إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية من خلال الوثائق الرسمية
Integrating modern technologies
into educational curricula
د.عزيز عشعاش * Dr:ACHACH Aziz
دراسة محكمة
*مؤطر تربوي وباحث في اللغة العربية وعلوم التربية
ملخص البحث:
يتمحور هذا المقال حول المنهاج التعليمي وسبل إدماج التكنولوجيات الحديثة، وما يثيره هذا الموضوع من قضايا مركبة تفرض تدخل عدة فاعلين في قطاع التربية والتكوين. فالتكنولوجيات الحديثة في التعليم ليست مجرد وسائط بيداغوجية بل نمط جديد للتدريس والتحصيل.
انطلاقا من الواقع التربوي الذي لا يرتقي بالممارسة الصفية من استعمال التكنولوجيات الحديثة إلى الإدماج، وفي ضوء أدبيات ومرجعيات بناء وتطوير المناهج التعليمية، واستنادا إلى تجربتنا التربوية كمشرف تربوي للتعليم الثانوي، نرى أن التأسيس لمرحلة إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية أضحى ضرورة تمليها علينا التغيرات التي يعرفها مجتمعنا بفعل الثورة الرقمية، هذه الأخيرة التي لم تدَع ركنا إلا واحتلته من خلال تمظهرات متنوعة. فالتغيير للانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة رهين بتحديث النموذج المدرسي الحالي، والذي بدوره يتطلب تحديث نموذج المنهاج التعليمي وتطويره. وهذا يستدعي مقاربة هذا الموضوع من خلال العناصر المنهجية الآتية:
الكلمات المفاتيح: إدماج – التكنولوجيات الحديثة – المناهج التعليمية
Abstract :
This article falls within the context of the interest in the subject of the curriculum and ways to integrate modern technologies, and the complex issues it raises that require the intervention of several actors in the education and training sector. The curriculum is the product of an educational policy related to the values and goals of the educational system of a society, its civilizational project, and the characteristics of the future human being. It is the basis of any change, as it is the clear written document that defines the scope and organization of the proposed educational programs. The integration of modern technologies in education cannot be considered a separate part of the curriculum, as it is the comprehensive plan that defines the vision and form.
Keyword: Integration - Modern technologies - Educational curricula
تمهيد:
يقترن التفكير في تطوير المناهج التعليمية بمناقشة المشروع المجتمعي واستقراء حاجاته الآنية والمستقبلية من مختلف الزوايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في استحضار لأبعاده المحلية والجهوية والوطنية والكونية، بما يحدد للنظام التربوي مرجعيته الفلسفية والسياسية والعلمية، وللفئات المستهدفة حاجاتها التعليمية. وعليه، فالمناهج التعليمية ليست مجرد تشكيلة من المواد والمسالك والتخصصات الدراسية، بل هي مكون أساسي لاستراتيجية تربوية، ترتبط في جانبها المنهجي بعمليات التربية والتكوين والتعليم والتقويم، وفي جانبها الهيكلي والقيمي بالإصلاح المتواصل للنظام التربوي وتحديثه وفق المشروع المجتمعي.
وإذا كانت جملة التحولات التي تعرفها المنظومة التربوية المغربية تسعى نظريا إلى تطوير المنهاج التربوي، بدءا بإنجاز جملة من التقييمات الوطنية والدولية للمنهاج التربوي الذي تم إرساؤه عقب الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتجربة اللجنة الدائمة للبرامج، إلى صدور وثيقة الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030) من المجلس الأعلى للتربية والتكوين بعد دستور 2011 واختياراته السياسية والاجتماعية، فإن "إعداد المنهاج التعليمي وتطبيقه وتجسيده مشروعا مجتمعيا للتربية على أرض الواقع، يبقى رهين السياقات والإمكانات والموارد البشرية المتوفرة" (هيأة التحرير، مجلة دراسات بيداغوجية: ص 8).
وبما ن المدرسة المغربية اليوم لا تزال تعاني من اختلالات وصعوبات مزمنة ترتبط عموما بضعف تماسك وانسجام مكونات المنظومة، وبمستوى نجاعتها ومردوديتها الداخلية والخارجية، وملاءمة مناهجها وتكويناتها مع متطلبات المحيط، وذات صلة أيضا بالنقص الشديد في إدماج بنيات مجتمع المعرفة وتكنولوجياته المتجددة، وبمحدودية مواكبتها لمستجدات البحث العلمي وعالم الاقتصاد ومجالات التنمية البشرية والبيئية والثقافية.
