إعمال فقه الأولويات في قضايا المرأة
الدكتور عبد الله الغرمول
دراسة محكمة
أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بثانوية الثلوج مديرية الحاجب.
ملخص
إن كلا من الرجل والمرأة سيَّان في أصل التكليف الشرعي، كلاهما مأمور بالامتثال للوحي الإلهي المتمثل في الرسالة الخاتمة وكتابها القرآن الكريم، مأمور بالتمكين لهذا الدين، وبذل كل جهد في ذلك، ففي الحديث عن أنس قال دخَلَت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سليم وعنده أم سلمة، فقالت: المرأة ترى في منامها ما یرى الرجل، فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سلیم، فضحتِ النساء!. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أم سليم منتصرا لأم سليم: بل أنت تربت يداك. إن خيركن التي تسأل عما يعنيها، إذا رأت الماء فلتغتسل قالت أم سلمة: وللنساء ماء !؟ قال: نعم، فأنى يشبههن الولد
الكلمات المفاتيح: القرآن الكريم، السنة النبوية، فقه الأولويات، المرأة المسلمة
Summary:
Both men and women are equal in the origin of the legal obligation. Both are commanded to comply with the divine revelation represented in the final message and its book, the Holy Quran. They are commanded to empower this religion and to make every effort to do so. In the hadith of Anas, he said: Umm Sulaym entered upon the Messenger of Allah, may Allah bless him and grant him peace, and Umm Salamah was with him. She said: A woman sees in her dreams what a man sees. Umm Salamah said: May your hands be covered with dust, O Umm Sulaym, you have disgraced women! The Prophet, may Allah bless him and grant him peace, said to Umm Sulaym, defending Umm Sulaym: Rather, may your hands be covered with dust. The best of you is the one who asks about what concerns her. If she sees water, let her wash herself. Umm Salamah said: And women have water!? He said: Yes, so how can a child resemble them?
Keywords: The Holy Quran, the Prophetic Sunnah, Jurisprudence of Priorities, Muslim Women
تمهيد
من الحكم العظيمة التي من أجلها خلق الله تعالى الكون أن تكون كل مكوناته مسخرة للإنسان. وجعل سبحانه وتعالى الإنسان مبتلى بحمل الأمانة العظمى الملقاة على عاتقه، ليستحق المؤمنون والمؤمنات الجزاء الأوفى
أولا: الأَولَى والأصل في خَلقِ المرأة التكليف الشرعي
إنما هن شقائق الرجال( 1) وقال ابن حجر: وإنما خص الذَّكر بالذِّكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون والنساء، شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خُصّ(2 )
ولكون هذه الخصوصية واقعة لا محالة بحسب ما تقتضيه الفطرة التي فطر الناس عليها، صار للمرأة بعض أحكام خاصة استثناء من التكليف العام، تجلى ذلك في بعض الجزئيات المحدودة التي سجلها القرآن الكريم بأعيانها، كما في كون شهادة المرأة في الدَّين نصف شهادة الرجل، قال جل وعلا: ﴿استشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾(3 )
كما بينت السنة حرمة قيام المرأة ببعض العبادات في حالات مخصوصة مثل الحيض والنفاس، فهما يمنعان الصوم والصلاة
و قد جاء في شرح ابن حجر على صحيح البخاري: وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومُهن على ذلك، لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل به الإثم، بل في أعم من ذلك. قال النووي، لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل(4 )
لم تسلم المرأة من الفتن التي فتحت أبوابها بضياع الرشد السياسي، وذهاب الشورى، وانتشار الاستبداد، فصار لدى معظم النساء المسلمات عقدة عَقَبة وهي مسَلَّمة النقص واستحالة وصولهن للكمال، أي نوع من الكمال. زاد نفسية الانهزام والسلبية ما تلاحق في المجتمعات الإسلامية من تهميش للمرأة وفشو الجهل والخرافة والأمية في صفوفهن
إن مجرد تحميل المرأة - إلى جانب الرجل - أمانة الاستخلاف، واستحقاقها الجزاء الأوفى مع الصالحين والصالحات لهو من عظيم التشريف وكريم التكليف، وهذا يستدعي من اللبيبات من المسلمات أن ترتفع هممهن لطلب درجات من الكمال
