انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو- ثقافي:
الأبعاد والدلالات
دة.غزلان شهبون *
دراسة محكمة
*باحثة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس.
تقديم:
يولي الخطاب التربوي المغربي اهتماماً كبيرا لفاعلية المدرسة وأدوارها الطلائعية لتحقيق التنمية المستدامة والمنشودة، وتطوير كفايات الأفراد، وتنمية مستوى البنيات المجتمعية. وبحكم المتغيرات المتلاحقة التي مست طبيعة المعرفة والثقافة، فقد أصبح هذا السياق الدينامي يفرض على المدرسة الجديدة وظائف جوهرية،
فهي رافعة ودعامة استراتيجية للتنمية، ومركز جوهري في تحقيق الأمن والسلم الاجتماعيين.
ونظرا لثقل هذه الوظائف وتعاظمها، أضحى لزاماً على المدرسة تبني فلسفة الانفتاح على المحيط بكل مكوناته، واعتماد منهج الإشراك والتشارك والتعاون، وتعزيز ثقافة التواصل، والدفع بكل المتدخلين التربويين للإسهام في أجرأة وظائف المدرسة وتحديد ممكنات العمل وشروطه، وذلك من خلال تعبئة كل الإمكانات المتوفرة لديها، لكسب الرهانات التنموية، وجعل المدرسة منفتحة على محيطها وعلى آفاقه الابداعية.
تعد المؤسسة المؤسسة إذن؛ فضاء للتربية والتكوين ومجالا للتنشئة الاجتماعية للمتعلمين. إلى جانب كونها مجالا للتواصل بين العديد من الفعاليات التربوية. قاسمها المشترك خدمة الناشئة المتعلمة، وتحفيزها على الاندماج السلس في بنيات المجتمع. إن الفضاء المدرسي يتسم بدينامية علاقاته وتشعباتها وتعدد أطرافها وتنوع آليات وظيفيتها ضمن نسق علائقي مركب. يقتضي تغليب الأبعاد التربوية بآفاقها الواعدة والإيجابية في عملية تدبير الشأن التربوي داخل المؤسسة المدرسية ضمن حكامة تربوية وإدارية وتشريعية جيدة. وتنهض عملية تجويد مخرجاتها على نجاح التدبير المعقلن للمنظومة التربوية، وتحسين الأداء للمؤسسة المدرسية، وتثمين كفايات قيادتها التربوية، في أفق تحقيق إنجاح عملية انفتاح المؤسسة على محيطها السيو ثقافي. ويمثل هذا الطموح التربوي تحديا ضمن بنيات هذا الورش الإصلاحي الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بتحسين أداء الإدارة التربوية، وتأهيل مواردها البشرية والمالية واللوجيستيكية، وتحيين العدة التشريعية وتناغمها، من أجل تسهيل عملية انفتاح المؤسسة المدرسية بمرونة وفعالية على محيطها السوسيو ثقافي.
ما المقصود إذن؛ بانفتاح المؤسسة المدرسية على محيطيها السوسيو ثقافي؟ وما هي الأدوات الكفيلة بتحقيق هذا الانفتاح التربوي للمؤسسة المدرسية؟ وهل المحيط السوسيو ثقافي للمؤسسة المدرسية قادر على احتضانها؟ وما هي الأبعاد المنتظرة من هذا الانفتاح التربوي؟
أولا: تحديدات مفاهيمية:
- المؤسسة المدرسية:
تعد المدرسة مؤسسة مجتمعية حكومية هدفها إعداد الأجيال من المتعلمين (ات) بهدف تحقيق اندماجهم السلس في بنيات المجتمع. وهي الفضاء التربوي المناسب لتنمية كفاياتهم وتكوين شخصيتهم المتوازنة والمنفتحة على تطورات العصر ومقتضياته. وحينما نتحدث ضمن هذا المقال عن مفهوم المؤسسة المدرسية، نقصد بها كل المؤسسات التعليمية من ثانويات إعدادية وثانويات تأهيلية بالأساس، استحضارا لدور هذه النوعية من المؤسسات في التدبير الفعلي لمفردات المنهاج الدراسي بكل مكوناته، واعتبارا لطبيعة الفئة العمرية من المتعلمين(ات) وخصوصياتها النمائية، القادرة على تحقيق غايات هذا الانفتاح والتشبع بمبادئه.