ومساهمة منا في النقاش والبحث الدائرين اليوم في بلدنا حول إصلاح منظومة التربية والتكوين، ارتأيت معالجة موضوع: المنهاج التعليمي وسبل إدماج التكنولوجيات الحديثة، رغم ما يثيره هذا الموضوع من قضايا مركبة تفرض تدخل عدة فاعلين في قطاع التربية والتكوين. لاسيما وأن المنهاج التربوي يعدّ منتوجَ سياسة تربوية ترتبط بالقيم والغايات من النظام التربوي لمجتمع ما، وبمشروعه الحضاري، وبمواصفات إنسان المستقبل. فهو "أساس أي تغيير، بصفته الوثيقة المكتوبة الواضحة المحدّدة لمجال البرامج التربوية المقترحة وتنظيمها. كما أنه لا يمكن اعتبار إدماج التكنولوجيات الحديثة في التعليم جزءا منفصلا عن المنهاج، بصفته الخطة الشاملة المحددة للرؤية والشكل" (عزيز جناني، المنهاج التعليمي والرقمنة: ص 107).
كما أن إدماج هذه التكنولوجيا في تدريس مختلف المواد وخاصة مادة اللغة العربية يعد عاملا أساسيا لتحسين جودة تعلمها، وعنصرا هاما لتفعيل مقاربات تربوية جديدة تتماشى ومستجدات المجال التربوي في تدريس اللغات. إذ أصبحت الموارد التربوية الرقمية من الدعامات الديداكتيكية الهامة التي يمكن توظيفها بشكل أمثل في سيرورة العملية التعليمية التعلمية، حيث تضفي عليها أنماطا جديدة من الحركة والتفاعل (المذكرة الوزارية رقم 66 بتاريخ 28 أبريل 2011، في شأن استعمال الموارد الرقمية في التعلمات). وتمكن أساسا من:
- تعزيز الإدراك الحسي للمتعلم، خاصة للموارد اللغوية المجردة؛
- سهولة تعلم المهارات المقصودة (بتركيز الانتباه أو بتقليد النماذج)؛
- العمل على تكوين قيم إيجابية (كالتعاون بين المتعلمين) واتجاهات سليمة (كالصدق)؛
- مراعاة الفوارق الفردية بين المتعلمين بتنويع وسائط التعليم من قبل المدرس؛
- دعم عمل المدرس أثناء العملية التعليمية داخل القسم (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تدريس مادة اللغة العربية بالتعليم الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي: ص 3).
وفي حقيقة الأمر، فالتكنولوجيات الحديثة في التعليم ليست مجرد وسائط بيداغوجية فحسب، بقدر ما هي نمط جديد للتدريس والتحصيل، والاستمرار في التعامل معها على أنها وسائل تعليمية لن يخدم الممارسات الصفية التقليدية ليرتقي بها لمستوى الإدماج، بل سيجعل كل الجهود المبذولة من أجل التجديد، مجرد محاولات استبدال وسائل بأخرى في إطار ممارسة تقليدية جافة وبعيدة كل البعد عن الغاية المنشودة. فالارتقاء من الاستعمال إلى الإدماج، يستدعي منا وضع فلسفة واضحة المعالم، دون إغفال الجانب التطبيقي المرتبط بالممارسة الصفية بشكل مباشر، ولم لا العمل على إعداد منهاج رقمي متطور مكمل وداعم للمنهاج الدراسي في إطار منهاج تعليمي وحيد متكامل.
انطلاقا من هذا الواقع التربوي، وفي ضوء أدبيات ومرجعيات بناء وتطوير المناهج التعليمية، واستنادا إلى تجربتنا التربوية كمشرف تربوي للتعليم الثانوي، نرى أن التأسيس لمرحلة إدماج التكنولوجيات الحديثة في المناهج التعليمية أضحى ضرورة تمليها علينا التغيرات التي يعرفها مجتمعنا بفعل الثورة الرقمية، هذه الأخيرة التي لم تدَع ركنا إلا واحتلته من خلال تمظهرات متنوعة. فالتغيير للانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة رهين بتحديث النموذج المدرسي الحالي، والذي بدوره يتطلب تحديث نموذج المنهاج التعليمي وتطويره.