وقد أورد بعض شارحي السنة روایات شاذة تدعي استحباب مخالفة المرأة بعد مشاورتهم، مما يخير بوجود آراء دونية إزاء المرأة لدى عدد لا يستهان به من المسلمين، مما يستدعي تصحيحا للمفهوم، قال صاحب تحفة الأحوذي في شرح جامع سنن الترمذي في كتاب الفتن باب النهي عن سب الرياح: (أموركم إلى نسائكم ) أي مفوض إلى رأيهن , والحال أنهن من ناقصات العقل والدين. وقد ورد: شاوروهن وخالفوهن كذا في المرقاة. قلت: قال صاحب مجمع البحار في كتابه تذكرة الموضوعات في المقاصد, شاوروهن وخالفوهن لم اره مرفوعا ولكن روي عن عمر: خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة. بل روي عن أنس رفعه: لا يفعلن أحدكم امرا حتى يستشير فإن لم يجد من يستشيره فليتشر امرأة ثم ليخالفها، فإن في خلافها البركة. وفي سنده عیسی ضعيف جدا مع أنه منقطع. وعن عائشة مرفوعا بطرق ضعاف طاعة النساء ندامة، وإدخال ابن الجوزي حديث عائشة في الموضوعات لي معيد. وقد استشار في أم سلمة في صلح الحديبية، وصار دليل استشارة المرأة الفاضلة... قلت له طرق وشواهد منها. عودوا النساء لا فإنها حقيقة إن أطعتها املكتك " وخالفوا النساء، فإن في خلافهن البركة
فلقد أجاب سبحانه دعاء الذاکرین المتفكرين بقوله: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾( 5)
فيسعی نور من بذلت الجهد في تحمل الأمان وأصلحت عملها بين يديها في الآخرة، قال جل شأنه: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(6 )
المرأة المسلمة اليوم أحوج لمن يبث في كيانها النفسي والعقلي الثقة بالذات وقدراتها وهو طلب المعالي الإيمانية التي تجعل منها فاعلا سياسيا لا يضاهى، خصوصا إذا أدركت أهمية وخصوصية المرحلة التي تمر منها الأمة الإسلامية وما يتطلبه ذلك استشراف التمكين لدين الله تعالى، وبلوغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ( 7)
.ثانيا: أولوية الأصل في وظيفة المرأة أنها حافظة الفطرة
جاء في لسان العرب: الفطرة ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به. .. الفراء في قوله تعالى: (فطرت الله آلتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )... وقال أبو الهيثم: الفطرة التي يُخلق عليها المولود في بطن أمه؛ ... قال: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، يعني الخِلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة، فإذا ولَدَه یهودیان هَوَّدَاه في حكم الدنيا، أو نصرانیان نصَّرَاه في الحكم، أو مجوسیان مجَّسَاه في الحكم، وكان حكمه حكم أبويه حتى يعبِّر عنه لسانه، فإن مات قبل بلوغه مات على ما سبق له من الفطرة التي فُطر عليها فهذه فِطرة المولود؛ قال: وفطرة ثانية وهي الكلمة التي يصير بها العبد مسلما وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله جاء بالحق من عنده فتلك الفطرة للدين) (8 )
فكل مولود من البشر إنما يولد في مبدإ الخلقة وأصل الجبلّة على الفطرة السليمة والطبع المُتَهيء لقبول الدين الحق. فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها
لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس، وبِشرُه في القلوب. وإنما يعدل عنه من غيره لآفة من آفات الشر والتقليد
فمن الحكم الجليلة التي خلق الله عز وجل الناس من أجلها المحافظة على الفطرة السليمة، وحماية جوهرتها الثمينة من التشوه والانحراف، وتحتل المرأة الأهمية القصوى في الشأن بحكم أصل الخلقة التي أنشاها الله عز وجل عليها، ثم يتبعها في ذلك الأب، ذلك ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة أنه قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة ". ثم يقول: اقرؤوا :فطرت آلله آلتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الذين القيم"(9 )
الفطرة إذن هي الخِلقة الأصلية التي يكون عليها المولود الجديد، فهو يولد مسلما كامل الاستعداد لتلقي العلم بالله والمعرفة به والتهيؤ لعبادته بعد توحيده. بيد أنه تتناوله أيادي التربية من جهة الأبوين الكافرين فيحرفانه عن الإسلام ويهودانه وينصرانه ويمجسانه. ورغم أن كل مؤثر تربوي في مسؤولية الحفاظ على فطرة المولودين أو تحريفها يحتل نفس أهمية الأبوين، فإن مكانة الأم لا تضاهيها مكانة من بين كل المؤثرات المحيطة بالمولود الجديد
