تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل دراسة ميدانية
تتمة // تلقي النص الأدبي بالتعليم الثانوي التأهيلي
بين إشكالات البناء وإكراهات التنزيل
-دراسة ميدانية لآراء أساتذة اللغة العربية -
د.عزيز عشعاش * ACHACH Aziz
دراسة محكمة
*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية
تتمة
لمعرفة رأي الأساتذة بخصوص الأساليب التي تمكِّن من الرفع من ذائقة المتعلمين اللغوية، وتقرِّبهم من النصوص الأدبية، تمت مساءلتهم حول ما إذا كانت الفائدة تُجتنى من دراسة وتحليل الأساليب التي تمتاز بكثافة أدبية أم العكس، ولا ينبغي أن يُفهَم من هذا السؤال أننا نقصد النص المشتمل على تعقيدات تركيبية تعسِّر عليه التعامل مع النص، بل إن حُسن اختيار النص الأدبي بهدف تدريسه أمر في غاية الأهمية. فنحن نقصد بهذا السؤال المقومات الأدبية التي تُرغِّب في دراسة النص بعد التفكير في اختياره بحسب درجة استجابة التلاميذ له. وقد أكَّد الأساتذة أن تحليل هذه المقومات الأدبية وتعميق النقاش حولها، وتوظيف جهاز مفهومي متخصص يكسب المتعلم حسّاً أدبيا ويرفع من ذائقته اللغوية، ومن ثم يرفع من مستواه التعليمي بنسبة 56 %، كما يحفِّزه ويرغِّبه في دراسة المتون الأدبية الرفيعة ذات كثافة أدبية، بنسبة 42 %، وقد عبَّر فريق آخر من أفراد العينة وخاصة أولائك الذين يعتبرون التلميذ غير مؤَهَّلٍ لدراسة هذا النوع من الأساليب والتراكيب أنه يَنتُجُ عن دراستها غموض وإبهام في أذهان المتعلمين بنسبة 22 %، وأنه يُنفِّرهم من درس الأدب لأن استجابتهم تكون ضعيفة أو متواضعة بنسبة 10 %.
- المحور الثاني: إكراهات التنزيل: موقف الأساتذة من إكراهات تدريس النص الأدبي
- السؤال الأول: ما نوعية النصوص الأدبية التي تفضل تدريسها ؟
نود في البداية الإشارة إلى أن النصوص القديمة تشمل النصوص التي أبدعها العرب القدامى من العصر الجاهلي حتى العصر الأندلسي، وتمثل النصوص الحديثة تلك التي أُبدِعَت منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بينما تمثل المعاصرة النصوص التي نعاصرها في زمننا الراهن، وهي تلك التي تؤرَّخُ ابتداء من منتصف القرن العشرين إلى وقتنا الحاضر.
نستخلص من النسب الماثلة أمامنا في الجدول أعلاه، أن حظ النصوص الأدبية القديمة أو الحديثة من عناية الأساتذة مالئي الاستمارة أعلى بكثير من نظيرتها المعاصرة، فقد عبَّر 66 % من مجموع العينة عن رغبتهم في تدريس النصوص القديمة، و60 % منهم عن تدريس النصوص الحديثة، وليس هناك فرق كبير بين النسبتين العامتين، في حين لم يعبِّر سوى 18 % من أفراد العينة المبحوثة عن اهتمامهم بتدريس النصوص المعاصرة.
وهذا الاختيار له دلالة ما، فتفضيل الأساتذة تدريس النصوص القديمة والحديثة يعود ربما إلى أن النصوص الحديثة امتداد للقديمة على مستوى بنية القصيدة، وعزوف الأغلبية الساحقة عن الاهتمام بالنصوص المعاصرة قد يكون مردُّه إلى أن لغتها الموظفة للرمز والأسطورة معقدَّة؛ مما يجعل المتعلمين يجدون صعوبة في التفاعل معها، ومن المُؤكَّد أن المتعلم إذا نفر من تعلم مادة معينة، ولم يستطع الأستاذ بطرقه وعتاده البيداغوجي المعرفي والمنهجي من استمالته، وتحبيب المادة موضوع الدرس إليه، واختراق مكونات التذوق لديه، كان هذا النفور وهذا الفشل في فهم الأسباب التي جعلت النص لا يخاطب ذهنه، ولا يوحي له بأي شيء مدعَاة إلى عدم الارتياح وعدم الرغبة في دراسته.
