تنمية المهارات الحياتية في منهاج اللغة العربية
بالسلك الثانوي الإعدادي
د. عزيــــز عشعــــاش*
دراســـــــة محكمـــة
*مؤطر تربوي وباحث في علوم التربية وديدكتيك اللغة العربية
تقديــــــم:
يتغير العالم بسرعة فائقة في مختلف مجالات الحياة، ويشهد تحديات غير مسبوقة في مجالات التعليم والتوظيف وتماسك النسيج الاجتماعي؛ وهي تحديات تفاقمت في ظل عدم الاستقرار والصراعات السياسية القائمة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (المينا MENA). وقد فرض تجاوزها حاجة ماسة لتغيير نظم التربية التقليدية والبحث عن نظم أخرى جديدة مواكبة للعصر ولمستجداته المتسارعة في مختلف المستويات.
وقد بات هناك توافق تام على فشل الأنظمة التعليمية في تحقيق النتائج اللازمة للنهوض بالتنمية الذاتية والمجتمعية، في الوقت الذي لا يزال يتعين فيه زيادة عدد فرص التعليم في المنطقة لتحقيق النمو الاقتصادي المنشود. فهناك مجموعة من الأدلة والمؤشرات التي تشير إلى أن "الأداء الناجح في المدرسة والعمل والحياة بصفة عامة، يحتاج إلى دعم وتعزيز من خلال مجموعة واسعة من المهارات والسلوكيات والقيم التي يمكن تطويرها وتعزيزها عبر أنظمة التعليم (مكتب اليونيسف ، الإطار المفاهيمي والبرامجي: مبادرة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة: ص 1).
إذ رغم الإصلاحات الجارية في مجال التعليم، والتي أدت إلى تحقيق إنجازات إيجابية في السنوات الخمس عشرة الماضية، إلا أن الإصلاح الشامل لأنظمة التعليم لازال يراوح مكانه لأسباب عديدة ومتعددة، منها ما يتعلق بالصفوف الدراسية، ومنها ما يتعلق بتقنيات التعلم، ومنها ما يرتبط بأنظمة الاختبارات والامتحانات المتبعة، والتي تحول دون الحصول على تعليم ملائم للواقع المعاصر ومُتطلبات سوق الشغل، الأمر الذي يكشف بجلاء أن هناك حاجة ملحة لمعالجة النقص أو العجز في المهارات بطريقة نوعية ومنهجية.
في هذا السياق، أطلقت اليونيسيف بتعاون مع دول منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط مبادرة مهارات الحياة من أجل المواطنة في أفق تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بضمان تعليم نوعي منصف وشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة؛ متجاوزة بذلك الفهم التقليدي لمهارات الحياة بالتركيز على غاية وجوهر التعليم وأثره في تحقيق التنمية المجتمعية، من خلال تجاوز ثلاثة تحديات، هي:
- "مجتمع معرفي ضعيف نتيجة لسوء التعليم ونوعيته، وتدني مخرجات التعلّم؛
- انخفاض النمو الاقتصادي في ظل غياب مهارات التوظيف، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، والفوارق بين الجنسين في سوق العمل، مع انخفاض فرص العمل، وضعف بيئة الأعمال.
- ضعف النسيج الاجتماعي نتيجة لتصاعد العنف وضعف المشاركة المدنية"(مكتب اليونيسف، المرجع السابق: ص 1).
وهكذا يظهر جليا، أن التغيير المنشود الذي تدعو له المبادرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحركه الحاجة الملحة إلى تحقيق تأثير ملموس في مجالات ثلاثة من خلال المناهج الدراسية:
- الوصول إلى مجتمع المعرفة عبر تحسين نتائج التعليم؛
- تحقيق التنمية من خلال تحسين فرض التوظيف وريادة المشاريع؛
- تماسك النسيج الاجتماعي من خلال تحسين المشاركة المدنية.
