تتمة // الشعر الصوفي في العصر المرابطي
إشكالاته وقضاياه
د.عبد اللطيف حسو
دراسة محكمة
ثالثا: أعلام الصوفية في العصر المرابطي
التصوف في عصر المرابطين من أقطاب التصوف في تلك الفترة تبرز أسماء ابن برجان وابن العريف وابن قسي وابن حرزهم وكان الامير علي بن يوسف متسامحا وكريما مع المتصوفة ، خصوصا مع من انقطع للعبادة والزهد ، لكنه كان متعقبا لمن يمارسون السياسة ، حيث دخل الامير في صراع علني ومواجهة محتدمة بين أحد الوجوه الصوفية التي كان لها حينئذ ثقل بارز في الاندلس وهو ابن برجان ، وسعت السلطات الى وضعه واتباعه خارج سياج الشرع عن طريق اتهامهم بتأويل النصوص القرأنية والخروج عن السنة . على ذلك تمكن ابن برجان من دفع التهمة عنه بتوضيح ما كان غامضا من تأويلاته .وكان لحادث احراق كتاب إحياء علوم الدين في قرطبة اثر كبير ولازال ، بين الفقهاء وأهل الكلام، حيث يعد أحد أهم مؤلفات أبي حامد الغزالي لكنه وقع بعد ثلاث سنوات من وفاة يوسف بن تاشفين فقد توفي سنة 500 ه وأحرق الكتاب عام 503 ه وتوفي الامام الغزالي سنة 505 ه لكن ظاهرة احراق كانت عادية ومألوفة في بلاد المغرب والاندلس قبل العهد المرابطي وحتى الموحدي ، وعملية احراق الكتاب تعود حسب بعض الروايات الى المبالغة في الدعوة الروحية والى اللاانسياق وراء الغيبوبة الصوفية في الوقت الذي كانت تحتاج فيه الدولة المرابطية الى من يحث الناس على الجهاد ضد الممالك الاسبانية في الاندلس كما تخفي كذلك اضطراب العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة العلمية ، كما أن التقاء المصالح بين توجه الدولة وتوجه الفقهاء الذين رأوا من كتاب الغزالي تحاملا كبيرا ضدهم جعلت التصدي للكتاب يكون مشتركا بين الطرفين : الفقهاء في اصدار الفتوى معززة بالحجة والدليل ، والدولة باستصدار تلك الفتوى والاشراف على تنفيذها. فواجه المتصوفة هذه الفتوى وتحدوا الامر الاميري . وظلوا على تشبثهم بكتاب " الاحياء " وتزعمهم في ذلك ابن النحوي حتى تكرر لفظ " الغزالية" في الكتابات الصوفية المغربية لوصف جماعة الصوفية المقبلة على مؤلفات أبي حامد الغزالي وعلى كتابه إحياء علوم الدين ، بشكل خاص وتتعصب لأفكاره وتدافع عنه.
ولكبح غضب المتصوفة اعتمدت السلطة المرابطية سياسة التقارب وتبنتها ومن مظاهرها ظهائر التوقير والاحترام التي كان يبعثها الامير علي بن يوسف الى شيوخ بعض الزوايا يلتمس فيه دعاءهم ويتوق للحصول على بركتهم ورضاهم
جاء في كتاب"التشوف" "حدثني عبد الله بن موسى قال حدثني محمد بن الزاهد قال: أدركت أبا الحجاج الضرير بمراكش، وشاهدته جميل الصورة يلبس عباءة صوف وكان عالما زاهدا". يمكن القول أن أواخر القرن الخامس وبداية القرن السادس للهجرة ستعرف بداية انتشار وتجذر الفكر الصوفي في المغرب والأندلس، ويمكن اعتبار كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي مساهما فعليا في ازدهار الحركة الصوفية في المغرب والأندلس، إلى حد أن عملية إحراقه في عهد الملك المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين أدت إلى عكس مقاصادها بأن أججت الحركة الصوفية بدل إخمادها. في هذا السياق الثقافي والسياسي ستطفو على سطح الأحداث شخصية بارزة في مجال التصوف، يتعلق الأمر بالعارف أبي العباس أحمد بن العريف الأندلسي مولدا ونشأة الطنجي أصلا.