- السؤال الثاني: ما الإكراهات التي يمكن أن تَحُدَّ من اهتمام الأستاذ بتمثلات التلاميذ؟
بعد وقوفنا على نسبة الأساتذة الذين يمتنعون عن توظيف تمثلات المتعلمين في بناء معنى النص الأدبي، رغم وعيهم بأهميتها وضرورتها في ظل التدريس بالكفايات الذي يفسح المجال للمتعلمين للتعبير عن أفكارهم وتصوراتهم تجاه النص الأدبي المدروس، والتي تمَّ إرجاعها إلى جهلهم بطرق توظيفها. نود من خلال هذا السؤال، معرفة صعوبات أخرى يمكن أن تحول دون اهتمامهم بها.
انطلاقا من البدائل المقترحة في السؤال السابع عشر، فقد تبيَّن أن النسبة الكبرى 56%، تُرجع السبب إلى قصور الغلاف الزمني المخصص لدراسة النص الأدبي، فالحصة الزمنية لا تتناسب مع مستوى التلاميذ وأهمية محتوى هذه النصوص، والأهداف التي تروم تحقيقها، وفي طليعتها إكساب المتعلمين عادة القراءة المستمرة، والصبر عليهم حتى يتحقق التفاعل الإيجابي، لاسيما إذا علمنا أن هذه النصوص تقتضي قراءات متكررة وبطيئة تحثُّ القارئ على بناء المعنى استجابة لإغراء البنيات النصية. ولعل هذا ما جعل نسبة هامة من الأساتذة 26 %، تقرُّ بأن القراءة المدرسية قراءة سريعة تبحث عن المعنى الذي يوجد في مكان ما من النص، مقابل 2 % فقط ممن يعتبرونها قراءة بطيئة، مما يُورِّثُ عادات قرائية سلبية في التعاطي مع النص الأدبي.
ثم تأتي بعد ذلك الأسباب الأخرى ككثرة الدروس بنسبة 52 %، وسوء اختيار النصوص الأدبية بنسبة 38 %، ثم طولها بالنظر إلى مستوى الغلاف المخصص للدراسة بنسبة 36 %.
إن كثرة النصوص المقررة في البرنامج الدراسي بالسلك الثانوي التأهيلي، والتي تناهز الأربعين نصا تقريبا موزعة على أربع مجزوءات وثمان محاور، في كل محور أربعة نصوص: بمعدل ثلاثة للاكتساب والرابع للتقويم، إضافة إلى نصوص أخرى مبرمجة للدعم والتقوية في أسابيع الدعم. هذا العدد الهائل يُكرِّس ممارسات سلبية في قراءة النصوص لاسيما في المستويات التي تعرف امتحانات إشهادية، عكس ما تروم إليه بيداغوجية الكفايات التي تركِّزُ على الكيف بدل الكم، مما يؤدي إلى عدم الاهتمام بتمثلات المتعلمين.
وهذا المشكل، ينعكس على جودة اختيار النصوص الأدبية الأكثر ملاءمة لمستويات المتعلمين، وطبيعة التصرف فيها بالاجتزاء والحذف، الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في الكتب المدرسية، والتخلص من ثقل هذه النصوص، ودراسة حاجات وميولات المتعلمين الحقيقية في كل سلك دراسي.
- السؤال الثالث: ما الإكراهات التي يمكن أن تَحُدَّ من اهتمام الأستاذ بتمثلات التلاميذ؟
يتمثل الهدف من هذا الجدول في معرفة مدى إقبال المتعلمين على قراءة النص الأدبي، وقد بُنِي هذا السؤال على افتراض مفاده أن المتعلمين لا يقبلون على قراءة النص الأدبي، لأسباب متعددة تتجلى في كونهم: غير مؤهلين لذلك، وأنهم غير مقتنعين بجدوى قراءته ودراسته، وأن هذه النصوص المختارة لا تلائم حاجياتهم وتطلعاتهم، كما أن طريقة التدريس لا تنجح في إثارة انتباههم للإقبال على تلقي النص تلقيا إيجابيا.