- الإطار المفهومي لإدماج مهارات الحياة والمواطنة في المنهاج الدراسي:
نروم في البداية التركيز على أهم المصطلحات والمفاهيم الرئيسية في هذا المقال، من حيث تعريفها أولا، ثم تحديدها إجرائيا ثانيا، نظرا لما لبعض المفاهيم في المجال التربوي التدريسي من لبس واختلاف نتيجة الترجمة الحرفية دون مراعاة خصائص اللغة العربية ومقتضياتها وقواعد اشتقاقها أحيانا، أو نتيجة اعتمادها على المرجعيات تنموية ونظريات التغيير المختلفة دون الإعلان عنها أحيانا أخرى.
وتعد المهارة والكفاية محور وبؤرة اهتمامنا في هذا المقال، تحتل حيزا هاما ضمن الإطار المفهومي. سنبدأ بمفهوم المهارة لأهميته في السياق الذي نحن بصدد.
- أولا: مفهوم المهارة:
غالبا ما يتم الخلط بين مفهوم الكفاية وبعض المفاهيم القريبة منها، وبالخصوص المهارة، الأداء، الاستعداد، القدرة. ولإزالة اللبس الحاصل بين هذه المفاهيم ومفهوم الكفاية، سنقوم بمحاولة تحديد مفهومَي المهارة والكفاية قبل تحديد المفهوم المفتاح في هذه الورقة (مهارات الحياة)، علما أن الحدود بينها تبقى غير نهائية ومطلقة حسب نتائج الدراسات في علوم التربية.
يحضر مفهوم المهارة كمفهوم محوري عند الحديث عن مشروع "مهاراتي" الذي يروم تطوير مهارات الحياة والمواطنة. فما المقصود بها، وما آليات تخصيلها وتعلمها؟ وما مقتضيات تدريسها ومعايير تقويمها؟
تجمع الأدبيات العربية على اعتبار "المهارة مفهوم يحيل على الحذق والإتقان والإجادة والإحكام، وأنها ترتبط بالإنجاز والأداء الذي تظهر فيه الكفاءة، باعتباره دليلا على تحققها، أي حين يتحقق الإتقان والإجادة في الأداء والعمل" ( فاطمة الحسيني، كفايات التدريس وتدريس الكفايات – آليات التحصيل ومعايير التقويم: ص 8).
وكذلك الأمر في الحقل التربوي، لا يوصف متعلم بالكفء أو الماهر إلا إذا أدى مهامه وأعماله وأنشطته (معرفية كانت أو يدوية أو غيرها) بنوع من الاقتدار والإحكام والإتقان ووفق ضوابط ومعايير.
لذلك فإن المهارة في المجال التعليمي التعلمي، "تعتبر نسقا من المعارف والقدرات (الذهنية أو اليدوية)، يحصل التفاعل بينها بشكل يسمح بأجرأتها في أوضاع تعليمية محددة، بمعنى أن القدرات المنجزة بإتقان هي مؤشر على امتلاك المهارة، "فمتى كان التعلم والتدريب فعالين كان التمكن والإتقان في أداء المهام والأنشطة بشكل متنام، يذكيه استعداد المتعلم وأهبته للتحصيل مما يساعد على شحذ طاقته ونموها باطراد" (فاطمة الحسيني، المرجع السابق: ص 10). وبهذا فالكفاية ترادف المهارة في مستوى الإتقان والإحكام والجودة في الأداء.
وعليه، نخلص إلى أن المهارة:
- ترتبط بالقدرة أو القدرات؛
- تتمظهر من خلال الأداء والإنجاز؛
- تتطلب الفهم ولإدراك؛
- تتطلب الحذق والإتقان والبراعة (فاطمة الحسيني، المرجع السابق: ص 10).
