تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي
بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل
-دراسة ميدانية لآراء أساتذة اللغة العربية -
د.عزيز عشعاش *
دراسة محكمة
*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية
تقديـــــــــــــم:
يهدف درس النص الأدبي إلى تنمية ذوق الناشئة، وتنمية ميولاتهم واتِّجاهاتهم وتصحيحها، بزرع القيم الإيجابية في نفوسهم، وخلق حافز الإبداع والابتكار الفني لديهم اقتداء بالنماذج الجيِّدة، وإثراء رصيدهم اللغوي والمعرفي، وتمكينهم من أدوات النقد الموضوعي البنَّاء للحكم والتقويم، من خلال وصلهم بالنماذج الأدبية المختارة بعناية ودقَّة، وتمكينهم من عادة القراءة، وربطهم بها باعتبارها الأساس لكل نشاط عقلي أو وجداني أو حسِّي حركي.
وعلى الرغم من أن مشاكل تلقي النص الأدبي متعدِّدة تتداخل فيها متغيرات كثيرة، منها ما هو مرتبط بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجُّهات والخيارات السياسية، ومنها ما هو عائد إلى طبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس، إلا أن أراء الأساتذة تبقى لها أهمِّيتها في استجلاء إشكالات التلقي التي يتخبّط فيها الدرس الأدبي قراءةً من لدن المتعلم أو إقراءً من قِبَل تدخلات الأستاذ.
لذلك، اهتمت هذه الدراسة بتوزيع استبيانات على عينة عشوائية من الأساتذة، تتَضَمَّن أسئلة تروم معرفة رأي هؤلاء الأساتذة - باعتبارهم المشرفين على التنزيل البيداغوجي والديدكتكي لمقاربات تدريس النصوص داخل الفصول الدراسية - حول إشكالات التلقي التي يواجهونها عند تدريس النص الأدبي، وتلك التي يواجهها المتعلم/المتلقي، ومطالبتهم باقتراح الحلول التي يرونها كفيلة بمعالجة هذه الصعوبات والتخفيف من حِدَّتِها حتَّى يتحول التلميذ من متلق سلبي إلى متلق إيجابي. ولمقاربة موضوع تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي والإمساك بإشكالات البناء وإكراهات التنزيل، سنركز على مفاهيم أساسية وقضايا هامة فرضتها طبيعة الموضوع:
- نستهلها في المحور الأول بمقاربة المفاهيم المُشكِّلة لعنوان هذه الورقة العلمية: تلقي، النص الأدبي، التعليم الثانوي، البناء والتنزيل.
- ونتناول في المحور الثاني المتعلق بإشكالات البناء آراء الأساتذة بخصوص:
- النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي المعتمدة حاليا، وكيفية تنزيلها.
- درجة تفاعل المتعلم مع الخصائص البنائية للنص الأدبي: (خاصية التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وطبيعة الألفاظ العادية السَّهلة والبسيطة التي تصبح محمَّلة بالدلالات داخل النص الأدبي).
- ونهتم في المحور الثالث المتعلق بإكراهات التنزيل بموقف الأساتذة من:
- تدريس النصوص الأدبية: وذلك لمعرفة أنواع النصوص التي يفضِّلون تدريسها، ومدى اهتمامهم بتمثلات التلاميذ، والصعوبات التي يمكن أن تحُدَّ من فعالية هذه الإجراءات.
- إقبال ونفور المتعلم من النص الأدبي: وذلك باستطلاع رأيهم حول إقبال أو نفور التلاميذ بصفة عامة على فعل القراءة، ومعرفة أنواع النصوص التي تستقطب انتباههم أكثر وطبيعتها (قديمة وحديثة)، ومعرفة آرائهم حول أفضل السبل لتطوير كفايات المتعلم القرائية وجعله يتعامل مع النص كبنية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع.
- قبل أن نختم باقتراح بعض الحلول المقترحة لجعل التلاميذ يتعاملون مع النص بكيفية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع، وجعله يقبل على قراءة النص الأدبي والتفاعل معه تفاعلا إيجابيا بفعالية أكبر.
