الهوية السردية عند بول ريكور
من نظرية العمل إلى النظرية الأخلاقية
د. محمد تنفو*
دراسة محكمة
*أستاذ محاضر مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، مراكش آسفي
التخصص: ديدكتيك اللغة العربية، السرديات.
الملخص:
اهتم البحث بالتصور الذي قدمه بول ريكور للهوية السردية في مشروعه الفكري، خصوصا في مؤلفاته "الزمان والمحكي"، و"الذات عينها كآخر"، و"الذاكرة، التاريخ، النسيان". وقد سعى هذا الاهتمام إلى إبراز أن بول ريكور لم يكتف، فقط، بتجاوز الالتباس الذي يخلقه مفهوم الزمن النفسي عند أوغسطين ومفهوم الزمن الكسمولوجي عند أرسطو من خلال اختيار زمن ثالث هو الزمن التمثيلي. . ولتحقيق هذه الغايات، تناول البحث، في البداية، نظرية العمل عند ريكور، وذلك من خلال رصد مفهوم الهوية السردية التي لا تتكشف طبيعتها الحقيقية إلا في ديالكتيك الهوية العينية والهوية الإنية. بعد ذلك انتقل البحث إلى ملامسة تلك الوشائج التي تربط نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية (من الهوية السردية إلى الهوية الأخلاقية)، وذلك من خلال كشف أن الهوية الإنية للذات ترتبط بالقدرة على الكلام والفعل، والقدرة على تحمل مسؤولية فعلها وتبعات أحكامه الأخلاقية.
الكلمات المفاتيح: الهوية السردية- نظرية العمل- الهوية العينية- الهوية الإنية- النظرية الأخلاقية
Summary:
This research focuses on the conception of narrative identity as presented by Paul Ricoeur in his intellectual project, particularly in his works Time and Narrative, Oneself as Another, and Memory, History, Forgetting. The study highlights that Ricoeur not only sought to resolve the ambiguity between Augustine's notion of psychological time and Aristotle's concept of cosmological time by proposing a third dimension: representative time. Ricoeur also went beyond linking narrative identity to plot, a concept he borrowed from Aristotle, to explore the connection between action theory and ethical theory through an ontology closely tied to ethics.
To achieve these aims, the research first examines Ricoeur’s theory of action by analyzing the concept of narrative identity, whose true nature is revealed only in the dialectic between sameness and selfhood. Subsequently, the study addresses the links between action theory and ethical theory (from narrative identity to ethical identity) by showing that selfhood is associated with the capacity to speak and act, and the ability to assume responsibility for one's actions and the moral implications of those actions. Finally, the research concludes that Ricoeur’s indivisible project advocates, amidst the violence and greed of the present, for the concept of "happy memory"—a fundamental idea throughout his philosophy suggesting that humanity retains an innate predisposition toward goodness.
Keywords: Narrative Identity – Theory of Action – Sameness – Selfhood – Ethical Theory
مقدمة:
ليس من الغايات المباشرة لهذا العمل الوقوف الطويل عند الحقول المعرفية العديدة التي تناولت مفهوم الهوية، أو الانشغال المضني بالأبحاث الفلسفية التي كان ديدنها الاهتمام بالمفهوم الأنطولوجي للهوية الشخصية. وإنما غايته الكبرى هي التركيز على الهوية التي يمتلكها المرء بوساطة الوظيفة السردية، أو ما أطلق عليه بول ريكور الهوية السردية باعتبارها مفهوما يقدم حلا لمعضلات الهوية الشخصية([1]). لقد حاول بول ريكور أن يقدم تصورا شاملا لها في مجموعة من أعماله، خصوصا في مؤلفاته "الزمان والمحكي"، و"الذات عينها كآخر"، و"الذاكرة، التاريخ، النسيان". وبالأحرى، إحدى غايات هذا العمل هي تأكيد، من جهة أولى، أن بول ريكور لم يسع، فقط، في مشروعه الفكري، إلى تجاوز الالتباس الذي يخلقه مفهوم الزمن النفسي عند أوغسطين ومفهوم الزمن الكسمولوجي عند أرسطو من خلال اختيار زمن ثالث هو الزمن التمثيلي؛ وإبراز، من جهة ثانية، أن حصر هذا المشروع فقط في تجاوز هذا الالتباس هو أمر يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه نابع عن نظرة تجزيئية، وقفت في منتصف الطريق، ولم تستطع تناول مشروع هذا المفكر تناولا شاملا. فريكور لم يتوقف، فحسب، عند مهمة ربط الهوية السردية بالحبكة (قصة حياة شخصية تعمل) التي استعارها من أرسطو، وإنما حاول إنجاز مهمة كبرى أساسها هو ربط نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية من خلال التفكير في أنطولوجيا وثيقة الصلة بالأخلاق([2]).
أولا- نظرية العمل:
قبل إماطة اللثام عن هذه المهمة الكبرى، يمكن رصد مسألة استعارة بول ريكور لمفهوم الحبكة عند أرسطو لتأكيد أنه يكتسي أهمية كذلك، تبعده عن وسمه بالعمل المزاجي أو الاختيار المتسم بالاعتباط أو الارتجال. وسيتم ذلك من خلال الوقوف عند كتاب "الزمان والمحكي" المتألف من ثلاثة أجزاء، وكتاب "الذات عينها كآخر" باعتباره كتابا يشكل تتمة للكتاب الأول.
سعى ريكور، في كتاب "الزمان والمحكي"، إلى إبراز الطابع الزمني للتجربة الإنسانية. وإقرار أن العالم المعروض في كل المؤلفات السردية هو دائما عالم زمني. فالزمن يصبح زمنا إنسانيا في نطاق تمفصله سرديا، والحكي يغدو دالا في نطاق رسمه لملامح التجربة الزمنية([3]).
في تحليله لتأملات أوغسطين حول الزمن، استند إلى كتابه "اعترافات" الذي تحدث فيه عن الزمن النفسي المعيش، وأكد فيه عدم وجود فينومينولوجية خالصة للزمن أي الإدراك الحدسي لبنية الزمن (نفسه، ص:23)، إذ كيف يمكن أن يوجد الزمن، والحال أن المستقبل لم يوجد بعد، والماضي لم يعد له وجود، والحاضر لا يبقى حاضرا أبدا؟ (نفسه، ص: 26). فالزمن لا يمكن قياسه لأنه لا وجود له، يمكن قياس الأزمنة عندما تحدث. وما الذي يحدث؟ إنه الحاضر الذي ليس له امتداد. يجب إنجاز قياس الزمن " في فضاء ما". وإذا لم يكن للزمن فضاء، فلا يمكن قياسه (نفسه، صص: 35-36).