يقول في حقه العباس بن إبراهيم في "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام" أنه: "إمام في الزهد، عارف محقق، توفي سنة 536 للهجرة، وشعره في طريقة الزهد كبير".
يقول الأستاذ محمد جنبوبي في كتابه "الأولياء في المغرب": "ازداد ابن العريف بألمرية عام 481 للهجرة، وتتلمذ على كثير من فقهاء وعلماء عصره كأبي الحسن البرجيني، وأبي القاسم ابن النخاس وأبي جعفر الخزرجي، وأخذ العلم عن يزيد مولى المعتصم بن صمادح.. وسمع الحديث عن أبي علي الصدفي. ومن بين أشهر معاصري ابن العريف الذين ربطته بهم صلة الصداقة وتبادل الكتابات، هناك القاضي عياض، كما عاصر الإمام الغزالي، ومحمود الزمخشري، والقاضي أبو بكر بن العربي والإمام المازري، وأبو الوليد بن رشد الجد وأبو بكر الطرطوشي.. "وإنما قصدت بإثارة البيئة العلمية التي نشأ فيها ابن العريف تلَمس بعض جوانب الحركة الفكرية التي كانت سائدة في عصره، وكذلك أخذ فكرة عن ثقافتهن ومصادره الفكرية الأولى..
يقول ابن الزيات التادلي في "التشوف" في حق ابن العريف نقلا عن ابن بشكوال صاحب كتاب "الصلة": "كان متناهيا في العلم والدين، منقطعا إلى الخير، وكان العباد وأهل الزهد يألفونه ويقصدونه ويحمدون صحبته". وينقل ابن الزيات عن أبي بكر بن خير صاحب "البرنامج" الشهير قوله: "أخذت عنه واستفدت منه مواعظ ووصايا، وذاكرته في أشياء من طريق الصوفية وأفادني".
يقول الدكتور حسن جلاب في كتابه "بحوث في التصوف المغربي: "ما يمكن استخلاصه من المصادر التي تناولت الموضوع أن أبا العباس أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي قد برز في الحديث واللغة والأدب، وقد امتدت شهرته من ألمرية إلى سرقسطة وبلنسية التي كان محتسبا بها لمدة، وبعد صيته في العبادة والزهد وكثر أتباعه على الطريقة الصوفية فتضايق عمال المنطقة من ذلك، وأبلغوا أمير المسلمين فأمر بإشخاصه إليه".
يقول ابن الزيات التادلي في "التشوف" بصدد نكبة الإمام ابن العريف: "حدثني الشيخ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن خلف السلمي، قال حدثني الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الغزال وهو من أكبر تلامذة ابن العريف أن القاضي ابن أسود كان بألمرية، فوفد على علي بن يوسف بمراكش، فسعى بابن العريف عنده وخوَفه منه غاية التخويف. فكتب علي إلى عامل ألمرية يأمره بإشخاصه إلى مراكش".
ما الذي جعل السلطة المرابطية تتخوف من ابن العريف ومدرسته الصوفية إلى حد أن انتهى به الأمر مقتولا؟ معلوم أن مدينة ألمرية الأندلسية شهدت ازدهار حركة صوفية تزعمها ابن العريف، وشهدت قبله انتشار تعاليم الصوفي الشهير ابن مسرة، وقد أصبحت نقطة جذب بالنسبة للمدن الأندلسية الأخرى، حيث نجد عرى التواصل تتوثق بين ابن العريف من ألمرية وابن برجان من أشبيلية وأبا بكر الميورقي من غرناطة في إطار مدرسة صوفية تقول بالتجلي ووحدة الشهود، وهذان الأخيران كانا قد رافقا ابن العريف في "رحلة" نفيه إلى مراكش، بل إن ابن برجان نفسه سيلقى حتفه على يد المرابطين.
يقول الدكتور حسن جلاب في كتابه "بحوث في التصوف المغربي": "ولا يمكن أن يكون هذا وحده كافيا لإدانتهم، إذ وجدت داخل المغرب رباطات تضم جماعات اشتهرت بالزهد والعبادة كرباط الأغماتيين ورباط الأمغاريين وصوفية رباطات شاكر، ونفيس وكوز دون أن يتم استدعاؤهم أو منعهم من ممارسة شعائرهم.