المحور الأول: الإطار المفهومي
نروم في البداية التركيز على أهم المصطلحات والمفاهيم الرئيسية في هذا المقال، من حيث تعريفها أولا، ثم تحديدها إجرائيا ثانيا، نظرا لما لبعض المفاهيم في المجال التربوي التدريسي من لبس واختلاف نتيجة الترجمة الحرفية دون مراعاة خصائص اللغة العربية ومقتضياتها وقواعد اشتقاقها أحيانا، أو نتيجة اعتمادها على المرجعيات تنموية ونظريات التغيير المختلفة دون الإعلان عنها أحيانا أخرى.
لذلك نروم في هذا المقال الاهتمام في هذا المقال، مقاربة المفاهيم المُشكِّلة لعنوان هذه الورقة العلمية: التلقي، النص الأدبي، التعليم الثانوي.
- التلقي:
التلقي فعل استقبال لرسالة، لا يختلف عن مفهوم الاستقبال في إطار الفعل التواصلي اليومي. وهذا يجعله يقتضي كل مكونات العملية التواصلية من مرسِل باث لرسالة، يتم تلقيها من لدن مرسَل إليه، يعمل على فك شفرتها وفق السياق الذي أنتجت من خلاله. وتجدر الإشارة إلى أنه عندما يتعلق الأمر برسالة فنية فإننا نكون أمام تلقٍ أدبي، أما عندما يرتبط الأمر بالعملية التَّعَلُّمِيَّة فإننا نكون أمام تلقِ بيداغوجي.
وبهذا فالتلقي داخل العملية التعليمية التعلمية قدرة تتكون لدى المتعلم/المتلقي بفعل احتكاكه بنصوص قرائية مختلفة في أشكالها وأساليبها ومضامينها، وبالإجراءات المتبعة في إقرائها، مما يجعله يستضمر قواعدها بشكل ضمني؛ وهي قدرة ترتبط أشد الارتباط بقدرة الإنتاج، وتسمح للمتعلم بفهم الموضوعات، وإدراك البنية الكلية التي تكون وراء وحدة الموضوع، وإدراك الترابطات بين بنياته الفرعية، والتمييز بين النصوص من حيث أنواعُها وانتماؤها الأجناسي.
وبما أن الدراسة ذو طبيعة ديدكتيكية فقد ركزنا على مفهوم التلقي، في بعدين. البُعْدُ الأول سيكولوجي، يحتمل فيه التلقي معنى أوسع من مفهوم القراءة، فهو يفترض أن جميع أنظمة الإدراك المعرفية والوجدانية والحسية يتم استثمارها في تعلم اللغة. والبعد الثاني ايديولوجي، يعود إلى اقتران القراءة بإجراءات بيداغوجية تقليدية، لا تراعي الفروق الفردية بين المتلقين، لأنها تعتبر التعليم وسيلة إخبارية وقناة لنقل محتوى ثابت يحافظ على استمرار الثقافة والعلاقات الاجتماعية السائدة، عكس التلقي الذي يقوم على تصور مغاير، يعتبر التعليم وسيلة من وسائل التكوين الذاتي المستمر، بمعنى أن الذات تستقبل المعرفة لا لإعادة إنتاجها وإنما لبناء معرفة بديلة وإحداث تغيير في العلاقات الاجتماعية سيرا بها نحو الأفضل.
غير أن التلقي البيداغوجي في مؤسساتنا التربوية تواجهه صعوبات كثيرة مردها إلى الأستاذ، والتوجيهات الرسمية، ومجهود التلميذ، وطبيعة الممارسة داخل الفصل الدراسي...
- النص الأدبي:
يحدد النص الأدبي طبيعة المادة التعليمية وموضوع القراءة التي نحن بصدد البحث في إشكالات تدريسها، وهو مفهوم إشكالي من أكثر المفاهيم غموضا والتباسا في عمليات التدريس، عالق في الدرس القرائي بين مرجعيات الأستاذ المعرفية المتخصصة، والسياق التعليمي الذي أدمج فيه هذه المرجعيات وأعيد بناؤها. ونعتقد أن معرفة وضعه الاعتباري في درس القراءة كفيلة بتذليل كثير من صعوبات تدريس المادة، وبدون قيامنا بهذا العمل يكون من العبث تقديم منهجيات للقراءة، أو توجيهات ووصفات لإتقان مهارات تحليل النصوص وتركيبها، وحل عقدها.