بعد تقديم هذه الآراء، خلص ريكور إلى أن أوغسطين شدد على عدم وجود زمن المستقبل، وزمن الماضي، وزمن الحاضر، وعضد فكرة وجود حاضر ثلاثي هو حاضر الأشياء المستقبلية، وحاضر الأشياء الماضية، وحاضر الأشياء الحاضرة. وهذا ما وضعه في طريق البحث عن البنية الزمانية للحدث الأكثر بدائية (نفسه، ص:118).
انطلق بول ريكور من كتاب " فن الشعر" من أجل إماطة اللثام عن تنظير أرسطو للزمان. أكد بول ريكور أن أرسطو وضع تصورا خاصا للحبكة مؤداه أنها ترتيب للأحداث أو الأفعال في نسق يرتبط بمفاهيم البداية والوسط والنهاية. إنها تمتلك حدا كافيا وصحيحا يتمثل في الطول الزمني أو المقدار الزمني الذي يسمح للبطل بأن يتغير من حال الشقاء إلى حال السعادة، أو من حال السعادة إلى حال الشقاء، خلال متوالية من الأحداث الحتمية أو المحتملة([4]).
حاول ريكور إقامة روابط بين تصور أوغسطين وأرسطو، لاسيما أن "الهوة الثقافية التي تفصل تحليل أوغسطين للزمن في "اعترافات" عن تحليل أرسطو للحبكة في "فن الشعر" اضطرته إلى أن يغامر ببناء روابط وسيطة لإقامة هذا التلازم الذي ستحققه فعالية رواية قصة والطبيعة الزمنية للتجربة الإنسانية، بمعنى أن الزمن يصير إنسانيا بقدر ما يتم التعبير من خلال طريقة سردية، ويتوفر السرد على معناه الكامل حين يصير شرطا للوجود الزمني([5]).
ولخلق هذا التلازم بين الزمان والسرد - ليس فقط في هذا الجزء، وإنما في الكتاب ككل - ركز على حركية الحبكة التي تشكل بالنسبة له مفتاح مشكلة العلاقة بين الزمان والسرد (نفسه، ص:95). ومادام أرسطو لم يهتم بالجوانب الزمنية في الحبكة، فقد أقام الدور التوسطي للحبك بين مرحلة التجربة العملية التي تسبقها، والمرحلة التي تتبعها. وبهذا المعنى يتشكل ما يذهب إليه من بناء الوساطة بين الزمان والسرد بإظهار الدور التوسطي للحبك في عملية المحاكاة (نفسه، ص: 97).
من ثم، يخلص ريكور إلى أن التداخل بين التاريخ والقصص الناتج عن العمليات المتقاطعة لإضفاء الخيال على التاريخ والتاريخ على القصص يتولد عنه فرع هو تخصيص هوية محددة لفرد أو جماعة (هوية سردية). هذه الهوية تتحقق من خلال الإجابة عن سؤال: من فعل ذلك؟ والإجابة لا تكون إلا من خلال السرد. فالإجابة عن سؤال "من"، كما تعبر حنة آردنت، يعني أن نروي قصة حياة. وتروي القصة المروية فعل هذا "من". لذلك لابد أن تكون هوية هذا "من" نفسها هوية سردية([6]).
يتضح أن بول ريكور تناول مفهوم الهوية السردية في نهاية الجزء الثالث من كتابه "الزمان والمحكي"، خصوصا في الاستنتاجات التي ذيل بها ريكور هذا الجزء. فقد عمل على الربط بين الذات والهوية السردية، معتبرا أن هذه الرابطة تشكل إحدى قناعاته القديمة. فالذات في المعرفة الذاتية ليست هي الأنا الأنوية والنرجسية التي نددت تأويلية الريبة بنفاقها وسذاجتها، بالإضافة إلى جوانبها ذات البنية الفوقية الأديولوجية والقدمية الطفولية العصابية. ذات المعرفة الذاتية هي ثمرة الحياة المفعمة بالعناء، إذا تذكرنا عبارة سقراط في "الدفاع" عن نفسه. والحياة الممتحنة بالعناء هي، في الجزء الأكبر منها، حياة تطهرت وصقلتها آثار التطهير في السرود والحكايات، ومن هنا يشير بقاء ذات إلى ذات تتعلم من أعمال ثقافة ما طبقتها على ذاتها (نفسه، ص: 372).
في كتاب "الذات عينها كآخر"، استند ريكور إلى الفلسفة التحليلية والفلسفة التأويلية. وفي الدراسة الخامسة الحاملة لعنوان "الهوية الشخصية والهوية السردية"، تناول إشكال الهوية الشخصية، مشيرا إلى أن مقاربة الذات في الجهة الثانية لفلسفة اللغة، أي لجهة التلفظ، لم يثر تفكيرا خاصا حول التغييرات التي تطرأ على ذات فاعلة قادرة على أن تسمي نفسها وهي تعطي العالم دلالته. والحال أن ما أغفل لم يكن مجرد بعدها من بين أبعاد عديدة، ولكنه كان إشكالا بأكمله، وهو إشكال الهوية الشخصية التي لا تستطيع أن تتمفصل إلا ضمن البعد الزمني للوجود الإنساني. ولتعويض هذا النقص الذي تفرضه الهوية الشخصية، يقترح ريكور إعادة ورشة النظرية السردية، وذلك ليس من منظور علاقاتها بتكوين الزمن الإنساني، كما حصل في كتابه "الزمان والمحكي"، ولكن من منظور مساهمتها في تكوين الذات([7]).
أما في الدراسة السادسة، فيؤكد ريكور أن الهوية الشخصية تبنى باتصال مع هوية الحبكة، بمعنى أن هوية القصة المحكية هي التي تصنع هوية الشخصية أو ما يمكن تسميته بهويتها السردية. هذه الهوية لا تتكشف طبيعتها الحقيقية إلا في ديالكتيك الهوية العينية والهوية الذاتية أو الهوية الإنية([8]).