- المحيط السوسيو ثقافي:
المقصود به كل المكونات المادية واللامادية المحيطة بفضاء المؤسسة المدرسية، والتي يشكل انفتاحها عليه وتفاعلها الإيجابي معه فرصة لتوفير خدمات تربوية جديدة ومتميزة للمتعلمين (ات)، وكذا فرصة للمزيد من تجويد كفايات كل من الأطر الإدارية والتربوية، وإمكانا واسعا لتطوير أنشطتهم ومهاراتهم وكفايات بشكل مواز للجوانب النظرية التي يتم اكتسابها داخل فضاءات الفصول الدراسية (المعارض الثقافية – المتاحف – المكتبات – فضاءات الذاكرة – المآثر العمرانية التاريخية – المواقع الطبيعية...).
- الانفتاح: (الانفتاح كضرورة – الانفتاح كوسيلة – الانفتاح كغاية):
تاريخيا؛ استعمل مفهوم الانفتاح استعمالا وظيفيا – تجاريا في بريطانيا منذ القرن 17 (الحرية التجارية)، كما شاع استخدامه في المغرب للدلالة على السياسة الإصلاحية التي نهجها السلطان سيدي محمد بن عبد الله خلال النصف الثاني من القرن 18 باسم "سياسة الباب المفتوح" مع العالم الخارجي في المجالين الدبلوماسي والتجاري. ومن الميادين الديبلوماسية والتجارية انتقل مفهوم الانفتاح إلى المجال التربوي؛ حيث وظفه الباحثون والمهتمون بشكل مكثف في مجال التربية والتعليم، خاصة وأن العدة التشريعية والتنظيمية المؤثثة لمنظومة التربية والتكوين قد أعطته مكانة ودلالة بارزتين (الميثاق الوطني للتربية والتكوين – الرؤية الاستراتيجية – القانون الإطار – خارطة الطريق 2022 – 2026...). من هذا المنظور يمكن اعتبار الانفتاح ضرورة تربوية، ووسيلة، وكغاية.
- الانفتاح ضرورة تربوية: حيوية من أجل إضفاء طابع الوظيفية على أدوار ومهام المدرسة؛ من خلال انفتاحها وتفاعلها مع البيئة السيوسيو ثقافية القريبة منها في إطار طابع إيجابي.
- الانفتاح وسيلة: لتحقيق إشعاع المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو ثقافي، من خلال إشراك كل الفاعلين التربويين في تدبير شؤون المدرسة، لجعلها قادرة على التأثير في المجتمع المحلي، والاستفادة من خدماته التربوية.
-الانفتاح غاية: ينبني على تصور شمولي، يقوم أساسا على ضرورة تجاوز الوظيفة الضيقة والتقليدية للمؤسسة المدرسية كمكان للتعلم والتربية فقط، لتمتد ووتتوسع وظيفة التأهيل والتنشئة الاجتماعية والإعداد المهني، من خلال إرساء علاقات جديدة مع محيطها السوسيو ثقافي.
ثانيا: التشريعات الداعية إلى انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها: القيمة المضافة:
أصبحت عملية انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها السوسيو ثقافي، عملية مركزية هادفة، وضرورة تربوية ملحة، تهدف إلى تجويد خدمات هذا المرفق التربوي لرواده من المتعلمين (ت)، وكذا للأطر التربوية والإدارية، وحفزها على التأقلم مع المتغيرات المجتمعية السريعة، ومع مسيرة الرقمنة، ومتطلبات بناء مجتمع المعرفة. هذه التحولات السريعة تفرض وجود عدة تشريعية وتنظيمية متنوعة وممأسسة كفيلة بتحقيق جدوى هذا الانفتاح وأهدافه.