فما مفهوم النص الأدبي في الدرس القرائي؟ وهل يختلف مضمون هذا المفهوم عما هو عليه في نظريات النص والخطاب وعلوم اللغة والأدب؟
يعتبر النص الركن الثالث والأساسي في العملية التعليمية التعلمية إلى جانب قطبيها الآخرين المتعلم والأستاذ؛ ويشكل في العملية التدريسية للأدب البؤرة الرئيسية، في جل مراحل تعلم اللغة، ابتداءً من المستويات الأولى للدراسة الابتدائية، وانتهاءً بالمستويات العليا في الدراسة الجامعية، لأن دراسته تمكن المتعلم من الوقوف على أسرار النص اللغوية وتذوق دقائقه الجمالية، ومن ثم التمرس بأساليب اللغة وإدراك ما تتميز به اللغة العربية الأدبية عن غيرها.
غير أنه في السياق التعليمي يخضع مفهومه لنقل ديدكتيكي يترجم انشغالات البيداغوجية الحديثة، واختيارات المنهاج، وأهداف تدريس القراءة والنصوص، ومعايير اختيار النصوص وتصنيفها وتبويبها وتوزيعها، وتحديد خطوات قراءتها، ويفتح مفهوم النص على أسئلة تعليم اللغة وتنشيط التواصل والتدريب على مهارات القراءة، وتنمية الميول الديمقراطية وقيم التعاون والاختلاف والتنوع... فهو منظور إليه باعتباره "وحدة تدريسية تمثل محورا تلتقي فيه المعارف اللغوية المتعلقة بالنحو والصرف والعروض والبلاغة وعلوم أخرى كعلم النفس والاجتماع والتاريخ؛ بالإضافة إلى المعطيات المعرفية المتميزة التي صارت تقدمها علوم اللسان في دراسة النصوص، وما في ذلك من فائدة جليلة تعود بالنفع على العملية التعليمية"( ).
وهكذا فالنص في السياق المدرسي يتحدد انطلاقا من الوظيفة التي يسندها إليه المنهاج التعليمي في بناء تعلمات المتعلمين وتطوير كفاياتهم ومهاراتهم القرائية والكتابية، ويعرف بالنظر إلى مكوناته الداخلية والخارجية المحيطة بفضاء إنتاجه وتلقيه المؤسسي. فهو:
- موضوع يستعمل لأغراض التعليم؛
- يكشف بالدرجة الأولى عن إمكانات لغوية قابلة للاستثمار في تعلم اللغة؛
- أنه حافل بأساليب وطرائق في التواصل تسمح للمعلمين والمتعلمين بإدراك اللغة في بعدها التواصلي؛
- أنه يتضمن مادة تثقيفية واسعة بإمكانها أن تستقطب إليها عمليات التدريب على اكتساب المعارف والمهارات والقيم المنشودة ...
3. التعليم الثانوي:
يعد التعليم الثانوي التأهيلي همزة وصل ومحطة دراسية بين التعليم الإعدادي والتعليم التأهيل. ويشتمل على سلكين دراسيين السلك الثانوي الإعدادي والسلك الثانوي التأهيلي. وسنقتصر على الصنف الأخير نظرا لارتباطه المباشر بموضوع بحثنا.
يشكل السلك الثانوي التأهيلي امتدادا تعليميا للسلك الثانوي الإعدادي، "يلتحق به التلاميذ الحاصلين على شهادة السلك الإعدادي والذين تمّ توجيههم من لدن مجلس التوجيه بالإعدادية" (الجريدة الرسمية عدد 5024، المادة 23 المرسوم رقم 2.02.376 الصادر في 6 جمادى الأولى 1423 (17 يوليوز 2002))، حيث يراهن على تثبيت ودعم وتعميق المكتسبات السابقة للمتعلم في هذه المرحلة على المستويات المعرفية والمهارية والسلوكية، كما يعتبر مرحلة أساسية يتلقى المتعلمون خلالها تكوينا نظريا وعمليا يرتكز على "تنويع مجالات التعلم بكيفية تسمح بفتح سبل جديدة للنجاح والاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية أو متابعة الدراسات العليا"(المادة 21 من المرسوم نفسه، ص: 64).
يستغرق التعليم الثانوي التأهيلي ثلاث سنوات دراسية يتم توزيعها على سلكين:
- سلك الجذع المشترك: تدوم الدراسة فيه سنة واحدة، يتم توجيه المتعلمين في نهايتها إلى أحد مسالك سلك البكالوريا.