ربط ريكور الهوية العينية، التي تلحق بها مسألة الديمومة في الزمن، بالطبع والتماهي. فقد صنف الطبع ضمن اللاإرادي المطلق، أي "ضمن ما لا يمكن للفرد أن يتجنبه أو يتحاشاه، فهو جزء من سيرورة التنشئة والتربية، أو ما يمكن أن يشكل إكراها مصدره المحظور الذي دون تبنيه لا يمكن قيام مجتمع يوحد بين الناس ويؤلف بينهم."([9]). فبالنسبة إليه، فالطبع هو مجموع العلامات المميزة والاستعدادات المستديمة التي تسمح بالتعرف من جديد على هوية فرد من البشر على أنه هو عينه. بفضل السمات الوصفية سيجمع هذا الفرد الهوية العددية والكيفية والاستمرارية غير المنقطعة والديمومة في الزمن. ومن هنا فإنه يدل بطريقة رمزية على عينية الشخص. فعندما يتعلم المرء عادة ما ويكتسبها وتصبح استعدادا مستديما، تشكل سمة طبع أي إشارة مميزة يمكن بفضلها التعرف على شخص ما، والتثبت من هويته على أنه الشخص عينه، فالطبع ليس بشيء آخر سوى مجموع هذه العلامات المميزة([10]). فالعادة هي التي تتحكم في الكثير من سلوك الفرد، وتحدد الكثير من مساراته الحياتية أيضا. فلا وجود لفرد يتحرك داخل المجتمع دون أن يكون مرتبطا بعادة ما، عادة القراءة والكتابة، وعادة التدخين والتردد على المقاهي أو الحانات، وعادة المشي، وعادات اللباس والأكل والتنزه في الصباحات والأماسي. إن العادة هي شكل من أشكال تسنين الفعل وتحويله إلى قاعدة تكون في الغالب من طبيعة اجتماعية. لذلك يتكيف سلوك الناس مع ما تقتضيه الكثير من العادات التي تتسلل إلى حياة الفرد وفق ما يقتضيه حضور الناس في الزمن([11]).
يندرج ضمن هذا الطبع الكثير مما يرثه الفرد من محيطه، ومنه الوظائف بجميع أنواعها، فهو في المجتمع معلم أو أستاذ أو نجار أو فلاح أو عامل. أو ما يعود إلى بعض الصفات التي ترتبط بالفرد وتحدد جزءا كبيرا من هويته. كما يمكن إدراج أمزجة الناس ضمن الطبع، فصفات الطيب والمتسامح والمتشدد هي جزء من هوية عينية. وقد تكون السمات الجسدية ذاتها، في حالات السلامة وفي حالات الاحتياجات الخاصة، جزءا من هذا المظهر الثابت عند الفرد. فنحن في جميع الحالات، نشبه الآخرين من خلال ما ننتمي إليه، ونعيد إنتاجه في سلوكنا بما يرضي محيطا نتبنى قيمه أو اتقاء لشره، لا من خلال ما بلورناه بأنفسنا (نفسه، ص: 36-37). يمكن تصنيف الهوية العينية، أيضا، ضمن الامتثالية التي تقتضي من الفرد تطابقا بينه وبين ما نما وسطه وترعرع في أحضانه. فالأنا الأعلى، أي استبطان الشخص لمقتضيات العيش في المجتمع، بما فيها المحرمات والمكروهات وغير المرغوب فيها، تندرج ضمن الطبع، أي ضمن عوالم العينية (نفسه، ص:39). أما التماهي، فهو أمر مكتسب يسمح بإدخال شيء من الآخر في تكوين الهوية العينية. فهوية شخص ما تصنع، أيضا، من التماهي في القيم أو المبادئ أو المثل العليا أو نماذج أو أبطال التي يجد فيها هذا الشخص نفسه([12]). فهؤلاء الأبطال، سواء أكانوا أبطالا في السياسة أم أبطالا في الدين أم أبطالا في الرياضة، يحضرون في وجداننا باعتبارهم "قصصا" تروي تفاصيل "فتوحاتهم" في الركض أو بطولاتهم من أجل نصرة أوطانهم أو دفاعا عن قيم بعينها، فلا يمكن للفرد أن يتخلص من كل النماذج لكي يعيش استنادا إلى ممكناته وحدها، إنه في حاجة إلى تمثل أفعال يتمنى لو كان هو من يقوم بها([13]).
تبدو الذات، في ظل الهوية العينية، مقيدة وغير قادرة على بلورة موقف مستند إلى اختيارات خاصة بها، فالمرء يدبر حاجات معيشه اليومي في الغالب استنادا إلى ما كان يسميه هوسيرل "الموقف الطبيعي"، أو العملي، وهو موقف ينطلق من العقائد والأفكار المسبقة ومن كل ما ورثه هذا المرء من المجتمع الذي فيه يحيا. لا إبداعية في هذا الموقف ولا أثر فيه للذات التي تحكم وتقيس وتقوم. إنه موقف يفتقر إلى الحس النقدي. فالذات لا تستطيع فكاكا من الكم الهائل من الموروثات التي تبلورت حياتها داخلها، يتعلق الأمر بإرث العائلة والعشيرة والمنطقة والوطن والأمة وربما العرق والطائفة والمذهب وكل الروافد التي لا يمكن للذات أن تبنى قصتها الخاصة في انفصال عنها. إنها تحاول أن تحدد موقعها ضمن قصة تشملها وتشمل كل ما يحيط بها. فحياتنا ليست من تدبيرنا الخاص والمستقل كما نتوهم، إنها أمر مدبر، إنها تبنى ضمن موروث قد يقضي المرء جزءا كبيرا من حياته محاولا التخلص منه، أو الحد من ثقله. فنحن ننفذ في الغالب ما سن حدوده الآخرون. فلا وجود لهوية تستند إلى ما يمكن أن يبلوره الفرد اعتمادا على اختياراته الخاصة فقط، إن الهوية الفردية مستوحاة، في جزء كبير منها، من "نحن" كبرى، هي التي توجه الأنا وتتحكم في الكثير من اختياراتها. ما يصنف ضمن "الضابط الاجتماعي"، أو "الرقابة المستبطنة" التي يفرضها العيش المشترك. إننا نأتي إلى عالم معد لكي يستقبلنا كما يريدنا، ففي خطاب الوالدين وفي خطاب الدين والتقاليد نتعلم كيف ننتمي إلى نظام قيمي نعتقد بعد ذلك، أو نظل نعتقد ذلك إلى الأبد، أنه ثمرة اختيارنا الخاص (نفسه، صص: 37-40).