وقد جاءت النتيجة لتؤكد المتوقع، إذ لم تتعدَّ نسبة الذين أثبتوا إقبال المتعلمين على فعل القراءة بمفهومها التثقيفي العام 20 %، فيما وصلت نسبة القائلين به أحيانا 42 %، وبلغت نسبة الأساتذة الذين نفوه 36 %، ويرجع السبب حسب هؤلاء إلى عدم وجود تربية قرائية لدى المتعلمين خاصة في مجتمع غزته وسائل سمعية بصرية حديثة أكثر قدرة على إغراء التلاميذ من الكتاب المدرسي. فضلا عن عدم نجاح المدرسة باعتبارها المؤسسة المؤهلة لترسيخ عادات القراءة الذاتية المستقلة في نفوس الناشئة في ظل تبنيها لمناهج تقوم على الكم عوض الكيف، وهاجس الامتحان، رغم أنها حاولت تسطير حصة دراسية في الأسبوع للقراءة منذ الأطوار الأولى من المرحلة الابتدائية، ومرورا بمادة المؤلفات المقرَّرة في المرحلة الإعدادية.
وإذا كان هذا السؤال قد كشف عن تذمر الأساتذة من نفور المتعلمين من القراءة في إطارها التثقيف، وما ينتج عنه من ضعف في حصيلتهم الثقافية والتاريخية والاجتماعية والأدبية، وفقر في معلوماتهم العامة، ومن ثم عجزهم عن الاستفادة من النصوص. فإن هذه الأزمة والمعاناة المتمثلة في موقف التلاميذ السلبي تتزايد إزاء نصوص قرائية تعتبر من صميم الدرس الأدبي. وبحسب الاستبيان فإن تفاعل المتعلم / المتلقي مع النصوص النثرية (السردية، أو الوصفية، أو الحوارية ، أو الحجاجية...) الذي وصلت نسبة التفاعل معه إلى 40 %، مبدئيا، أفضل بكثير من تلقيه للنصوص الشعرية 18.5 %، وتفاعله مع النصوص النثرية الحديثة 44 % أقوى بكثير من تفاعله مع نظيرتها القديمة 14 %، بحيث أن نسبة 14% تكشف عن قطيعة أكثر حدة بين المتعلم والنص الأدبي القديم، لأن هذا الأخير لم تعد له تلك الجاذبية القديمة، لأسباب متعددة منها: قصور منهجية التحليل عن تقريب المادة من نفوس المتعلمين، ومشكل انتقاء منتخبات من الأدب القديم، وغيرها من الأسباب.
- السؤال الرابع:
- ما مدى التجاوب الحاصل بين المتعلم والنص الأدبي؟
- ما أسباب غياب التجاوب المرغوب فيه؟
- ما الجوانب التي ترى أن المتعلم يفتقر إليها في تعامله مع النص الأدبي؟
- هل تعتقد أن المتعلم الحالي مؤهل معرفيا ومنهجيا ووجدانيا ولغويا ليعول عليه في بناء معنى النص الأدبي وتذوقه، في ظل تطبيق سياسة الخريطة المدرسية التي تفرض نسب النجاح دون مراعاة للعتبة؟
هذا السؤال مرتبط أشد الارتباط بسابقه، فبعد تعرفنا على نفور التلاميذ من القراءة في إطارها العام، وما يوازيها من هوة إلى حد القطيعة بين ما يتطلع إليه المتعلم من حاجيات واهتمامات وما يقدم له من نصوص أدبية قرائية تصاحبه في مراحل دراسته الثانوية. فإنني أهدف من هذا السؤال معرفة مقدار أو نسبة التجاوب بين المتعلم والنص الأدبي، والأسباب النصية والخارج نصية المرتبطة بالمتعلم، باعتباره العنصر المعني بهذا التجاوب، والتي تحول دون الاستجابة المرغوب فيها.
يظهر الجدول أعلاه أن النتائج المحصَّل عليها لا تعكس التفاعل المرغوب فيه، فرغم أن التلاميذ يقرؤون نصوصا أدبية عديدة على الأقل من خلال ما هو مقرر عليهم في المرحلة الثانوية التأهيلية، إلا أن نسبة هامة منهم تشكِّل الأغلبية 72 % تقريبا لازال تفاعلها مع النصوص الأدبية متوسطا أو دون ذلك، وهذه الفئة لا تستطيع تذوق ما في النص من جمالية والاستجابة لمنبهات النص الأسلوبية، وتشكِّل نسبة من يرون أن تجاوب المتعلمين لا بأس به 26 %، في حين لم تتجاوز نسبة التجاوب الجيد 2 %.
