتية في عرض مضامين الحصص وبناء التعلمات، ولا بد من إتاحة فرص للتعلم الذاتي والتدريب الفردي والتعلم التعاوني التشاركي.
ولابد من استحضار جملة من المعايير في أثناء تدبير الوضعية البنائية، لعل من أهمها:
- بناء أنشطة التعلم على المنتوج التعلمي المنتظر والأهداف المسطرة؛
- استثارة التفكير لدى المتعلم؛
- توظيف موارد المتعلم وخبراته؛
- إثارة دافعية التعلم؛
- مشاركة المتعلم في تنفيذ الأنشطة وفي عمليات الشرح والتحليل والاستنتاج والتركيب؛
- مراعاة الأنشطة الفروق الفردية؛
- توظيف التقنيات والوسائل الفعالة المناسبة في عملية الإنجاز؛
- ملاءمة الأنشطة لخصوصيات المتعلم؛
- التدخل الفوري والمستمر للتصحيح والتقويم والمعالجة.
- الوضعية المهيكلة:
تجدر الإشارة إلى أن هذه الوضعية تنبثق عن الوضعية السابقة. ويبنى منتوجها التعلمي وحصيلتها المعرفية على أنشطة وأداءات الوضعية البنائية. فهي وضعية مشكلة لعناصر الدرس؛ لأنها "تقوم على أساس الإنجازات الناتجة عن عمليات البناء السالفة الذكر، بحيث تهدف في سياق السلاسة والانسيابية في تقديم الدرس إلى هيكلة وبنينة الموارد المكتسبة وتثبيتها، وتجميع كل الأفكار الأساسية والثانوية والفرعية في خلاصة عامة أو خطاطة أو جدول أو فقرة"، محمد البقصي، تدريسية اللغة العربية بمسلك التعليم الابتدائي، مقاربة بيداغوجية ومنهاجية لمهننة التكوين وإرساء الكفايات التعليمية، ص 323.). وبعد الانتهاء من عملية البناء، يلجأ المدرس إلى تدبير الوضعية المهيكلة، مركزا على عمليات التركيب والتلخيص، وهي محطة مواتية تتيح للمتعلم إبراز قدراته وتثبيت معارفه وموارده في بناء منظم.
وعموما؛ فهذه الوضعية تروم إيجاد التمفصلات بين مجموعة من الموارد بشكل مركز ودقيق. الشيء الذي يجعلها محطة للتركيب والتوليف، وتنظيم المعارف والمعلومات وفق خطاطات ذهنية أو ملخصات واستنتاجات. وتبقى هذه الوضعية تكملة وتتويجا للمحطات السابقة، مما يفرض إيلاء أهمية لإشراك المتعلمين في عملية التركيب والهيكلة، ومن ثم إعطاء معنى لما جرى في الحصة الدراسية. ولهذا فإشراك المتعلم في جميع العمليات السابقة سيفضي إلى إتاحة الفرصة أمام المتعلم إلى ربط مكونات الدرس في إطار شامل وواضح، يضمن تكاملها في البنية المعرفية للمتعلم، يتجاوز المعلومات والتفاصيل المتراكمة. كما يجب الحرص في هذه الوضعية على تجنب الملخصات الجاهزة والتراكم المعرفي للمضامين، بل يجب الحرص على استحضار البعد المنهجي والبنائي في عملية التركيب واستقلالية المتعلم في أثناء الإنجاز. وعلى المدرس أن ينمي لدى المتعلم القدرة على تجميع المعلومات ومعالجتها، وتعزيز القدرة المنهجية والتعبيرية، (التباري نباري، كفايات التأهيل المهني للمدرس والمدرسة، ص256).
-
- الوضعية التقويمية:
يكتسي التقويم والدعم أهمية كبرى في المقاربة بالكفايات التي حددت وظائفه بدقة، وهو جزء مهم في العملية التعليمية التعلمية، يواكب جميع مراحل الدرس، فهو عملية دينامية تهدف إلى رصد مكتسبات المتعلمين وصعوبات التعلم وعوائقه، وتسعى إلى التحقق من مدى تحقيق الأهداف المتوخاة.
وتروم عملية تدبير أنشطة التقويم التشخيصي الملازم لوضعية الانطلاق، إلى تحديد حاجات المتعلم، وتشخص مكتسباته، ويحفز على استكشاف التعلمات الجديدة، وخلق الدافعية. وتدبر أنشطته باعتماد الأسئلة الشفوية أو الروائز.