- سلك البكالوريا: مدته سنتان دراسيتان. (السنة الأولى تشتمل على تسعة مسالك. والسنة الثانية تغطي أربعة عشر مسلكا (المادة 21 من المرسوم نفسه، ص: 64)، منها ما يتعلق بالتعليم العام ومنها ما يرتبط بالتعليم التأهيلي التكنولوجي). ينجز التلاميذ خلال مدة الدراسة بسلك البكالوريا الفروض الكتابية المحروسة ومختلف الأنشطة المدمجة الصفية بصيغ متنوعة، كما يجتازون امتحانين إشهاديين: (جهويا – ووطنيا). ويختم بنيل شهادة البكالوريا أو شهادة نهاية التعليم الثانوي التأهيلي بالنسبة للتلاميذ غير الحاصلين على شهادة البكالوريا (المادة 22 من المرسوم نفسه، ص: 64).
المحور الثاني: الإطار النظري والمنهجي للدراسة
- أهمية الموضوع وأسباب اختياره
بالنظر إلى أهمية تدريس مادة النص الأدبي والأهداف المتوخاة من تدريسها، وإلى تزايد شكوى الأساتذة من تدريسها، ارتأيت المغامرة في مقاربة صعوبات قراءة وإقراء المادة، رغم ما يساورني من إحساس بصعوبة في تشخيصها تشخيصا دقيقا، وإن كانت بعض التعليلات لجوانب من صعوبات تدريس المادة تبدو واضحة كنفور التلاميذ من دراستها، أو سوء اختيار بعض النصوص الأدبية، أو قصور الحصَّة الزمنية المخصصة للمادة، إلى غير ذلك من التبريرات التي تُفصحُ عن درجة الهم الذي يكابده الأستاذ إزاء المادة، غير أنَّها لا ترقى إلى مستوى العلمية.
فقد اهتمت المقالة باستجواب الأستاذ، حتَّى يعبِّر عمَّا يعترضه من مشاكل على مستوى تلقي النص الأدبي، لأنه أدرى بالجوانب السلبية ومكامن الخلل التي تجعل من قراءة المتعلم للنصوص الأدبية داخل الفصل الدراسي مجرد لقاء عابر تُهيمن عليه النفعية المرتبطة بالامتحانات، وتطغى عليه الرتابة لانعدام التماهي الفكري والروحي بسبب غياب الذائقة الأدبية ومتعة الاشتغال، ولأنه أحد الأركان الأكثر تأثيرا في العملية التعليمية التعلُّمية، إذ يعد وسيطا بينه والنص الأدبي، يُيسِّر تلقيه له بشكل إيجابي، أو يحول دون هذا التلقي بتدخلاته التي يقوم بها داخل الفصل.
وإيمانا منِّي بدور الأستاذ الهام والمحوري داخل المنظومة التربوية، على عكس بعض الباحثين الذين يهمشونه، مسوغين ذلك إلى أن أحدث النظريات والبيداغوجيات تحصر دوره في التوجيه والإرشاد داخل الفصل الدراسي. ويتمظهر هذا التهميش في عدم إشراكه والأخذ برأيه في القضايا التي تهمُّ كلَّ إصلاح تربوي، زاعمين بأن إصلاح المناهج وتجديد البيداغوجيات كفيل بتحقيق الجودة المنشودة، وهنا نتساءل عن جدوى تغيير المناهج وتنويع المقاربات ما لم يتغيَّر القائمون بأجرأتها وما لم يتم إشراكهم في هذا التغيير بصفتهم الأقرب لمعرفة الصعوبات والمشاكل والأسباب التي تُمَوضِعُ المتعلم في دائرة المتلقي السلبي، وتحول دون جعله قادرا على التفاعل فكريا ووجدانيا مع النصوص المقرَّرة.
وعلى الرغم من أن مشاكل تلقي النص الأدبي متعدِّدة تتداخل فيها متغيرات كثيرة، منها ما هو مرتبط بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجُّهات والخيارات السياسية، ومنها ما هو عائد إلى طبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس، إلا أن أراء الأساتذة تبقى لها أهمِّيتها في استجلاء هذه المشاكل التي يتخبّط فيها الدرس الأدبي قراءةً من لدن المتعلم أو إقراءً من قِبَل تدخلات الأستاذ.