لقد أشار الميثاق الوطني للتربية والتكوين ضمن مادته 9 (الميثاق الوطني للتربية والتكوين ص:11) إلى أهم أهداف المدرسة المغربية الوطنية الجديدة ضمن فضائها الداخلي، وطبيعة علاقاتها مع محيطها، إلى أن تكون:
أ- "مدرسة مفعمة بالحياة: بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي؛
ب-مدرسة مفتوحة على محيطها: بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة، والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن، مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي".
وضمن عمليةانفتاح المدرسة على محيطها وعلى الآفاق الإبداعية، نصت المادة 48 من الميثاق (الميثاق، ص ص : 25 – 26) على ما يلي :
- "تتعاون مؤسسات التربية والتكوين مع المؤسسات العمومية والخاصة التي بإمكانها الإسهام في تدعيم الجانب التطبيقي للتعليم وذلك بــــ:
- تبادل الزيارات الإعلامية والاستطلاعية؛
- تنويع المعدات والوسائل الديداكتيكية؛
-تنظيم تمارين تطبيقية وتداريب توافق سن المتعلمين ومستواهم الدراسي؛
-التعاون على تنظيم أنشطة تربوية وتكوينية (كتجريب منتجات أو خدمات أو تجهيزات أو طرائق تكنولوجية، أو إبداع وعرض أعمال مسرحية أو موسيقية أو تشكيلية أو غير ذلك".
وبالنسبة للرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015 – 2030): وتتويجا لهذا المسار التشريعي التنظيمي، نصت مبادئ هذه الرؤية، ضمن الرافعة 18 على تعزيز ربط مؤسسات التربية والتكوين بمحيطها، من خلال ما يلي (الرؤية الاستراتيجية، ص: 56):
- تقوية الروابط المباشرة والتواصل المنتظم مع الاسر، ومن خلال ممثلي الاباء والأمهات والأولياء، وإشراكهم في الفعل الثقافي والتدبيري؛
- تعزير الشراكات المؤسساتية والاستفادة من مختلف الخبرات الخارجية التي توفرها المؤسسات الاجتماعية، كالأسر والجمعيات المدنية والحقوقية، والمؤسسات الإنتاجية والمقاولات، والمؤسسات الإعلامية والثقافية والتأطيرية قصد إشراكها في بلورة مشاريع المؤسسة؛
-إسهام المدرسة في مد الجسور مع المحيط الخارجي، التي تتشكل من الفضاءات المرتبطة بمحيط المدرسة، والتي ترتادها أعداد كبيرة من التلاميذ والطلبة: الداخليات، المجمعات الرياضية، فضاءات البحث، مقاهي الأنترنيت، شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك من أجل ضمان حسن استعمالها، والإسهام في تحصينها من السلوكات اللامدنية، وتنمية قيم المواطنة، وتشجيع التواصل الثقافي والرياضي والفني.
واهتمت خارطة الطريق (2022 – 2026) بهذا المنحى الانفتاحي، فقد ركزت هذه الخارطة ضمن هدفها الثاني على تعزيز التفتح والمواطنة:
"إن المدرسة فضاء للتفتح يكتسب فيه الأطفال القيم الوطنية والكونية وحس المواطنة وحب الاستطلاع والثقة في النفس، وتوسيع الاستفادة من الأنشطة الموازية وأنشطة الحياة المدرسية".
وبالنسبة لدلائل الحياة المدرسية: فقد أشارت إلى أهمية انفتاح المؤسسة على محيطها الخارجي: (دليل 2008 – دليل 2019).
"تشكل – الحياة المدرسية – جوهر عمليات التربية والتكوين، يلزم أن تكون أنشطتها المتنوعة مفعمة بالحياة ومنفتحة على كافة أبعاد ومكونات محيطها، حتى يتمكن المجتمع المدرسي من مواكبة مستجدات الحياة ومتطلبات التنمية، وتحقيق النمو المتكامل والمتوازن لشخصية كل متعلم بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء أو تهميش". (دليل الحياة المدرسية لسنة 2008 ص: 1).