من هنا تبدأ المشاركة السياسية الحقيقية للمرأة لأنها تحافظ على أهم شيء في الشأن السياسي وهو الإنسان، يؤهلها لذلك ما أودع الله تعالى فيها من أسرار الارتباط الوثيق بالكائن البشري، وذلك من عدة زوايا، منها سنة التزويج التي أودعها الله تعالى في كيان المرأة النفسي، فكل امرأة بطبيعتها تهفو نفسها لزوج وأطفال تحوطها بفيض من الحنان والرأفة والمودة والرحمة تملأ قلب الأم، فتكون قنوات قوية قريبة صادقة لإيصال خبر الآخرة في أعمق أعماق الفطرة، بحيث تتمكن من نفس الطفل في سن مبكر، فتكون الأمومة سببا مهما لامتداد حبل الفطرة عبر الأجيال، وهذا الحبل وصية أصيلة لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لبنيه بالمحافظة على فطرة الإسلام في نفوسهم وذريتهم
ثالثا: أولوية تفنيد شبهة منع تعليم المرأة
مما يثار حول المرأة المسلمة( 10) حديث منسوب لعائشة رضي الله عنها: "لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل وسورة النور"(11 )
الحديث رواه الحاكم، وقال الذهبي: حديث موضوع( 12)، وقال البيهقي: «وهذا بهذا الإسناد منكر والله أعلم( 13). أما القرآن فلم يشر إلا إلى العلم والتعلم. قال تعالى: اقرا باسم ربك الذي خلق(14 )
وهو أمر عام للرجال والنساء، وفي سيرة الرسول الكريم العشرات من الصحابيات اللاتي سجل التاريخ أسماءهن في طلب العلم وبذله، منهن أمهات المؤمنين. عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صل الله وسلم فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتیك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا»، فاجتمعن فأتاهن النبي صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله( 15)
وفي تاريخنا عدد لا يحصى من العالمات والفقيهات، غير أن سحابة الجهل والتخلف التي خيمت على الأمة الإسلامية منذ قرون جعلت الأمة تتراجع إلى الوراء، فتراجعت المرأة؛ حتى ظهر من العلماء من يوصي بعدم تعليمهن. قال تقي الدين الهلالي وهو من فقهاء المغرب المعاصرين رحمه الله: «في تعليم الإناث وتربيتهن ثلاثة مذاهب متباينة
المذهب الأول: عدم تعليمهن أكثر من قراءة المصحف بدون فهم. قال أصحاب هذا المذهب: إنه أحسن المذاهب وأولاها بالصواب، وهو الذي وجدنا عليه آباءنا. وهم كانوا أحسن منا. وتعليم النساء يفسد أخلاقهن. فإن المرأة التي لا تقرأ ولا تكتب تكون بعيدة عن متناول شياطين الإنس. فإن القلم كما لا يخفى أحد اللسانين. فبعدم معرفتها للقراءة والكتابة تأمن شر اللسان الثاني فيتم لها الأمن. وكم رأينا من متعلمات لم يأتهن الشر إلا من قبل تعلمهن، وهذا في زمان الإسلام والعفاف والأنفة العربية، وأما في هذا الزمان، فقد بلغ السيل الزبى واتسع الخرق على الراقع. فإن معرفة الفتاة للقراءة توصل إلى ذهنها جميع ما يقع في الدنيا من الفساد والمخادنة. وتملأ فكرها بهواجس خبيثة كانت في عافية منها(16 )
رابعا: أولوية تفنيد شبهة لزوم البيت
ينتقد البعض موقف العلماء الذين أفتوا المرأة بلزوم بيتها( 17)؛ فأقول بأنه مهما بلغ اجتهاد علمائنا الأجلاء حفظهم الله، فهو قاصر أمام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى موجها خطابا لنساء النبي، وبالرغم من أن الآية واضحة بأنها خاصة بنساء النبي: فقد حاول مجموعة من المفسرين إسقاطها على جميع المؤمنات؛ فلا سياق الآية يسعف، ولا سيرة النبي الكريم تسعف
وقد كانت الصحابيات يشاركن الصحابة في كل شيء حتى في الحروب، واستمر هذا الحال إلى وفاة النبي الكريم ولو كان الأمر بلزوم البيت عاما لجميع المؤمنات لما سجلت كتب الحديث والسير كل تلك الحوادث عن خروج النساء لما يصلحهن من کسب وتعليم وجهاد
يقول الإمام أبو بكر بن العربي عن أحوال المعتدة، وهل يجوز لها الخروج من البيت أولا: «لزوم البيت للمعتدة شرع لازم، وأن الخروج للحدث والبذاء والحاجة إلى المعاش وخوف العورة من السكن جائز بالسنة، والله أعلم. المسألة الثالثة عشرة في صفة الخروج: أما الخروج لخوف البذاء والتوحش والحاجة إلى المعاش؛ فيكون انتقالا محضا. وأما الخروج للتصرف للحاجات فيكون بالنهار دون الليل؛ إذ لا سبيل لها إلى البيت عن منزلها، وإنما تخرج بالإسفار وترجع قبل الإغطاش وتمكن فحمة الليل(18 )