ويخلص الدكتور حسن جلاب إلى أن "قرائن أخرى تجعلنا نقرب بين موقف السلطة المرابطية في عهد علي بن يوسف من ابن العريف، وموقفها المعروف من الإمام الغزالي وكتبه وهي: انطلاقات الصيحة الأولى والوحيدة للاحتجاج الجماعي ضد تحريم وإحراق كتب الغزالي من مدينة ألمرية التي ينتمي إليها ابن العريف، واعتباره من أول المفسرين لتصوف الغزالي بالمغرب، وكذلك وصف أصحابه بأتباع "الطريقة الغزالية". أما ابن برجان رفيق ابن العريف في المحنة فقد اشتهر بغزالي المغرب. وكما حدث في قضية إحراق كتاب "الإحياء" للغزالي، وتزعم القاضي ابن حمدين حملة متابعة "الغزاليين" نجد قاضيا آخر اسمه ابن الأسود يتزعم حركة التنكيل بابن العريف وأصحابه في وقت دخل الصراع المرابطي/الموحدي مراحله الحاسمة، لا سيما وأن ابن تومرت مؤسس الحركة الموحدية أصر هو الآخر على الانتماء للغزالي.
ولعل بيت القصيد هنا هو فحوى "الرسالة" التي حاول الإمام الغزالي تمريرها من خلال كتاب "الإحياء" بصدد مفهوم الفقه والشريعة وعلوم الدين، والتي جعلت فقهاء المرابطين في "مأزق حقيقي". لاشك أن إحراق كتاب الإحياء والتنكيل بابن العريف وأصحابه، تعتبر تجليات لهذا المأزق وتدل على الارتباك الكبير الذي اكتنف سلوكات بعض الفقهاء الذين كانوا في خدمة البلاط المرابطي خصوصا الأندلسيين منهم. والإشكالية المركزية التي أثارها الغزالي في كتاب العلم من "الإحياء" هي ضرورة تجاوز علم الظاهر إلى علم الباطن، الذي هو حسب الإمام الغزالي علم "طريق الآخرة" مقابل علم "طريق الدنيا"، ويرى الغزالي أن الفقهاء أهملوا علم الباطن، وأخذوا يتهاترون على علم الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات. وسماهم نقلة الأخبار وحملة الأسفار.. وهذا الأمر قد تطرق إليه الدكتور محمد القبلي في كتابه "مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط" وفيه يقول: "وأول ما يلاحظ أن الغزالي قد ميز بين المعنى الأصلي النبيل والمعنى المبتذل المتدني للفظ الفقه، فوضع الكلمة ضمن ما بدل من ألفاظ العلوم، وإذ يمثل للنموذج الأسمى لمعنى "الفقه" بالإمام مالك وسلوكه المترفع عن المغريات بجميع أصنافها، نجده يقرر أن عامة المنتسبين لهذا العلم قد تصرفوا بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، بينما كان الفقه في العصر الأول مطلقا على طريق علم الآخرة، ومعرفة دقائق النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا".
وجدير بالملاحظة أن كتاب "محاسن المجالس" للإمام ابن العريف، يطرح قضية علم الباطن "بنفس غزالي"، فصاحبنا ابن العريف ينتقد الفقهاء الذين انكبوا على "علم الفتاوى" وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات منهم". وهو يعتبر الوصول إلى "مقام العارف" يتم عبر تجاوز أعمال الظاهر والتحول من مألوف العادات والرغبات والشهوات لارتقاء درجات المقامات بحثا عن عين الحقيقة وبلوغ مقام الفناء. ولاشك أن فكرا مثل فكر ابن العريف ينطلق من "الكلام" وصولا إلى "السلوك" من شأنه "إزعاج" الفقهاء الذين اكتفوا بالفتاوى وفقه الفروع واعتبروا كل تفكير "فلسفي" أو اتجاه "كلامي" بعيدا عن الشريعة وحقيقة الدين.
لكن هل أفلح فقهاء الدولة المرابطية عندما استقدموا ابن العريف من مراكش سنة 536 للهجرة، ومقتله في وقف التيار الصوفي "الغزالي" بالمغرب؟ لقد سارت الأمور في اتجاه تدعيم "الاتجاه الصوفي" بالمغرب بدأ بانتصار الموحدين على المرابطين بقيادة ابن تومرت الذي بنى "عقيدة الموحدين" على كثير من آراء الغزالي.