كما يمكن للحياة المدرسية أن تمتد إلى فضاءات خارجية في إطار التعاون أو الانفتاح أو الشراكة التي تعقدها المدرسة مع مؤسسات أو جمعيات أو إدارات ذات طابع تربوي أو اجتماعي أو اقتصادي، وهي فضاءات من شأنها توسيع مجال الحياة المدر سية، وتحقيق الانفتاح المنشود للمؤسسة على محيطها. ومن بين هذه الفضاءات يمكن تعداد بعضها: كالمعارض الثقافية، والمتاحف، والمكتبات، وفضاءات الذاكرة، والمآثر العمرانية التاريخية... (دليل الحياة المدرسية لسنة 2019: ص-ص: 72- 73).
عموما؛ أبرزت هذه العدة التشريعية والتنظيمية والتأطيرية أهمية انفتاح المؤسسة المدرسية على محيطها المحلي. لكن العمليات الإجرائية لهذا الانفتاح، ظلت بدون تحديد (الكيفية، الآليات، خطط الانفتاح، تتبع عمليات الانفتاح، تقييم مخرجات عملية الانفتاح...). وهو ما يطرح إشكالات كبرى على المؤسسة المدرسية، في ظل غياب دليل مرجعي لأجرة عملية الانفتاح، أو مذكرات تفصيلية وتنظيمية دقيقة لمهام وعمل كل متدخل تربوي ضمن هذه العملية وتحديد التزامات كل طرف، إضافة إلى طبيعة تعامل مؤسسات المحيط السوسيو ثقافي الخاص بالمؤسسة المدرسية.
فكيف تعمل المؤسسة المدرسية على تحقيق انفتاحها على محيطها السوسيو ثقافي؟ .
ثالثا: بناء الشراكات وتفعيلها قصد ضمان نجاح عملية الانفتاح:
تعد الشراكات التربوية بين المؤسسات المدرسية ومحيطها السوسيو ثقافي صيغة متطورة للتعاون ولتجميع الإمكانات المادية والبشرية والتقنية بين المؤسسة التعليمية وباقي الشركاء التربويين (الجماعات المحلية – الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين...) بغية إنجاز مشروع تربوي معين وتطويره في مكان وزمان محددين لفائدة المتعلمين (ات)، وبإشراف كل من الأطر التربوية والإدارية للمؤسسة، بهدف ضمان الانفتاح والاندماج الإيجابي للمؤسسة التعليمية على محيطها المحلي (تربويا – اجتماعيا – ثقافيا...)، وتمتين علاقاتها التربوية مع هذا المحيط على أسس تربوية واضحة تفاديا لمظاهر الانغلاق والعزلة اللتين تكبلان المؤسسات المدرسية المؤثثة لبنية المنظومة التربوية.
إن انفتاح المؤسسة على محيطها المحلي مؤشر على اندماج ونجاح المؤسسة في مهمتها التربوية، وتمكين روادها من المتعلمين (ات) من بناء علاقات تواصلية – تربوية متينة مع مختلف أطياف هذا المحيط، بهدف الانخراط الإيجابي في مسلسل التنمية التربوية.
ويمكن أن تنصب جوانب هذه الشراكات التربوية على العديد من المجالات التربوية وخاصة تحسين وتجويد ظروف التعلم لدى الناشئة المتعلمة، وتمتين جسور التواصل بين الجوانب النظرية والجوانب العملية، وهي جزء مهم من اكتساب أسس التربية على منظومة القيم المواطناتية (احترام الوقت – تقدير العمل – أهمية العمل التعاوني والتشاركي لإنجاز مهمة ما – تقدير قيمة الإنتاجية والمردودية...). علاوة على اعتماد أسلوب الشراكة في التعامل، واتخاذه منهجا استراتيجيا، نظرا لقدرة هذه الآلية على خلق تقاليد جديدة في التعامل بين المدرسة ومحيطها المحلي بكل مؤسساته وتنظيماته السوسيو ثقاقية، لتجويد قضايا التربية والتعليم والتكوين والممارس؛ لأن التعاقد ودفاتر التحملات، أدوات جديدة لتحديد المسؤوليات بين مختلف المتدخلين في تدبير السياسة التعليمية.