لذلك، وزعت استبيانات على عينة عشوائية من الأساتذة، تَضَمَّنت أسئلة تروم معرفة رأي هؤلاء الأساتذة حول الصعوبات التي تواجههم في تدريسه للنص الأدبي، وتلك التي يواجهها المتعلم/المتلقي، ومطالبتهم باقتراح الحلول التي يرونها كفيلة بمعالجة هذه الصعوبات والتخفيف من حِدَّتِها حتَّى يتحول التلميذ من متلق سلبي إلى متلق إيجابي.
- إشكالية الموضوع وفرضياته
ولأهمية الموضوع والصعوبات الجمة التي يطرحها، انطلقت هذه الدراسة من الإشكالية الآتية:
- ما الصعوبات التي يواجهها كل من الأستاذ والمتعلم في قراءة وإقراء النص الأدبي؟ وهل هذه الإشكالات والصعوبات مرتبطة بنمط التفكير التربوي السائد، ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتوجهات والخيارات السياسية... أم أنها مرتبطة بطبيعة الممارسات الصفية داخل قاعة الدرس؟ وما الحلول التي يراها الأستاذ كفيلة لتذليل هذه الصعوبات والتخفيف من حدَّتها حتى ينتقل المتعلم / المتلقي ومن وضع سلبي إلى وضع إيجابي؟
وما دام الأساتذة قطب رئيسي ومحور أساسي في هذا الدرس معنيون بتدريسه، فهم المؤهلون أكثر من غيرهم للتعبير عن الصعوبات التي تعترضهم إزاء النص الأدبي، وذلك بالإجابة عن الأسئلة الموضوعة في الاستمارة الموجهة إليهم وتذْيِلها باقتراحات وحلول لتجاوز المشاكل والصعوبات المعبَّر عنها، غير أن هذا لم يمنعنا من تسجيل بعض الفرضيات، باعتبارها حلولا مؤقتة، لإثبات صحتها أو عدم صحتها، نعرضها كالآتي:
قد انبثقت عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية أخرى ستتم الإجابة عنها ضمن هذه الدراسة، وسيتم التطرق فيها لبعض الصعوبات والمشاكل المرتبطة بالنص الأدبي، والمتعلم والأستاذ وبعض الإكراهات الخارجية المرتبطة بسياق النص الأدبي كالغلاف الزمني، والفضاء المكاني، وطول المقررات، وكثرة المناهج الدراسية، واكتظاظ التلاميذ... على اعتبار أن الموضوع متعدد الأبعاد والأشكال، ومن ثم فالعوامل التي تحدُّ من التلقي الإيجابي عديدة مرتبطة بكل الأطراف المتدخِّلة والمعنية بالأمر من توجُّهات واختيارات سياسية، وكتب مدرسية، وطرائق تدريسية، وأساليب تقويمية... ومادام الأساتذة هم محور هذه الإشكالية، لكونهم مؤهَّلَين أكثر من غيرهم للتعبير عن الإشكالات التي تكتنف تدريس النص الأدبي، فقد تمَّ اعتماد استمارات وُجِّهت إليهم.
- فرضيات الموضوع
تمَّ الانطلاق من تسجيل بعض الفرضيات، باعتبارها حلولا مؤقتة لبعض إشكالات تلقي النص الأدبي في الثانوي التأهيلي، تحتاج إلى التمحيص أو الدحض بعد تحليل نتائج الاستمارة الخاصة بكل عيِّنة على حدة، ومن جملة هذه الفرضيات، ما يلي:
- لم تنجح المدرسة في تربية المتعلمين تربية قرائية ترسخ عادة القراءة المستقلة في نفوسهم؛
- توظيف المتعلمين لاستراتيجيات غير فعالة أثناء معالجتهم للنص الأدبي ينعكس سلبا على تحصيلهم القرائي؛
- لم تنجح البرامج بما تحمله من تصورات في استمالة وجذب المتعلمين على الإقبال عليها؛
- تتحول خصائص النص اللغوية المعجمية والتركيبية والدلالية إلى معيقات تشوش على المتعلم فَهمَه، وتُكَرِّسُ فيه عادات التَّلقِي السلبي بسبب جهله لطبيعة اللغة الأدبية، وعدم اهتمام الأستاذ بتوجيهه إلى خصوصيتها وركونه إلى الشرح والتفسير.