- ثانيا: مفهوم الكفاية:
تمَّ تبني مدخل الكفايات في مراجعة مناهج التربية والتكوين المغربية عوض مدخل الأهداف الذي كان سائدا من قبل، استنادا إلى ما جاء به الميثاق الوطني للتربية والتكوين المتضمن للفلسفة التربوية. ويسعى هذا الاختيار البيداغوجي إلى الارتقاء بالمتعلم إلى أسمى درجات التربية والتكوين، لأن المتعلم أصبح له وضعا اعتباريا متميِّزا في العملية التعليمية، يُمكِّنه من نظام متكامل من المعارف والأداءات والمهارات المُنظَّمة التي تتيح له ضمن وضعية تعليمية القيام بالإنجازات والأداءات الملائمة التي تتطلبها تلك الوضعية. (بلكبير محمد وجديد عبد العزيز وآخرون، بيداغوجية الكفايات، مصوغة تكوينية: ص 08)
ذلك أنّ نجاح المدرسة في كل مرحلة من مراحل التربية والتكوين رهين باكتساب المتعلم الكفايات الضرورية لتسهيل اندماجه في المجتمع، وقدرته على التفاعل معه سعيا لتحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية. وقد وضعت دعامات أساسية للكفايات، أهمها:
- الكفايات المرتبطة بتنمية الذات، والتي تستهدف تنمية شخصية المتعلم كغاية في ذاته، وكفاعل إيجابي تنتظر منه المساهمة الفاعلة في الارتقاء بمجتمعه في كل المجالات؛
- الكفايات القابلة للاستثمار في التحول الاجتماعي والتي تجعل نظام التربية والتكوين يستجيب لحاجات التنمية المجتمعية بكل أبعادها الروحية والفكرية والمادية؛
- الكفايات القابلة للتصريف في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والتي تجعل نظام التربية والتكوين يستجيب لحاجات الاندماج في القطاعات المنتجة ولمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وهي كفايات قابلة للتحويل والتعميم في مختلف المواد الدراسية، وتشكل منطلقا لاشتقاق الكفايات التي تستهدف المتعلم بصفته متلقيا تواصليا واستراتيجيا ومنهجيا وثقافيا وتكنولوجيا.
إن بيداغوجية الكفايات تركِّز على وضعيات التعلُّم المشابهة لوضعيات الحياة في سياقها التاريخي والاجتماعي، مؤكدة على ضرورة انفتاح المدرسة على الواقع والمجتمع لتغييرهما وإمدادهما بالأطر المُدَرَّبة والكُفْئة والمتميِّزة، إذ لا قيمة للمعارف والمحتويات الدراسية إذا لم تقترن بما هو وظيفي ومهني وتقني وحِرَفِي (عبد الرحيم وهابي، المناهج التعليمية ومنظومة القيم: اقتراحات نظرية وتطبيقية لترسيخ القيم في المدرسة المغربية: ص 36-37).
وعليه، تشكل الكفاية مفهوما عاما وممتدا يشمل القدرة على أداء المهارات، والقدرة على استثمار وتوظيف المعارف في وضعيات جديدة بحذق وإتقان. وتتحصل من مجموعة من المهارات، كما تتحصل المهارات من مجموعة من القدرات. إذ يقود تحصيل القدرات إلى تحصيل المهارة، وتحصيل المهارة إلى تحصيل الكفاية بالانتقال من الفعل إلى التمرس والدربة وإلى التمكن الفردي الوظيفي. فيتحقق المستوى الأعلى (التحكم والإتقان) عندما يصل المتعلم إلى درجة من التحكم في أداء المهارة بحذق وإتقان وظيفيا على مستوى الأداء الإنجاز.
ونؤكد هنا على تطابق المهارة والكفاية من وجهة تحقق الاقتدار والإجادة في الأداء، وتكون الكفاية أشمل منها عندما تصبح الكفاية مُدمجة لعدد من المهارات، فنقول كفاية معرفية على سبيل المثال (إذا قصدنا مهارة حفظ المعلومات والمعارف والمصطلحات.. ومهارة استحضار المعارف عند الحاجة إليه وتوظيفها في وضعيات محددة... ومهارة الفهم باعتبارها مدخلا محركا لهذه العمليات...). (فاطمة الحسيني، كفايات التدريس وتدريس الكفايات: ص 16).