وإلى جانب عقد الشراكات، التي تمثل جوهر عملية التواصل والحلقة الأساس بين الإدارة المدرسية ومحيطها السوسيو ثقافي، لا بد من التذكير على أن إنجاح هذا الانفتاح رهين بمدى تمكن الإدارة التربوية للمؤسسة المدرسية من بناء مشروع للمؤسسة، بمواصفاته المتكاملة والمتميزة والقابلة للأجرأة والتنفيذ، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المحيط السيوسيو ثقافي، وكيفية الانفتاح عليه وخلفيات هذا الانفتاح. وهناك مسألة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار ضمن هذا المسار الانفتاح، وهو تجويد وتحيين مسألة التكوين الخاص بالأطر الإدارية والتربوية للمؤسسة المدرسية المعنية بعملية الانفتاح، والرفع من قدرتها التواصلية مع كل فعاليات المحيط المحلي، بجانب توفير الموارد المالية والبشرية الضرورية من أجل تدبير وتتبع عملية الانفتاح وتقويم نتائجها.
وبعد مرور قرابة ثلاثة عقود على صدور أول مذكرة تنظيمية لعملية انفتاح المدرسة على محيطها (المذكرة الوزارية رقم 133 الصادرة بتاريخ 11 أكتوبر 1996عن المديرية العامة للشؤون التربوية بوزارة التربية الوطنية الهادفة إلى إدماج المؤسسات التعليمية في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي)، ورغم تراكم عدة تنظيمية مهمة في هذا المجال، فإن النتائج المحققة وأبعادها تظل جد هزيلة ويمكن الاستشهاد هنا بنص لمحمد عابد الجابري الذي يلخص تجربة الانفتاح التربوي على المحيط بقوله: "إن شعار إدماج التعليم في محيطه ينطوي على قدر كبير من التضليل، لأنه يسكت عما هو أساسي وهو "المحيط" ذاته : هل هو قادر على توفير مناصب شغل تمتص المتخرجين من مختلف أسلاك التعليم أم غير قادر؟ لندع جانبا حديث "الكيفية والنوعية وما تحتاجه سوق العمل"، فهذه أشياء لا يكون لها معنى إلا حينما تكون هناك سوق للعمل فيها رواج كاف لتحديد "النوع والكيف" المطلوبين. [...] المحيط غير قادر على أن يندمج التعليم فيه. أو لنقل إن التعليم متخلف لأنه مندمج في محيط متخلف! إذا كان "المحيط" في مغرب اليوم غير قادر على أن يندمج التعليم فيه، فهل يمكن للتعليم أن يساهم في تطوير هذا المحيط في اتجاه رفع هذا العجز عنه؟". (محمد عابد الجابري، أفكار حول إصلاح التعليم بالمغرب، مجلة فكر ونقد عدد 12 ص: 33).