المحور الأول: مفهوم المنهاج التعليمي
- المستوى اللغوي للمفهوم:
جاء في لسان العرب لابن منظور "نَهَجَ الأمر وأنْهَجَ بمعنى وَضحَ، والمَنْهَجُ الطريق البيِّن والواضح. والنَّهْجُ أو المنهاج هو الطريق الواضح" ("لسان العرب" لابن منظور، مادة "نهج").
وقد جاء في القرآن الكريم في موضع لا غير "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (سورة المائدة الآية 45) والشرعة هي الشريعة، أما المِنهاجُ فمُؤَداه في الأصل الطريق البيّن الواضح، وهو يعني في الاستعمال أيّ شيء بَيِّناَ واضحاً (أحمد علبي، المنهجية في البحث الأدبي: ص 19).
وفي معجم علوم التربية "المنهاج لغة لفظة أصلها إغريقي تعني سباق الخيل "course"، والطريقة التي يسلكها الفرد "نهج" وقد وظف اليونان المنهج في التربية مرتبطا بالفنون السبعة: النحو، البلاغة، المنطق، الحساب، الهندسة، الفلك والموسيقى" (عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجية والديداكتيك: ص 58).
ويحدد القاموس الفرنسي Le petit robert المعنى المعجمي لكلمة Curriculum المقابلة لكلمة المنهاج في أنه "مجموع المعلومات المدنية والثقافية المتعلقة بشخص معين كالشهادات التي حصل عليها، والسنوات التي قضاها في الدراسة ونوع هذه الدراسة" (خالد المير وإدريس القاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك: ص 96).
وقد عرف المنهاج من زوايا مختلفة "فعرف على أنه مجموع المواد الدراسية، وعرف على أنه الخبرات التعليمية للتلاميذ التي يتم تخطيطها والإشراف على تنفيذها من جانب المدرسة وعرف المنهاج كذلك على أنه خطة" (عبد الكريم غريب وآخرون، معجم علوم التربوية، ص 58).
يتبين من خلال هذه التعاريف أن كلمة منهاج تعني الطريق الواضح الذي نسلكه، لبلوغ الحقيقة التي نتطلع إلى الوصول إليها. وقد ارتبط استعمالها بالميدان التربوي ارتباطا كبيرا، منذ أن وظفها اليونان فأصبحت توازي مجموع المواد الدراسية بكل ما تحتاجه من تخطيط وتنظيم وبناء منطقي بشكل يمكن من بلوغ الأهداف المتوخاة. ومن ثم فهي مرشد ودليل وليست غاية في حد ذاتها.
يعرف المنهاج اصطلاحا عادة بأنه "خطة عامة تنظّم عملية التدريس، وهو يشمل بالدراسة المدخلات والمخرجات وما بينهما من عمليات تربية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها" (خالد المير وإدريس القاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك: ص 96).
وقد تعددت التعاريف التي خصت مصطلح المنهاج، ذلك أن كل باحث نظر إليه من زاوية اهتماماته ودراسته، فنجد مثلا:
*عند دهينوD’Hainaut " إنه تخطيط للعمل البيداغوجي أكثر اتساعا من المقرر التعليمي. فهو لا يتضمن فقط مقررات المواد، بل أيضا غايات وأنشطة التعليم والتعلم، وكذلك الكيفية التي سيتم بها تقويم التعليم والتعلم" (عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجية والديداكتيك: ص 58).
* وعند دولاندشير Delandsheer "المنهاج مجموعة من الأنشطة المخططة من أجل تكوين المتعلم، إنه يتضمن الأهداف وكذا تقويمها، والأدوات والاستعدادات المتعلقة بالتكوين الملائم للمدرسين"(عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، المرجع نفسه: ص 58).