ويمكن القول أنه على الرغم من "الطابع الإيديولوجي" الذي ميز الدعوة الموحدية في بداياتها والانتقادات التي وجهت إليها في موقفها من المرابطين ووصفهم ب"المجسمة"، والصراعات الدموية والتصفيات السياسية التي رافقت "الحركة التومرتية"؛ فإن عصر الموحدين سيعرف انبثاق "حركة صوفية" عمت كامل الغرب الإسلامي، وانحسر بذلك صراع "الفقهاء" و"المتصوفة" إلى حدوده الدنيا، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى بحث مستقل.
ولا يخفى أن آراء الإمام ابن العريف الصوفية كانت راسخة في ألمرية خصوصا وفي الأندلس بصفة عامة، وسيقوم بنشرها تلامذته الذين من أشهرهم أبو بكر بن خير صاحب البرنامج المشهور "برنامج بن خير"، وهو الذي نقل عنه صاحب "التشوف" أخبارا عن صاحبنا ابن العريف. ومن تلاميذ ابن العريف الصوفي الشهير أبو الحسن علي بن خلف بن غالب دفين القصر الكبير والمعروف باسم "سيدي علي بو غالب". ويشير الدكتور حسن جلاب في كتابه "بحوث في التصوف المغربي" أن زعامة مدرسة ألمرية الصوفية انتهت إلى أبي عبد الله الغزال على عهد الموحدين، وهو تلميذ ابن العريف، والغزال هو شيخ محي الدين بن عربي". وبإدراك أبعاد هذه "السلسلة الصوفية" نفهم الديناميكية الفكرية و"الكلامية" التي ميزت فترة الانتقال من عصر المرابطين إلى عصر الموحدين، وما نتج عن ذلك من حركة صوفية تجذرت في السلوك والمجتمع.
توفي ابن العريف مقتولا بمراكش سنة 536 للهجرة، وقبره معروف إلى اليوم بسوق العطارين، ويعرف عند العامة بسيدي بلعريف. وسواء قتل بإيعاز من البلاط المرابطي أو بتدبير شخصي من القاضي ابن الأسود كما يذهب إلى ذلك صاحب "التشوف"؛ فإن نهايته "المأساوية" تنبأ عن المخاض العسير الذي مر منه الصوفية قبل أن يصبح التصوف معطى فكري وثقافي، ذا أهمية بالغة في الاجتماع البشري ببلاد المغرب.(جمال بامي ، ابن العريف الصنهاجي ، نشر في ميثاق الرابطة يوم 23/04/2010 )
ابن العريف :وما دمنا بصدد الحديث عن ابن العريف المتصوف العارف بالله ، الفقير إليه، والمتشوق والمتلهف إليه ، وبعدما قدمنا مجملا عن حياته ومواقفه من السلطة ومن النظام ومن مجموعة من القضايا وعلى رأسها قضية إحراق كتاب الإحياء للإمام الغزالي ، نرى أنه من اللازم الإشارة إلى بعض أشعاره في العشق الإلهي والترفع عن متع الدنيا وشهواتها والتحليق بروحه في راحة تامة إلى الخالق . وقد جاءت هذه القصيدة مسجورة بالعديد من المصطلحات الصوفية التي تحتوي أكثر من رمزية ، إذ من الصعوبة بمكان على المتلقي العادي فهم مقاصدها ودلالاتها وإليكم هذه النفحات الصوفية :
شربت بكـأس الحب من جوهر الحــب رحيقـا بكـف العقـل، في روضـة الحبِّ
وخامر ماء الروح فاهتزت القــوى قوى النفس شوقا، وارتياحا إلى الربِّ
ونادى حنينا، بالأنيـن حنينهـــا إلهـي إلهـي مــن لعبــدك بالقُــربِ
فخــاطبـه وحيـا إليـه مليكـــه سأكشف يا عبدي لعينيــك عـن حجبــي
فأعلـن بالتسبيح: مثلك لم أجــد تعاليـت عن كفـؤ يكافيـك، أو صحــبِ
أجول ببعضي فــوق بعـضي كأننــي ببعضـي، لبعضـي كالنجائـب والركــبِ
..............