وإذا كان هذا الانفتاح يطغى عليه الطابع النظري التقريري، فعلى العكس من ذلك يكتسي لدى المنظومات التربوية الرائدة عالميا طابعا اعتياديا بل وأساسيا، كما هو الحال بالنسبة للتجربة الفلندية في انفتاح مؤسساتها المدرسية على محيطها: "منذ بداية التسعينيات يعتمد التعليم الثانوي الـتأهيلي بفلندا على متطلبات المؤهلات الوطنية على منهج نتائج التعلم. ولذلك فإن التعاون الوثيق مع عالم الأعمال أمر ضروري. يتم تطوير المؤهلات المهنية بالتعاون مع عالم الأعمال والجهات المعنية الأساسية الأخرى. ويتم ذلك لضمان دعم المؤهلات لعملية تحول مرنة وفعالة إلى سوق العمل، بالإضافة إلى التنمية المهنية وتغيير المهنة، ولاحتياجات عالم الأعمال، فإن عملية إعداد التعليم والتدريب المهني والمؤهلات المهنية تأخذ في الحسبان تعزيز احتياجات الأفراد والفرص مهارات التعلم مدى الحياة، فضلا عن الإمكانات المتاحة أمامهم لإكمال المؤهلات بطريقة مرنة تلائم ظروفهم الخاصة. (نبذة مختصرة عن التعليم الفلندي، سلسلة منشورات وزارتي التربية والثقافة الفيلدنية ص: 20 )
خلاصة:
إن تطوير دور المؤسسات المدرسية والرفع من كفاءتها، وتجويد منتوج التكوين التربوي وتحيينه، وتحقيق الرضى المهني والتكويني لروادها من المتعلمين (ات) والأطر الإدارية والتربوية، للوصول إلى جودة مخرجات المدرسة، يستدعي الانفتاح الإيجابي والمثمر للمدرسة على محيطها السوسيو ثقافي، في أفق تعزيز القيم التربوية والمواطناتية الإيجابية التي يحملها الأفراد المنتمين إلى المدرسة، وتدارك وتجاوز حالة الانطواء والعزلة التي تقبع فيها المؤسسات المدرسية بعيدا عن التحولات السريعة لهذا المحيط القريب ولإمكاناته، فلا يكون للإصلاح التربوي، ولمدرسة الإنصاف والجودة وتكافؤ الفرص معناه وكنه في غياب المحيط السوسيو ثقافي القريب منه.
المراجع والهوامش:
- المجلس الأعلى للتربية والتعليم، 2008، حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها، التقرير السنوي، هيئة ومهنة التدريس ج4 .
-المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2014، دفاتر التربية والتكوين،“ الإدارة التربوية ومشروع المؤسسة“ العدد 11، مكتبة المدارس، البيضاء.
-المجلس الأعلى للتعليم، 2008، الشراكة المؤسساتية من أجل المدرسة المغربية.
-المجلس الأعلى للتعليم، 2013، دفاتر التربية والتكوين، العدد 11، المتعلم، مشروع مواطن الغد.
-عالم التربية، 2014، العددان 24 -25، أزمة التعليم في المغرب والعالم العربي.
-عبد الكريم غريب وآخرون، 1996، تدبير النشاط التربوي سبل وبدائل لانفتاح المدرسة على محيطها، سلسلة علوم التربية 11،مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء
-عبد الكريم غريب وآخرون، 2006، الميثاق الوطني للتربية والتكوين قراءة تحليلية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء.
-عبد الكريم غريب وآخرون، 2010، البرنامج الاستعجالي، عالم التربية، عدد 19، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء.
-عبد الكريم غريب وآخرون، 2013، الجودة في التربية والتكوين، عالم التربية عدد خاص 22 – 23(ج1)، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء .
-عبد الكريم غريب وآخرون،2011، الحكامة في التربية والتعليم، عالم التربية العدد 20، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء.
-وزارة التربية الوطنية، 1999، الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
-وزارة التربية الوطنية، دليل الحياة المدرسية لسنة 2008/ دليل الحياة المدرسية لسنة 2019.
-وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، 2014، تحديات الدخول المدرسي ورهانات إصلاح المنظومة التربوية.
- المذكرات الوزارية:
- المذكرة 159/14 الصادرة في 25 نونبر 2014 بخصوص أجرأة الإستراتيجية الوطنية لمشروع المؤسسة؛
-المذكرة 155 الصادرة في 17 نونبر 2011 بخصوص تنظيم الحياة المدرسية؛
-المذكرة 87 الصادرة في 10 يوليوز 2004 بخصوص تفعيل أدوار الحياة المدرسية؛
-المذكرة 12 الصادرة في 28 فبراير 2004 بخصوص الاعتناء بفضاءات المؤسسات التعليمية؛
-المذكرة 02 الصادرة في 3 فبراير 2005 بخصوص تأطير اتفاقيات الشراكة...
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241116%2Fob_8755ee_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241116%2Fob_99c895_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)