لا تشتمل الذات، في جوهرها، على هوية عينية فحسب، وإنما تتضمن، أيضا، هوية إنية باعتبارها الواجهة الثانية للذات. فالهويتان معا منفصلتان ومتداخلتان في الوقت ذاته، ولن يصالح بينهما سوى السرد (نفسه، ص: 35). لذلك إذا كانت الهوية العينية تمثل القطب الأول للهوية السردية، فإن الهوية الإنية تشكل القطب الثاني للهوية السردية. وإذا كانت، كذلك، الهوية العينية تتصل بالطبع والتماهي والامتثال، فإن الهوية الإنية باعتبارها نموذجا آخر للديمومة في الزمن تتصل بالوفاء بالعهد (الكلمة المقطوعة أو الثبات في الصداقة...) باعتباره الصورة الرمزية لهوية معارضة قطبيا لهوية الطبع([14]). فهذا الوفاء بالعهد أو الوعد يشكل تحديا للزمن ونكرانا للتغيير: على الرغم من تغيير محتمل لرغبة المرء ومن تغيير لرأيه ولميله فإنه "يبقى على العهد". ليس من الضروري، كي يكون لها معنى، وضع المحافظة على الكلمة المعطاة تحت أفق الوجود – من أجل الموت أو نحو- الموت. إن التبرير الأخلاقي الصحيح للوعد يكفي في حد ذاته، ويمكن تأسيسه على الإلزام بالمحافظة على مؤسسة اللغة والتجاوب مع الثقة التي يضعها الآخر في وفاء المرء. إن هذا التبرير الأخلاقي، حين يؤخذ على ما هو، يفصح عن مضامينه الزمنية وهي عبارة عن صيغة للديمومة في الزمن كفيلة بأن تكون متعارضة مع صيغة الطبع. هنا بالضبط تتوقف الهوية الإنية والهوية العينية عن التطابق (نفسه، 266-267).
يذهب بنكراد إلى أن الهوية الإنية تشير إلى كل ما هو أصيل في الذات. فهي تؤكد الاستقلالية والحرية والاختيار الفردي، وتدل على القرار الخاص، وعلى القدرة على تحمل مسؤولية ما يقوم به الفرد، وعلى تحمل تبعات أحكامه الأخلاقية. فهي تفترض تمييزا بين الذات وطبعها، بين ما كسبته وما اكتسبته، وتشير – شأنها شأن الهوية العينية - إلى ديمومة في الزمان، ولكنها ديمومة تتحقق وفق ما تأتي به اختيارات الذات، ديمومة منبعثة من داخل يجعلها سيدة أفعالها، وسيدة قدرها الخاص أيضا. إنها قدرة المرء على أن يضع حدا لسلوك أو موقف ليتحول إلى غيره بمحض إرادته، ورحلة من أجل البحث عن "الخلاص"، ما يعني التخلص مما تعلمه المرء من محيطه ومما ورثه بغاية استعادة "أنا" مستقلة تعبر عن اختيارات تخص الذات وحدها. وبطبيعتها تلك، فإنها تتحقق في السرد ومن خلال آلياته في تدبير الزمنية وتقطيعها وفق حالات حياتية هي وحدها الشاهد على وجودها. فمن خلال التركيب السردي نستطيع إعادة تنظيم تجربة حياتية لا يمكن أن تكشف عن الإني في الذات إلا من خلال القدرة على بناء قصة تخص الذات نفسها. إنها الجواب عن سؤال: من أنا؟ ومن أكون؟ وماذا فعلت في حياتي، وكيف عشت؟ إن الجواب عن كل ذلك يقتضي من الذات رواية قصة عن نفسها من أجل نفسها. وذاك هو الفاصل بين محكي التاريخ الذي يبحث عن "الحقيقة" في الحدث، فهو غاية المؤرخ، وبين محكي ذاتي-سيري يقوم بتأويل ما تم إنجازه في الماضي من أجل فهم الذات في الحاضر في أفق استشراف مآلها([15]).
لقد سبق أن أومأنا إلى أن الذات، في جوهرها، تتضمن الهوية العينية والهوية الإنية باعتبارهما هويتين منفصلتين متداخلتين لا يصالح بينهما سوى السرد، ولكن كيف يمكن الفصل بينهما؟ يجيب سعيد بنكراد عن هذا السؤال بقوله إنه "يصعب في الكثير من الحالات الفصل بين العيني في الذات وبين الإنية فيها دون القيام ببناء هوية سردية تسعى إلى إعادة بناء ما يعود إلى الذات من خلال بلورة محكي يتجلى فيه نصيب ما يعود إليها، ما يمكن أن يجمع بين الطبع، الموروث، وبين الموقف، "الوفاء بالوعد"، باعتباره موقعا في الحياة يكون خاصا بالذات وحدها. وقد يكون هذا المزج هو الوسيلة الوحيدة التي تمكن الذات من استيعاب ما ورثته ضمن ما اختارته لنفسها" (نفسه، صص: 47-48).
لقد تأكد، بشكل واضح، أن لا يمكن استيعاب الذات إلا من خلال بلورة محكي يجمع بين العيني والإني في الذات. ولكن يلزم أن يتسم هذا المحكي بالتماسك الذي يتحقق من خلال بناء الحبكة. فالذات تستطيع، من خلال المحكي المتمركز على الحبكة، تجميع شتات نفسها، لا سيما أن الهوية ليست ملقاة أمام هذه الذات، إنها تأويل ذاتي لا يمكن أن يستقيم إلا من خلال القبض على الانسجام والتماسك في الحياة. إن المرء يكتشف نفسه وهو يعيد سرد ما وقع له قديما (نفسه، ص: 48).