فخذ بزمام الشــوق مني تعطفـــا إليــك، ولا تسلـم زمامــي إلى لبـّي
لعلــيَّ أسقــى، ثم أسقاه دائمـا رحيقا بكـف العقــل من جوهـر الحـبِّ
(شوقي ضيف، تاريخ الادب العربي ،دار المعارف،الطبعة 26 المجلد 8 ص 356)
من المؤكد ان الشعر الصوفي يختلف تماما عن الشعر العمودي والشعر بكل اصنافه وانماطه، صحيح أن هناك تشابها على مستوى البنية الهندسية للقصيدة العمودية لكن هناك بون شاسع على المستوى الرمزي الذي يستشكل بدرجة عالية على عامة الناس وبالأخص الذين يجهلون الكتابة الشعرية الصوفية ،مداخلها، اصطلاحاتها، صورها وايحاءاتها .
وأود أن أختم هذه الورقة ببعض النسمات من شعر صاحبنا ابن العريف، وهو شعر عميق ورقيق ودقيق حيث يقول:
إن لم أمت شوقا إليك فإنني سأموت شوقا أو أموت مشوقا
ألبستني ثوب الضنا فعشقته من ذا رأى قلبي ضنى معشوقا
لا قر قلبي في مقر جوانحي إن لم يطر قلبي إليك خفوقا
وبرئت من عيني إذا هي لم تدع للدمع في مجرى الدموع طريقا
بحلاوة الإخلاص جدلى بالرضا إني رأيتك بالعباد رفيقا (ANAS AH مختارات من أجمل قصائد الحب ، الجزء الاول ،24/11/2010)
والان سأنتقل الى تحديد بعض المصطلحات الصوفية التي وردت في شعر شاعرنا ابن العريف مبرزين معانيها ومضامينها وتأويلاتها حسب ترتيبها في الأبيات الشعرية التي قمنا بعرضها والتي جاءت كالآتي:
- –النفس " النفس : ترويح القلب بلطائف الغيوب، وهو للمحب: الأنس بالمحبوب.
– النفس الأمارة : هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية، وتأمر بالذات والشهوات الحسية، وتجذب القلب إلى الجهة السفلية. فهي مأوى الشر ومنبع الأخلاق الذميمة والأفعال السيئة، قال الله تعالى : "إن النفس لأمارة بالسوء ".
- النفس اللوامة : هي التي تنورت بنور القلب تنورا ما، قدر ما تنبهت به عن سنة الغفلة فتيقظت وبدأت بإصلاح حالها مترددة بين جهتي الربوبية والخلقية، فكلما صدرت منها سيئة بحكم جبلتها الظلمانية وسجيتها تداركها نور التنبيه الإلهي فأخذت تلوم نفسها وتتوب عنها مستغفرة راجعة إلى باب الغفار الرحيم ولهذا نوه الله تعالى بذكرها بالإقسام بها في قوله تعالى: " ولا أقسم بالنفس اللوامة ".
- النفس المطمئنة : هي التي تم تنورها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة، وتوجهت إلى جهة القلب بالكلية، مشايعة له في الترقي إلى جناب القدس، متنزهة عن جانب الرجس، مواظبة على الطاعات، مساكنة إلى حضرة رفيع الدرجات، حتى خاطبها ربها بقوله: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" للتجرد "[9].
- الرب هو النفس الرحماني، أعني ظهور الوجود الحقاني في مراتب التعيينات.
- العبد: العبودية في الفكر الصوفي أعلى مراحل الحرية لأنها عبودية الله جل شأنه، وهي الطاعة المطلقة له: ويستمد هذا المعنى من القرآن الكريم في قوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله" وقوله تعالى: نعم العبد إنه أواب "[10].
- الموت" الموت الأبيض : الجوع، لأنه ينور الباطن ويبيض وجه القلب فإذا لم يشبع السالك، بل لا يزال جائعا مات بالموت الأبيض فحينئذ تحي فطنته، لأنه البطنة تميت الفطنة. فمن ماتت بطنته حييت فطنته.