ثالثا: في مفهوم مهارات الحياة:
تهدف مبادرة مهارات الحياة والتعليم من أجل المواطنة إعادة النظر في مفهوم مهارات الحياة في منطقة الشرق الأوسط شمال إفريقيا، ووضع فهم مشترك للمفاهيم والتعريفات الخاصة بمهارات القرن الحادي والعشرين استنادا إلى نموذج تعلم رباعي الأبعاد يعزز التعلم مدى الحياة الذي تم تطويره في تقرير "ديلور" عام 1996 بعنوان "التعلّم: الكنز المكنون"، مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات اللاحقة في التعليم والمجتمع. (منظمة اليونيسيف، الإطار المفاهيمي والبرامجي - مبادرة تعليم المهارات الحياتية والمواطنة: ص 5)
تجدر الإشارة إلى أن الملخص التنفيذي للإطار المفاهيمي والبرامجي الذي أصدره المكتب اليونيسيف الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعمان الأردن، وقف على حالة الارتباك وعدم التوافق في الآراء حول التعريف الأدق والعناصر الأساسية لمهارات القرن الحادي والعشرين. إذ لا توجد تعريفات واضحة حول مفهوم الكفايات والمهارات ومهارات الحياة، وتستخدم هذه المصطلحات غالبا بشكل تبادلي. فمثلا "مصطلح الكفاية يستخدم غالبا في المجال التقني المحدد لتطوير المناهج الدراسية، ويستخدم مصطلح المهارات في الغالب للدلالة على القدرات المهنية والتقنية، ومصطلح المهارات الحياتية غالبا إلى أشكال أقل أهمية من المهارات المتعلقة بالحياة اليومية والمشاركة المدنية" (منظمة اليونيسيف، المرجع السابق: ص 2).
مع العلم أن الخطاب المتعلق بالكفايات والمهارات ومهارات الحياة لا يقترن بالقيم القائمة على الحقوق التي نحن في أمسّ الحاجة إليها لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
ولتجاوز هذا الارتباك والخلط في المفاهيم السالفة الذكر، اقترحت وثيقة الإطار المفاهيمي والبرامجي تعريفا منقحا وشاملا أكثر وضوح لمصطلح "المهارات الحياتية والتعليم من أجل المواطنة"، وهو تعريف يتناول كل الفجوات المفاهيمية من خلال المقدمات المنطقية الأساسية الأربع (منظمة اليونيسيف، المرجع السابق: ص 2-3) الآتية:
- نهج شامل للتعليم: يأخذ بعين الاعتبار المتعلم ككل من خلال إقرار تعددية أبعاد التعليم، والذي لا يقتصر المعرفة ولإدراك، بل يشمل أيضا الجوانب الفردية والاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالتنمية الشخصية، والتماسك الاجتماعي، والتنمية المستدامة، ويتصل هذا بالتعليم النوعي الذي يعزز الأفراد المتمكنين الذين يمكنهم التعلّم بفعالية والاضطلاع بمسؤولياتهم الاجتماعية مع قدرتهم على تحقيق النجاح في سياق مكان العمل.
- نهج إنساني قائم على الحقوق: التعليم النوعي لا ينعزل عن القيم وجب أن يكون له أثر تحولي. تعزيز التعلم النوعي من خلال وضع أساس أخلاقي راسخ، يقرُّ أن التعليم يعزز الكرامة الإنسانية، قبل أن يعزز الأداء الاقتصادي، ويشجع على القيم القائمة على حقوق الإنسان.
- دورة تعلم متواصلة مدى الحياة: اكتساب المهارات الحياتية استثمار تراكمي يبدأ من سن مبكرة، ولا يقتصر على اليافعين والكبار فقط. فكل فرد في أي عمر من الأعمار، هو متعلم في سياق أي مجتمع يتيح له الفرص المتعددة طوال فترة الحياة للتعلم وتحقيق القدرات الشخصية.