ويعزى غياب التجاوب المرغوب فيه، في اعتقادي، إلى شروط مرتبطة بالمتعلم، وثانية بالنص الأدبي مدار حديثنا، وثالثة بالأستاذ، ورابعة بالسياق الذي تمر فيه العملية التعليمية، وهي متغيرات نصية وخارج نصية، مباشرة وغير مباشرة، نراها تتحكم في قراءة النص الأدبي بمدارسنا الثانوية.
ومن ضمن الأسباب النصية الصارفة عن التفاعل المرغوب فيه أثناء تلقي النص الأدبي، يظهر الجدول أن تركيب النص الأدبي ومعجمه حاز قصب السبق، إذ تردد بين أفراد العينة بنسبة 46 %، في حين تكرر معجم النص بنسبة 30 %، واحتلت طبيعة مضامين النصوص الرتبة الأخيرة بنسبة 26 %.
وما يمكن أن يلاحظ على هذه النتائج ارتفاع النسب الخاصة بكل هذه المؤشرات رغم الاختلاف النسبي الحاصل في نسب تدخلها كأسباب لها تأثير على قراءة النص الأدبي، وهذا أكد ما كان متوقَّعا، إذ لا يمكن إرجاع غياب التجاوب لسبب دون الآخر. وعليه، يظهر أن استجابة القارئ المتعلم تكون ضعيفة كلما أحس بصعوبة لغوية ناتجة عن ألفاظ غريبة لم يسبق له أن صادفها أو سمعها، أو تعقيدات تركيبية لا تُسهِّل عليه التعامل مع النص، فتشكِّل العائق الأكبر في تذوق كل ما في النص من أدبية أو جمالية. وهكذا نسجِّل أنه كلما تميَّز النص بكثافة أدبية كلَّما كان نصّاً غير مرغوب فيه.
كما أن مضمون النص بدوره يمكن أن يشكِّل صعوبة ما لم يتناسب مع أفكار واهتمامات متعلم المرحلة الثانوية التي يتميَّز فيها المراهق بالاندفاعية والحرية ويميل إلى نصوص فيها التحرر والفروسية والعزة والكرامة والغزل الرقيق... فهذه المرحلة يتوقد فيها شعور المتعلم، فيعيش مرحلة متقلبة عنيفة أحيانا فيها توتر وقلق بحثا عن الثقة في النفس وتأكيدا للإرادة القوية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن ارتباط مضمون النص ببيئة المتعلم، وتقاطعه مع ثقافته يمكن أن يساعده على التفاعل بإيجابية أكبر مع النص الأدبي.
ومن ضمن الأسباب خارج النصية المرتبطة بالمتعلم، والتي يمكن أن تؤثر في تلقي النص الأدبي، تمَّ اقتراح آليات قراءة النص، والرصيد اللغوي، والمعرفة بخصوصية الأدب. وقد جاءت النتائج لتؤكد المتوقع، إذ نسجِّل ارتفاع نسب تردد هذه المؤشرات جميعها، فافتقار المتعلم لرصيد لغوي يؤهله لفك سنن النص اللغوي وإرجاعه إلى دلالاته السياقية جاء في المرتبة الأولى بنسبة 70 %، ثم بعده افتقاره إلى الآليات المنهجية، والأدوات اللازمة لقراءة النص، بنسبة 64 %، وأخيرا تدني مستوى المتعلم المعرفي الثقافي والحضاري المرتبط المختارة بنسبة 44 %.
ولعل هذه الأسباب وغيرها هي التي جعلت 72 % من الأساتذة أفراد العينة يعتقدون بأن المتعلم الحالي غير مؤهل معرفيا ومنهجيا ووجدانيا ولغويا ليعوَّل عليه في بناء معنى النص الأدبي، وتذوق كل ما له علاقة بأدبيته وجماليته، مما يمكن أن يعينه على دراسة النص وتحليله، مقابل 10 % فقط التي ارتأت عكس ذلك، و16 % التي أقرت بأن قصور المتعلم عن تذوق ما في النص من جمالية، قد يعود إلى طبيعة النص المختار، دون أن ننسى الفئة التي تمثل 2 % من الأساتذة، والتي لم تستطع التعبير عن رأيها.