- الموت الأسود : هو احتمال أذى الخلق، لأنه إذا لم يجد في نفسه جرحا من آذاهم ولم تتألم نفسه بل تلتذ به لكونه يراه من محبوبه، كما قيل شعر " [11].
- الرؤية" الرؤيا يقول الجرجاني في التعريفات: "الرؤية" المشاهدة بالبصر حيث كان – أي في الدنيا والآخرة وأما الرؤيا" فهي إشارة إلى ما يرى في المنام. ولقد عبر القرآن الكريم عن الرؤيا بألفاظ متنوعة مثل : " أرى"، "يرى"، "أراني"، "رؤياي".في قوله تعالى جل شأنه:"يابني إني أرى في المنام أني أذبحك" وقوله جل شأنه: " إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك " [12].
- 4-العباد" هو الحضرة الألوهية عبودية : العبودية في الفكر الصوفي أعلى مراحل الحرية لأنها عبودية الله جل شأنه، وهي الطاعة المطلقة له: ويستمد هذا المعنى من القرآن الكريم في قوله تعالى " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله" وقوله تعالى: نعم العبد إنه أواب "[13].
لقد لعب الصوفي في - المغرب كما في غيره من الأقطار العربية - دورا هاما إن على المستوى الثقافي السياسي أو الاجتماعي . " إن المدينة كلما استبحر عمرانها بدأت تضمحل فيها النعرات القبلية وصارت تكون كيانات تربط بينها المصالح المادية في المقام الأول، في إطار كيان عام في مجال موحد، وكانت تحدد علاقاتها مع السلطة تلك المصالح، كما يحددها قرب السلطة، وبعدها، وضعفها وقوتها، على أنه بصفة عامة يمكن سحب ما أورده صاحب" الأنيس المطرب" في حق أهل فاس، على من أشبههم، إذ وصفهم بأنهم أقل الناس " خلافا على الملوك وأكثرهم طاعة لولاتهم وحكامهم. وسلا حينما كانت تحدث الفتن في المغرب كانت تكون آمنة مطمئنة مخففة عنها المغارم [...] وإذا رجعنا إلى الكتب الخاصة بالمتصوفة فإنها تبين لنا بوضوح ذلك أن المدينة صارت ملجأ للمتصوفة على اختلاف قبائلهم وأعراقهم، رغم أن كثيرا من أسلافهم كانوا يكرهون الإقامة في قواعد البلدان. وقد لاحظنا سابقا أن دور الصوفي، في البادية كان نابعا من حاجات المجتمع البدوي كفض النزاع على الماء والأرض والقيام بالاستسقاء أوقات الجفاف والتحكيم بين المتنازعين في القبيلة، والتدخل لدى السلطة لرفع مظلمة ودفع مغرم على فرد أو جماعة " [14].
ويؤكد الدكتور محمد مفتاح أن " وجود القاضي والمحتسب والشرطي في المدينة لم يمنع الصوفي من أن يقوم بدوره أحيانا كثيرة، فكان يتدخل ليأخذ للمظلوم حقه من غريمه ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حيث كان يتمم ما تقوم به الدولة.
إذن فدور الصوفية، وبخاصة من كان منهم متفتحا على السلطة، كان كبيرا في المدينة، ومتكيفا معها. وهكذا فتوارد الناس على المدينة من جهات شتى، وقد يكون بعضهم بدون سند مادي ولا عائلي جعل بعض الصوفية في خدمة الغريب والمريض كما أن بعضهم كان يسعى إلى تفريق الصدقة على الفقراء وإطعام الطعام، وتزويج العزب " [15].
وهكذا أصبحت أدوار الصوفي متعددة : " إذ يعمل على التوحيد بين أفراد القبيلة بفض النزاعات المختلفة وحقن الدماء في حالة حدوث الفتن كان يعمل على التعبئة ضد العدو المشترك، ويحتج ضد السلطة المركزية في حالة جورها"[16].
هذا عن علاقة المتصوف بمجتمعه، أما عن علاقة المريد بوليه، فإذا أدخلنا في الاعتبار مطامح المريد، وإقباله على شيخه وإخلاصه له والثقة فيه، في نفس الوقت الذي يسعى فيه إلى نيل رضاه وبركته، تأكد لدينا أن العقدة التي تقوم إذن على إرضاء الطرفين، خاصة إشباع متطلبات الولاية، طقوسا ومحبة وثقة وإتباعا لصالح الولي، وإشباع حاجة المريد إلى القدسي.