- عدم وعي الأساتذة بمزايا تعددية الكتب المدرسية في إغناء رصيدهم التربوي، وتنمية كفاياتهم البيداغوجية، وتنويع وسائلهم ووضعياتهم وأنشطتهم الديدكتيكية.
- عدم قدرة الأستاذ على تدبير وضعيات تعليمية تراعي مستويات المتعلمين المختلفة، مردُّه ضعف تكوينه الأساس الذي تلقاه بالمراكز التربوية لقصر مدة التكوين من جهة، وعدم قيامهم بالتكوين الذاتي المستمر رغم أهميته من جهة ثانية.
لقد وجَّهت هذه الفرضيات أسئلة الاستمارة، ورغم أنها كلُّها واردة في صنع مشاكل التلقي، إلا أن المشاكل الحقيقية هي ما تُفصِحُ عنها عينة البحث التي وُجِّهت إليها الاستمارة.
- أهداف البحث
من الأهداف التي أروم الوصول إليها من خلال هذا البحث الميداني، ما يلي:
- رصد آراء الأساتذة بخصوص النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي المعتمدة حاليا، وكيفية تنزيلها.
- آراء الأساتذة حول درجة تفاعل المتعلم مع الخصائص البنائية للنص الأدبي
- موقف الأساتذة من تدريس النصوص الأدبية، وموقفهم حول إقبال ونفور المتعلم من النص الأدبي؛
- اقتراح لعض الحلول لجعل التلميذ يتعامل مع النص الأدبي بكيفية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية الإبداع،
وستتضمن هذه الدراسة محاور تمَّ توزيعها على الشكل الآتي:
- المحور الأول: مقاربة المفاهيم المشكِّلة لعنوان البحث؛
- المحور الثاني: موقف الأساتذة من إشكالات التفاعل مع بنية النصوص الأدبية المقترحة بالكتب المدرسية؛
- المحور الثالث: موقف الأساتذة من إكراهات تدريس النص الأدبي؛
- المحور الرابع: الحلول المقترحة.
وسننطلق في هذه الدراسة، من إطار منهجي يخصًّص للحديث عن عيِّنة البحث وأدواته وميدانه وحدوده وصعوباته... ثم نشرع في تحليل نتائج البحث تحليلا كمِّيا وكيفياً من خلال الأجوبة المحصًّل عليها ضمن الاستمارات. قبل أن ننتهي إلى استنباط خلاصات واستنتاجات تهم رصد إشكالات تلقي النص الأدبي ودرجة تفاعلهم مع النصوص الأدبية تفاعلا إيجابيا.
وعموما فإن مساءلة شريحة متعددة ومتباينة من المتعلمين يمكِّننا من:
- استخلاص رأي الأساتذة بخصوص النصوص الادبية المدروسة وتفاعلات المتعلمين مع النصوص المختارة، وهو أمر في غاية الأهمية، مادامت العملية التعليمية التعلمية عملية تفاعلية بين هذه العناصر الثلاثة.
- جمع بيانات ومعلومات بينهم حول قضايا تهم الاشتغال على النص الأدبي.
- عقد مقارنة من شأنها أن تُفضِي إلى نتائج هامة مدعَّمة بحجج واقعية.
- تعميق معرفتنا بتمثلات المتعلمين حول إشكالات التلقي، لتصحيح مسار الدرس الأدبي.
- الفئة المستهدفة والمقاربة الميدانية
لقد تم استهداف أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي بنيابتي تازة وسيدي البرنوصي، وقد تم اختيار العينة عشوائيا، بحيث شملت عدة مؤسسات للتعليم الثانوي التأهيلي.
وهي تتوزع كالاتي :
1.5. التوزيع حسب الجنس
تم توزيع الاستمارة عشوائيا على الفئة المستهدفة، فتبين من خلال تحليل النتائج أن نسبة الإناث من الأساتذة وصلت إلى 44 %، في حين أن نسبة الذكور وصلت إلى 56%.
2.5. التوزيع حسب الأقدمية
من خلال المبيان، نلاحظ أن أقدمية السادة الأساتذة مالئي الاستمارة تتباين، فقد شملت جميع الفئات الموجودة داخل الثانويات، من أساتذة جدد لا تتعدى أقدميتهم خمس سنوات إلى أساتذة يتوفرون على أقدمية تصل إلى خمس وثلاثين سنة أو أكثر.