وكيفما كان الأمر، فإن تدني مستوى التلاميذ اللغوي والمعرفي، وعدم رغبتهم الداخلية، وصبرهم أثناء قراءة النص لا ينبغي أن يكون مدعاة للاعتقاد والحكم بأن المتعلم الحالي غير مؤهل لفهم المضمون وتذوقه، ومن ثم دراسته وتحليله.
أما آن الأوان للتفكير بكل جدية في الآليات الكفيلة بإيقاظ انتباه المتعلم؟ وتحفيزه على الإقبال على دراسة النص الأدبي، مادامت الأبحاث التي تنظر في الكيفية التي تنشأ بها القدرة القرائية، والرغبة في القراءة، مثل الأبحاث المتعلقة بسيكولوجية القراءة، وسوسيولوجية القراءة، ونظريات التواصل، ونظريات التعلم قد تقدمت؟
إن الاستمرار في تجاهل كل الأسباب المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر يدفع المتعلم إلى الخمول والتراخي في العمل، وهو ما يجسده الحضور الجسدي للتلاميذ داخل القسم وغياب الانتباه والتركيز، مادامت مجريات وطرائق الدراسة تقوم على جعل المتلقي المستمع والمستهلك يُملَأ بالمعارف ويطلب منه حفظها واسترجاع التعاريف والتعابير عن ظهر قلب في الامتحانات الدورية ولو دون فهم، وقد بات التلاميذ أنفسهم يفضلون هذه الطريقة، ويعتبرونها طريقة تمكن من النجاح، فأصبحنا نسمع تداولهم لنماذج نمطية في تحليل النصوص، خاصة بالمحاور المقرر في البرنامج الدراسي.
- السؤال الخامس: هل تعود الصعوبات اللغوية التي تواجه التلميذ أثناء تلقي النص الأدبي؟
لتجميع كل العوامل والمعيقات التي تؤثر بشكل سلبي في العلاقة الرابطة بين المتعلم والنص الأدبي والأستاذ، والتي تغدو بذلك صعوبات مميزة لكل تلقي سلبي بين المتعلم والنص الأدبي، فإننا وجَّهت هذا السؤال الذي هو عبارة عن تلخيص لأهم الأسباب المؤثرة في تلقي المتعلمين للنص الأدبي، لما يمكننا به من إمكانية الوقوف على مدى تطابق إجابات الأساتذة وانسجامها.
من خلال النسب الماثلة أمامنا في الجدول أعلاه، يتأكد أن ضعف استجابة التلاميذ أو تواضعها على الأقل، وهذا الضعف لا يتحمَّل وزره المتعلم فقط، فهذا الأخير يعاني من قصور بيِّنٍ وواضح في الاستراتيجيات التي يوظفها لتلقي النص الأدبي والناتجة عن رواسب النقص في التحصيل الدراسي عبر سنوات التعلم في ظل سياسة العمل بالخريطة المدرسية عوض المستوى الدراسي، أو عن التصور الذي يحمله المتعلم عن الأدب، والذي مفاده أن الأدب عنصُر زائد، بعيد عن الحياة، يستدعي الخيال والوجدان وإثارة المشاعر، عكس المعرفة العلمية التي تدعو إلى الارتباط بالحياة المعيشة والمستقبلية، وهو تصور يعكس وضعية الأدب في مجتمع غزته القيم النفعية المادية ولم يعد يقيم وزنا للقيم الإنسانية الجمالية وتربية الذوق.
ولم تستطع المدرسة ببرامجها ومناهجها تجاوزه، لأنها لم تنجح في استمالة المتعلم وجذبه إليه بما تقترحه من نصوص، وما توظفه من أساليب وطرائق في التدريس، حتى غدا المتعلم فاترا لا يقوم بأي جهد، ولا بأية محاولة لفهم وتذوق وتحليل نص أدبي لغته متمنعة لها شكل خاص يختلف عن شكل اللغة العادية المتداولة معجميا وتركيبيا، فهو "لغة داخل لغة"، يتطلب دراية ودربة ومرانا مستمرا من خلال قراءات متكررة عاطفية وذهنية اعتمادا على ذخيرة ثقافية تسهم في الفهم والتذوق، ومن ثم في الدراسة والتحليل بعد اكتساب عادات إيجابية للتلقي.