وعند ديكورت Decorte "إنه يتعلق بكل المكونات التي تتضمنها السيرورة الديداكتيكية من (أهداف، ومحتويات، وأنشطة، وتقويم...)" (عبد الكريم غريب وعبد العزيز الغرضاف وآخرون، المرجع نفسه: ص 58)
ويعرف كذلك على أنه "جُملة ما تقدمه المدرسة من معارف ومهارات واتجاهات لمساعدة المتعلم، على النمو المتوازن والسليم في جميع جوانب شخصيته" (تطوير مناهج التعليم، محمد الدريج: ص 11).
وقد ميزه محمد أوزي عن المنهج والمناهج البيداغوجية والمنهج الدراسي، مشير إلى أن هذا الأخير يشمل كل بنيات العملية التعليمية (الطرق البيداغوجية، الأهداف، التقييم، المواد التعليمية، الكتب إعداد المدرسين، الأدوات الديداكتيكية...إلخ) (خالد المير وإدريس القاسمي، العملية التعليمية والديداكتيك: ص 98).
نستنتج إذن من خلال هذه التعاريف أن المنهاج التعليمي، يتحدد في خلال الجوانب التالية:
1- تخطيط الأهداف والمحتويات والأنشطة ووسائل تقويم العملية التعليمية والتعلمية.
2- مفهوم شامل لا يقتصر على محتوى المادة الدراسية بل ينطلق من أهداف لتحديد الطرق والأنشطة والوسائل.
3- بناء منطقي لعنصر المحتوى، على شكل وحدات بحيث أن التحكم في وحدة يتطلب التحكم في وحدات سابقة.
4- تنظيم لجملة من العناصر والمكونات بشكل يمكن من بلوغ الغايات والمرامي المتوخاة.
في إطار هذه الاختيارات والتوجهات، ثم التمييز بين البرنامج الدراسي والمنهاج التعليمي، فقد كانت البرامج الدراسية الرسمية – المقرر الدراسي – إلى عهد قريب، تختزل في لوائح المواد والمواضيع المتراكمة التي يتم تدريسها في مختلف المستويات، والتي قد تكون متنافرة ومتناقضة ومتباعدة من حيث المحتويات، وهي تفصيل للدروس بحسب جداول واستعمالات زمن سنوية أو غيرها، تحدد التوزيع الأسبوعي لتلك المواد وتخضع في غالب الأحيان لمنطق المواد والتجزيء، مما قد يجعل المعرفة المدرسية لا تتصف بالمعنى وتكون معزولة عن محيطها (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات: ص: 3).
فعمل الرواد الأوائل في تخطيط البرامج، وحتى يثبتوا تميزهم عن هذا التقليد الذي يولي أهمية كبرى لمحتويات التدريس، على التركيز على التلميذ بدل المادة الدراسية ومحتوياتها، فنحتوا مصطلح المنهاج (Curriculum)، والذي يعرفونه بشكل عام، بكونه، "مجموع تجارب الحياة الضرورية لنمو التلميذ". وبكونه أيضا: " جملة ما تقدمه المدرسة من معارف ومهارات واتجاهات... لمساعدة المتعلم، على النمو المتوازن والسليم في جميع جوانب شخصيته" (محمد الدريج، تطوير مناهج التعليم: ص 11).
وهكذا، يظهر إذن أن المنهاج تصور متكامل ينطلق من المدخلات وصولا إلى المخرجات، وما ينبغي أن يكون عليه المتعلم في نهاية مستوى دراسي أو سلك دراسي أو تخصص دراسي، شريطة أن يتم ذلك بمراعاة لاحتياجات المتعلم لخصوصياته وبتوافق تام مع إعداده للمشاركة المسؤولة في الحياة داخل المجتمع.
الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل وبحماسة عن الإشكال الكبير الذي يتبادر إلى الذهن في هذا المقام. لمن يعود أمر اتخاذ القرار في ضبط تلك الاحتياجات وتحديد الأسبقيات؟ وكيف يتخذ القرار وما هي آليات التنفيذ؟
يبدو بشكل واضح أن بناء المنهاج، من خلال هذا الإشكال ليس مجرد مسألة تقنية ولا يطرح قضايا إجرائية فحسب، بل يطرح كذلك وفي المقام الأول، قضايا فلسفية وسياسية واجتماعية وثقافية.