وقد تم التركيز على الأساتذة القدامى والجدد، كما هو واضح من خلال المبيان، لاختلاف خبراتهم المعرفية وتجاربهم الميدانية.
3.5. التوزيع حسب المستوى الدراسي.
من خلال هذا المبيان نلاحظ اختلاف مستويات السادة الأساتذة مالئي الاستمارة الدراسية، وهذا من شأنه أن يثري البحث والنتائج.
4.5. التوزيع حسب المدينة.
من خلال المبيان يتضح أن نسبة المستجوبين حسب المدن، وصلت إلى 55 % بالنسبة لمدينة تازة، و45 % بالنسبة لمدينة الدار البيضاء. وقد تحكم في هذا التفاوت الرغبة في المقارنة بين وسطين مختلفين على مستويات شتى اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا... ويعزى انخفاض نسبة عدد الأساتذة مالئي الاستبيان بنيابة سيدي البرنوصي مقارنة مع عدد الأساتذة المستجوبين بنيابة تازة بخمس درجات في المائة، إلى إكراهات التنقل بين المدينتين، وظروف اشتغالي بمدينة تازة.
5.5.خامسا : التوزيع حسب الوسط.
- إشكالات البناء (موقف الأساتذة من إشكالات التفاعل مع بنية النصوص الأدبية المقترحة بالكتب المدرسية)
يهدف هذا المحور إلى معرفة رأي الأساتذة الفاعلين المباشرين في التدريس بخصوص النصوص الأدبية المختارة في الكتاب المدرسي، والجوانب المتحكمة في اختيارها، مادامت عملية اختيار النصوص الأدبية ليست بالعملية السهلة، وينبغي أن نوليها العناية اللازمة قبل إقرار أي نص للتدريس، "فليس كل قديم أجود لقدمه، ولا كل حديث أحسن لحداثته، ولا كل مرتبط بالبيئة أفضل لتلك العلاقة"([1])، ثم كيفية تجاوز سلبيات سوء الاختيار والتصرف فيها بالحذف والتجزيء، كما يهدف المحور معرفة مدى وعي الأساتذة بأهمية تعددية وتنوع الكتاب المدرسي، والغاية الأساس من هذا الهدف النبيل المتمثلة في مراعاة الفروق الفردية والجماعية بين الجهات والأفراد، أي بين الجهات الأكثر تمدُّنا وبين الجهات الفقيرة، وبين الفئة النشيطة والمتميزة وبين الفئة الضعيفة أو الوسطى بين الأولى والثانية.
- السؤال الأول: كيف تجد المختارات الأدبية في الكتاب المدرسي؟
لقد تم الانطلاق في هذا السؤال من فرضية مفادها أن ضعف استجابة المتعلمين قد يكون راجعا إلى أن مضامين النصوص المقترحة في الكتاب المدرسي غير ملائمة لحاجيات وتطلعات المتعلمين، أو إلى أن ألفاظها وتراكيبها معقدة، غير متداولة تفصل بينها وبين لغة المتعلمين مسافات زمانية أو دلالية، فغدت تشكل صعوبة لدى المتعلم أثناء التلقي، تؤدي إلى تبرمهم منه ونفورهم من دراسته.
وقد أكد أفراد العينة، باعتبارهم الفئة المعنية بتدريس هذه النصوص مباشرة، والمهتمة بمشاكل قراءته وإقرائه بحكم قربهم من التلاميذ، على أن لغة النصوص المقترحة تتسم بنوع من التعقيد، فهي لا تُسهِّل على التلاميذ التعامل مع النص، إذ وصلت النسبة المرتبطة بهذا العنصر 46 %، ولم تعبِّر عن سهولة اللغة التي كُتِبت بها هذه النصوص معجميا وتركيبيا سوى 16 %.
وقد أثبت 24 % فقط من أفراد العينة أن هذه النصوص المقررة ملائمة لحاجيات المتعلمين النفسية والعقلية، و22 % فقط أنها مناسبة لمستواهم المعرفي، وهي نسب ضئيلة تؤكد عدم بناء منهاج اللغة العربية، كما هو مصرَّح به في التوجيهات والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بالثانوي التأهيلي، على أسس ديدكتيكية : نفسية، ومعرفية، وثقافية... لأن من شأن هذه الأسس أن تنتقي نماذج ملائمة للمتعلمين، ومقاربات مناسبة تحفِّزهم على التفاعل مع النصوص وإشباع رغباتهم المعرفية عن طريق الملاحظة الواعية، والاستيعاب الصحيح، والتحليل السليم، واتخاذ المواقف، ثم تعديل الاتجاهات.