وبالإضافة إلى ما سبق، هناك جوانب أخرى مرتبطة بالسياق التربوي الذي تمر فيه عمليات التدريس التي اعتبرها الأساتذة عوامل تسهم في عدم تلقي المتعلمين النص تلقيا إيجابيا، وذلك من خلال الاكتظاظ الذي أصبحت تشهده فصولنا الدراسية، إذ يصل في بعض الأحيان إلى ما فوق الخمسين مقعدا بنسبة 60 %، وما لهذا العائق من تأثير على الفضاء المكاني الذي يتم فيه النشاط القرائي، والذي بنيته التحتية هشة بالثانويات التي توجد بالمناطق النائية، بل حتى في بعض المؤسسات بالعالم الحضري؛ وتأثير أيضا على سير البرنامج الذي يتميز بكثافة دروسه التي لا تتلاءم في كثير من الأحيان مع الغلاف الزمني المخصص (48 %)، مما يجعل الأستاذ يسرع في الشرح والتفسير اعتمادا على آليات التلقين والحفظ والاستظهار على حساب الفهم، وبناء المعلومة واكتساب الكفايات والمهارات الأساس، ومهارات الإتقان.
وإيمانا مني بأهمية درس الأدب، كما أكده رولان بارث قائلا "إذا كان من الممكن التخلي عن جميع المواد الدراسية باستثناء واحدة، فإنها بالضبط مادة الأدب التي يجب الحفاظ عليها، وذلك لأن العلوم كلها حاضرة في البناء الأدبي"([1])، فإنني أود معرفة رأي الأساتذة في الحيز الزمني المخصص لدراسة النص الأدبي، والذي يتحدد بحسب الوثائق والمذكرات التربوية في حصتين بمعدَّل ساعة لكل حصة.
- المحور الثالث: الحلول المقترحة
- السؤال الأول: ماذا تقترح لتيسير درس النص الأدبي وتقريب فائدته ؟
لتيسير درس النصوص وتقريب فائدته من المتعلمين يعبر السادة الأساتذة أن المادة تحتاج إلى التعامل معها انطلاقا من مركزية المتعلم، وذلك بجعل المتعلمين عناصر فاعلة يقومون بالقسط الأكبر من العمل، والإعداد المنظم والمراقب من قِبَلِ المدرِس بنسبة 36%، وهناك من يقترح الإكثار من النصوص التطبيقية داخل الفصل الدراسي بنسبة 30 %، وهذا الأمر يقتضي التخفيف من كثرة المحاور المنصوص عليها في البرنامج الدراسي، وإضافة نصوص أخرى للتطبيق تُراهِنُ على الكيف عوض الكم، فيما رأت فئة أخرى الاعتماد على الشرح والتفسير بنسبة 30 %، وهو ما يؤكِّد عدم وعي شريحة هامة من الأساتذة بأن النص الأدبي لا يشرح ولا يفسر وإنما يتذوَّق، لأن له تأثير عاطفي يُحرِّكُ القلب قبل العقل. ونادت فئة أخرى بضرورة إضافة حصة ثالثة إلى حصَّتي درس النصوص الأسبوعية بنسبة 28 %، لأن عامل الزمن يؤدي دورا وظيفيا في حصول الفائدة المرجوة من المادة أو عدم حصولها.
وهناك من اقترح الاستفادة من الدراسات النقدية التي كُتِبت حول النص المدروس إن وُجِدت بنسبة 10 %، بينما نصَّت فئة أخرى على "إملاء خلاصات واستنتاجات التحليل على المتعلم بنسبة 6 %، لأنها تعتبر المتعلم غير مؤهَّل، وعاجز عن تذوق المعنى وتكوين آراء وأحكام شخصية وهذا الرأي يُظهِر الطرق المتبعة من لدن البعض في تدريس النصوص، والتي تركِّزُ على الإلقاء الذي لا يدفع المتعلم إلى بذل الجهد.