أما التقويم التكويني أو المرحلي المواكب لعملية بناء الدرس وهيكلة التعلمات وتصحيحها وتثبيتها، فيهدف إلى قياس مدى تملك المضامين المعرفية والتثبت من صحتها من خلال أسئلة توجيهية تستهدف ما هو معرفي ومهاري ووجداني.
ويتصل التقويم الإجمالي بنهاية الدرس بغرض التحقق من مدى تحقق الأهداف المسطرة، ويتخذ شكل المراقبة المستمرة والتقويمات الإشهادية المنصوص عليها في التوجيهات الرسمية والأطر المرجعية التي تهدف إلى قياس مدى تحقق الكفايات في نهاية كل مرحلة دراسية. وغالبا ما يحرص المدرس على تكليف المتعلم بإنجاز أنشطة صفية أو منزلية.
كما تخصص أنشطة للدعم الفوري المواكب للتقويمات التي تجرى في أثناء تنفيذ الدروس وإرساء الموارد، أو أنشطة ترتبط بالدعم الخاص بالوحدات التعليمية وفي بداية انطلاق الموسم الدراسي، أو أنشطة تنجز في سياق مشاريع المؤسسة، (تدريسية اللغة العربية بمسلك التعليم الابتدائي، ص324).
خاتمة:
لقد حاولنا في هذا المقال أن نبين أن عملية التدريس تقتضي التداخل والتفاعل بين عناصرها ومكوناتها المختلفة؛ من مدرس ومتعلم ومحتوى ومؤسسة وبيئة وأنشطة ووسائل واستراتيجيات وطرائق وأساليب تربوية. ولهذا فإن هذه المكونات يجب أن تؤطر بكفايات وأهداف يكون المتعلم محورها، لهذا يجب الحرص على المشاركة النشطة لكل متعلم، وهو ما يتطلب الحرص على التخطيط والتنظيم، تجنبا للارتجال والعشوائية في أثناء تدبير الوضعيات التعليمية التعلمية. إن الوضعية التعليمية التعلمية تعد سيرورة معرفية تنظم مرور المتعلم بخبرات وتجارب ومشكلات، بلا شك ستنمي لديه القدرات والمواقف الإيجابية. وبناء عليه؛ فإن تدبير الوضعيات التعليمية التعلمية يجب يتأسس على الكيف، بحيث ينجز المتعلم أنشطة حقيقية يكتسب عبرها المعرفة ويرسي موارده من خلال اكتشاف المشكلات وحلها ومن خلال التعلم النشط والفعال.
المصادر والمراجع:
- امحمد جبرون، الأساس في علم التدريس، دار الإحياء للنشر والتوزيع طنجة، ط1، 2022.
- التباري نباري، كفايات التأهيل المهني للمدرس والمدرسة، بين المرجعيات النظرية والتطبيق، الدار العالمية للكتاب، الدار البيضاء المغرب، ط3، 2021.
- جامع جغايمي، التدريس بالوضعيات الديداكتيكية، مطبعة شروق أكادير، ط1، 2001.
- رولا قيسي وعزيز رسمي ويوسف أمهال، الممارسات المهنية للمدرسين بين النظرية والتطبيق، إصدارات تربوية قطر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر لبنان، ط1، 2023.
- الطاهر قدوري وإدريس الحافيظ وعبد العزيز غوردو، درس الاجتماعيات تخطيطا وتدبيرا وتقويما، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الشرق، طبعة 2020.
- عبد الكريم غريب، المنهل التربوي، معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية، منشورات عالم التربية، ط1، 2006.
- كارول رابي وسيلفي فيولا، نماذج التعليم ونظريات التعلم، إعداد خالد فارس، سلسلة المعرفة التربوية، العدد السابع، دار نشر المعرفة، ط1، 2021.
- محمد البقصي، تدريسية اللغة العربية بمسلك التعليم الابتدائي، مقاربة بيداغوجية ومنهاجية لمهننة التكوين وإرساء الكفايات التعليمية، مطبعة بلال فاس، ط1، 2022.
- نصر الله محمد محمود معوض، المدخل إلى استراتيجيات التدريس، عالم الكتب القاهرة، ط1، 2016.
- وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي، مديرية المناهج يوليوز 2021.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_f7923b_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241115%2Fob_5d07cf_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)