- نهج متعدد المسارات والأنظمة: يؤدي التعليم النوعي دورا فاعلا في تعزيز التعلم والتمكين الفردي، وفي خلق بيئة تتيح تحقيق الترابط الاجتماعي. من خلال خلق مسارات التعلّم المتعددة، من التعليم النظامي إلى البيئات غير النظامية وانتهاء بمكان العمل.
تجدر الإشارة أن مهارات الحياة(compétences de vie) في هذا المقام تطابق مفهوم الكفاية وتوافقه؛ من حيث ارتباطُها بتنمية الذات، والقابلية للاستثمار في التحول الاجتماعي والتصريف في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والقابلية للتحويل والتعميم في مختلف المواد الدراسية، لذلك سنتناولها بنفس المعنى. وهذا الاختلاف في التوظيف الحاصل لا يعدو أن يكون نتاج الترجمة الحرفية المقتبسة من اللغة الانجليزية (life skils)، والتي لم تراع مرجعيتها المعتمدة في المنظومة المغربية، وأيضا نتيجة الاقتباس من الأدبيات المشرقية على اعتبار أن هذه المبادرة تستهدف بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
- رابعا: منهاج اللغة العربية:
- 1-تعريف المنهاج:
للمنهاج كما هو مستعمل في الأدبيات التربوية ثلاث معان "فهو بالمعنى الأول جملة من النوايا تهيأ سلفا قصد عمل المستقبل، وهو بالمعنى الثاني واقع (Réalité) أي كل ما هو معيش من طرف الأستاذ وتلاميذه في قسم معين، ثم هو بالمعنى الثالث نظرية منهاجية (Théorie Curriculaire). (طارق محمد، مفهوم المنهاج ومفهوم البرنامج: ص 31).
ويضيف داينو (D’hainaut) إلى المعنى الأول المرتبط بالنوايا أبعادا أخرى للمنهاج "المنهاج خطة عمل بيداغوجية أكثر شمولية من برنامج في مختلف المواد، ولكن أيضا تعريفا للغايات التربوية المستهدفة، وتخصيصا للأنشطة التعليمية التي يقتضيها برنامج المضامين، وأخيرا إشارات دقيقة حول الطريقة التي يستم بها تقييم (التعليم أو التلميذ). (D’hainaut (L) : Des fins aux objectifs de l’éducation : pp 25-26)
ويحدد دولاندشير (Delandsherre) المنهاج الدراسي بأنه جملة من الأفعال نخططها، وتشمل تحديد أهداف التعليم ومضامينه وطرقه وأساليب تقييم مواده الدراسية بما فيها من طبع الكتب المدرسية، كما يشمل مفهوم المنهاج بهذا المعنى مختلف الاستعدادات المتعلقة بالتكوين الملائم للمعلمين.
وقد تبين لنا من خلال تتبع بعض القواميس التربوية ومصنفاتها أنها لا تجمع على تعريف واحد للمنهاج، فهي تتضمن تعريفات متنوعة ومتشعبة، فتارة يتم تحديده من أنه: جملة من النوايا تحضر قبليا قصد عمل مستقبل، ومرة تعرفه على أنه يمارس عمليا داخل الفصل الدراسي، وتارة يقصد به مختلف الطرق والوسائل والتقنيات المستعملة لتحقيق أهداف متوخاة من العمل التربوي والتعليمي، وتارة أخرى يعرف المنهاج تعريفا نسقيا، حيث منهاج التدريس كنسق هو كلية من العناصر والمكونات المنتظمة بشكل مركب خاضع لنظام من العلاقات والتحولات، بحيث إنها تكون كلا منسجما ومتسعا يتحدد من خلاله موقع ووظيفة كل عنصر، وكذلك علاقاته وتفاعلاته بالعناصر الأخرى والمحيط، وذلك من أجل تحقيق أهداف ومرامي محددة[1](عبد اللطيف الفارابي وآخرون، البرامج والمناهج: ص 54). وقد يعرف المنهاج تعريفا بنيويا حيث هو "مجموعة من العناصر والبنيات التي تشكل المكونات الداخلية لمنهاج التدريس، وفي معظم الأحيان تتمثل هذه العناصر في: الأهداف، والوسائل التعليمية وأدوات التقييم". (عبد اللطيف الفارابي وآخرون، المرجع السابق: ص 54)
يتضح مما سبق تقديمه أن مختلف التعريفات لتي قدمت للمنهاج التعليمي تتقاطع في عمقها، فهي أحيانا تربط مفهوم المنهاج بالبرنامج والطريقة والمنهجية، عذا فضلا على تعدد المنطلقات التي يستقي منها أصحابها، وتوجه تصوراتهم للمنهاج.