خاتمــــــــــــــــــــــــة:
راهن المقال على مساءلة أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي الذين يكابدون معضلة تدريس النص الأدبي قراءة وإقراء، لكونهم أقدر على تقديم صورة حقيقية نابعة من قلب معاناتهم اليومية في العملية التعليمية التعلمية. وتكمن أهمية هذا الفصل في كونه دراسة ميدانية تبحث عن خصائص المؤسسة التعليمية المغربية، وما تسعى إلى تحقيقه من حاجيات وأهداف وأغراض في حصص مكون النصوص ودرس الأدب، وما يحول من صعوبات وعراقيل دون تحقيق ذلك المبتغى، مُشخِّصةً الواقع بشكل واضح، ومُسهِمة في تكوين تصور يمكن اعتماده كبديل لكل إصلاح حقيقي ننشده.
وقد سعينا في تشخيصنا لهذا الواقع، القيام بعمل دقيق انطلاقا من تفكير عملي يستند على عدَّة منهجية ودقَّة علمية، لا يكتفي فقط بآراء وخلاصات الأخصائيين البيداغوجيين الأجانب وتجارب البلدان الأخرى كما هو الشأن في معظم الإصلاحات السابقة، لعدم واقعيتها ودراستها المشكل من برجٍ عالٍ. وذلك بالانفتاح على آراء الأساتذة في صعوبات تدريس النص الأدبي، لاستجلاء مجموعة من القضايا المرتبطة بتدريسية النصوص الأدبية، والتي تغدو مشاكل حقيقية ينأى بها هذا الدرس رغم أهميته.
في إطار التأكد من الفرضيات السابقة اعتمدت على دراسة ميدانية شملت نيابتي تازة وسيدي البرنوصي بالدار البيضاء، حيث وزعت 318 استمارة على عينة عشوائية حتى تكون النتائج موضوعية، وقد أفضت الدراسة إلى تحقق الفرضيات التالية بنسب مهمة :
المحور الأول: المتعلق بإشكالات البناء
- أكد الأساتذة أن الكتب المدرسية المعمول بها حاليا تتضمن نصوصا سيئة الاختيار، مواضيعها لا تنسجم مع ميولات وحاجيات ومستويات المتعلمين، إذ نصَّ (80%) منهم على ضرورة توفير هامش من الحرية للأستاذ لاختيار نصوص أدبية والتصرف فيها، وذلك بالرجوع إلى مضانها الأصلية، وخاصة عندما لا تتلاءم النصوص المقترحة مع مستوى المتعلمين المعرفي والذهني والوجداني، بحيث لا يجوز التقيد بكل ما هو مقرر إذا ما ثبت عدم ملاءمته، لاسيما إذا كان الأستاذ مؤهلا ذو تجربة واسعة في مجال التدريس تمكِّنه من هذا الاختيار.
- تمحَّصت فرضية عدم وعي الأساتذة بمزايا تعددية الكتاب المدرسي في إغناء رصيدهم التربوي، وتنمية كفاياتهم البيداغوجية، وتنويع وسائلها ووضعياتها وأنشطتها الديدكتيكية وفق ما يستجيب بشكل أكبر لخصوصية وحاجات المتعلمين.
- أثبتت الدراسة أن المتعلم يحِسُّ بصعوبات لغوية ناتجة عن الخصائص التي تميِّز النص الأدبي عن غيره من النصوص، والتي تعود بالأساس: 1) إلى مستواه المعجمي كمستوى مسؤول عن تحقيق فهم المتعلم للنص أو إرباكه بنسبة (68 %)، لأن المفردة الواحدة العادية والمتداولة السهلة والبسيطة يلحقها تَحوُّل حينما تلج إيهاب النص الأدبي، فتعدل عن معانيها الأصلية وتصير محملةً بالدلالات غير المفهومة من قبل المتعلم لأنه يسقط عليها الدلالات الحرفية التي يعرفها فلا يهتدي إلى معانيها في النص. 2) أو إلى مستواه التركيبي بفعل الخواص التركيبية التي تلحق اللغة الأدبية، مثل: خاصية التقديم والتأخير المؤثرة في فهم المتعلم المتلقي بفعل توزيع الكلمات داخل النص توزيعا غريبا (90 %)، حيث يتقدم الفاعل على الفعل، والخبر على المبتدأ، والصفة الموصوف... 3) أو إلى مستوياته الدلالية مثل الإيجاز، إذ لا يستطيع المتعلم إزاءها تقدير البنيات الغائبة في النص المدروس.