يمكن القول إن استعارة بول ريكور لمفهوم الحبكة عند أرسطو يكتسي أهمية كذلك، تبعده عن وسمه بالعمل المزاجي أو الاختيار المتسم بالاعتباط أو الارتجال. فمن جهة أولى، يكشف بول ريكور، عند اختياره عمل الذات أو ما أطلق عليه بتصرف الذات البشرية، عن أنه على وعي تام بالدلالات المتعددة للتصرف، والذي يتضح (الوعي) من خلال قوله: "أيكون المعنى الأول للتصرف البشري أن تدل ذات فاعلة متكلمة على نفسها عن طريق التسمية الذاتية؟ أم يكون في قوة عمل الفاعل الحقيقي (أو ما أطلق عليه سبينوزا الجهد)، أم يكون في تحمل التبعة الأخلاقية للعمل؟ كل جواب له أسبابه الصحيحة"([16]). وأما من جهة ثانية، فيمكن القول إن الاستعارة جاءت نتيجة تشكل قناعة راسخة لدى ريكور أساسها هو ضرورة التعبير عن موقف مما أطلق عليه الرواية الجديدة. فاهتمامه بالتجارب المختلفة للزمان في عدة روايات (رواية مسز دالواي Mrs Dalloway للكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف، ورواية "الجبل السحري" للروائي الألماني توماس مان Thomas Mann، ورواية "بحثا عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست Marcel Proust)، يكشف عن موقف مما سمي بالرواية الجديدة (ألان روب -غرييه، وميشال بوتور، وناتالي ساروت، وجيل فيليب سولرس) التي ألغت السرد الزمني التعاقبي، وفكرة الشخصيات، وإرادة أن تروي قصة قائمة على الحبكة([17]). من جهة ثالثة، تتأكد أهمية استعارة مفهوم الحبكة من خلال وقوف ريكور عند رواية روبرت موسيل "رجل بلا خصائص"، من أجل تأكيد أن أزمة الشخصية ملازمة لأزمة هوية الحبكة. فكلما اقتربت رواية من محو الشخص باستخدام هوية عينية، فقدت الرواية أيضا خواصها السردية المناسبة، لأن فقدان الهوية الشخصية يقابل فقدان التمثيل السردي ويناظره أزمة خاتمته، ويقرب العمل الأدبي من المقالة([18]).
تأسيسا على ما سبق، يتضح أن بول ريكور لم يقف، فقط، عند ربط الهوية السردية بنظرية العمل، وإنما عمل، أيضا، على وصل الهوية السردية بالنظرية الأخلاقية، وذلك من خلال ربط الهوية الإنية للذات بالقدرة على الكلام والفعل، والقدرة على تحمل مسؤولية فعلها وتبعات أحكامه الأخلاقية.
ثانيا- من نظرية العمل إلى النظرية الأخلاقية (من الهوية السردية إلى الهوية الأخلاقية):
من خلال مناقشة بول ريكور لمفهوم المحاكاة عند أرسطو، وقف عند ثلاثة أنواع للمحاكاة: المحاكاة الأولى باعتبارها تمثيلا للفعل الإنساني والفهم القبلي لهذا الفعل السابق عن العمل الأدبي؛ والمحاكاة الثانية بوصفها تمثيلا سرديا يقع ضمن التفسير الذي يقصد به فعالية تأملية تسعى إلى الارتفاع عن مستوى الفهم بوساطة المنهج والمنطق والعقلنة وإعمال الفكر؛ ثم المحاكاة الثالثة بوصفها إعادة للتمثيل التي تبدأ بعد أن يخرج القارئ من النص([19]). وبوساطة المحاكاة الثالثة، استطاع ريكور، من جهة أولى، التحرر من القيود الشكلانية للكتابات التي سجنت نفسها داخل المحاكاة الثانية، وتأكيد، من جهة ثانية، فكرته المركزية التي مؤداها أن الخطاب يتجه دائما إلى منطقة خارج ذاته وإلى هدف يتجاوز نرجسية الافتتان بأدواته([20]).
يؤمن ريكور إيمانا راسخا بأن القراءة هي التي تعيد الأدب للحياة، أي لميدان الوجود العملي التأثيري، لذلك، حاول تأسيس نظرية عامة للآثار، أي تلك الآثار التي تخلفها الحكايات والقصص. يذهب، في هذه النظرية، إلى أن عالم النص يشكل، فقط، جزءا من النص، بينما يكمن الجزء الآخر في التأمل في القراءة التي تتحقق بين عالم النص الخيالي وعالم القارئ الفعلي وآثار القصص باعتبارها آثار الإلهام والتحويل (آثار القراءة) (نفسه، صص: 148-149).
إن بول ريكور يولي اهتماما كبيرا لنظرية القراءة باعتبارها نظرية تحذر من كون استراتيجية الإقناع التي يباشرها الراوي تستهدف أن تفرض على القارئ نظرة إلى العالم ليست حيادية أخلاقيا أبدا، بل هي تستحث ضمنا أو صراحة على تقييم جديد للعالم وللقارئ أيضا. بهذا المعنى، ينتمي السرد أصلا إلى الميدان الأخلاقي بفضل دعواه – التي لا تنفصل عن قصه- بالعدالة الأخلاقية. لكنه يبقى ينتمي إلى القارئ، الذي هو الآن فاعل ومدشن للفعل، للاختيار بين المقترحات المتعددة للعدالة الأخلاقية التي نقلتها القراءة إلى الصدارة. وعند هذه النقطة تواجه فكرة الهوية السردية حدها وعليها أن ترتبط بالمكونات غير السردية في تشكيل الذات الفاعلة (نفسه، صص: 375-376).
وهنا، تتبدى الغاية الكبرى والسامية لمشروعه الفكري والتي تكمن في ربط نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية. وذلك من خلال العودة إلى كتاب أرسطو حول الأخلاق (نيقوماخيا)، وإقامة حوار متجدد معه في كل تحليله للرغبة في الحياة الجيدة الطيبة، وهي قائمة على غائية هذه الرغبة الأصلية([21]).
يحق التساؤل: بأي واسطة تحقق الربط بين نظرية العمل والنظرية الأخلاقية؟
ربط بول ريكور بين نظرية العمل والنظرية الأخلاقية من خلال النظرية السردية. فهو يؤكد، بشكل مسبق، عدم وجود قصة محايدة أخلاقيا. فالأدب عبارة عن مختبر واسع تجري فيه التقديرات والتقييمات وأحكام الاستحسان والإدانة، وهناك تستخدم السردية كحقل تمهيدي للأخلاق (نفسه، صص: 252-253). فلا يمكن فصل الأدب عن تعييناته الأخلاقية عند الاهتمام بتعييناته الجمالية، لاسيما أن هذا الفصل يكشف عن سوء فهم لعلم الجمال. يقول بول ريكور في هذا الصدد:" هل نقول إن القصة الأدبية، حين نعتبرها على صعيد التصوير السردي فحسب، تفقد تعييناتها الأخلاقية لصالح التعيينات الجمالية المحضة؟ إن هذا يعني أننا قد أسأنا فهم علم الجمال نفسه. إن اللذة التي نتمتع بها ونحن نتابع مصير الشخصيات تتضمن بالطبع أن نتوقف عن إصدار أي حكم أخلاقي حقيقي في الوقت عينه الذي نتوقف فيه كذلك عن اعتبار العمل كأمر متحقق. غير أننا من خلال هذا الواقع اللاحقيقي للقصة لا نتورع عن استكشاف طرق جديدة لتقييم الأعمال والأشخاص. إن التجارب الفكرية التي نقودها داخل مختبر المخيال هي أيضا رحلات استكشافية نقوم بها داخل مملكة الخير والشر. إن المبالغة في التقييم أو بخس القيمة هما أيضا تقييم. إن الحكم الأخلاقي لم يلغ، بل بالأحرى هو نفسه قد أخضع للتنوعات المتخيلة الخاصة بالقصة. بفضل تمارين التقييم لبعد القصة يستطيع السرد أخيرا أن يمارس وظيفته كاكتشاف وتغيير يلحقان بمشاعر القارئ وبتصرفه، وذلك في مرحلة إعادة تصوير الحركة والعمل التي يقوم بها السرد" (نفسه، صص: 332-333).