ويمكن أن نتبنى انطلاقا من كل ما تقدم تعريفا تركيبيا للمنهاج وأنشطته:
- المنهاج تخطيط للعملية التربوية والأنشطة التعليمية إلى نهايتها.
ويمكن أن نبني المنهاج الدراسي، حسب التصنيف الذي قدمه (داينو) عبر ثلاث مراحل ومستويات:
أولا- مستوى البحث عن الغايات والاهداف. ثانيا- مستوى البحث عن الطرق والوسائل. ثالثا- مستوى تحديد عمليات التقويم.
2- السياق العام لمنهاج اللغة العربية:
تندرج التصورات والمبادئ العامة المنظمة للمنهاج في سياق رؤية تربوية تهدف إلى مراجعة المنهاج ليواكب إصلاح المنظومة التربوية، وتستقي هذه المراجعة أسسها من تصور فلسفي يؤسس لمشروع مجتمعي تربوي قوامه إكساب المتعلمات والمتعلمين القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العملية والاجتماعية ومواصلة التعلم مدى الحياة؛ وتزود المجتمع بالكفاءات القادرة على الإسهام في البناء والتواصل للوطن؛ وهذا لن يتحقق إلا من خلال:
- التمسك بالعقيدة الإسلامية وما تنص عليه من تسامح وانفتاح؛
- الانخراط الإيجابي في الحداثة وترسيخ الثقافة الديموقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان؛
- حفظ التراث الحضاري والثقافي للبلاد بتنوع روافده والعمل على تجديده؛
- اعتبار التربية والتكوين مدخلا استراتيجيا لمواجهة تحديات التنمية في مواجهة زمن العولمة؛
- تجسيد التفاعل عن المدرسة ومحيطها السوسيو-اقتصادي؛
- مواكبة المستجدات العملية والبيداغوجية والديداكتيكية من جهة، وضمان شروط الجودة والتنافسية م جهة ثانية (وزارة التربية الوطنية، التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية (سلك التعليم الثانوي): ص 5).
3-التعليم الثانوي الإعدادي:
مرحلة تعليمية وسطى بين التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي التأهيلي، وهو يشكل إضافة للسلك الابتدائي فترة التعليم الأساسي الإجباري، ويشكل إلى جانب التعليم الثانوي التأهيلي مرحلة الثانوي.
يلتحق بالتعليم الإعدادي الذي تابعوا دراستهم بالتعليم الابتدائي وحصلوا على شهادة التعليم الابتدائي. يستغرق السلك ثلاث سنوات تنتهي بالحصول على شهادة الدروس الإعدادية، والتي تسمح لصاحبها بالالتحاق بالسلك الثانوي التأهيلي. وقد حدد الميثاق الوطني للتربية والتكوين في مواده (68 و69 و70) دورا حاسما للتعليم الإعدادي في إنضاج الوعي بالملكات الذاتية والتهييء لاختيار التوجيه، وتصور وتكييف المشاريع الشخصية سواء قصد الاستمرار في الدراسة أو الالتحاق بالحياة المهنية (وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين: ص 34،35). وتنحو الوثيقة الإطار للاختيارات والتوجيهات التربوية إلى التأكيد على أهمية هذه المرحلة حينما أقرت بأنه: "في السلك الإعدادي، يستمر التركيز على الجوانب التواصلية على مستوى متقدم من التمكن، وعلى الجوانب المنهجية والاستراتيجية والثقافية. وتُعطى الجوانب التكنولوجية أهمية أكثر من ذي قبل للإعداد للتعليم التأهيلي أو لمؤسسات التكوين المهني أو لولوج الحياة العامة، لمن سينقطعون عن الحياة الدراسية من المتعلمين في نهاية السلك الإعدادي" (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض، الاختيارات والتوجهات التربوية العامة المعتمدة في مراجعة المناهج التربوية، ص 25).