»وزاد وبين أن هذه الأحكام إنما هي للمعتدة وغيرها فقال:» إنما يكون خروجها، في العدة كخروجها في النكاح؛ لأن العدة فرع النكاح، لكن النكاح يقف الخروج فيه على إذن الزوج»( 19). وأشير أن هذا الأمر محل إشكال كبير الآن بعد فساد أحوال الناس، ويحتاج إلى مزيد دراسة وتنقيح. فالحجاب إذن صريح للمرأة المسلمة بالخروج من بيتها لحوائجها وصلاتها وكسبها ومشاركتها العامة في الحياة. إذ لولا ضرورة الخروج، ومشروعية الخروج، لما كانت هناك حاجة لتوصية المرأة المسلمة بستر زينتها وصون جسدها. إنما الصون واجب الستر اتقاء لأنظار الأجنبية خارج بيتها أساسا
خامسا: أولوية تفنيد شبهة الزواج بالصغيرة عند النضج
يثير أعداء الإسلام شبهة زواج النبي الكريم بسيدتنا عائشة؛ فيقولون: وحين كان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم قد تجاوز الخمسين من عمره زوجه أبو بكر ابنته عائشة وعمرها ست سنوات ودخل عليها محمد حين صارت ابنة تسع(20 )
والذي عليه علماء الإسلام أنه يجوز للرجل خطبة الفتاة قبل بلوغها ويتزوجها بعد البلوغ. أما عن زواج النبي الكريم بعائشة فإنها كانت مخطوبة لجبیر بن مطعم، وكان مشركا فحل خطبته من عائشة بإيعاز من أمه خوفا من تأثير عائشة عليه فيدخل في الإسلام، فهي كانت ناضجة مكتملة النضج بدليل خطبتها من جبير. وقد فكر رسول الله في توثيق الصلة بينه وبين أحب الناس إليه: أبو بكر، فطلب الزواج من عائشة، واستقبلت قريش هذا الزواج
کاستقبالها لأي زواج آخر بشكل عادي، ولو كان فيه أي نقيصة لانتقصوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا، ولم يكن في تلك البيئة الصحراوية أهمية لفارق السن بين الرجال والنساء كاليوم. ومن الخلل المنهجي أن ننظر إلى ذلك الزمان وإلى عاداته، وعقليته الاجتماعية بعقلية اليوم، فمعلوم أن سن الزواج اليوم قد تأخر عند الفتيات إلى سن السابعة والعشرين كمعدل، وهي سن جد متأخرة إذا ما قارناها بما كان عليه الحال قبل عشرين عاما فقط. وتجدر الإشارة إلى أن نضج الفتاة في المناطق الحارة يكون في سن الثامنة ويتأخر سن البلوغ إلى الواحد والعشرين في البلدان الباردة( 21) ومن اجتهادات العلماء التي قاست زواج النبي صلى الله عليه وسلم ونزلته على واقع مختلف عن واقع العهد النبوي هو إجبارية تزويج الصغيرة. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا تزوجها من كفء ويجوز له تزويجها مع كراهيتها وامتناعها»( 22)
وقال ابن عبد البر وهو من علماء المالكية: (أجمع العلماء أن لأب أن يزوج ابنته الصغيرة ولا يشاورها... لتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين) 23)
وغاب على العلماء في عصرنا هذا أن هذا الأمر خاص ببيئة معينة وبأناس معينين، والدليل على ذلك أنه لا أحد أنكر هذا الزواج، ولم ينكره علماؤنا في زماننا هذا والتي اتصف بها أبو بكر الأب، وقل ورع الآباء، وقل نضج الفتيات، وقلت تقوى الرجال والنساء على حد سواء؛
فإن تنزيل هذه الفتوى على هذا الزمان هو ضرب من العبث( 24)، وقد نص علماؤنا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال(25 )
سادسا:: أولويات المرأة وأهليتها للمشاركة في العمل والمسؤولية السياسية
أولويات تفنيد شبهة عدم تولي المرأة للمسؤولية السياسية
استند أصحاب هذه الدعوى( 26). إلى حديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"(27 ) وقد اختلف في هذا الحديث منذ القديم؛ فذهب جمهور فقهاء السلف إلى اشتراط الذكورة في تولي المسؤولية السياسية، وفي تولي القضاء أخذا بمنطوق ومفهوم هذا الحديث الشريف، واشترطوا الذكورة فيمن يتولى الخلافة أو الإمامة العظمى لدار الإسلام لكنهم اختلفوا فيما عداها من الولايات الفرعية والجزئية ومنها تولى القضاء، حيت اعتبر الجمهور الذكورة شرطا في تولي القضاء؛ بينما ذهب أبو حنيفة إلى جواز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال، أي في القضايا المالية والتجارية. وقال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء(28 ). قال ابن رشد: «فمن رد قضاء المرأة -أي: رفض توليها القضاء- شبهه بالإمامة الكبرى التي لا يجوز للمرأة توليها ومن أجاز حكمها في الأموال فتشبيها قياسا على جواز شهادتها في الأموال، ومن رأى حكمها نافذا في كل شيء - الطبري - قال أن الأصل هو أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز إلا ما خصصه الإجماع من عدم جواز توليها الإمامة الكبرى»(29 )