يحتل منهاج اللغة العربية ضمن مناهج التعليم الابتدائي مكانة متميزة يستمدها من الكفايات التربوية التي يروم تحقيقها، والتي تتركز جميعها في جعل المتعلم قادرا على التعبير السليم باللغة العربية. الشيء الذي يستدعي من الأستاذ والمخطط استحضار ما يلي:
- أن يتدرج تحقيق هذه الكفاية من المستوى الأول إلى نهاية المستوى السادسة ابتدائي حيث ينبغي أن تتحقق لدى المتعلم القدرة على التعبير الشفهي والكتابي والقراءة باللغة العربية؛
- يبتدئ اكتساب اللغة، في السياق الطبيعي، من الاستعمال الشفهي أولا، وهذا يقتضي إيلاء الأهمية اللازمة للتعبير الشفهي، سواء في دروس اللغة المباشر، من خلال حصص اللغة المباشرة، من خلال حصص اللغة العربية، أو من خلال استعمال اللغة العربية الفصحى في باقي المكونات والوحدات الدراسية؛
- يتأسس تعلم اللغة انطلاقا من سياق مادي واجتماعي (محيط) له دلالة ومعنى في أذهان المتعلمات والمتعلمين وانطلاقا من خبراتهم السابقة؛
- القواعد اللغوية ليست هدفا في ذاتها في مرحلة الابتدائي، بل تعتبر أساسا لدعم وتيسير استعمال اللغة المكتسبة. إن القواعد تكتسب بشكل ضمني، ولا يتم الانتقال إلى التصريح بها إلا بعد أن يتحكم المتعلم(ة)، نسبيا، في استعمالها وتوظيفها بشكل ضمني، وإلا فإن دروس القواعد تصبح مضيعة للجهد والوقت وأداة لتنفير المتعلمين من الدراسة؛
- إن تعلم اللغة، على غرار باقي التعلمات، لا يستثني من ضرورة الانطلاق من وضعية مشكلة تجعل المتعلم، فعلا، يبني ويستعمل المكتسبات اللغوية بدل أن يتلقاها جاهزة عبر التلقين (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي: ص 72).
هكذا يتضح جليا أن منهاج اللغة العربية في المرحلة الابتدائية يعتمد عدد من المبادئ العامة التي تفرضها خصوصيات متعلم هذه المرحلة، وطبيعة المادة، وديداكتيك مكوناتها، والرغبة في تمكين المتعلمين من الكفايات والقدرات اللغوية المناسبة لهذه المرحلة:
منها مبدأ التدرج (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض: ص 22) الذي يتجلى في عدة مستويات بشكل لافت للنظر:
- التدرج في اكتساب اللغة العربية من الاستعمال الشفهي أولا، في المستويين الأول والثاني سواء في دروس اللغة المباشرة أو خلال حصص اللغة العربية، أو من خلال استعمال اللغة العربية الفصحى في باقي المكونات الدراسية، إلى الممارسة القرائية في المستويات الأخرى.
- التدرج في الأنشطة الديداكتيكية من حيث المضمون، من الملموس تبعا لمعطيات محيط المتعلم الذي له معنى في أذهان المتعلمين والمتعلمات، وانطلاقا من خبراتهم السابقة إلى مضامين تتسم بالتجريد عند تناول مفاهيمها وقيمها. ومن حيث تقنيات التنشيط، يجب أن تتنوع عبر المستويات وتناسب طبيعة نموه الحس حركي (اللعب، التشخيص..).
- التدرج الأفقي في المستوى الواحد من مجالات تنطلق من محيط المتعلم إلى عالم الابتكار والأسفار والرحلات.. مرورا بتناول أنواع من القيم تشكل أساسيات في التنشئة (العلاقات، الصحة، البيئة والإنتاج...)
- التدرج في تمرير الظواهر الأسلوبية والتركيبية والصرفية والإملائية. الموظفة ضمنيا في النسق اللغوي التعبيري ضمن مكون واحد. في السنتين الأولى والثانية كفراغ، والمنفصلة المصرح بها وبالقواعد الضابطة لاستعمالها في السنوات الأربع للسلك المتوسط. على أن هذا التصريح نفسه يتدرج من التحسيس والتلمس فالاكتساب إلى الترسيخ والتعميق.