- تمحَّصَت الفرضية التي تُفيد أن الوقوف مع المتعلمين عند بعض المقومات الأدبية وتعميق النقاش حولها تدريجيا بطرق عرض واضحة، يرفع من ذائقة المتعلمين اللغوية (56 %)، ويرغِّبهم في دراسة المتون الأدبية التي تتميَّزُ بمقومات أدبية (42 %).
المحور الثاني: المتعلق بإكراهات التنزيل بموقف الأساتذة من:
- تأكدت الفرضية التي تقر بأن المدرسة ببرامجها ومناهجها الدراسية لم تنجح في تربية المتعلمين تربية قرائية، وترسيخ عادة القراءة المستقلة في نفوسهم، إذ عبَّر الأساتذة أن (42 %) لا يقبلون على فعل القراءة إلا أحيانا في أوقات جد محدودة، و أن (36 %) منهم منقطعون عنها بشكل دائم.
المحور الثالث: الحلول المقترحة
ولتجاوز الصعوبات والعراقيل التي تمَّ التأكد منها، نقترح ما يلي :
- لا بد لجعل المتعلم / المتلقي يتعامل مع النص كبنية جمالية تروم إمتاع القارئ وإثارة خياله وإشراكه في عملية التحليل والإبداع، من التركيز على العناصر التالية:
- وضع القارئ المتعلم في مركز التعلمات، ومراعاة حاجياته الذاتية (ميوله واهتماماته) والموضوعية (نضجه ومعارفه) أثناء التخطيط للدرس، وحثهم على أن يكونوا عناصر فاعلة في الدرس، تقوم بالقسط الأكبر من العمل والإعداد المنظَّم والمراقب من قبل الأستاذ؛
- توجيه المتعلم إلى العناصر الأكثر بروزا في العمل الإبداعي، والتي تساعده على الفهم؛
- الحرص على ربط النص بالواقع المعيش، كلما كان ذلك ممكنا وقت استخراج الأبعاد الدلالية والقيمية؛
- تعليمهم مواضعات الكتابة الخاصة بكل نوع أدبي لأنها تسهِم في تشكيل أفق توقُّع المتعلم / القارئ؛
- مطالبة المتعلمين بحفظ بعض الأساليب باعتبارها نماذج عليا يمكن النسج على منوالها.
- الإكثار من النصوص المرتبطة بالمحور الواحد، والتخفيف من كثرة المحاور المقررة في البرنامج الدراسي، بإضافة نصوص إضافية للتطبيق تراهِن على الكيف عوض الكم.
- إضافة حصة ثالثة إلى حصَّتي درس النصوص الأسبوعية، لأن الزمن يؤدي دورا وظيفيا في حصول الفائدة المرجوة أو عدم حصولها.
- الاهتمام بالطرق الكفيلة بتعويد المتعلم عادة القراءة الذاتية وتسليحه بأدواتها، وتجنب طريقة التدريس التي تركِّز على الإلقاء، إلا في بعض المواقف التي يعجز فيها المتعلم عن إدراك وتذوق النصوص، حتَّى يستطيع المتعلم بناء تعلماته، ويتعوَّد تحليل النصوص وبناء الأحكام؛
- مراجعة معايير توجيه كل من لم يحصل على معدَّل في المواد العلمية، أو لم يصل إلى عتبة النجاح المطلوبة ليشق طريقه في الشعبة الأدبية.
المصادر والمراجع:
- المرسوم رقم 2.02.376 الصادر في 6 جمادى الأولى 1423 (17 يوليوز 2002) بمثابة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي – جريدة رسمية عدد 5024 يوليوز 2002.
- المذكرة الوزارية رقم 43 الصادرة بتاريخ 22 مارس 2006 في موضوع: "تنظيم الدراسة بالتعليم الثانوي".
([1])– "مشاكل التلقي في درس المؤلفات: المؤلف الروائي نموذجا"، عبد الله مناني، أهداف وطرق تدريس مواد اللغة العربية - النظرية والتطبيق، جماعة من المؤلفين، (م.م)، ص: 62.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_b6810b_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_6483e7_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)