فالنظرية السردية تشغل، في تحليلات بول ريكور، موقعا مفصليا بين نظرية العمل والنظرية الأخلاقية. بمعنى أن نظرية الحبكة والشخصية تشكل عملية عبور له دلالته بين إسناد العمل إلى فاعل حقيقي قادر وتحميله واجب تحمل تبعة هذا العمل. وهكذا، سينجح بول ريكور في إجراء مواجهة بين الهوية السردية المتأرجحة بين العينية والذاتية وبين الهوية الأخلاقية التي تتطلب شخصا محاسبا لأعماله ومتحملا لتبعات هذه الأعمال (نفسه، صص: 311-313). فحين عارض قطبيا المحافظة على الذات بالطبع الذي يكشف عن الهوية العينية، فقد رمى إلى الإحاطة بالبعد الأخلاقي الحقيقي للهوية الإنية، من دون الأخذ بعين الاعتبار استمرارية الطبع. من ثم، يطرح ريكور سؤالا مؤداه: أين تقع الهوية السردية في هذا الطيف للتغييرات بين قطب الهوية العينية للطبع، وقطب الهوية الإنية المحضة للمحافظة على الذات؟ يجيب بول ريكور قائلا إن الهوية السردية تقف موقفا وسطا بين الهويتين؛ حين تحول الطبع إلى سرد يروى فإن القصة تعيد إليه حركته التي كانت ألغتها الاستعدادات المكتسبة والتماهيات المتجمدة. وحين يحول هدف الحياة الحقيقية إلى سرد يروى فإن القصة تعطيه السمات المعروفة التي تتحلى بها الشخصيات المحبوبة أو المحترمة. إن الهوية السردية تجمع طرفي السلسلة: ديمومة الزمن في الطبع وديمومة المحافظة على الذات (نفسه، صص: 311-335).
يتأكد، بشكل جلي، أن انشغال بول ريكور بالهوية السردية لم يكن مقصودا لذاته، وإنما كان وسيلة لتحقيق غاية كبرى مفادها: ربط السردية بالأخلاق، والبحث في علاقاتهما. فلا تخلو الوظيفة السردية من تعيينات أخلاقية سمحت لريكور بالمرور إلى مقولتي الخير والإلزامي. وهكذا تظهر للعيان الأبعاد الأخلاقية والواجبية لذات فاعلة يمكن أن يسند إليها العمل أكان خيرا أم لا، منجزا باسم الواجب أم على العكس من ذلك (نفسه، ص: 96).
في إطار ربط بول ريكور نظرية العمل بالنظرية الأخلاقية، لم يكتف بوصل الهوية الإنية، فقط، بالقدرة على الفعل وتحمل تبعات هذا الفعل، وإنما ربط هذه الهوية، أيضا، بالذاكرة والنسيان والذنب والغفران. ففي كتابه "الذاكرة التاريخ النسيان" الذي عده تتمة للكتابين السابقين، حاول ملء النقص الذي يسم إشكال كتاب "الزمان والمحكي" وكتاب "الذات عينها كآخر"، حيث تتواجه مباشرة التجربة الزمنية والعملية السردية، على حساب إهمال الذاكرة والنسيان باعتبارهما يشكلان مستويين توسطيين بين الزمان والسرد([22]). ويتألف هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء: كرس الجزء الأول للذاكرة وللظاهرات الذاكرية منطلقا من الفينومينولوجيا عند هوسيرل؛ أما في الجزء الثاني المنتمي إلى إبستيمولوجيا العلوم التاريخية، فقد انشغل بالتاريخ؛ في حين اهتم الجزء الثالث، الذي يدخل ضمن إطار تأويلية الوضع التاريخي للبشر، بالنسيان (نفسه، ص: 28).
عمل ريكور، في الجزء الأول، على الفصل بين الخيال وبين الذاكرة رغم اشتراكهما في سمة حضور الغائب، وذلك من خلال التأكيد على وجود اختلاف بين قصدية المفهومين، فإذا كنت قصدية الخيال تتجه نحو الوهمي، القصصي، غير الحقيقي وغير الواقعي، والممكن واليوتوبي، فإن قصدية الذاكرة تتجه نحو الحقيقة السابقة، الواقع السابق (نفسه، ص: 34). ميز، أيضا، بين الذاكرة والذكرى، الذاكرة بصيغة المفرد باعتبارها مقدرة وتحقيقا وتنفيذا، والذكريات بصيغة الجمع بوصفها أشكالا خفية لها تشعبات دقيقة أو قليلة الدقة، تبرز من خلال خلفية ذاكرتية يمكن أن يستسلم لها الإنسان في حالات أحلام اليقظة الملتبسة. إنها (الذكريات) تتعلق بالامتياز المعطى عفويا للأحداث من بين كل الأشياء التي يتذكرها الإنسان (نفسه، صص: 57-58).
سعى ريكور إلى معالجة الظاهرات الذاكرية منطلقا من وجهة نظر نافح عنها في كتابه "الذات عينها كآخر"، مقتضاها هو قدرة الإنسان على الكلام والتصرف والسرد وتحمل مسؤولية الأعمال. كما استند إلى نظرية جون لوك (John Locke)، التي جعلت من الذاكرة معيارا للهوية، للحديث عن التقاطع بين إشكالية الذاكرة وإشكالية الهوية سواء أكانت الهوية فردية أم جماعية. فقد أشار إلى أن قلب المشكلة يكمن في تعبئة الذاكرة لخدمة السعي إلى الهوية أو طلبها أو المطالبة بها. وتنتج عن ذلك انحرافات تعرف بعض عوارضها المقلقة: الإفراط في الذاكرة في منطقة معينة من العالم، وبالتالي هناك عمليات سوء استعمال الذاكرة، ثم هناك نقص في الذاكرة في مكان آخر، بالتالي هناك سوء استعمال للنسيان (نفسه، صص: 136- 137).