بالإضافة إلى اعتماد مبدأ التخفيف (وزارة التربية الوطنية، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي: ص 76) في عدد من فقرات البرنامج، دون أن يمس ذلك بتحقيق القيم والكفايات المحددة لهذه المرحلة. ناهيك عن مبدأ التكامل (وزارة التربية الوطنية، المرجع نفسه: ص 76) الداخلي بين مكونات مادة اللغة العربية، الذي يتحدد وفق مستويين أساسيين هما: مستوى البناء الهيكلي لحصص مختلف مكونات المادة عبر الأسابيع الثلاثة للوحدة، ومستوى المجال الذي تتمحور حوله مختلف دروس الوحدة.
وتجدر الإشارة في هذا المقام، إلى أنه قد تم الارتكاز في بناء المنهاج على مقاربة تتطور خلالها الكفايات الاستراتيجية والتواصلية والمنهجية والثقافية والتكنولوجية. بما يجعلها تمثل كلا يستجيب لحاجات المتعلم.
ولتحقيق هذه الكفايات. تم تحديد مجالات ومكونات وحدة اللغة العربية، مع الوعاء الزمني المناسب. والتي تتلخص في المرحلة الختامية-المرحلة التي تهمنا في هذا البحث– في المكونات التالية (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض: ص 33):
أ) – القراءة.
ب) – التراكيب.
ج) – الصرف والتحويل.
د) – الإملاء.
ه) – الشكل.
و)– الإنشاء.
فمكون القراءة يعتبر من المكونات الأساسية في الحقل التعليمي. وانسجاما مع الاختيارات البيداغوجية العامة والمقاربة بالكفايات، يتبين أن الكفاية النهائية التي يحققها المنهاج، تتركز في جعل المتعلم قادرا على التعبير بكل دقة ووضوح، شفويا أو كتابيا في وضعية تواصلية دالة معتمدا على نصوص وموظفا لرصيده اللغوي ومكتسباته في التراكيب والصرف والتحويل وأساليب السرد، والوصف، والحوار، والحجاج (وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض: ص 33).
من خلال هذه الكفاية النهائية التي يروم تحقيقها المنهاج، نستشف أنه يربط بين القراءة والكتابة، ويعتبر القراءة سبيلا لتحقيق الكتابة في إطار ثنائية "التلقي" و"الإنتاج". فأنشطة الوحدة كما مر بنا تتأسس على الممارسة القرائية، والمتعلم لا يلج عالم الكتابة إلا عن طريق القراءة وبواسطتها، خاصة وأن المهارات المقترحة في هذا المستوى لا تتم إلا بالانطلاق من النصوص (محمد أولحاج، بيداغوجيا القراءة والتعبير: ص 7).
لذا تشكل عمليات قراءة النصوص مجالا خصبا من مجالات التربية والتعليم، ذلك أن قراءة النصوص، والقدرة على تحليل مضامينه، وعرضها، ومناقشتها، من أبرز محاور العملية التعليمية. فهي تشكل مناسبة ثمينة لتشغيل التلاميذ وجعلهم أكثر فعالية، قادرين على المشاركة في سير الدرس وبنائه.
وبما أن التعلم لا يتأسس من فراغ، فإن ذلك يفضي إلى طرح التساؤلات الآتية:
- ما الوسائل التي ينبغي أن يتوفر عليها المتعلم لكي يوظفها بطريقة فعالة في اكتساب مهارة القراءة؟ وما المعارف والمكتسبات والتقنيات التربوية التي يتطلب التوفر عليها قبل مباشرته لتعلم القراءة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، سنعمد إلى تحديد مفهوم القراءة.
commenter cet article …
/image%2F1217153%2F20250507%2Fob_a23457_whatsapp-image-2025-05-07-at-11-45-11.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241028%2Fob_a62a7f_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20251005%2Fob_188f69_whatsapp-image-2025-10-05-at-18-07-00.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_432705_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241112%2Fob_b297ed_image-1217153-20230310-ob-cefb75.jpeg)
/image%2F1217153%2F20241119%2Fob_515712_464671849-9955246817842858-37270405720.jpg)
/image%2F1217153%2F20241120%2Fob_a46a2c_465019032-962743512335401-385197748554.jpg)