- السؤال الثاني: ما الجانب الذي يستأثر باهتمام التلاميذ - بشكل أكبر- في حصة درس النص الأدبي شعرا ونثرا؟
يظهر الجدول أعلاه، أن حظ مضمون النص ومنهجيته في درس النصوص الأدبية، من عناية المتعلم أقوى بكثير من حظ تذوقه الجمالي، ودراسة الكيفية التي يوصِل بها معانيه ومعارفه. إذ شكَّل الاهتمام بمنهجية التحليل (58 %)، وبمضمون النص (52 %)، وليس هناك فرق كبير بين النسبتين، في حين احتلَّ الاهتمام بالجانب الشكلي الفني، وهو الجانب الذي يميز النص المدروس عن غيره من النصوص، والهدف من دراسته، فقط نسبة (18%).
ومن الأكيد أن استيعاب منهجية التحليل، وكيفية تطبيقها يقتضي التمرس على دراسة النص الأدبي شكلا ومضمونا لتحقيق الهدف من وراء دراسة النص.
- السؤال الثالث: ما الذي يؤثر في فهم التلميذ لدلالات الكلمات العادية التي تصبح داخل النص الأدبي محمَّلة بدلالات أخرى؟
لا شك أن الاستراتيجية التي يتَّبعها أغلب المتعلمين في فكِّ شفرات نص أدبي لها تأثير سلبي في ظفرهم بالدلالات الكامنة خلفها؛ لاسيما وأننا علمنا في السؤال السابق، أن دال الكلمة عندما يندرج في نص أدبي، فإنه يعدل وينزاح عن مدلوله ومرجعه الأصليين إلى مدلول ومرجع جديدين، فيصير هذا الدال قادرا على الاصطباغ بألوان دلالية عديدة، وهي ألوان ومعاني لا تظهر واضحة إلا بعد انتهاء القارئ مبتدئا كان أم متخصصا من القراءة الشاملة المتكررة المسائلة للنص.
وقد أرجع الأساتذة أفراد العينة المبحوثة، سوء الفهم الناتج عن هذا المستوى إلى عدم استعمال المتعلم للسياق اللغوي كوسيلة مساعدة للاقتراب من فهم معجم النص الأدبي بنسبة 54 %، ومعلوم أن كل كلمة في النص الأدبي تصير محملة بدلالات متعددة، فتظهر للتلميذ علاقاتها متفككة وغير منطقية ومتناسلة الأمر الذي يجعل المتعلم عاجزا عن إدراكها، لأنه لا يملك القدر الكافي من الصبر للقيام بقراءات متكرِّرة مسائلة للنص (بنسبة 38 %) حتى يخلق ألفة معه، ويُقحِم نفسه في عالم النص ليعالجه ذهنيا وعاطفيا، فهو اعتاد التسرع والعجلة، واللجوء إلى طرق سهلة للتخلص من الأعمال التي يكلف بإنجازها. ثم إن عدم تقارب خصوصية الفهم لدى المتعلم مع الاستعمالات اللغوية الأدبية، يمكن أن يكون سببا في سوء الفهم الناتج عن هذا المستوى، إذ أثبت 32 % أن المتعلم لا يقيم وزنا للاختلاف في طرق الاستعمال اللغوي بين الكلام العادي والنص الأدبي، إذ يسقط الدلالات الحرفية المعروفة في الاستعمال التواصلي العادي على نفس هذه الكلمات بعد اندراجها في نص أدبي.
- السؤال الرابع: هل ترى أن الوقوف مع المتعلمين عند أساليب تمتاز بأدبية عالية وتعميق النقاش حولها وتوظيف جهاز مفهومي متخصص بطرق عرض واضحة تمتاز بفنية عالية في الإلقاء؟
([1]) – "تدريس النص الأدبي بين النظرية والتطبيق"، د عبد الرحيم الرحموني، مجلة مقاربات، (م.م)، ص: 25.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_064cdf_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_928c63_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)