خامسا: أهمية إدماج مهارات الحياة:
إن مهارات الحياة في عمقها الدلالي ومغزاها العام هي كفايات ذاتية واجتماعية يحتاجها الأفراد كي يتعاملوا بثقة مع أنفسهم ومع الآخرين ومع المجتمع المحلي، يؤهل التمكن منها الأفراد للقيام بسلوكات إيجابية تجعلهم قادرين على التعامل مع الحياة اليومية وتحدياتها، فهي بالغة الأهمية لمواجهة المواقف المختلفة، بشكل إيجابي بهدف المشاركة في العالم الحديث الممتلئ بالتحديات الجديدة، كما تتوخى تحقيق التكامل بين المدرسة والحياة.
وعليه، فهي مهارات تندرج ضمن فلسفة مقاربة التدريس بالكفايات، وتكمن أهميتها في كونها تروم:
- تحقيق التكامل بين المدرسة والحياة من خلال ربط حاجات المتعلمين ومواقف الحياة باحتياجات المجتمع، مما يساعد في إدارة المتعلم لحياته بشكل فيه المرونة والفاعلية والاعتماد على النفس والقدرة على التكيف الإيجابي مع بيئة ومواكبة التغيرات ومواجهة الضغوط.
- إعطاء الفرصة للمتعلم كي يعيش بشكل أفضل، خاصة في مجتمع يتميز عصره بالانفجار المعرفي والمعلوماتي والتقني السريع والاقتصاد المعرفي والمتزايد يوما بعد يوم، حيث يحتاج الشباب إلى قدرات عملية منافسة.
- اكتساب المتعلم خبرات مباشرة، من خلال التعامل مع الأشخاص والظواهر الحياتية، مما يعطيه القدرة على الدمج بين ما يتعلمه ويدرسه وما يواجهه خلال التفاعل مع الواقع المحيط به.
- جعل المتعلم يشعر بمشكلات المجتمع، ويرغب في التعامل مع المحيطين به قصد إيجاد حلول ناجعة لها.
- تمكينه من التفاعل الصحي مع الآخرين وبينه وبين البيئة من خلال الاتصال والتواصل معهم والتعبير عن الآراء والأفكار بشكل واضح وسليم.
يظهر من خلال ما سبق، أن تطوير مهارات الحياة يتم وفق منظور متسق ومنسجم يتكامل فيه ما يتعلمه الفرد (في المدرسة أو الجامعة أو المركز المهني) مع ما يمارسه في الحياة اليومية. ذلك أن عملية إكسابها وتطويرها لا تقتصر على مرحلة تعليمية بعينها، وإنما يمكن تطويرها مدى الحياة وفي مختلف الأسلاك والمراحل والمستويات التعليمية (المدرسية والجامعية والمهنية). تستدعي كل ما يحتاجه المتعلم من مواقف ومعارف وسلوكات وقيم وكفايات باعتباره فردا له احتياجات خاصة، وبصفته مواطنا معنيا بالعيش المشترك، ومواطنا يلزمه التمكن من التحولات المتسارعة للمعرفة، ومواطنا يحق له ولوج سوق الشغل بفعالية.
[1] - عبد اللطيف الفارابي وآخرون، "البرامج والمناهج"، سلسلة علوم التربية، (1992)، الطبعة 2، ص: 54.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241111%2Fob_35bd43_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241111%2Fob_456e66_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)