لقد دفعت تلك العلاقة، التي تربط الذاكرة بالهوية، ريكور إلى البحث عن سبب هشاشة الذاكرة المتلاعب بها في إشكالية الهوية، مؤكدا أن السبب يتبدى في الطابع الافتراضي الادعائي المزعوم للهوية. فهشاشة الهوية تكمن في هذه الإجابات بشكل "ماذا"(عن السؤال "من؟"، "من أنا؟") بالصيغة التالية: هذا ما نحن، نحن المختلفين عن الآخرين "هكذا" نحن، هذا ما نحن عليه وليس غير ذلك، والتي تدعي (الإجابات) إعطاء وصفة الهوية المعلنة والمطالب بها. إن المشكلة تنتقل بهذه الطريقة إلى درجة أعلى حين تتحول من هشاشة الذاكرة إلى هشاشة الهوية التي ترجع إلى عدة أسباب. يتمثل السبب الأول في العلاقة الصعبة للهوية مع الزمان، هذه الصعوبة أولية تبرر بالضبط اللجوء إلى الذاكرة بما هي عنصر مكون زمني للهوية على صلة بتقدير الحاضر وإسقاطه على المستقبل. والحال، فإن الصلة بالزمن تشكل صعوبة بسبب الطابع المبهم لمفهوم ما يبقى هو عينه (le meme) القائم ضمنا في مفهوم المتطابق الهوية identique. فاستمرارية الذات في الزمن تستند إلى لعبة معقدة بين العينية والإنية. كما أن الإغراء الهوياتي، أو كما يقول جاك لوغوف (Jacques Le Goff) "الجنون الهوياتي" يقوم على طي الهوية الإنية على الهوية العينية، أو بعبارة أخرى على الانزلاق أو الانجرار الذي يقود من المرونة التي تؤمن استمرارية الذات في الوعد والتطلع إلى التصلب الذي لا يلين للطبع. أما السبب الثاني، فيتجلى في المواجهة مع الغير الذي نشعر به باعتباره تهديدا. هناك واقع قائم هو أن الآخر لأنه آخر ندركه كخطر على هويتنا الخاصة بنا، هوية النحن وهوية الأنا، يمكننا بالطبع أن نعجب لهذا: هل يجب إذن أن تكون هويتنا هشة إلى درجة أنها لا تعود تستطيع أن تحتمل أو أن تقبل أن يكون لآخرين طرق مختلفة عن طرقنا لعيش حياتهم وللتفاهم في ما بينهم وتسجيل هويتهم الخاصة في مسار العيش-معا؟ هذا هو الواقع. إن الإذلالات والمساس الحقيقي أو الوحي بالتقدير للذات، تحت ضربات الغيرية التي لا تلقى التسامح الواجب هي التي تغير العلاقة التي تقيمها الذات عينها بالآخرين من علاقة ترحاب إلى علاقة رفض وإقصاء. السبب الثالث يتحدد في إرث العنف المؤسس. هناك أمر واقع وهو عدم وجود مجموعة تاريخية لم تولد من علاقة يمكن تسميتها أصلية بالحرب. إن ما نحتفل به كإحداث مؤسسة هو عبارة عن أعمال عنيفة اكتسبت شرعيتها بعد وقوعها عن طريق دولة قانون وحق هي ذاتها عابرة مؤقتة، وتأتي هذه الشرعية في الحالات القصوى بسبب أقدمية هذه الأعمال العنيفة بل وحتى بسبب تقادمها. الأحداث تعني للبعض المجد في حين أنها تعني للبعض الآخر المذلة. الاحتفال من جهة تقابله الكراهية من جهة أخرى. وهكذا تخزن في أرشيف الذاكرة الجماعية جروح حقيقية ورمزية. هنا يذوب السبب الثالث لهشاشة الهوية في السبب الثاني. يبقى أن نوضح الطريق التي تسلكها أشكال سوء استعمال الذاكرة كي تستطيع أن تطعم المطالبة بالهوية (نفسه، صص: 137-138) .
بعد الحديث عن علاقة الذاكرة بالهوية، يمكن طرح سؤال تكشف إجابته عن علاقة الذاكرة والهوية بالوظيفة السردية. السؤال هو:
كيف يمكن التلاعب بالذاكرة؟
يجيب بول ريكور بقوله إن التلاعب بالذاكرة يتم في المستويات العملانية المختلفة للإيديولوجيا. على المستوى الأعمق، مستوى التوسطات الرمزية للعمل تدخل الذاكرة ضمن تكوين الهوية من خلال الوظيفة السردية. إن أدلجة idéologisation الذاكرة أمر ممكن وذلك عن طريق موارد التنوع التي يقدمها عمل التمثيل السردي. ولما كانت شخصيات القصة الخيالية تدخل في وقت واحد مع القصة المروية في حبكة واحدة، فقد ساهم التمثيل السردي في صياغة هوية الأبطال المشاركين في العمل وكذلك في تشابكات العمل نفسه. إن القصة الخيالية، على حد تعبير حنه آرندت، تقول "صاحب العمل". فالوظيفة الانتقائية للقصة (الرواية) هي التي تقدم لعملية التلاعب الفرصة والوسائل لتحقيق استراتيجية ماكرة تقوم مباشرة على استراتيجية النسيان بقدر ما تقوم على إعادة التذكر (نفسه، صص: 142-143).
حاول ريكور إقامة ترابط أفقي بين الهوية الإنية (الوفاء بالوعد) والغفران، وذلك من خلال إشارته إلى إمكانية ارتباط فاعل العمل بالوعد من خلال استطاعته فك ارتباطه بهذا العمل عن طريق الغفران. فالبنية الزمنية للعمل، أي عدم إمكانية الرجوع إلى الوراء في الزمان، وعدم إمكانية التنبؤ بالمستقبل الآتي زمانيا، يستوجبان قيام سيطرة مزدوجة تتحكم في قيادة العمل. سعى ريكور، أيضا، إلى ربط العمل بالذنب باعتباره مرتبطا بالهوية الإنية (الاعتراف بالخطأ من خلال إعادة التذكر). فالإنسان قادر على التكلم والحكي ومحاسبة نفسه عن أعماله وتحمل تبعاتها. لذلك، علينا أن نبحث عن الخطأ الذنب في منطقة تحميل التبعة. هذه المنطقة هي منطقة التمفصل بين الفعل وبين الفاعل، بين "ماذا" الأفعال و"من" العائدة إلى القدرة على التصرف- العمل. وهذا التمفصل، في تجربة الذنب، هو الذي يتأثر ويجرح جرحا مؤلما (نفسه، صص: 663-665).