فالمالكية ردوا إمامة المرأة مطلقا سواء في الصلاة، أو في الأمور السياسية، أو القضاء لعموم الحديث النبوي( 30)، وكذلك الحنابلة فلم يجيزوا لها حتى القضاء. قال ابن قدامة: «ولأن القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، ليست أهلا للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهن رجل، وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن
خاتمة
يلاحظ مما سبق في كلام أئمتنا رحمهم الله وتعليلاتهم التي بها منعوا إمامة المرأة ما يهينها، وقد كرمها الله تعالى، وكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان سادتنا العلماء اتفقوا على عدم جواز تولي المرأة للإمامة العظمی، فإنهم اختلفوا فيما سوى ذلك، فأجاز بعضهم لها تولي القضاء، وتولي بعض المسؤوليات السياسية والمالية، لكنها عند عدد من العلماء: ناقصة عقل، لا تصلح لتولي مناصب الولاية العامة
وهنا نتساءل عن مجال المسؤولية السياسية عند المرأة !؟ فأقول بأن المرأة لها حق المسؤولية في المجالس النيابية، والسفارات، وكل المسؤوليات السياسية ما عدا الإمامة العظمی وقوفا مع الحديث النبوي الشريف. أما عن المشاركة السياسية وتمثيل الأمة في المجالس النيابية التشريعية فلها تأصيل في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سيرته العطرة
هوامش الدراسة
- سنن الدارمي، کتاب الطهارة، باب في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.
- فتح الباري، کتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين.
- سورة البقرة 281.
- كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، وقد أورد بعض شارحي السنة روايات شاذة تدعي استحباب مخالفة المرأة بعد مشاورة.
- سورة آل عمران الآية 195.
- سورة الحديد الآية 12.
- سورة الأحزاب الآية 35.
- لسان العرب مادة فطر.
- رواه الشيخان وغيرهما زاد البخاري في روايته: فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسونَ فيها من جدعاء؟ الجدعاء هي التي قطع منها عضو. عند مسلم: فهل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها.
- أجنحة المكر الثلاثة للميداني، ص 590.
- المستدرك على الصحيحين للحاكم، 430/2
- ابن قايماز الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوی، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، الطبعة الأولى، 1963م، 446/3
- البيهقي، شعب الإيمان، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 2003م 90/4
- سورة العلق آية 1
- صحيح البخاری، کتاب الاعتصام بالكتاب والسنة،، باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس براي ولا تمثيل 7310: صحیح مسلم، کتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت الله ولد فيحتسبه، رقم: 2633.
- مجلة الجامعة الإسلامية بالمديه الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 2678. ينظر الرابط التالي:
- www.mojtamai.com/book/almaktabah/book 18/home/1/77-c4/2678------20
- نظر، إهانة الإسلام للمراة والرد على المدافعين، م س
- ابن العربي، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 2003 م 277/4
- ينظر: قصة المرأة في الإسلام...، م س
- الإسلام في قفص الاتهام، لشوقي أبو خليل، ص 258
- المغني لابن قدامة، 40
- ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد بير البكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 ه، 98/19
- ينظر فتوى الشيخ المغراوي المغربي حول جواز زواج بنت التاسعة وأثير حولها على الرابط التالي:
- http://www.hespress.com/videos/8344.html
- ينظر على سبيل المثال لا الحصر، ابن القيم، إعلام الموقعین عن رب العالمین، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م، 157/4
- ينظر: إهانة الإسلام للمرأة والرد على المدافعين، مس.
- صحيح البخاري، کتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، رقم: 4425.
- بداية المجتهد لابن رشد، 2/ 440.
- المغني لابن قدامة، 10/ 36. ينظر أيضا: أبو عبد الله المالكي، منع الجليل شرح مختصر خليل، دار الفكره بیروت، 1989م، 259/8
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_5c85e1_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_aef82a_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)