وهكذا نجد فريقا يقول بضرورة وجود شيخ لأن :
– السالك بدون شيخ مفازة عظيمة مخوفة بوصف وصاف له.
أكثر أهل الزيغ كان ضلالهم من أتباعهم الكتب دون شيخ بصير بالطريق.
القوم إما اعتمدوا على الشيوخ وتركوا الكتب.
عدم انحصار الحاجة في هذه الطريقة إلى كيفية السلوك فقط، بل هناك أمران، وهما كيفية السلوك أولا ثم ما يعوض أثناءه من العلل والأحوال والواردات والمواجد وتنوعها واختلاف ما ينبي عليها إلى غير نهاية، فإن كفى الوصف في كيفية السلوك فلا يكفي في هذه بل لا بد من الشيخ البصير بها جملة ومفصلة.
الشيخ غير معدوم حتى يرث الله الأرض ومن عليها " [18]
والسلوك بدون شيخ راجع إلى أسباب من بينها :
- السلوك بدون شيخ إما أن يكون ممتنعا لذاته أو لأمر خارج امتناعه لذاته غير صحيح، وإن امتنع لخارج فهو: إما العادة وإما الشرع، فأما العادة فغير مانعة لأن كثيرا من الناس سلكوا بدون شيخ ولكن سمع من كتاب... وإما الشرع فأين يوجد دليل شرعي على إيجاب السلوك بشيخ وامتناعه دونه، بل فيه ما يدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا "
خاتمة:
وعموما فقد سجلنا حضور التصوف في العصر المرابطي عبر مجموعة من الشعراء الذين أوردنا اسماءهم وكان حضورهم قويا لا يقل عن سالفيهم وبصم بصمته في الفكر والشعر الصوفيين رغم انقسامهم بين مؤيد ومعارض للسلطة. ومهما يكن ورغم ما يمكن ان يلاحظ الشعراء الصوفيين في هذه الحقبة فيحسب لهم الجانب الفني والذوق الرفيع الذي طبع قريضهم حيث سما بهم الى الأعالي في الحضرة الالهية ونأى بهم عن المذلات الدنيوية.
المراجع والهوامش:
[1]) سميح عاطف الزين – الصوفية في نظر الإسلام دراسة وتحليل - ص 19- 20.
[2] ) المرجع نفسه ـ ص 9.
[3]) الميلودي شغموم – المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي – الحكاية والبركة منشورات المجلس البلدي مكناس ص 79.
[4]) أحمد الموسلي – موقع الصوفية في الفكر الإسلامي- البحرين الثقافية ، العدد 16 – أبريل 1998، ص 34.
[5]) منصف عبد الحق – الكتابة والتجربة الصوفية (نموذج محيي الدين عربي) منشورات عكاظ- الطبعة الأولى – 1988- ص335.
[6] ) الميلودي شغموم – المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي – الحكاية والبركة ص 21 – 22 .
[7] ) عبد الحميد الجوهري – التصوف مشكاة الحيران – ص 11.
[8] ) القرآن الكريم سورة القلم الآيات 3 ـ 4.
[9]) عبد الرزاق الكاشاني _ اصطلاحات الصوفية – ص 110-111.
[10] ) المرجع نفسه، ص 53.
[11]) عبد الرزاق الكاشاني _ اصطلاحات الصوفية ص 106-107
[12] ) المرجع نفسه ص 35
[13] ) عبد الرزاق الكاشاني _ اصطلاحات الصوفية ص 53.
[14]) محمد مفتاح- الخطاب الصوفي مقاربة وظيفية- توزيع مكتبة الرشاد- الطبعة الأولى 1997- ص 89-90.
[15] ) -. المرجع نفسه- ص 91
[16] ) المرجع نفسه ، ص 95.
[17] ) عبد المجيد الصغير ، الخطاب الصوفي في الرواية المغربية، ص 141.
[18] ) محمد مفتاح – الخطاب الصوفي مقاربة وظيفية- ص 120.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_c1ee42_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_561dcd_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)