خاتمة:
تأسيسا على ما سبق، يمكن تأكيد أن مشروع بول ريكور غير قابل للتجزيء. فإذا كان قد عمل، في كتابه "الزمان والمحكي" على ربط الهوية السردية بنظرية العمل (قصة متماسكة لذات قادرة على العمل)، وسعى في كتابه "الذات عينها كآخر" إلى وصل الهوية السردية بقطبيها بالنظرية الأخلاقية (قصة متماسكة لذات قادرة على العمل وتحمل تبعاتها الأخلاقية)، فإنه لم ينتصر فقط، في كتابه "الذاكرة التاريخ النسيان" إلى وجود ذات قادرة على العمل وتحمل التبعات الأخلاقية لهذا العمل، قادرة على الاعتراف بالذنب (الموجود في العمق)، قادرة على الغفران (الموجود في العلو) دون نسيان، قادرة على واجب العدالة، قادر ة على التذكر والنسيان، قادرة على بناء قصة حياة متماسكة تسعف في التحرر من الحزن، وإنما سعى، كذلك، بلورة نظرية للذاكرة ذات أبعاد إنسانية وأخلاقية، متوزعة بين ذكرى إيجابية مبحوث عنها هي ذكرى زوجته سيمون الراحلة بعد معاناة مع المرض، وذكرى سلبية غير مرغوب فيها، هي ذكرى انتحار ابنه وإقامة الحداد عليه باعتباره الطريقة المثلى لجعل الذكرى محتملة، وللقبول بالخسران، ولمنح الناس حق البدء من جديد، والتمكن، ربما، من خلال التذكر، التغلب على وسواس أو جبر التكرار.
المراجع والهوامش:
([1]) للوقوف عند هذه المعضلات يمكن العودة إلى مقالة بول ريكور "الهوية السردية"، ضمن كتاب "الوجود والزمان والسرد (فلسفة بول ريكور)"، تر: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت، ط:1، 1999، ص: 256.
([2]) بول ريكور، الذاكرة والسرد، حوارات، تر: سمير مندي، دار كنوز المعرفة، عمان-الأردن، ط:1، 2016، ص: 46.
([3]) بول ريكور، الزمان والمحكي: الحبكة والمحكي التاريخي، تر: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مرا: جورج زيتاني، الجزء1، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت- لبنان، ط:1، 2006، ص: 17.
([4]) نفسه، ص: 75. قدم بول ريكور تحديدا آخر يقول فيه إن "الحبكة هي دينامية دمجية تشكل قصة موحدة وتامة من أحداث متنوعة، بكلمات أخرى، أنها تحول هذا التنوع إلى قصة موحدة وتامة". ينظر: الزمان والمحكي: التمثيل في المحكي القصصي، تر: فلاح رحيم، مرا: جورج زيتاني، الجزء 2، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت- لبنان، ط:1، 2006، ص: 28.
([5]) بول ريكور، الزمان والمحكي: الحبكة والمحكي التاريخي، الجزء 1، م.س، ص: 95.
([6]) بول ريكور، الزمان والمحكي: الزمن المروي، تر: سعيد الغانمي، مرا: جورج زيتاني، الجزء 3، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، ط:1، يناير 2006. ص: 370.
([7]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، تر: جورج زيتاني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت- لبنان، ط:1، 2005، ص: 249.
([8]) نفسه، صص: 294- 306. لقد تم اختيار عبارة الهوية الإنية التي اعتمدها سعيد بنكراد في كتابه "الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ" بدلا من عبارة الهوية الذاتية التي اعتمدها جورج زيتاني في ترجمته لكتاب بول ريكور "الذات عينها كآخر".
([9]) سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء- المغرب/ بيروت- لبنان، ط:1، 2023، ص: 37.
([10]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، تر: جورج زيتاني، م.س، صص: 254-262.
([11]) سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، م.س، ص: 40.
([12]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، ص: 262.
([13])سعيد بنكراد، الهوية السردية، المحكي بين التخييل والتاريخ، م.س، ص: 36.
([14]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، ص265.
([15] ) سعيد بنكراد، الهوية السردية: المحكي بين التخييل والتاريخ، م.س، 41-47.
([16]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، صص: 98-99. الأقواس من عندي.
([17]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، مقدمة المترجم، ص: 31.
([18]) بول ريكور، "الهوية السردية"، ضمن كتاب جماعي "الوجود والزمان والسرد (فلسفة بول ريكور)"، تحرير: ديفيد وورد، تر: سعيد غانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب/ بيروت- لبنان، ط:1، 1999، ص: 261.
ويضيف بول ريكور في الصدد نفسه قائلا: "ينبغي أن لا نسيء فهم دلالة هذه الظاهرة الأدبية: بل يجب القول إننا لا نفلت من إشكالية الذاتية، حتى في أقصى حالات فقدان هوية عينية عند البطل. فلا -ذات ليس عدما، في ما يتعلق بمقولة الذات. وفي الحقيقة لن تستهوينا دراما الانحلال هذه، وتقذف بنا في دروب حيرتها، ما لم تكن اللا- ذات صورة للذات، حتى ولو على نحو نسبي. لنفترض أن أحدهم يسأل: من أنا؟ الجواب لا شيء، أو في الأغلب لا شيء. لكنه مازال جوابا على سؤال "من"، وقد رد ببساطة إلى جهامة السؤال نفسه". ينظر المرجع نفسه، صص: 261- 262.
([19]) بول ريكور، الزمان والمحكي، م.س، الجزء3، ص: 113.
([20]) نفسه، مقدمة المترجم، ص: 10.
([21]) بول ريكور، الذات عينها كآخر، م.س، مقدمة المترجم، ص: 53.
([22]) بول ريكور، الذاكرة التاريخ النسيان، تر: جورج زيتاني، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت-لبنان، ط:1، 2009، ص: 27.
([23]) بول ريكور، الذاكرة والسرد، حوارات، تر: سمير مندي، دار كنوز المعرفة، عمان- الأردن، ط:1، 2016، صص: 43-44.
([24]) بول ريكور، الذاكرة التاريخ النسيان، م.س، مقدمة المترجم، ص: 37-38.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241103%2Fob_8290cd_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241103%2Fob_254fc9_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)